ولا كلمه غدا وبعده ثم غدا
Its commentaries
(وَ) لَا تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا إنْ كَانَ مُتَعَلَّقُ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ جُزْءَ مُتَعَلَّقِ الْأُولَى كَمَا لَوْ حَلَفَ (لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ) حَلَفَ ثَانِيًا لَا أُكَلِّمُهُ (غَدًا) ، وَكَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
بِخِلَافِ لَوْ لَمْ تَكُنْ الثَّانِيَةُ جُزْءَ الْأُولَى كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا، وَلَا بَعْدَهُ فَكَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَتَانِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ فَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ ابْتِدَاءً فَظَاهِرٌ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ.
وَهَذَا شُرُوعٌ فِيمَا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ أَوْ يُقَيِّدُهَا، وَهُوَ خَمْسَةٌ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ وَالْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ وَالْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ، وَبَدَأَ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَقَالَ
(قَوْلُهُ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافٍ) أَيْ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ،
وَكَذَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ إنْ كَلَّمَهُ أَوَّلًا بَعْدَ غَدٍ، وَمَحَلُّ اتِّحَادِهَا إذَا كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ مَعًا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ
(قَوْلُهُ: فَكَفَّارَتَانِ) لُزُومُ الْكَفَّارَتَيْنِ فِي غَدٍ فِي هَذِهِ لِوُقُوعِهِ ثَانِيًا مَعَ الْغَيْرِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ فِي نَفْسِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ، وَقَعَ الْغَدُ ثَانِيًا وَحْدَهُ فَكَانَ كَالتَّأْكِيدِ لِلْأَوَّلِ.
ص (وَلَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَتَعَدَّدُ مُوجِبُ الْحِنْثَ كَفَّارَةٌ أَوْ غَيْرُهَا بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ مَعَ تَغَايُرِ مُتَعَلِّقِهَا،
وَلَوْ بِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَلَازِمًا مُسَاوِيًا عَلَى رَأْيٍ انْتَهَى. .
. ص (وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ) ش: لَمَا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حَدِّ الْيَمِينِ وَصِيغَتِهَا وَالْيَمِينِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ وَأَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَتَكْرِيرِهَا وَاتِّحَادِهَا أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، فَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ النِّيَّةُ الثَّانِي الْبِسَاطُ الثَّالِثُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ الرَّابِعُ الْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ الْخَامِسُ الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى النِّيَّةِ فَقَالَ: وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ الْعَامَّ وَتُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ إذَا صَلُحَ اللَّفْظُ لَهَا
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: النِّيَّةُ تُقَيِّدُ الْمُطْلَقَاتِ وَتُخَصِّصُ الْعُمُومَاتِ إذَا صَلُحَ لَهَا اللَّفْظُ نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ صَالِحًا لَهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِيمَا نَوَاهُ الْحَالِفُ،
وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ مَا يَكُونُ الْحَالِفُ فِيهِ عَلَى نِيَّةٍ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ وَلِغَيْرِهِ، انْتَهَى.
قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ نُصُوصٌ وَظَوَاهِرُ فَالنُّصُوصُ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ وَلَا التَّخْصِيصَ، وَالظَّوَاهِرُ هِيَ الَّتِي تَقْبَلُهَا، وَالنُّصُوصُ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ كَالْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلِقَ الْعَشَرَةَ وَتُرِيدَ بِهَا التِّسْعَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ،
وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتَ عَشَرَةً، ثُمَّ تُبَيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مُرَادَكَ بِهَا وَتَقُولُ: أَرَدْت خَمْسَةً فَإِنَّ التَّخْصِيصَ مَجَازٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَقَاءِ بَعْضِ الْمُسَمَّى، وَالْمَجَازُ قَدْ لَا يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ كَمَا تَقُولُ رَأَيْتَ إخْوَتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْت بِإِخْوَتِكَ نِصْفَهُمْ فَهَذَا تَخْصِيصٌ، وَالْمَجَازُ الَّذِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ أَنْ تَقُولَ أَرَدْت بِإِخْوَتِكَ مَسَاكِنَهُمْ فَلَيْسَ الْمَسَاكِنُ بَعْضَ الْإِخْوَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ، فَالْمَجَازُ أَعَمُّ مِنْ التَّخْصِيصِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ النُّصُوصِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي غَيْرِ اللَّهِ أَلْبَتَّةَ إجْمَاعًا،
فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا فَعَلْت كَذَا،
وَقَالَ أَرَدْت: بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ وَالرَّحْمَنِ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَبَّرْت بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْفَاعِلِ عَلَى أَثَرِهِ، وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ لَا يَلْزَمُ بِهِ كَفَّارَةٌ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ (قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ وَأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي غَيْرِ اللَّهِ وَمَا امْتَنَعَ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَهَذَا الِامْتِنَاعُ شَرْعِيٌّ وَالِامْتِنَاعُ فِي الْأَعْدَادِ لَغَوِيٌّ، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: إنْ نَافَتْ أَصْلَهُ نَافَيَت فَتَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ كَمَا فِي سَاوَتْ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً أَيْ مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِفِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُوَرٍ، وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِي ذَلِكَ الْحُكْمَ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ: مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً،
وَكَذَلِكَ الْمُخَصِّصَاتُ اللَّفْظِيَّةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَارِضَةً لَا تَكُونُ مُنَافِيَةً، انْتَهَى.
