أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ
Its commentaries
(أَوْ) نِيَّةُ (اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ) أَيْ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ وَ " أَوْ " فِي كَلَامِهِ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ بَلْ الْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ الثَّلَاثَةِ وَيَضُرُّ نِيَّةُ بَعْضِهَا وَإِخْرَاجُ الْبَعْضِ لِلتَّنَافِي كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ فَرْضَ الْوُضُوءِ لَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَإِذَا نَوَى أَحَدَهَا بِلَا إخْرَاجٍ لِغَيْرِهِ أَجْزَأَ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ) أَيْ وَهُوَ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ أَوْ الصِّفَةُ الْمُقَدَّرُ قِيَامُهَا بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالْحَدَثِ الْوَصْفُ إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا اسْتِبَاحَةُ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْمَنْعُ
(قَوْلُهُ: فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ إلَخْ) فَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ الشَّارِعِ فِي الْوُضُوءِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَدَاءَ الْفَرْضِ وَاسْتِبَاحَةَ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ
(قَوْلُهُ: لِلتَّنَافِي) أَيْ؛ لِأَنَّهُ تَنَاقَضَ فِي ذَاتِ النِّيَّةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ نَوَيْتُ عَدَمَ رَفْعِهِ أَوْ نَوَيْتُ لَا نَوَيْتُ
Adds nothing on this mas’ala.
(أَوْ) نِيَّةُ (اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ) بِالْحَدَثِ كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَالْأَوْلَى جَمْعُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَاهَا كَفَتْ وَإِنْ أَتَى بِكَيْفِيَّةٍ مِنْهَا وَنَفَى غَيْرَهَا فَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ
وَكَذَا اثْنَتَانِ وَنَفْيُ الثَّالِثَةِ لِتَنَاقُضِهِ وَتَكْفِي إحْدَاهَا مُجَرَّدَةً عَنْ غَيْرِهَا بَلْ
أو أستباحة ممنوع يعني أن كيفية النية ثلاثة أوجه كل واحد منها كاف، اثنان تقدما،
والثالث أن ينوي بوضوئه استباحة ما كان الحدث مانعا له، والنية من باب الإرادات والقصود فهي من كسب العبد. واعلم أن للنية محلا، وحقيقة، وفائدة، وحكما، ومتعلقا، ومجل وقوع؛ فَمَحلها: القلب، وسيأتي له مزيد بيان، وحقيقتها: أن يقصد بقلبه ما يريد فعله وليس عليه نطق بلسانه، وفائدتها: تمييز ما يحتمل العبادة وغيرها كالغسل عبادة ونظافة وتمييز أنواع الفعل الواحد، وحكمها: الفريضة هنا، وحكى ابن رشد عليه الاتفاق، وجعله المازري المشهور، ومتعلقها: رفع الحدث أو الفرض أو استباحة ممنوع، وَمَحَلُّ وقوعها: الوجه،
وقيل عند غسل يديه إلى الكوعين، وجمع بينهما بأن يستصحبها للوجه، وقد مر ذلك،
فإن جمع المتوضي بين الثلاثة أي نية رفع الحدث والفرض واستباحة ممنوع أجزأ كما لو جمع بين اثنين منها ناسيا للآخر، أو خطر بباله واحد منها ناسيا لاثنين
لا إن أخرج للتنافي فتبطل؛ كأن يقول: أرفع الحدث ولا أستبيح الصلاة، أو أستبيح الصلاة ولا أرفع الحدث، وتكون النية كالعدم، ودليلُ وجوب النية قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١) )، فأفاد بالجملة والأخيرة أنه لابد في حصول كل عمل من نية تخصه،
وتمام الحديث: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله،
ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينحكها فهجرته إلى ما هاجر إليه، واستدل لها أيضا بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية ووجه الاستدلال بها أن الله تعالى أمر بالوضوء لأجل الصلاة، ولا معنى للنية إلا فعل أمر لأجل فعل آخر، وقد تقدم أنها واجبة في الوضوء اتفاقا عند ابن رشد ونحوه لابن حارث،
