ولا يقطع إلا بشهادة عدلين
Its commentaries
وقد ذكره بقوله: (ولا يقطع إلا بشهادة عدلين) يصفانها بعد الدعوى من مالك، أو من يقوم مقامه
Adds nothing on this mas’ala.
«وَلَا يُقْطَعُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ» هذا الشرط السادس، وهو ثبوت السرقة،
ولثبوتها طريقان:
أولاً: الشهادة. ثانياً: الإقرار.
وهناك طريق ثالث مختلف فيه، وسيأتي.
الشهادة يقول المؤلف:«بشاهدين عدلين»، والعدل هو من استقام دينه، واستقامت مروءته، فهو ذو دين، وذو مروءة لم يفعل ما يخل بالدين، ولم يفعل ما يخل بالشرف والمروءة، فلا بد في الشهادة من أن يكون الشاهدان اثنين عدلين.
ولا تقبل شهادة النساء في السرقة؛ لأن الحدود لا يقبل فيها إلا الرجال،
فإن شهد رجل وامرأتان فلا تقطع اليد، أو أربعون امرأة لا تقطع اليد، أو رجل واحد لا تقطع اليد، أو رجل فاسق ورجل عدل لا تقطع اليد، أو رجلان فاسقان لا تقطع اليد؛ لأنه لا بد من رجلين عدلين.
أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ، .............. «أَوْ إِقْرارٍ مَرَّتَيْنِ» هذا هو الطريق الثاني لثبوت السرقة،
ويشترط فيه شرطان: التكرار، الاستمرار.
الأول: التكرار: يقول المؤلف: «مرتين»: فلو أقر مرة واحدة،
وقال: إني سرقت فلا قطع؛ لأن السرقة لم تثبت شرعاً.
والدليل على أنه لا بد من التكرار أنه جيء بسارق إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأقر بأنه سرق فقال:«ما إخالك سرقت؟» قال: بلى يا رسول الله، فأمر بقطعه . والقياس: قالوا: لأن هذا حد يتضمن إتلافاً، فكان أحقَّ بالتكرار من الزنا الذي لا يتضمن الإتلاف إلا في المحصن.
ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن قول الرسول ﷺ له:«ما إخالك سرقت» أراد بذلك الاستثبات، والقول يثبت على الإنسان بشهادته على نفسه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ، وقد سبق لنا بيان أن تكرار الإقرار ليس بشرط في باب حد الزنا، فهذا مثله وأولى؛ ولذلك كان اشتراط تكرار الإقرار هنا من مفردات مذهب الإمام أحمد، كما ذكره صاحب الإنصاف.
وقوله:«أو إقرار مرتين» مراده بيان الأقل أي: إقرار لا ينقص عن مرتين،
فإن زاد كان أقوى.
الشرط الثاني: الاستمرار،
وإليه أشار المؤلف بقوله:
«وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتى يُقْطَعَ» ونصبت «ينزع»؛ لأنه عطف على اسم خالص،
قال ابن مالك:
وإن على اسمٍ خالصٍ فعلٌ عطفْ … تنصبه أن ثابتاً أو منحذفْ وشاهده قول الشاعر:
ولبسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني … أحبُّ إلي من لُبس الشفوف والاسم الصريح هو «إقراره» ولا ينزع أي: وعدم نزعه،
ويجوز الرفع على أنها استئنافية.
والمعنى أي: لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، وقاسوا ذلك على الزنا، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يشترط، وأنه إذا أقر الإنسان على نفسه ثبت عليه الحكم بمقتضى إقراره، ولا يقبل رجوعه.
ولو أن رجلاً أقر بأنه سرق،
وقال: إني سرقت من الدكان الفلاني الحاجة الفلانية، التي وصفها كذا، ورقمها كذا، وذكرها تماماً، ووصف كيف سرق،
وقال: جئت من هنا، وفتحت هذا الباب، ووجدنا المسروق عنده كما وصف تماماً، ثم بعد ذلك قال: رجعت عن إقراري.
هل نقول: إن عموم كلامهم حيث قالوا: ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد، يقتضي أن هذا الذي رجع عن إقراره ووجد المال عنده، ووصف هو نفسه السرقة، ولم يقل: سرقت فقط، فهل نقول: إن عموم كلام الأصحاب يقتضي أن يرفع عنه الحد؛ لأنه رجع، أو نقول: إن كلامهم فيما إذا كان ثبوت السرقة مجرد إقرار،
أما مع وجود هذه القرائن التي ذكرها، فهل يصدق أو لا؟ هذا لا يصدق به أحد؛ لأنه من المستحيل أن رجلاً يدعي على نفسه هذه الدعوى، ثم يقول: ما فعلت، نعم، يوجد احتمال أنه لم يسرق،
وأن السارق صديقه، وأن صديقه وصف له السرقة، ووضع المال عنده أمانة، فهذا احتمال عقلي وارد، لكن العادة تمنع هذا منعاً باتاً.
