ولا يقبل في الترجمة "والتزكية" والجرح والتعريف والرسالة إلا قول عدلين.
Its commentaries
(الجرح والتعريف) عند حاكم (والرسالة) إلى قاض آخر بكتابة ونحوه، (إلا قول عدلين) إن كان ذلك فيما يعتبر فيه شهادة عدلين، وإلا فحكم ذلك حكم الشهادة على ما يأتي تفصيله.
وإن قال المدعي: لي بينة وأريد يمينه،
فإن كانت بالمجلس فليس له إلا إحداهما، وإلا فله ذلك،
وإن سأل ملازمته حتى يقيمها أجيب في المجلس،
فإن لم يحضرها فيه صرفه لأنه لم يثبت له قبله حق حتى يحبس به.
إلى قاض آخر بكتابه ونحوه (إلا قول عدلين) أي ونحوه: كامرأة أرسل إليها لتستحلف،
والمذهب لا يقبل فيها، إلا قول عدلين،
وعنه يقبل قول واحد، وقال الشيخ: يقبل قول عدل واحد، ويقبل التعديل والجرح باستفاضة، ووجود العداوة لا يمنع التزكية، وعلى هذه الرواية، يصح بدون لفظ الشهادة،
وفي الإنصاف: تجب المشافهة.
فحكم ذلك حكم الشهادة، على ما يأتي تفصيله في الشهادات وتجب المشافهة فيمن يعدل، أو يجرح ونحوه.
في المجلس . فإن لم يحضرها فيه صرفه
أي: وإن لم يحضر المدعي، بينته في المجلس، صرف المدعى عليه، ولا ملازمة لغريمه.
لم يثبت له قبله حق حتى يحبس به ولا يقيم به كفيلا، ولئلا يمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس،
ولو بان بعد الحكم، كفر الشهود، أو فسقهم لزمه نقضه، ويرجع بالمال، أو بدله وبدل قود مستوفى على المحكوم له،
وإن بان خطؤه في إتلاف، بمخالفة دليل قاطع ضمن،
وقال ابن القيم خطأ المفتي كخطأ الحاكم، والشاهد.
«ولا يقبل في الترجمة، والتزكية، والجرح، والتعريف، والرسالة، إلا قول عدلين» هذه خمس مسائل: الترجمة، والتزكية، والجرح، والتعريف، والرسالة، لا يقبل فيها إلا قول عدلين.
أما الترجمة فهي نقل معنى الكلام من لغة إلى لغة أخرى،
ويشترط فيها ثلاثة شروط:
الأول: علم المترجم باللغتين جميعاً، بأن يعلم معنى المنقول منها، والمنقول إليها.
الثاني: علمه بالموضوع؛ لأن العلم بالموضوع مهم بالنسبة للترجمة،
فمن لم يكن عنده علم بالموضوع ربما يترجم اللفظ على غير المراد وهذا غير العلم بالمعنى.
الثالث: أن يكون أميناً، والأمانة تؤخذ من قول المؤلف:«عدلين» فإن كان غير أمين فلا تقبل ترجمته.
فإذا تخاصم إلى القاضي رجلان، أحدهما يعرف القاضي لغته،
والثاني لا يعرف لغته، فيحتاج القاضي إذاً إلى مترجم، فهل يكفي مترجم واحد؟ يقول المؤلف: لا بد من مترجمين؛ لأن الترجمة شهادة،
فإن المترجم يشهد بأن هذا المتكلم أراد كذا
وكذا، والشهادة لا بد فيها من عدلين. قلنا: إذا قلت كذلك فاجعل الترجمة مبنية على الشهادة، وقل: إذا كانت الترجمة في أمر يحتاج إلى أربعة رجال كالزنا، فقل: لا يقبل إلا أربعة.
قال أصحابنا ـ أهل المذهب ـ: نعم، نلتزم بذلك، ونقول: الترجمة فيما يشترط فيه أربعة لا بد فيها من أربعة؛ لأنها مبنية على الشهادة، فالإقرار بالزنا مثلاً، إذا كان المقر لا يعرف القاضي لغته لا بد فيه من أربعة مترجمين يترجمون إقراره؛ ليثبت عند القاضي، كما أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود، وهذا هو المشهور من المذهب.
