وإنما تفترق الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ
Its commentaries
(وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ) وَنَحْوُهَا مِنْ بَاقِي الْعَقَارِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعَقَارِ لَكَانَ أَحْسَنَ (مِنْ غَيْرِهَا) كَعَرْضٍ وَدَوَابَّ (فِي) حِيَازَةِ (الْأَجْنَبِيِّ) وَالْمُدَّعِي حَاضِرٌ سَاكِتٌ بِلَا مَانِعٍ مِنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ) أَيْ غَيْرِ الشَّرِيكِ
وَأَمَّا الشَّرِيكُ فَاسْتِخْدَامُهُ الرَّقِيقَ وَرُكُوبَ الدَّابَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قِيَامِ شَرِيكِهِ وَلَوْ لِعَشْرِ سِنِينَ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكُونُ حِيَازَةُ الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ فِي حَقِّهِ بِالسَّنَتَيْنِ
ص (وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرَضٍ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا يَفْتَرِقُ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ إذَا كَانَتْ الْحِيَازَةُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ
وَأَمَّا فِي حِيَازَةِ الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الْأَقَارِبَ وَالشُّرَكَاءَ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحِيَازَةَ بَيْنَهُمْ لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ بِالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى فِيمَا يُسْكَنُ وَالِازْدِرَاعِ فِيمَا يُزْرَعُ قَالَ وَالِاسْتِغْلَالُ فِي ذَلِكَ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ فِي الدُّورِ وَكَالْغَرْسِ فِي الْأَرْضِينَ ثُمَّ قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى وَارِثِهِ بَيْنَ الرَّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبَاسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا يُبْلَغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ اللِّبَاسَ فِي الثِّيَابِ كَالسُّكْنَى فِي الدُّورِ وَأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ حِيَازَةٌ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَأَنَّ الِاسْتِقْلَالَ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ بِمَعْنَى قَبْضِ أُجْرَةِ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ كَالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ فِي الْعَقَارِ فَلَا تَحْصُلُ الْحِيَازَةُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فِي الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ وَالْعُرُوضِ إلَّا بِالِاسْتِغْلَالِ وَيُخْتَلَفُ فِي مُدَّتِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِي الشَّرِيكِ الْقَرِيبِ مَعَهُمَا قَوْلَانِ أَوْ بِالْأُمُورِ الْمُفَوِّتَةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَطْءِ وَيُعْلَمُ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ ذَلِكَ مُفَوِّتًا بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ عُلِمَ أَنَّهُ مُفَوِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا مِنْ بَابٍ أَحْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَجْنَبِيِّ أَنَّ الْقَرِيبَ لَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكًا أَوْ غَيْرَ شَرِيكٍ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِتَسَاوِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الثِّيَابُ يَكْفِي فِي حِيَازَتِهَا السَّنَةُ وَالسَّنَتَانِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْمُصَنِّفُ بَلْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ دُخُولُهَا فِي الْعُرُوضِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (الرَّابِعُ) التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ أَتَمُّ
فَائِدَةً فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا طَلَبُ الدَّيْنِ
قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مِنْ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ الْمَنْسُوبِ لِوَالِدِ ابْنُ فَرْحُونٍ السَّاكِتُ عَنْ طَلَبِ الدَّيْنِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا قَوْلَ لَهُ وَيُصَدَّقُ الْغَرِيمُ فِي دَعْوَى الدَّفْعِ وَلَا يُكَلَّفُ الْغَرِيمُ بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِ مَوْتِهِمْ أَوْ نِسْيَانِهِمْ لِلشَّهَادَةِ انْتَهَى مِنْ مُنْتَخَبِ الْحُكَّامِ لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ بْنِ يَاسِينَ فِي مُدَّعِي دَيْنٍ سَلَفَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُصَدَّقٌ فِي الْقَضَاءِ إذْ الْغَالِبُ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ السَّلَفُ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَالْبُيُوعَاتِ انْتَهَى كَلَامُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
وَقَالَ وَالِدُهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي وَالسِّتِّينَ فِي الْقَضَاءِ فِي شَهَادَةِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّهْنِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ
(فَرْعٌ) وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْحِيَازَةِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا قَدِيمًا وَقَامَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقِّهِ وَذَلِكَ الْقِيَامُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا أَخَذَهُ بِهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ أَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَانِ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً وَالْأَرْبَعِينَ
وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْأَصْلِ إذَا طَالَ زَمَانُهَا هَكَذَا وَمَنْ هِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ حُضُورٌ فَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا بِطُولِ الزَّمَانِ فَيَقُولُ قَدْ قَضَيْتُك وَبَادَ شُهُودِي بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمِدْيَانِ غَيْرُ الْيَمِينِ. قَالَ
وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَقُومُ عَلَيْهِ الْيَتِيمُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ وَيُنْكِرُ قَبْضَ مَالِهِ مِنْ الْوَصِيِّ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةٌ يَهْلِكُ فِي مِثْلِهَا شُهُودُ الْوَصِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْبُيُوعِ رَأَيْت جَوَابًا وَأَظُنّهُ لِلْمَازِرِيِّ فِي الدُّيُونِ فَقَالَ إذَا طَالَ الزَّمَانُ عَلَى الطَّالِبِ وَبِيَدِهِ وَثَائِقُ وَأَحْكَامٌ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَ الْمَطْلُوبِ وَلَا عُذْرَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّلَبِ مِنْ ظُلْمٍ وَنَحْوِهِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّلَبِ فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي حَدِّ السُّكُوتِ الْقَاطِعِ لِطَلَبِ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الْوَثَائِقِ وَالْأَحْكَامِ هَلْ حَدُّ ذَلِكَ عِشْرُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ أَوْ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ لِطَلَبِ الطَّالِبِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ مُعَلَّلٌ بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ الطَّلَبِ بِالْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَبِ مَعَ الْحُضُورِ حَتَّى إذَا ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ مِنْ الطَّلَبِ كَانَ طُولُ الْمُدَّةِ مَعَ السُّكُوتِ وَالْحُضُورِ دَلَالَةٌ يَقْوَى بِهَا سَبَبُ الْمَطْلُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَلَى خَصْمِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» فَأَطْلَقَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكْرَ الْحِيَازَةِ فَهُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَا يُحَازُ مِنْ رَبْعٍ وَمَالٍ مُعَيَّنٍ وَغَيْرِهِ وَمَنْ اجْتَهَدَ فَحَدَّ فِي الرِّبَاعِ الْعَشْرَ سِنِينَ وَحَّدَ فِي الدَّيْنِ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الطَّالِبِ مَعَ الْمَطْلُوبِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى حَالِهِ كَثْرَةُ الْمُشَاحَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ خَصْمِهِ عَشْرَ سِنِينَ جَعَلَهَا حَدًّا قَاطِعًا وَمَنْ جَعَلَهَا عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثِينَ أَيْ أَنَّهَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ السُّكُوتُ فِي بَيْعِ الْمُتَحَمَّلِ فَجَعَلَهُمَا حَدًّا قَاطِعًا لِأَعْذَارِ الطَّالِبِينَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِ أَنَّهُ قَضَاءٌ وَقَدْ قَضَى بِتَغْلِيبِ الْأَحْوَالِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ لَهُ شَيْءٌ تَرَكَ غَيْرَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُسْقِطُ الْمِلْكَ وَيَمْنَعُ الطَّالِبَ مِنْ الطَّلَبِ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَإِذَا كَانَ طُولُ الْمُدَّةِ مَعَ حُضُورِ الطَّالِبِ وَسُكُوتِهِ مَانِعًا لَهُ مِنْ الطَّلَبِ فَالطَّلَبُ مَمْنُوعٌ فِي سَائِرِ الْمَطَالِبِ دُونَ وَثَائِقَ وَأَحْكَامٍ وَرِبَاعٍ بِدَلِيلِ أَنَّ السُّكُوتَ فِي ذَلِكَ يُعَدُّ كَالْإِقْرَارِ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا تِبَاعَةَ وَلَا طَلَبَ (قُلْت) هَذَا الْجَوَابُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِذَا أَجْرَاهُ عَلَى مَسَائِلِ الْحِيَازَةِ فَفِيهَا قَرِيبُ الْقَرَابَةِ وَالْبَعِيدُ وَالْمُتَوَسِّطُ وَالْمُقَاطِعُ لِقَرِيبِهِ وَالْمُوَاصِلُ لَهُ فَيَجْرِي عَلَيْهَا وَفِي بَعْضِهَا مَا يَبْلُغُ الْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ مَعَ أَنِّي أَحْفَظُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا تَقَرَّرَ الدَّيْنُ وَثَبَتَ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ طَالَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِوَثِيقَةٍ مَكْتُوبَةٍ وَهِيَ فِي يَدِ الطَّالِبِ وَالطَّلَبُ بِسَبَبِهَا لِأَنَّ بَقَاءَهَا بِيَدِ رَبِّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ دِينَهُ إذْ الْعَادَةُ إذَا قَبَضَ دَيْنَهُ أَخَذَ عَقْدَهُ أَوْ مَزَّقَهُ
بِخِلَافِ إذَا كَانَتْ الدُّيُونُ بِغَيْرِ عُقُودٍ وَلَوْ وُجِدَتْ بِغَيْرِ الْمَطْلُوبِ وَإِلَّا فَفِيهَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ وَخَرَّجَهُمَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْن إذَا وُجِدَ بِيَدِ الرَّاهِنِ هَلْ هُوَ إبْرَاءٌ لَهُ أَمْ لَا؟ لِجَوَازِ وُقُوعِهِ وَسُقُوطِهِ أَوْ التَّسَوُّرِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقِيَاسُهُ عَلَى بَابِ الْحِيَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ تَرْجِيحَ الْحِيَازَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ
وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ أَصْلُهُ بِكِرَاءٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إعْمَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَزَالُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ وَالدَّيْنُ إنْ ثَبَتَ أَصْلُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْأَصْلِ خِلَافٌ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا ذَكَرَهُ خِلَافًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ وَعَلَيْهِ جَرَى عَمَلُ الْقُضَاةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِتُونُسَ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى دَفْعِ الدَّيْنِ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ فَيُعْمَلُ عَلَيْهَا فِي الْبَرَاءَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
وَيُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ: وَقِيَاسُهُ عَلَى بَابِ الْحِيَازَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا أَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ تَرْجِيحَ الْحِيَازَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُهِلَ أَصْلُهُ إلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلْنَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ وَكَلَامَهُ عَلَيْهَا وَنَصّهَا.