فالصواب إذاً أن الرجوع عن الإقرار غير مقبول مطلقاً، فكيف إذا احتفت به قرائن تدل على كذب الرجوع، وعلى أن السرقة واقعة تماماً.
وعلى هذا نقول: الصحيح أنه لا يشترط لثبوت السرقة تكرار الإقرار، ولا الاستمرار في الإقرار، وأنه إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار، بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً.
وهل هناك طريق ثالث تثبت به السرقة؟
المذهب أنه ليس هناك طريق لثبوت السرقة سوى هذين الطريقين، وزاد بعض أهل العلم طريقاً ثالثاً، وهي أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدَّعِ شبهة تمنع الحد.
مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بأنه سرق ماله، فسألناه: ما هو مالك؟ فقال: مالي هذا الشيء المعين وعيَّنه، وصفته كذا
وكذا، ورقمه كذا وكذا، ولونه كذا
وكذا، وفسّره تفسيراً بيناً واضحاً، فقلنا للمدعى عليه: هذا يقول أنك سرقت، فقال: ما سرقت، وليس له عندي شيء أبداً، ثم وجدنا هذا المسروق حسب وصف المدعي موجوداً عنده.
فهذه قرينة تدل على أنه سارق، فيقام عليه الحد وتقطع يده، وهذا اختيار جماعة كثيرة من أهل العلم، قالوا: إن هذا من جنس ما إذا تقيأ الرجل الخمر فإنه يحد كما مضى.
فإن ادعى السارق أنه أخذ هذا المال عارية، أو بيعاً، أو هبة، فهذه شبهة تمنع إقامة الحد، كما ذكرنا فيمن حملت وليس لها زوج ولا سيد، ثم ادعت أن غيرها أكرهها فإنها لا تحد.
الشرط السابع قوله:
وَأَنْ يُطَالِبَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ، ..................
«وَأَنْ يُطَالِبَ المسْرُوقُ مِنْهُ بِمَالِهِ» فإن لم يطالب فإنه لا يقطع،
ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، والدليل حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه حيث كان نائماً على ردائه في مسجد النبي ﷺ فجاء رجل فسرقه، فرفع صفوان الأمر إلى الرسول ﷺ، فأمر النبي ﷺ بقطعه، فقال صفوان: يا رسول الله، أتقطعه في رداء لا يساوي ثلاثين درهماً؟ إني قد وهبته له، فقال النبي ﷺ :«هلا كان قبل أن تأتيني به».
فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، فهل يصح الاستدلال بهذا الدليل على هذه المسألة؟
إذا قدرنا أن السارق سرق، وثبت عند الحاكم أنه سرق، لكن لم يجئ أحد يقول له: إنه سرق مني، هل يقطع أم لا؟ المذهب أنه لا يقطع؛ لأنه ما جاء أحد يطالب، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع؛ لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقاً خاصاً لهذا الرجل؛ حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا،
بخلاف القصاص، فإذا لم يطالب لا يقطع.
مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم؟
الجواب: تعتبر قرينة وليست بينة قطعية؛ لأنه قد يكون الذي لمس الباب لمسة قبل السرقة أو بعدها، لكن لو قلنا: ليس فيه بصمة سوى هذه، فيمكن أن نقول: حتى لو لم يوجد إلا هذه البصمة فإنه يوجد احتمال أن تكون قبل السرقة أو بعدها،
وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة وما أشبه ذلك. مسألة: إذا رأوا رجلاً هارباً وأمسكوه ومعه المال، فهل يدل هذا على السرقة؟ الجواب: لا.
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ وَحُسِمَتْ،
وَمَنْ سَرَقَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ثَمَراً كَانَ أَوْ كَثَراً أَوْ غَيْرَهُمَا أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَلَا قَطْعَ.
قال:«وَإِذَا وَجَبَ القَطْعُ» أي: ثَبَتَ، ويحتمل أن المعنى إذا وجب شرعاً؛ لأن قطع يد السارق واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ ، وهكذا جميع الحدود يجب إقامتها على كل أحد، على الشريف، والوضيع، والغني، والفقير، فكلمة «وجب» يحتمل أن يراد بها الوجوب الشرعي، أو الوجوب اللغوي، والوجوب اللغوي معناه ثبت، والشرعي بمعنى لزم،
فإذا وجب القطع وذلك بعد تمام الشروط السابقة وهي ستة، بالإضافة إلى الشروط العامة لإقامة الحدود،
قال:
«قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى» لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، وقد فسر هذا الإجمال القراءة الثانية: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ ،
وكذلك السنة فسرت ذلك .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.