والذي مشى عليه المؤلف قول على خلاف المذهب؛ لأن المؤلف رحمه الله مشى على أن الترجمة يكفي فيها قول عدلين مطلقاً، حتى فيما لا يقبل فيه إلا شهادة أربعة؛ لأن الترجمة شهادة ليست على الفعل الذي لا بد فيه من أربعة، بل شهادة على ثبوت هذا القول، وثبوت هذا القول يحصل بشهادة اثنين.
وما ذهب إليه المؤلف أقرب من المذهب، وهناك قول ثالث لبحر العلوم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: يكفي في الترجمة واحد فقط، لكن بالشروط الثلاثة التي ذكرناها؛ لأن الرسول ﷺ اتخذ مترجماً واحداً في أمور عظيمة هامة، فقد اتخذ زيد بن ثابت رضي الله عنه مترجماً للكتب الواردة من اليهود والصادرة إليهم،
فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في ستة عشر يوماً ، إلا أن شيخ الإسلام يقول: سبب ذلك أن اللغة العبرية قريبة من اللغة العربية، فلذلك سهلت على زيد بن ثابت رضي الله عنه، على كل حال، يرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه يكفي في الترجمة قول عدل واحد، وهذا هو الصحيح.
وأفادنا المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم لغة غيره، مما تدعو الحاجة إلى تعلمه، فالقاضي إذا كان في أمة فيهم أناس كثيرون لغتهم غير عربية، وهو عربي، ينبغي له أن يتعلم لغتهم ليعرف خطابهم بنفسه؛ لأنه مهما كان الإنسان ثقة فلا يمكن أن تكون ثقتك به كثقتك بنفسك.
أما تعلمها بدون حاجة فهو من إضاعة الوقت، كما أنه يترتب عليه الميل إلى أصحاب هذه اللغة،
وأما إذا اعتاد التخاطب بها وأغفل اللغة العربية، فهذا
إما مكروه، وإما محرم، فتعلم اللغات غير العربية إذا كان لحاجة لا بأس به،
وإذا كان لغير حاجة فهو لغو وإضاعة وقت، ويخشى منه محبة أصحاب هذه اللغة،
وإذا كان ليستبدل به اللغة العربية، فهذا
إما مكروه، وإما محرم.
والأول المباح قد يجب أحياناً، كما إذا كان تعلم هذه اللغة وسيلة إلى إبلاغهم دين الله؛
فإن التعلم حينئذٍ يكون واجباً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقوله:«والتزكية» نسبة الشيء إلى الزكاء، فالتزكية معناها أن ينسب الإنسان إلى الزكاء، فيقال: هذا زكي والزكاء هو العدالة.
ولا بد فيها من عدلين على كلام المؤلف، وعلى المذهب حسب الشهادة،
فإن كان شهد في أمر لا بد فيه من أربعة، فلا بد في التزكية من أربعة، وعلى القول الثالث وهو اختيار شيخ الإسلام أنه يكفي فيها واحد؛ لأن التزكية تعريف بحال المُزكى، وليست شهادة،
فإذا زُكي كفى في ذلك واحد، ثم يُحكم بشهادته.
والتزكية مثل أن يقول: فلان عدل، فلان ثقة، وما أشبه ذلك،
فإن قال: لا أعلم عليه إلا خيراً، ففي كون هذا تزكية قولان لأهل العلم، منهم من قال: إن هذا ليس بتزكية؛ لأنه نفى علم الشر، ونفيُ العلم لا يدل على العدم، فقد يكون يعمل شراً لا يطلع عليه هذا الذي قال: لا نعلم عليه إلا خيراً.
وقال بعض العلماء: إنها تزكية، اعتباراً بظاهر الحال، ولعل هذا الخلاف يومئ إلى الخلاف في هل الأصل في المسلم العدالة، أو الأصل عدم العدالة؟ وقد سبق الخلاف في هذا.
أما إذا قال: ثقة، أو مقبول الشهادة، أو عدل، أو ثبت، أو ما أشبه ذلك، فهذه تزكية بلا شك.
ويشترط في المزكي شروط منها: الأول: أن يكون أميناً،
فإن لم يكن أميناً فإن تزكيته لا تقبل؛ لأنه هو نفسه يحتاج إلى من يزكيه.