وقال المازري على الأشهر، وقال ابن الحاجب على الأصح. ابن فرحون واعترض على ابن الحاجب قوله على الأصح؛ لأنه يقتضي أن مقابله صحيح وهو شاذ في غاية الضعف، فكان ينبغي أن يقول على المشهور: وأجيب بأنه يطلق الأصح على المشهورة والنية تقدم أنها من باب الإرادات، والقصود يقال. نواك الله بحفظه أقي قصدك، والإرادة قد تتعلق بفعل الغير
بخلاف النية، فتقول أريد مغفرة الله: والفرق بين النية والعزم أن العزم تصميم على إيقاع الفعل، والنية تمييز له فهي أخفض منه رتبة وسابقة عليه، وقد تقدم أن محل النية القلب فمن شج في رأسه مأمومة أو موضحة خطئا فذهب عقله فله على مذهب إمامنا مالك دية العقل، ودية المأمومة أو الموضحة لا يدخل بعض ذلك في بعض؛ إذ ليس الرأس عنده محل العقل وإنما محله في مذهب مالك القلب، وهو قول أكثر أهل الشرع، فهو كمن فقأ عين رجل وأذهب سمعه في ضربة، وعلى مذهب ابن الماجشون إنما له دية العقل؛
لأن محله عنده وعند أبي حنيفة الرأس وهو مذهب الفلاسفة،
وأما عمدا فيقتص من الموضحة فإن ذهب فواضح، وإلا فالدية في مال الجاني كما يأتي إن شاء الله،
وفي المأمومة ديتها ودية العقل. واعلم أن الجسم قالب للنفس هي فيه كالسيف في الغمد، وكالسلطان الجالس بقبته فالقلب سريره والدماغ كرسيه، وجعل الله في الرأس عشر حواس: خمسا ظاهرة العين والأذن والشم والذوق واللمس، ويشاركه في هذا سائر البدن، وخمسا باطنة هي الحس المشترك، ومركزه مقدم الدماغ، والقوة المصورة، وهي أعلى منه، والقوة الخيالية؛ وهي في وسط الدماغ، والقوة الحافظة، والقوة الوهمية أعلى منها، والحواس الظاهرة توصل إلى الباطنة وهي توصل للنفس، والمحرك للحواس هو القلب اللحماني، والنفس والروح بمعنًى.
نقله الحطاب عن ابن رشد. واعلم أن الإنسان يثاب على نيته حسنةً واحدة، وعلى فعله عشر حسنات؛ لأن الأفعال مقاصد، والنيات وسائل؛ وهي أخفض رتبة من المقاصد. واعلم أن الشريعة
إما مطلوب أو مباح، والمباح لا يتقرب به إلى الله تعالى فلا معنى للنية فيه، والمطلوب نواهٍ وأوامر، فالنواهي يخرج الإنسان من عهدتها بعدم فعلها وإن لم يشعر بها فضلا عن القصد إليها،
فإن نوى تركها لله عز وجل حصل الثواب مع الخروج من العهدة، فالنية شرط في الثواب فقط لا في الخروج من العهدة، والأوامر منها ما صورة فعله كافية كأداء الديون والودائع ونفقات الزوجات والأقارب؛
فإن المقصود منها انتفاع أربابها، وذلك لا يتوقف على نية، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها، لكن لابد في حصول الثواب فيها من نية الامتثال كما قال القائل ): وليس في الواجب من نوال … عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط … وغير ما ذكرته فغلط يعني أن الواجب الذي لا تتوقف صحة فعله على نية لا نوال فيه؛ أي لا أجر إذا لم ينو فاعله حين التلبس به امتثال أمر الله عز وجل، وذلك كالإمامة في الصلاة، والإنفاق على الزوجات والأقارب والدواب، ورد المغصوب والعواري والودائع ودفع الديون؛
فهي وإن وقعت واجبة مبرئة للذمة لا ثواب فيها، ومنها ما لا يكون صورة فعله كافية في تحصيل المقصود منه كالصلاة والطهارة والصيام والنسك والزكاة،
فإن المقصود منها تعظيم الله تعالى والخضوع له، وذلك إنما يحصل إذا قصدت من أجله، وهذا القسم هو الذي أمر الشارع فيه بالنيات،
وإذا وجدت النية ففيه الثواب وإن لم ينو الامتثال خلافا للقرافي؛ فإنه لابد عنده في الثواب من نية الامتثال توقفت صحة الفعل على نية أم لا، ولابد أن تكون النية مقارنة لأول الفعل إلا الصوم لإتيان أول الصوم حالة النوم فيجوز تقديمها على ما يأتي، والنية حقيقة واحدة لكنها تنقسم باعتبار ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة،
فإن نوى المكلف في أول العبادة فهذه نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها فهي نية حكمية؛ بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها،
وكذلك الإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت فعلية، ثم إذا ذهل عنها حكم صاحب الشرع ببقاء أحكامها لمن اتصف بها حتى لو مات الإنسان مغمورا بالمرض، يحكم له صاحب الشرع بالإسلام المتقدم بل بالولاية والصديقية وجميع المعارف، وعكسه يحكم له بالكفر ثم يكون يوم القيامة كذلك، ومنه قوله تعالى {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا} مع أنه لا يكون يوم القيامة أحد مجرما ولا كافرا.