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمُخَصِّصَةِ لَا فِي الْمُقَيِّدَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: تَنْبِيهٌ سُئِلَ الْحَالِفُ بِاللَّفْظِ الْعَامِ،
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بَعْضَ أَنْوَاعِهِ لَا يُلْتَفَتُ لِنِيَّتِهِ وَيُعْتَبَرُ عُمُومُ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلَّفْظِ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ غَيْرُ صَارِفَةٍ لَهُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ،
وَمِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ صَارِفَةً،
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إخْرَاجَ مَا عَدَا هَذَا النَّوْعَ حُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ،
وَمِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ،
بِخِلَافِ الْمُقَيِّدَةِ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ، وَهَذَا مَقَامٌ لَا يُحَقِّقُهُ أَكْثَرُ مُفْتِي الْعَصْرِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ إثْرَ نَقْلِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ قُلْت شَرْطُ التَّخْصِيصِ مُنَافَاةُ حُكْمِ الْخَاصِّ لِلْعَامِّ وَإِلَّا فَهُوَ تَقْيِيدٌ،
فَإِذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} فَإِنْ قُلْنَا بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْمَسْفُوحَ وَغَيْرَهُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِقَوْلِهِ: دَمًا مَسْفُوحًا لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ،
وَإِنْ قُلْنَا بِإِطْلَاقِهِ: تَقَيَّدَ فَمِنْ ثَمَّ جَاءَ الْقَوْلَانِ فِي تَحْرِيمِ الدَّمِ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي لُبَابِ اللُّبَابِ الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ وَالْمُخَصِّصَةِ فَالْمُؤَكِّدَةُ هِيَ الْمُوَافِقَةُ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ وَالْمُخَصِّصَةُ مُنَافِيَةٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَنَوَى كَتَّانًا قَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْفُقَهَاءُ يُفْتُونَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْكَتَّانِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ يَحْنَثُ فِي الْكَتَّانِ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ، وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ،
وَإِنْ اسْتَحْضَرَ غَيْرَ الْكَتَّانِ فِي نِيَّتِهِ وَنَوَى إخْرَاجَهُ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ حِينَئِذٍ مُخَصِّصَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا، انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ: تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ،
بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ، وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِي ذَلِكَ الْحُكْمَ عَنْ تِلْكَ الصُّوَرِ، انْتَهَى.
فَتَبَيَّنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمُنَافَاةَ إنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الْمُخَصِّصَةِ لَا فِي الْمُقَيِّدَةِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ نَافَتْ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُنَافِ تُخَصِّصُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ النِّيَّةُ الْمُؤَكِّدَةُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ النِّيَّةَ إنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا انْتَهَى. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَالنِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ اُعْتُبِرَتْ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: وَسَاوَتْ يَعْنِي إذَا قُلْنَا مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً فَمِنْ شَرْطِهَا أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُنَافَاتُهَا وَعَدَمُ مُنَافَاتِهَا عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ تُخَالِفَ النِّيَّةُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ بِأَشَدَّ مِنْ مَدْلُولِهِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زَيْتًا فَيَقُولُ: أَرَدْت سَائِرَ الْأَدْهَانِ. الثَّانِي أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَيَكُونَ قَصْدُ مُخَالَفَتِهَا لِلَّفْظِ وَقَصْدُ عَدَمِ مُخَالَفَتِهَا لَهُ سَوَاءٌ، أَيْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ مَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَقْصِدَ عَلَى حَدِّ السَّوَاءِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ.