الثاني: أن يكون ذا خبرة بباطن حال المُزكى، بحيث نعلم أن بينه وبينه رابطة،
إما صحبة، وإما جوار، وإما معاملة طويلة، يعرف بها حال المُزكى.
وهل يزكي بالاستفاضة؟ الجواب: نعم، له أن يزكي بالاستفاضة، مثل أن يستفيض عند الناس أن هذا الرجل رجل مستقيم الخلق والدين، فيشهد هو بعدالته بناء على الاستفاضة.
ولا بد من القول بجواز التزكية بالاستفاضة؛ لأننا نزكي الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبا حنيفة، والإمام مالكاً رحمهم الله فهل نحن عاشرناهم؟ لا، ولا صاحبناهم، ولكن بالاستفاضة، حتى لو لم نرجع إلى كلام الناس فيهم فإنهم عندنا ثقات عدول؛ بناء على الاستفاضة، فلا بد ـ أيضاً ـ في الجرح من عدلين يشهدان بجرحه.
والجرح نوعان: نوع مُفَسَّر، ونوع مُجمل مبهم، فالجرح المبهم أن يقول: فلان فاسق، فلان غير مقبول الشهادة، وما أشبه ذلك، والجرح المفسر أن يقول: فلان يشرب الخمر، أو فلان يزني، أو فلان يغش الناس، أو فلان يغتاب الناس، فالجرح بنوعيه لا يقبل إلا من ثقة، فلا بد أن يكون أميناً،
وأن يكون عالماً بحال المجروح، أي: ذا خبرة بحاله، أو شاهداً بما اشتهر من جرح، يعني أن الشهادة بالجرح كالشهادة بالتزكية، فلا بد فيها من عدلين، والخلاف في التزكية كالخلاف في الترجمة؛ لأن كلاً منهما شاهد بما يقول، لأن المترجم يشهد أن هذا المتكلم أراد كذا
وكذا باللغة المترجم بها عن المترجم عنها، والمزكي والجارح كذلك يخبران بحال هذا الشيء فهما مُعرِّفان في الواقع، ولهذا اختار شيخ الإسلام في هذه المسائل كلها أن الواحد العدل يكفي.
وقوله:«والتعريف» أي: يكفي في التعريف أيضاً ـ على كلام المؤلف ـ شاهدان.
وقوله:«والتعريف» أي: التعريف بأن هذا فلان بن فلان، وهو في الحقيقة تعريف عند الحاكم بالمحكوم له، والمحكوم عليه، والمحكوم به.
المحكوم له هو الذي يثبت له الحق، والمحكوم عليه هو من عليه الحق، والمحكوم به أي: المدعى به، فمثلاً: تخاصم رجلان في كتاب، فالمحكوم له هو الذي يستحق هذا الكتاب، والمحكوم عليه الذي لا يستحقه، والمحكوم به هذا الكتاب.
وكيف سيكون التعريف؟ أن يقول الحاكم: كيف أكتب تخاصم عندي فلان وفلان، وأنا ما أعرفكم؟! فيأتون بمن يعرفهم يقول: هذا المدعي اسمه فلان ابن فلان، والمدعى عليه اسمه فلان ابن فلان، والمدعى به يقول مثلاً: هذا الكتاب هو الذي حصل النزاع بينهما عليه.
فصار التعريف عند الحاكم له ثلاثة أطراف: محكوم له، وعليه، وبه، وكل هذه تحتاج إلى تعريف،
فإذا عرفها واحد على رأي شيخ الإسلام كفى، وعلى ما مشى عليه المؤلف لا بد من اثنين، وعلى المذهب ينبني على الشهادة،
فإن كان التعريف فيما يشترط فيه أربعة من الشهود فلا بد من أربعة، إلى آخره.
وقوله:«والرسالة» لها عدة صور منها ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ في باب كتاب القاضي إلى القاضي، أن يرسل أحد القضاة كتاباً إلى قاضٍ آخر، فلا بد فيها من عدلين يحملان الكتاب ويوصلانه إلى المكتوب إليه، ويشهدان به.