[مَسْأَلَة تَرَكَتْ بَعْض مَا أصدقها وَالِد زَوْجهَا حتي مَاتَ ثُمَّ أَرَادَتْ الْمَرْأَة أَخَذَهَا فمنعها ورثة الحمو] مَسْأَلَةٌ قَالَ يَحْيَى وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً عَنْ ابْنِهِ مَنْزِلًا فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُهُ بِالْمَرْأَةِ أَخَذَتْ الْمَنْزِلَ إلَّا حُقُولًا يَسِيرَةً تَرَكَتْهَا فِي يَدِ حَمُوهَا فَلَمْ تَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ ثُمَّ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ أَخْذَهَا فَمَنَعَهَا وَرَثَةُ الْحَمْوِ وَقَالُوا قَدْ عَايَنْتهَا زَمَانًا مِنْ دَهْرِك وَهِيَ فِي يَدِهِ وَلَا تَشْهَدِي عَلَيْهِ بِعَارِيَّةٍ وَلَا كِرَاءٍ وَلَا نَدْرِي لَعَلَّك أَرْضَاك مِنْ حَقِّك أَتَرَى لِلْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حَقًّا؟
قَالَ: نَعَمْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ تِلْكَ الْحُقُولَ الَّتِي هِيَ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَهَا الْحَمْوُ عَنْ ابْنِهِ وَلَا يَضُرُّهَا طُولُ مَا تَرَكَتْ ذَلِكَ فِي الْحَمْوِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِالصَّدَقَةِ فَتَلْزَمُ حِيَازَتُهَا وَإِنَّمَا الصَّدَاقُ ثَمَنٌ مِنْ الْأَثْمَانِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَتْ كُلَّ مَا أَصْدَقَهَا فِي يَدِ الْحَمْوِ لَمْ يَضُرَّهَا ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ بَيِّنَةٌ لَا إشْكَالَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ لِأَنَّ حَقَّهَا تَرَكَتْهُ فِي يَدِ حَمُوهَا فَلَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ طَالَ الزَّمَانُ أَوْ قَصُرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَإِنْ قَدُمَ» وَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا الْحَائِزُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَرَابَةِ وَالْأَجْنبِيِّينَ وَالْأَصْهَارِ فِيهَا إذْ قَدْ عُرِفَ وَجْهُ كَوْنِ الْأَحْقَالِ بِيَدِ الْحَمْوِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ حَتَّى يُعْرَفَ مَصِيرُهَا إلَيْهِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَائِزَ لَا يَنْتَفِعُ بِحِيَازَتِهِ إلَّا إذَا جَهِلَ أَصْلَ مَدْخَلِهِ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِالْحِيَازَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدُّورُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ لِوَرَثَتِهِ بَيْنَ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبَاسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ.
فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ تُلْبَسُ وَتُمْتَهَنُ،
وَإِنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ حِيَازَةٌ فِي الدَّوَابِّ إذَا كَانَتْ تُرْكَبُ وَفِي الْإِمَاءِ إذَا كُنَّ يُسْتَخْدَمْنَ وَفِي الْعَبِيدِ وَالْعُرُوضِ فَوْقَ ذَلِكَ وَلَا يَبْلُغُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ إلَّا الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامِ كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ. [بَابٌ فِي الدِّمَاءُ][الْجِنَايَة عَلَى النَّفْس][مُوجِبَات الْقِصَاص] بَابٌ ابْنُ شَاسٍ: الدِّمَاءُ خَطِيرَةُ الْقَدْرِ فِي الدِّينِ، وَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ فَاحِشَةٌ مُوجِبَةُ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمُوجِبَاتُهَا فِي الدُّنْيَا خَمْسَةٌ: الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالتَّعْزِيرُ وَالْقِيمَةُ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ شَارَكَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» الْمُتَيْطِيُّ: قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَنْ قَالَ إنَّ الْقَاتِلَ يَخْلُدُ فِي النَّارِ عَلَى التَّأْبِيدِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لِأَنَّ الذَّنْبَ لَا يُحْبِطُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إيمَانِهِ وَلَا مَا اكْتَسَبَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُجَازِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كُلَّ مُؤْمِنٍ عَلَى إيمَانِهِ.
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لَكِنْ مِنْ تَمَامِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَيَصُومُ أَوْ يُعْتِقُ وَيُلَازِمُ الْجِهَادَ.
