ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
Its commentaries
أي ويزيد في الشهادة الخامسة قوله: {أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي عليها فيما رماها من الزنا،
وفي الاختيارات: ولو لم يقل: فيما رميتها به؛ قياس المذهب صحته،
وقال الوزير: لا أراه يحتاج إليه.
لأنه خلاف المشروع، ولأن لعانه بينة الإثبات، ولعانها بينة الإنكار، فلم يجز تقديمها،
وكذا إن أتى به قبل طلبها لم يصح، إن لم يكن ولد يريد نفيه.
«ثم تقول هي أربع مرات» يعني بعد أن ينتهي الزوج تقول أربع مرات:«أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا».
لكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك،
فلو قالت:«أشهد بالله إنه لمن الكاذبين» فقط لصح على القول الراجح،
أما المذهب فلا بد أن تصرح بأنه كاذب فيما رماها به من الزنا، قالوا: إنما اشترطنا ذلك؛ لئلا تتأول، فتقول: أشهد بالله أنه كاذب يعني في شيء آخر غير هذه المسألة، فلا بد أن تقول: فيما رماني به من الزنا، ولكن يجاب عن ذلك فيقال: إن التأويل في مقام الخصومة لا ينفع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:«يمينك على ما يصدقك به صاحبك»، فلا عبرة بالتأويل، وبناء على ذلك لو اقتصرت على اللفظ الوارد في الآية:«أشهد بالله إنه لمن الكاذبين» لكفى، وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله؛
لأنه ما دام غير موجود في القرآن، فكيف نلزم به، ونقول: إذا لم يكن هكذا وجب إعادة اللعان، أو إذا لم يكن هكذا لم يترتب عليه حكم اللعان؟! لأن ظاهر كلام المؤلف أنه إذا اختل شرط فإن اللعان لا يمكن أن يجرى بينهما، ولا يثبت له حكمه. «ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين» الغضب أشد من اللعن؛ لأن الغضب طرد وزيادة، وإنما ألزمت بما هو أشد؛
لأن زوجها أقرب إلى الصدق منها، ولأنها عالمة بحقيقة الأمر ـ أنها زانية مثلاً ـ فإذا أنكرت ما تعلم استحقت الغضب؛ لأن إنكار الحق مع علمه موجب للغضب؛ ولهذا كان اليهود مغضوباً عليهم؛ لأنهم علموا الحق وجحدوه، فلما كان ذنبها مشبهاً لذنب اليهود صار في حقها الغضب دون اللعن،
أما هو فكان في حقه اللعنة؛ لأن تهمته توجب إبعاد الناس عن هذه المرأة، وتركهم إياها ولعنهم لها، فكان من المناسب أن يكون له اللعن، ففي هذا دليل على الحكمة العظيمة في هذه الشريعة.
وفي هذه الصيغة دعاء معلق بشرط: وإن كان من الكاذبين،
وإن كان من الصادقين، فهل يجوز أن يدعو الإنسان دعاء معلقاً؟ الجواب: نعم، يجوز عند الاشتباه؛ لأن الله ـ تعالى ـ أعلم،
ومن ذلك دعاء الاستخارة؛ لأن المستخير يقول:«اللهم إن كنت تعلم أن هذا خير لي»، وهذا تعليق دعاء، إذاً الدعاء المعلق بشرط جائز في الأمور التي تخفى على الإنسان، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخه ـ شيخ الإسلام ـ أنه رأى النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله إن قوماً يُقَدَّمون إلينا لا ندري أمسلمون هم أم غير مسلمين؟ فهل نصلي عليهم، أو ندع الصلاة عليهم؟
فقال النبي ﷺ : عليك بالشرط، أي: الشرط في الدعاء، يعني قل: اللهم إن كان هذا الرجل مسلماً فاغفر له، والله ـ تعالى ـ يعلم إن كان مسلماً أو غير مسلم.
وهذه الرؤيا هل يعمل بها أم لا؟ من المعلوم أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمرائي، حتى تعرض هذه الرؤيا على نصوص الشرع؛
فإن وافقت قبلت، وتكون الرؤيا تنبيهاً فقط،
وإن لم توافق ردت، وإلا لأمكن كل واحد أن يقول: رأيت الرسول ﷺ البارحة،
وقال: يا بني عظّمني، أقم لي ليلة المولد باحتفال عظيم، وما أكثر مثل هذه المنامات عند الصوفية، أهل الصوفة، وليسوا أهل الصفة، فأهل الصفة أولياء وأتقياء،
وأما هؤلاء فبدع وخرافات، إذاً إذا رأى الإنسان النبي ﷺ في منامه بصورته المعروفة، وأوصاه بشيء فإنه ليس حكماً شرعياً؛ لأن إبلاغ الرسول عليه الصلاة والسلام انتهى بموته.
إذاً لا بد من صيغة اللعان أن تكون على هذه الصيغة التي ذكرها المؤلف،
وأن يبدأ الزوج بها قبل الزوجة،
وأن يختص كل منهما باللفظ المخصص له، الزوج باللعن والزوجة بالغضب.
واللعان وقع في عهد الرسول ﷺ، فهلال بن أمية رضي الله عنه قذف زوجته بشريك بن سحماء رضي الله عنه، وجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام يشكو إليه، فقال له:«البينة أو حد في ظهرك»، فأنزل الله ـ تعالى ـ الآيات في هذا، وأجرى النبي ﷺ بينهما اللعان، ووصف النبي ﷺ الولد الذي حملت به المرأة بأنه إن جاء على وصف كذا فهو لهلال،
وإن جاء على الوصف الفلاني فإنه لشريك، فأتت به على النعت المكروه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :«لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، ووقعت بعد ذلك قصة أخرى مع عويمر العجلاني وزوجته رضي الله عنهما، فأجرى النبي ﷺ بينهما اللعان .
فالحاصل أن هذا الأمر ـ نسأل الله العافية ـ قد يقع في أي عصر من العصور وليس أمراً غريباً، ولكن الشأن كله في أن الزوج هل يجب عليه إذا اتهم زوجته أن يلاعن، أو لا يجب، أو يجب عليه الفراق، أو ماذا يفعل؟
يقول العلماء: إن حملت من هذا الرجل الفاجر وجب عليه أن يلاعن؛ من أجل نفي الولد،
وإن لم تحمل فإنه لا يجب عليه اللعان، وله أن يستر عليها،
ثم إن كان قادراً على حفظها وحمايتها فليبقها عنده، وإلا فليطلقها؛ لئلا يكون ديوثاً يقر أهله بالفاحشة، والظاهر أن الأفضل الستر، خصوصاً إذا ظهر منها التوبة، وكانت ذات أولاد، ويخشى من تفرق العائلة.
فَإِنْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ، أَوْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا شَيْئاً مِنَ الأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ، أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا حَاكِمٌ، أَوْ نَائِبُهُ، أَوْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ بِالسَّخَطِ لَمْ يَصِحَّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.