وهذا فيما سبق لما لم يكن بريد،
فإذا أراد القاضي أن يكتب إلى قاضٍ آخر، كتب الكتاب، ثم أتى باثنين وقرأه عليهما وأشهدهما على ما فيه، ثم يقول: خذوه لفلان القاضي،
فإذا وصلا إليه يشهدان بأن هذا كتاب فلان القاضي الأول إلى القاضي الثاني.
صورة ثانية للرسالة، إذا بعث الحاكم من يبحث عن حال الشهود، فإنه لا بد فيه من عدلين، وسبق لنا أن القاضي إذا جهل حال الشهود أنه يسأل عنهم،
فإذا بعث من يسأل عنهم فلا بد أن يكون المبعوث رجلين على ما مشى عليه المؤلف، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يكفي واحد.
فالترجمة، والتزكية، والجرح، والتعريف، والرسالة، هذه خمسة أشياء، المذهب أن حكمها في التعدد حكم الشهادة، والذي مشى عليه المؤلف أنه يكفي فيها رجلان، والذي اختاره شيخ الإسلام أنه يكفي فيها واحد؛ لأن المقصود فيها البيان والتعريف، فهي خبر وليست بشهادة، ولهذا تصح حتى بالكتابة، وعلى القول بأنها شهادة لا بد من المشافهة، يعني أنه لو كتب أحد معروف الخط إلى القاضي، بأني أزكي فلاناً كفى عند شيخ الإسلام، وعلى المذهب لا يكفي؛
لأن الشهادة لا بد فيها من المشافهة.
وقوله:«إلا قول» قول: نائب فاعل، فالاستثناء مفرغ.
وقوله:«عدلين» العدل في اللغة: الاستقامة، ويطلق على المستقيم نفسه؛ لأنه مصدر، والمصدر يصح أن ينعت به، ويوصف به،
كما قال ابن مالك:
ونعتوا بمصدرٍ كثيرا فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا
وكذلك يخبر به مفرداً ولو عن جماعة.
وأما المراد بالعدل في الاصطلاح: فهو من استقام في دينه ومروءته،
أما في دينه فأن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر والإصرارَ على الصغائر فهو شامل لثلاثة أمور.
فلو فعل كبيرة واحدة ولم يتب منها لم يكن عدلاً،
وإن فعل صغيرة فقط ولم يصِرَّ فهو عدل،
فإن أصر فليس بعدل، وإن ترك شيئاً من الفرائض فليس بعدل، والفرائض، كبِرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والصلوات الخمس،
فإذا ترك واحدة وقلنا بأنه لا يكفر فإنه ليس بعدل.
وبناءً على هذا القول في تعريف العدل يكون الذي يحلق لحيته ليس بعدل،
فإذا شهد فلا تقبل شهادته؛ لأنه مصِرٌّ على صغيرة، والذي يشرب الدخان ليس بعدل؛ لأنه مُصِرٌّ على صغيرة، والذي يغتاب الناس ـ ولو مرة واحدة ولم يتب ـ ليس بعدل؛ لأنه فعل كبيرة.
وإذا طبقنا هذا التعريف في العدالة على حال الناس اليوم فأظنك لا تكاد تجد إلا واحداً في المائة، يعني عشرة في الألف! المهم أنه نادر أن يوجد من يتصف بالعدالة على هذا التفسير، ولكن الذي يقلد المذهب لا بد أن يمشي على هذا.
والاستقامة في المروءة ألا يفعل ما يخل بالمروءة، يعني بالشرف والعادات،
فإن فَعَلَ ما يخل بذلك فليس بعدل،
ولو كان مستقيم الدين، ومثَّلوا له بالذي يأكل في السوق، ويشرب في السوق، ويمشي جاعلاً مشلحه على طرف، يسحبه من طرف ويرفعه من طرف آخر، والذي لا يكون عليه غترة ولا طاقية، لكن طبعاً في بلد هذا عُرفهم، فكل هؤلاء مخالفون للمروءة، ومنه ـ أيضاً ـ الذي يمضغ اللبان في مجالس ذوي الهيئات والمروءة.
وعلى كل حال، إذا كانت المروءة مقيدة بالعادات، فإنها سوف تتغير بتغير العادات،
بخلاف المعلق بالشرع فإنه لا يتغير، فهو ثابت إلى يوم القيامة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.