واعلم أن المنوي من العبادة ضربان: أحدهما مقصود في نفسه كالصلاة،
والثاني مقصود لغيره، وهو قسمان: مقصود لغيره مقصود في نفسه كالوضوء؛ فإنه نظافة مطلوب للصلاة مكمل لحسن هيئاتها،
والثاني مقصود لغيره كالتيمم فلو نوى التيمم دون استباحة الصلاة فقولان للعلماء أحدهما لا يجزئه؛ لأنه نوى ما ليس مقصودا في نفسه،
والثاني يجزئه لكونه عبادة، ويتحير المكلف في المقصود لنفسه ولغيره بين قصده لكونه مقصودا في نفسه، وبين قصده للمقصود منه، فالأول كقصد الوضوء: وقد تقدم أنه إذا نوف الوضوء الذي أمر الله به صح، كما أنه يصح إذا نوى الصلاة أو شيئا لا يقدم عليه إلا بارتفاع الحدث الذي هو الاستباحة. واعلم أن المراءاة فيما ليس من العبادات كتحسين الثوب ونحو ذلك قد تكون مذمومة وقد تكون مباحة، وذلك على حسب الغرض المطلوب عنه،
فإذا أنفق الرجل ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة، بل ليقال ويعتقد أنه سخي فهذا مراءاة ليس بحرام،
وكذلك أمثاله: إلا أنه نظر فيه الشيخ العارف بالله تعالى أبو محمد بن عبد الرحمن بن محمد قدس الله تعالى سره لما في حديث مسلم الذي فيه: (ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأُتِىَ به فعرفه الله نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار (١) ).
واعلم أن الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة من واجبات الصلاة، وأجمعوا مع ذلك على أن من توضأ قبل الوقت واستتر واستقبل، ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة، وصلى من غير أن يجدد فعلا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته،
وفي الحطاب بعد جلب نقل عن العلماء: فهذا صريح في أن المتوضئ ينوي بغسل يديه والمضمضة والاستنشاق والاستنثار أنها سنن للوضوء،
ولو فعل ذلك من غير نية لم تحصل السنة، ثم ينوي عند وجهه رفع الحدث،
وفي المواهب اللدنية للقسطلاني أنه ليس بين العلماء اختلاف في وجوب النية في المقاصد، وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل، فخالف الحنفية في اشتراطها في الوضوء، وخالف الأوزاعي في اشتراطها للتيمم، ولا يحتاج الإيمان للنية
وكذا سائر أعمال القلوب من خشية الله وتعظيمه ومحبته وإن مع تبرد مبالغة في إجزاء النية، يعني أن النية المذكورة إذا صحبها قصد التبرد فإنها صحيحة ولا يضرها ما صحبها،
ولو قال: بكتبرد لكان أشمل لشموله لتدف أو نظافة أو تعلم أو تعليم للناس كيفية الوضوء، لكن الثلاثة الأول مباحة، والرابع مندوب،
وقيل لا يجزئ؛ لأن المقصود من النية أن يكون الباعث على العبادة طاعة الله فقط، وها هنا الباعث الأمران، وكان الجاري على قاعدة المص أن يأتي بلو فإن الخلاف في ذلك في المذهب قاله الحطاب.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.