وَانْظُرْ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْله تَعَالَى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}
(ص) وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرَضٍ (ش) يُشِيرُ بِهَذَا إلَى أَنَّ أَمَدَ الْحِيَازَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَقَارِبِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعَقَارُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ الْأُصُولُ، وَالْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حِيَازَةِ الْأَجَانِبِ،
فَإِذَا رَكِبَ أَجْنَبِيٌّ دَابَّةً لِأَجْنَبِيٍّ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ فَقَدْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ أَمَةُ الْخِدْمَةِ إذَا اسْتَخْدَمَ،
وَإِذَا حَازَ أَجْنَبِيٌّ عَلَى أَجْنَبِيٍّ عَبْدًا أَوْ عَرْضًا مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَمَا فَوْقَهَا فَقَدْ تَمَّتْ الْحِيَازَةُ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَا بَيِّنَتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مُدَّعِيهِ حَاضِرًا سَاكِتًا طُولَ الْمُدَّةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ لَكِنْ نَظِيرُ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ فِي الدَّارِ وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأَرْضِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ الْإِجَارَةُ فِي الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فِي الْقَرِيبِ فَحِيَازَتُهَا عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَنَظِيرُ السُّكْنَى فِي الدَّارِ وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأَرْضِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ اسْتِخْدَامُ الْعَبْدِ وَرُكُوبُ الدَّوَابِّ، وَلِبَاسُ الثِّيَابِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ فَلَا يَكْفِي إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ طُولًا تَهْلَكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ، وَيَنْقَطِعُ فِيهِ الْعِلْمُ فِي الْأَجْنَبِيِّ أَيْ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: الْعَقَارُ، وَقَوْلُهُ: وَيُزَادُ الزِّيَادَةُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْعُرُوضِ ثَوْبُ اللِّبَاسِ فَإِنَّ السَّنَةَ فِيهِ فَوْتٌ.
- (بَابٌ ذُكِرَ فِيهِ أَحْكَامُ الدِّمَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَإِنَّمَا أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِهِ إثْرَ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَوْكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ بَعْدَ حِفْظِ الدِّينِ وَهِيَ حِفْظُ النُّفُوسِ فَفِي الصَّحِيحِ «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» وَلِهَذَا يَنْبَغِي التَّهَمُّمُ بِشَأْنِهَا
وَكَذَا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ اشْتَرَكَ فِي دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَحَدِيثُ أَوَّلُ مَا يُقْضَى الْمُتَقَدِّمُ لَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعِبَادِ الصَّلَاةُ» لِأَنَّ هَذَا فِي خَاصَّةِ أَعْمَالِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ وَذَاكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَكِنْ اُنْظُرْ أَيَّهُمَا يُقَدَّمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْقَضَاءُ فِي الدِّمَاءِ
وَلَمَّا كَانَتْ أَرْكَانُ الْجِنَايَةِ ثَلَاثَةً الْجَانِيَ وَالْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ وَالْجِنَايَةَ وَلِكُلٍّ مِنْهَا شُرُوطٌ ذَكَرَ جَمِيعَهَا وَبَدَأَ بِالرُّكْنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ
(قَوْلُهُ: وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَخْدَمَ أَمْ لَا كَمَا ذَكَرُوا
(قَوْلُهُ: بَلْ الْأُصُولُ إلَخْ) أَيْ مِنْ مُدَّةِ الْحِيَازَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُدَّةً طَوِيلَةً زَائِدَةً عَلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً سَوَاءٌ الشُّرَكَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا فِي الْأَقَارِبِ غَيْرِ الْأَبِ وَابْنِهِ