الثَّالِثُ أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقَ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْقَرِيبَ مِنْ التَّسَاوِي. الرَّابِعُ أَنْ تُخَالِفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَتُوَافِقَ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ الْبَعِيدَ جِدًّا، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً كَمَا تَقَدَّمَ،
وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مُنَافَاتُهَا وَعَدَمُ مُنَافَاتِهَا عَلَى السَّوَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ،
فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَتَكُونُ مُخَصِّصَةً وَتُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَتَقْيِيدِهِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَعْنِي الثَّانِيَ فِي كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: إلَّا لِمُوَافَقَةٍ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَكِنْ يَسْتَظْهِرُ عَلَيْهِ بِيَمِينٍ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ادَّعَاهُ إنْ نَوَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ مِمَّا تَرَدَّدَ فِيهِ الْأَشْيَاخُ، وَهُوَ مِنْ أَيْمَانِ التُّهَمِ وَالْأَقْرَبُ هُنَا تَوَجُّهُهَا احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ، انْتَهَى. وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَذُكِرَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ النِّيَّةَ إنْ كَانَتْ مُحْتَمَلَةً وَلَمْ يَشْهَدْ لَهَا ظَاهِرُ الْحَالِ، وَلَا دَلِيلُ عُرْفٍ، وَلَا مَقْصِدٌ، وَلَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ،
وَكَانَتْ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ وَلَمْ يَأْتِ مُسْتَفْتِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ قَالَ: وَأَمَّا إنْ شَهِدَ لِلنِّيَّةِ ظَاهِرُ الْحَالِ أَوْ دَلِيلٌ مِنْ الْعُرْفِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَسْقُطُ،
وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهَا بِيَمِينٍ، وَلَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، هَذَا إذَا لَمْ يَأْتِ مُسْتَفْتِيًا،
وَأَمَّا إذَا أَتَى مُسْتَفْتِيًا أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا فَيَنْوِي فِيمَا نَوَاهُ دُونَ يَمِينٍ،
وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الَّتِي نَوَى خِلَافَ ظَاهِرِ لَفْظِهَا، انْتَهَى.
وَدَخَلَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلَّفِ بِالْأَحْرَوِيَّةِ أَعْنِي قَوْلَهُ يُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا (الثَّانِي) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّنْقِيحِ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ بِقَيْدٍ يَتْبَعُهُ فِي مُحَالِهِ نَحْوُ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ،
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: أَيْ يَتْبَعُهُ بِحُكْمِهِ فِي مُحَالِهِ
إمَّا وُجُوبًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إبَاحَةً، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ،
فَإِنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَتْبَعُ بَلْ يَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى فَرْدٍ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْعَامُّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فَقَوْلُهُ: يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ يَعْنِي أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ لِيُخْرِجَ بِهِ اسْمَ الْعَدَدِ مِنْ حَيْثُ الْآحَادُ فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُهَا بِحَصْرٍ كَعَشَرَةٍ، ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ نَحْوُ رَجُلٍ، وَالْمُقَيَّدُ هُوَ الَّذِي أُضِيفَ إلَى مُسَمَّاهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ نَحْوُ رَجُلٌ صَالِحٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْمُطْلَقُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، انْتَهَى. فَعِنْدَ الْقَرَافِيِّ أَنَّ النَّكِرَةَ وَالْمُطْلَقَ سَوَاءٌ، وَهَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَعِنْدَ السُّبْكِيّ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ،
فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ سُمِّيَ مُطْلَقًا وَاسْمَ جِنْسٍ،
وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً قَالَ السُّبْكِيُّ وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أُسْلُوبُ الْمَنْطِقِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَ ذَكَرَيْنِ فَقِيلَ لَا تَطْلُقُ نَظَرًا لِلتَّنْكِيرِ الْمُشْعِرِ بِالتَّوْحِيدِ،
وَقِيلَ: تَطْلُقُ حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُ عَنْ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ رَاشِدٍ أَنَّ الْحَالِفَ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا وَنَوَى كَتَّانًا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْكَتَّانِ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ وَيَحْنَثُ فِي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَلَمْ يَجْعَلُوا هَذِهِ النِّيَّةَ مُقَيِّدَةً وَالْمُصَنِّفُ قَدْ قَالَ: إنَّ النِّيَّةَ تُقَيِّدُ فَالْجَوَابُ أَنَّ لَفْظَ الثَّوْبِ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ عَامٌّ لَكِنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ فَالنِّيَّةُ هُنَا إنَّمَا هِيَ مُخَصِّصَةٌ لَا مُقَيِّدَةٌ،
وَمِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ص (فِي اللَّهِ وَغَيْرِهَا كَطَلَاقٍ) ش: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْيَمِينِ الَّتِي خُصِّصَتْ بِمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ وَلِأَجْلِ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هَلْ يُسَمَّيَانِ يَمِينًا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَتَى بِقَوْلِهِ: كَطَلَاقٍ فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَغَيْرِهَا، وَمِثْلُ الطَّلَاقِ الْعِتْقُ، ثُمَّ مَثَّلَ لِلنِّيَةِ الْمُنَافِيَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ الِاحْتِمَالِ بِفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهَا،
(وَلَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) . ابْنُ يُونُسَ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ،
فَإِنْ كَلَّمَهُ غَدًا لَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ،
ثُمَّ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
وَلَوْ لَمْ يُكَلِّمْهُ غَدًا وَكَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،
وَلَوْ كَانَ إنَّمَا قَالَ لَهُ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك غَدًا فَكَلَّمَهُ فِي غَدٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَرَّرَ الْيَمِينَ فِي كَلَامِهِ فِي غَدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَرَّرَهُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَتَعَقَّبْ هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ طُولٌ اُنْظُرْهُمَا أَنْتَ.
(وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ فِي اللَّهِ وَغَيْرِهَا كَطَلَاقٍ كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا أَوْ لَا أُكَلِّمُهُ كَتَوْكِيلِهِ فِي لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ إلَّا لِمُرَافَعَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَقَطْ وَاسْتَحْلَفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ وَكَذِبٍ فِي طَالِقٍ وَحُرَّةٍ أَوْ حَرَامٍ وَإِنْ بِفَتْوَى) .
ابْنُ عَرَفَةَ: النِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ خَالَفَتْهُ بِأَشَدَّ اُعْتُبِرَتْ اتِّفَاقًا وَإِلَّا فَطُرُقٌ. التَّلْقِينُ: يُعْتَبَرُ فِي الْيَمِينِ النِّيَّةُ وَيُعْمَلُ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ اللَّفْظُ بِهَا، كَانَتْ مُطَابِقَةً لَهُ أَوْ زَائِدَةً فِيهِ أَوْ نَاقِصَةً عَنْهُ بِتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ أَوْ تَخْصِيصِ عَامِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ تَوَافَقَ اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ اسْتَوَى حُكْمُ مَا يَقْضِي بِهِ وَمَا لَا يَقْضِي بِهِ وَإِنْ خَالَفَ اللَّفْظُ مُقْتَضَى النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْضَى بِهِ نُظِرَ،
فَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ النِّيَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ وَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ،
وَإِنْ احْتَمَلَهُ وَلَكِنْ عَلَى بُعْدٍ فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى النِّيَّةِ،
وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ تُقْبَلُ نِيَّتُهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ النِّيَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: مِنْهَا مَا لَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِ نِكَاحِهَا فَتَبِينُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ وَيَقُولُ: نَوَيْت مَا كَانَتْ تَحْتِي فَيُصَدَّقُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي يُعَاتِبُ زَوْجَتَهُ فِي دُخُولِ بَعْضِ قَرَابَتِهَا فَتَحْلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا دَخَلَ عَلَيَّ مِنْ أَهْلِي أَحَدٌ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: نَوَيْت مَا كَانَ حَيًّا، فَذَلِكَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ.
ابْنُ يُونُسَ: وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْقَابِسِيِّ فِي الَّذِي يَعْجَبُ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ فَيَقُولُ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ. الْوَجْهُ الْآخَرُ مَا تُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ كُلُّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْبِيدًا ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت شَهْرًا أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرَ يَمِينًا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَادَّعَى مَا يَقْطَعُ التَّأْبِيدَ فَيُصَدَّقُ فِي الْفُتْيَا وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا وَقَالَ نَوَيْت سَمْنَ ضَأْنٍ، أَوْ حَلَفَ لِزَوْجَتِهِ فِي جَارِيَةٍ لَهُ إنْ كَانَ وَطِئَهَا وَهُوَ يُرِيدُ بِقَدَمِهِ فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي هَذَا، وَشِبْهُهُ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ رَاجَعْتُك فَأَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ وَقَالَ: إنَّمَا نَوَيْت مَا كَانَتْ فِي عَدَمِهَا،
فَإِنْ كَانَتْ عَلَى يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ لِمَ أُدِينُهُ،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى يَمِينِهِ بَيِّنَةٌ دَيَّنْته.
وَقِيلَ: إنَّمَا مَعْنَى هَذَا إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا بِلَا مُخَاصَمَةٍ وَلَا مُرَافَعَةٍ،
وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ الْمُرَافَعَةُ فَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى أَصْلِ يَمِينِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَإِقْرَارُهُ بِهَا كَالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْإِقْرَارِ مُدَّعٍ فِيمَا يَطْرَحُهُ فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: حِكْمَةُ طَالِقٌ وَلَهُ جَارِيَةٌ وَزَوْجَةٌ يُسَمَّيَانِ كَذَلِكَ وَقَالَ: نَوَيْت جَارِيَتِي فَلَهُ نِيَّتُهُ فِي الْفَتْوَى،
وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ بِهِ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ فَلَا تَنْفَعُهُ وَأَكْثَرُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الْوَجْهُ الْآخَرُ مَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ فِي قَضَاءٍ وَلَا فُتْيَا وَهِيَ كُلُّ يَمِينٍ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ أَوْ شَرْطٍ أَوْ لِتَأْخِيرِ أَجَلٍ دُيِّنَ، فَمَا كَانَ يَقْضِي فِيهِ السُّلْطَانُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ، وَمَا كَانَ لَا يَقْضِي بِهِ كَيَمِينٍ بِصَدَقَةٍ أَوْ بِمَشْيٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَيُدَيَّنُ فِي نِيَّتِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ. انْتَهَى بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ ابْنِ يُونُسَ، رُمْتُ بِذَلِكَ مُسَايَرَةَ أَلْفَاظِ خَلِيلٍ لَكِنْ لَمْ يَتَّجِهْ مَا رُمْتُهُ فَانْظُرْهُ إلَّا أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: اخْتِصَارُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ عَلَى تَوْثِقَةٍ أَوْ تَأْخِيرِ رَبِّهِ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ طَوْعًا فِي أَمْرٍ كُذِّبَ فِيهِ فَيَقُولُ: نَوَيْت امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي الْمَيِّتَةَ، فَهَذَا لَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ فِي قَضَاءٍ وَلَا فُتْيَا.
وَاخْتُلِفَ هَلْ تَنْفَعُهُ الْمُحَاشَاةُ فِي يَمِينِهِ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَلَالِ عَلَيَّ حَرَامٌ؟
وَالثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا وَقَالَ: نَوَيْت شَهْرًا أَوْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا فَيَقُولُ: نَوَيْت سَمْنَ ضَأْنٍ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَقَالَ: نَوَيْت شَيْئًا، فَهَذَا الَّذِي تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ فِي الْفُتْيَا فِي الْقَضَاءِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا فَيُفَارِقُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُ فَيَقُولُ: نَوَيْت مَا كَانَتْ تَحْتِي أَوْ يُعَاتِبُ زَوْجَتَهُ فِي دُخُولِ بَعْضِ قَرَابَتِهَا إلَيْهَا فَتَحْلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: نَوَيْت مَا كَانَ حَيًّا فَذَلِكَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّوْكِيلِ فِي لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَضْرِبُهُ فَسَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لَا أَفْعَلُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ ".
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ عَبْدَهُ فَبَاعَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ حَانِثٌ وَلَمْ يَنْوِهِ فِي الْكِتَابِ
بِخِلَافِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضْرِبَ عَبْدَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِهِ،
فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت بِنَفْسِي صُدِّقَ انْتَهَى.
فَانْظُرْ هَذَا مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ وَانْظُرْ هُنَا مَسَائِلَ:
مَسْأَلَةٌ أَوْلَى: اُسْتُحْلِفَ عَلَى وَثِيقَةِ حَقٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ فِيهِ نِيَّةٌ.
مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ: اُسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَشْيٍ وَنَحْوِهِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَدِينُ.
مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ: طَاعَ بِالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ عَلَى ذَلِكَ. تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ: مَنْ قَالَ: حِكْمَةُ طَالِقٌ إلَى آخِرِهِ أَنَّ لَهُ نِيَّتَهُ فِي الْفَتْوَى دُونَ الْقَضَاءِ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ حَلَفَ بِهِ عَلَى وَثِيقَةٍ.
مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ: طَاعَ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، تَقَدَّمَ نَصُّ التَّلْقِينِ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ مُطْلَقًا.
مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ: اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ حَقٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ. مَسْأَلَةٌ سَادِسَةٌ: اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ حَقٍّ بِاَللَّهِ أَوْ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ طَرِيقَيْنِ. ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ زَرْقُونٍ: فِيمَا يَقْطَعُ بِهِ حَقَّ غَيْرِهِ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ إجْمَاعًا مَعَ إثْمِهِ وَفِي غَيْرِهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ فِي حَقٍّ عَلَى الْحَالِفِ وَأَحْلَفَهُ الطَّالِبُ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ قَضَى بِظَاهِرِ يَمِينِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْ أَنَّهُ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، هَلْ ذَلِكَ إلَى نِيَّتِهِ أَوْ إلَى نِيَّةِ الطَّالِبِ؟ رَاجِعْهُ فِي بَابِ لَغْوِ الْيَمِينِ وَالْغَمُوسِ، وَانْظُرْ قَوْلَ اللَّخْمِيِّ لَا يُصَدَّقُ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ مُخْلِصٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَجُلٍ اُبْتُلِيَ بِالْغَيْرَةِ فَحَلَفَ لِزَوْجَتِهِ فِي جَارِيَةٍ لَا يَطَؤُهَا وَهُوَ يَنْوِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَذَلِكَ يَسُوقُ إلَى غَيْرِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اللُّغْزُ اعْتِذَارًا أَوْ تَطْيِيبًا لِلنَّفْسِ لَا فِي حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَنَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذْ لَا حَقَّ لِامْرَأَتِهِ فِي تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ فِيهِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا السَّمَاعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِلُغْزٍ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ لِلسُّلْطَانِ طَائِعًا فَيَقُولُ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَرَادَ امْرَأَةً كَانَتْ لَهُ مِنْ قَبْلُ. وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ: امْرَأَتُك طَالِقٌ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا
وَكَذَا قَالَ: نَعَمْ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ كُنْت فَعَلْت وَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ إلَّا كَذَا
وَكَذَا الَّذِي اسْتَحْلَفَهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْته يَرَى إنْ كَانَ تَكَلَّمَ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمَحْلُوفُ لَهُ وَهَذَا نَصٌّ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ لَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ
وَمِثْلُهُ لِابْنِ وَهْبٍ انْتَهَى.
وَانْظُرْ فِي رَسْمِ يَشْتَرِي إذَا قَالَ: حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا ثُمَّ كَلَّمَهُ وَقَالَ: كُنْت كَاذِبًا فِي قَوْلِي حَلَفْت، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: إذَا كَلَّمْت الْيَوْمَ فُلَانًا فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا كَلَّمَهُ وَأَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا فَإِنَّهُ يَدِينُ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزُّورِ.
(ص) وَلَا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا (ش) يَعْنِي أَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ إذَا كَانَتْ جُزْءَ الْأُولَى فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَّحِدُ فِيهِمَا كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ غَدًا وَكَلَّمَهُ غَدًا كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى غَدٍ فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
بِخِلَافِ لَوْ لَمْ تَكُنْ الثَّانِيَةُ جُزْءَ الْأُولَى فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَاتٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ وَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَقَطْ فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حَدِّ الْيَمِينِ وَصِيغَتِهَا الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ مِنْهَا وَأَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَتَكْرَارِهَا وَاتِّحَادِهَا أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مُقْتَضِيَاتِ الْحِنْثِ وَالْبِرِّ وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أُمُورٍ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ وَالْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ وَالْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ وَبَدَأَ بِالنِّيَّةِ فَقَالَ