وَأَمَّا هُمَا فَلَا حِيَازَةَ إلَّا بِنَحْوِ الْهِبَةِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ الَّذِي تَهْلَكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ هَكَذَا قَالَ عج وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الصَّوَابَ مَا جَاءَ فِي النَّقْلِ عَنْ أَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ مِنْ أَنَّ حِيَازَةَ الشَّرِيكِ الْوَارِثِ عَمَّنْ وَرِثَ مَعَهُ فِي الْعُرُوضِ وَالْعَبِيدِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَاللُّبْسِ وَالِامْتِهَانِ مُنْفَرِدًا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ فَالْقَضَاءُ فِيهِ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي ذَلِكَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ انْتَهَى وَهَذَا فِي غَيْرِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ
وَأَمَّا فِيهَا بِالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فَأَزْيَدُ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَظَهَرَ الْفَرْقُ حَتَّى فِي الْأَقَارِبِ، وَمَا فِي ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ أَصْبَغَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَمَا مَعَهَا فِي الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ النَّقْلِ
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ نَظِيرَ إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سَالِمٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ك ثُمَّ إنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّ الْحِيَازَةَ فِي الْأَجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ فِي الْأُصُولِ لَا بُدَّ مِنْ هَدْمٍ أَوْ بِنَاءٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ إذْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاعْتِمَارُ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: الْإِجَارَةُ فِي الْعَبِيدِ) أَيْ إجَارَةُ الْحَائِزِ، وَقَوْلُهُ: وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَبِيدِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي خُصُوصِ الْإِجَارَةِ وَلَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا فَيَكُونُ هُوَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا لَا يَأْتِي إلَّا فِي الْعَقَارِ وَالنُّحَاسِ لَا فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ فَلَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِيَازَةُ بِطُولِ الْمُدَّةِ
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُدَّةَ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: وَنَظِيرُ السُّكْنَى فِي الدُّورِ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْحِيَازَةِ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ بِالسُّكْنَى فِي الدُّورِ وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأَرْضِ عَشْرُ سِنِينَ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ أَعْوَامٍ
(قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرَ الشَّرِيكِ) أَقُولُ وَسَكَتَ عَنْ الشَّرِيكِ فَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ، وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِتَقْرِيرِ اللَّقَانِيِّ وَاَلَّذِي فِي عج شَرِيكًا أَوْ لَا وَفِي بَعْضِ التَّقَارِيرِ الْمُعْتَبَرَةِ مَا يُفِيدُ قُوَّتَهُ
(قَوْلُهُ: وَيُزَادُ الزِّيَادَةُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) هَذَا تَقْرِيرٌ آخَرُ لِلَّقَانِيِّ مُغَايِرٌ لِلتَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: ثَلَاثُ سِنِينَ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشُّرَّاحِ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي فِي النَّقْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ. [بَابٌ أَحْكَامُ الدِّمَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (بَابُ الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ)
(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَتَى الْمُؤَلِّفُ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْبَابِ
(قَوْلُهُ أَنْ يَنْظُرَ) أَيْ الْقَاضِي أَيْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي
فَرْعُ شَهَادَةِ الشُّهُودِ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُمَا وَقَوْلُهُ فِيهِ أَيْ الْبَابِ أَيْ أَحْكَامِهِ أَوَّلًا أَيْ كُلَّ يَوْمٍ أَيْ فَحِينَ يَجْلِسُ كُلَّ يَوْمٍ يَنْظُرُ أَوَّلًا إلَى الْحُكْمِ فِي الدَّعَاوَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَوْكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ) فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأَوْكَدِ الضَّرُورِيَّاتِ وَقَوْلُهُ وَهِيَ أَيْ أَوْكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ضَرُورَةٌ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ
(قَوْلُهُ فَفِي الصَّحِيحِ) دَلِيلٌ لِكَوْنِ مَا ذُكِرَ آكَدَ الضَّرُورِيَّاتِ
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا) أَيْ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَوَّلِيَّةِ
(قَوْلُهُ يَنْبَغِي التَّهَمُّمُ بِشَأْنِهَا) أَيْ شَأْنِ أَحْكَامِهَا وَقَوْلُهُ
وَكَذَا فِي الدُّنْيَا أَيْ أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا فِي الدِّمَاءِ ثُمَّ لَا يَنْبَغِي ذِكْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي قَوْلِهِ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ أَوَّلًا أَيْ أَوَّلَ جُلُوسِهِ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ
(قَوْلُهُ وَفِي الْحَدِيثِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَفِي الصَّحِيحِ
(قَوْلُهُ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ) كَأَنْ يَنْطِقَ بِالْأَلِفِ وَالْقَافِ مِنْ اُقْتُلْ
(قَوْلُهُ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) أَيْ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ فَإِنْ قُلْت إنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ هُنَاكَ إيَاسٌ بَلْ هُوَ مُعَرَّضٌ لِلْعَفْوِ قُلْت نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَى الظَّاهِرِ لِأَجْلِ الزَّجْرِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} إلَخْ
(قَوْلُهُ الْجِنَايَةِ إلَخْ) لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حَقِيقَةِ الْجِنَايَةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ الْمَذْكُورَةِ وَعَرَّفَهَا ابْنُ مَرْزُوقٍ بِقَوْلِهِ
وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْجِنَايَةِ اصْطِلَاحًا فَهِيَ إتْلَافُ مُكَلَّفٍ غَيْرِ حَرْبِيٍّ نَفْسَ إنْسَانٍ مَعْصُومٍ أَوْ عُضْوَهُ أَوْ اتِّصَالًا بِجِسْمِهِ أَوْ مَعْنًى قَائِمًا بِهِ أَوْ جَنِينَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بِتَحْقِيقٍ أَوْ تُهْمَةٍ انْتَهَى فَإِتْلَافُ مُكَلَّفٍ جِنْسٌ وَغَيْرِ حَرْبِيٍّ: يُخْرِجُ الْحَرْبِيَّ إذْ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا اكْتَسَبَهُ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا وَنَفْسَ إنْسَانٍ وَمَا بَعْدَهُ يُخْرِجُ إتْلَافَ الْمَالِ وَالْجِنَايَةَ عَلَى الْعِرْضِ فَلَيْسَا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِضَافَةُ نَفْسٍ لِلْإِنْسَانِ يُخْرِجُ إتْلَافَ نَفْسِ غَيْرِهِ وَيُدْخِلُ نَفْسَ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ وَمَعْصُومٍ: يُخْرِجُ الْحَرْبِيَّ وَمَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ بِمُوجِبٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَإِتْلَافُ الِاتِّصَالِ بِالْجِسْمِ كِنَايَةٌ عَنْ الْجُرْحِ وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْجِسْمِ كَالْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَأْتِي وَضَمِيرُ جَنِينِهِ يَعُودُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَعَمْدًا أَوْ خَطَأً مَنْصُوبَانِ بِإِتْلَافِ وَبِتَحْقِيقٍ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَذُكِرَ تَوْطِئَةً لِعَطْفِ أَوْ تُهْمَةٍ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهَا اللَّوْثُ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ الدَّمِ مَعَ الْقَسَامَةِ انْتَهَى فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ مِنْ أَرْكَانِ الْجِنَايَةِ الْجِنَايَةَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ رُكْنَ نَفْسِهِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْجِنَايَةَ ذَاتَ الْأَرْكَانِ هِيَ الْإِتْلَافُ الْمُقَيَّدُ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ وَالْجِنَايَةَ الَّتِي أَخَذَتْ رُكْنًا هِيَ الْإِتْلَافُ بِدُونِ التَّقْيِيدِ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا إيرَادَ فَتَدَبَّرْ
(وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدَّارُ) أَيْ الْعَقَارُ (مِنْ غَيْرِهَا) مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالْعُرُوضِ (فِي) مُدَّةِ حِيَازَةِ (الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ) بِالنِّسْبَةِ لِرُكُوبِ الْأَجْنَبِيِّ السَّنَتَانِ
Adds nothing on this mas’ala.
وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي يعني أن المحوز لا تفترق أنواعه إلا في الأجنبي، فمدة الحيازة في الدار وغيرها من أنواع العقار عشرة بالشروط المتقدمة، ويأتي حكم غير العقار،
وأما الأقارب فلا فرق بالنسبة لهم بين الدور ونحوها من بقية أنواع العقار، وغير ذلك من العروض كالثياب والدواب وغيرها فلا تفترق مدة الحيازة في الأقارب والأب وابنه في الأصول والعروض والحيوان بل هي مستوية وقد مرت مدة حيازتهم.
وأشار لما إذا كان المحوز غير عقار،
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.