(قَوْلُهُ وَلَا كَلَّمَهُ غَدًا إلَخْ) وَلَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَا كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَكَفَّارَتَانِ إنْ كَلَّمَهُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أُمُورٍ) ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِغَيْرِهَا النِّيَّةَ الْمُعَمِّمَةَ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا ثُمَّ بَعْدَ أَنْ كَتَبْته وَجَدْت النَّقْلَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْمُخَصَّصَ وَالْمُقَيَّدَ سِتَّةٌ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمُصَنِّفِ وَالْعُرْفُ الْفِعْلِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ تِلْكَ تَقْتَضِي الْحِنْثَ أَيْ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ مَثَلًا لَا آكُلُ سَمْنًا مُقْتَضَى اللَّفْظِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ أَيِّ سَمْنٍ فَإِذَا نَوَى خُصُوصَ سَمْنِ الضَّأْنِ فَتِلْكَ النِّيَّةُ اقْتَضَتْ الْحِنْثَ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ قَوْلُهُ وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إلَخْ) أَيْ قَصَرَتْ الْعَامَّ فَالْمَفْعُولُ لِخَصَّصَتْ مَحْذُوفٌ
وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَقَيَّدَتْ أَيْ الْمُطْلَقَ فَمَفْعُولُ قَيَّدَتْ مَحْذُوفٌ وَخَرَجَ بِهِ أَسْمَاءُ الْعَدَدِ كُلِّهِ عَلَى عَشَرَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت تِسْعَةً وَهَذَا غَيْرُ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً مَثَلًا وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فَيُمْتَنَعُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِ مَعْنَاهَا فَإِذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ وَقَالَ أَرَدْت بِزَيْدٍ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْفَاعِلِ عَلَى أَثَرِهِ لَمْ تُقْبَلْ نِيَّتُهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِمَا تَخْصِيصُ كَذَا فِي عب وَتَأَمَّلْ فَإِنَّ الْمُخَصَّصَ لَيْسَ مَجَازًا.
وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مَجَازٌ
(وَ) لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ مُتَعَلِّقُ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ جُزْءَ مُتَعَلِّقِ الْيَمِينِ الْأُولَى كَحَلِفِهِ بِاَللَّهِ (لَا كَلَّمَهُ) أَيْ الْحَلِفُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (غَدًا وَبَعْدَهُ) أَيْ الْغَدِ (ثُمَّ) حَلَفَهُ ثَانِيًا لَا كَلَّمَهُ (غَدًا) ثُمَّ كَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ، أَوْ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي أَوْ عَكْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِ الْآخَرِ حَيْثُ يَقْصِدُ تَعَدُّدَهَا،
وَأَمَّا عَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ حَلِفُهُ لَا كَلَّمَهُ غَدًا ثُمَّ حَلِفُهُ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَلَا بَعْدَ غَدٍ،
فَإِنْ كَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَتَانِ ثُمَّ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ غَدٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَلَّمَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ غَدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَقَلَهُ تت عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَلُزُومُ كَفَّارَتَيْنِ فِي غَدٍ فِي هَذِهِ لِوُقُوعِهِ ثَانِيًا مَعَ غَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَمَسْأَلَةُ وَخُصِّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، [منح الجليل] الْمُصَنِّفِ وَقَعَ فِيهَا الْغَدُ ثَانِيًا وَحْدَهُ فَكَانَ كَالتَّأْكِيدِ لِلْأَوَّلِ.
غدا وبعده ثم غدا؛ يعني أنه لو قال: والله لا كلمت زيدا غدا وبعد غد، ثم قال بعد ذلك: والله لا كلمت زيدا غدا ثم كلمه غدا فإنما تلزمه كفارة واحدة، سواء كلمه في اليومين معا أو في الثاني دون الأول،
وكذا لو كلمه في الأول دون الثاني؛ لأن ذكر الشيء بالخصوص بعد ذكره بالعموم لا يفيد إلا التأكيد، نحو: اقتلوا المشركين اقتلوا أبا جهل. ومحل اتحاد الكفارة فيما قال المص حيث لم يقصد الحالف تعدد الكفارة بتعدد الحلف، وإلا تعددت، ومفهوم كلام المص أنه لو حلف لا أكلمه غدا، ثم حلف لا أكلمه غدا وبعد غد فكلمه غدا فإنه تلزمه كفارتان، والفرق بينه وبين منطوق المص أن الغد في المفهوم وقع ثانيا مع غيره، فكأنه غير الأول
بخلاف المنطوق فكان تأكيدا. وتحصل من كلام المص أن حنث اليمين يسقطها فلا تكرر الكفارة بتكرر موجب الحنث إلا بلفظ أو نية أو عرف.
ولما أنهى الكلام على حد اليمين وصيغتها والموجبة للكفارة منها وأنواع الكفارة وتكرارها واتحادها. أتبع ذلك بالكلام على ما يخصصها ويقيدها،
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.