كوثيقة زعم ربها سقوطها ولم يشهد شاهدها إلا بها.
Its commentaries
(كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا) أَيْ كَمَا يَقْضِي لِلْمَدِينِ بِدَفْعِ الدَّيْنِ لِرَبِّهِ إنْ ادَّعَى الْوَفَاءَ وَتَقْطِيعَ الْحُجَّةِ وَادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ عَدَمَهُ وَأَنَّ الْحُجَّةَ ضَاعَتْ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ أَنَّهُ وَفَّاهُ جَمِيعَ الدَّيْنِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُ وَلِرَبِّهَا رَدُّهَا إلَخْ لِوُجُودِ الْوَثِيقَةِ بِيَدِ الْمَدِينِ فِيهَا فَهِيَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ قَوْلِهِمْ مَنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَإِلَّا غَرِمَ وَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا فَلْيُتَأَمَّلْ (وَلَمْ يَشْهَدْ) أَيْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ (شَاهِدُهَا) أَيْ الْوَثِيقَةِ، الَّذِي كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِيهَا (إلَّا بِهَا) أَيْ بِإِحْضَارِهَا يَعْنِي وَلَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ مُسْتَحْضِرًا لِلْقَضِيَّةِ فَطَلَبَ إحْضَارَ الْوَثِيقَةِ لِيَتَذَكَّرَهَا وَيَعْلَمَ حَقِيقَةَ مَا فِيهَا وَالْحَالُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ أَوْ ادَّعَى دَفْعَ الْجَمِيعِ وَرَبُّ الدَّيْنِ ادَّعَى دَفْعَ الْبَعْضِ وَمِنْهَا الدَّيْنُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا الْجُنُونُ وَالصِّبَا وَالسَّفَهُ وَالْمَرَضُ
وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا) هَذَا تَشْبِيهٌ فِيمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ وَقَضَى لِرَاهِنٍ إلَخْ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ وَثِيقَةً بِهِ وَأَنَّهَا سَقَطَتْ أَوْ تَلِفَتْ وَلَمْ تُوجَدْ بِيَدِ أَحَدٍ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ دَفَعْتُ لَك الدَّيْنَ وَقَطَّعْتَ الْوَثِيقَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْيَمِينُ أَنَّهُ وَفَّاهُ جَمِيعَ الدَّيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّ فَقْدَ الْوَثِيقَةِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعِي وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ
(قَوْلُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ لِرَبِّهِ) أَيْ بِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الدَّيْنَ لِرَبِّهِ.
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَدِينُ إلَّا الْيَمِينُ وَذَلِكَ لِأَنَّ فَقْدَ الْوَثِيقَةِ مِنْ يَدِ رَبِّ الدَّيْنِ شَاهِدٌ لِلْمَدِينِ فَيَحْلِفُ مَعَهُ
(قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْوَثِيقَةِ بِيَدِ الْمَدِينِ فِيهَا) أَيْ
بِخِلَافِ مَا هُنَا فَلَمْ تُوجَدْ الْوَثِيقَةُ بِيَدِ أَحَدٍ
(قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا إلَخْ
(قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ الْقَاعِدَةُ الَّتِي قَالُوهَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ أَيْ مُخَرَّجٌ مِنْ عُمُومِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بِهَا) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا
(قَوْلُهُ يَعْنِي وَلَمْ يَكُنْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَخْ،
وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ شَاهِدَ الْوَثِيقَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا فِيهَا إلَّا بَعْدَ حُضُورِهَا مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَيْرَ مُتَذَكِّرٍ لِلْقَضِيَّةِ،
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَذَكِّرًا لَهَا فَلَا تَتَوَقَّفُ شَهَادَتُهُ عَلَى حُضُورِهَا،
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا لِلْحَقِّ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مُدَّعِيًا لِدَفْعِ جَمِيعِهِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي دَفْعَ بَعْضِهِ وَالْحَالُ أَنَّ الْوَثِيقَةَ مُكْتَتَبَةٌ بِمَا دَفَعَ فَإِذَا كَانَ الشَّاهِدُ غَيْرَ مُسْتَحْضِرٍ لِمَا دَفَعَ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا بِهَا [بَابُ فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَأَحْكَامِهِ] (بَابُ فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ) الْحَجْرُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ مَنْعَ مَوْصُوفِهَا مِنْ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى قُوَّتِهِ أَوْ تَبَرُّعِهِ بِزَائِدٍ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِ فَدَخَلَ بِالثَّانِي حَجْرُ الْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ وَدَخَلَ بِالْأَوَّلِ حَجْرُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ وَالْمُفْلِسِ وَالرَّقِيقِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْقُوتِ وَلَوْ كَانَ التَّصَرُّفُ غَيْرَ تَبَرُّعٍ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
وَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَالْمَرِيضُ فَلَا يُمْنَعَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ إذَا كَانَ غَيْرَ تَبَرُّعٍ أَوْ كَانَ تَبَرُّعًا وَكَانَ بِثُلُثِ مَالِهِمَا
وَأَمَّا تَبَرُّعُهُمَا بِزَائِدٍ عَنْ الثُّلُثِ فَيُمْنَعَانِ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الدَّيْنُ) أَيْ وَمِنْ أَسْبَابِ الْحَجْرِ الدَّيْنُ وَأَرَادَ بِهِ الْفَلَسَ لِأَجْلِ الدَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ وَالسَّفَهُ أَرَادَ بِهِ التَّبْذِيرَ وَعَدَمَ حُسْنِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ أَيْ وَمِنْهَا أَيْضًا الرِّقُّ وَالنِّكَاحُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ فَأَسْبَابُ الْحَجْرِ سَبْعَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا الرِّدَّةُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ بِمَالِكٍ.
Says nothing on this mas’ala.
(كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَاهَا إلَّا بِهَا) تَقَدَّمَ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا صَدَاقٍ "، وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْأَكْرِيَةِ فِي الدُّورِ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونَ فَتْوَى ابْنِ زَرْبٍ. قَالَ ابْنُ شَاسٍ. [كِتَابُ الْحَجْرِ][أَسْبَاب الْحَجَر] وَأَسْبَابُهُ سَبْعَةٌ: الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالرِّقُّ وَالتَّبْذِيرُ وَالْفَلَسُ وَالْمَرَضُ وَالنِّكَاحُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ
Adds nothing on this mas’ala.
(ص) كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا (ش) التَّشْبِيهُ فِي الْحُكْمِ، أَيْ: فَيُقْضَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاَلَّتِي قَبْلَهَا بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ شَخْصًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِدِينٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَهُ وَثِيقَةٌ وَأَنَّهَا سَقَطَتْ أَوْ تَلِفَتْ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَادَّعَى الْمَدِينُ دَفْعَ مَا فِيهَا فَيُقْضَى لِلْمَدِينِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ، وَلَا يُصَدَّقُ رَبُّهَا فِي دَعْوَاهُ السُّقُوطَ وَنَحْوَهُ كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ عَلَى الرَّاهِنِ الَّذِي بِيَدِهِ رَهْنُهُ بَلْ يُقْضَى بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَهَذَا حَيْثُ لَمْ تُوجَدْ الْوَثِيقَةُ بِيَدِ الْمَدِينِ
أَمَّا لَوْ وُجِدَتْ بِيَدِهِ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الدَّيْنِ فِي دَعْوَاهُ السُّقُوطَ وَنَحْوَهُ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَلِرَبِّهَا رَدُّهَا إنْ ادَّعَى سُقُوطَهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَثِيقَةَ إذَا ظَهَرَتْ أَمْكَنَ الشَّاهِدَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا فِيهَا
وَيَلْزَمُ الدَّيْنُ الْمَدِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَظْهَرْ فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمَدِينِ تَأَمَّلْ (ص) وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بِهَا (ش) يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا كَتَبَ شَهَادَتَهُ عَلَى وَثِيقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا مَعَ إحْضَارِ الْوَثِيقَةِ وَانْظُرْ بَسْطَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ التَّفْلِيسِ أَعْقَبَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَهُوَ لُغَةً يُقَالُ لِلْمَنْعِ، وَالْحَرَامِ وَيُثَلَّثُ أَوَّلُهُ وَيُقَالُ لِمُقَدِّمِ الثَّوْبِ وَهُوَ مُثَلَّثٌ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُحْكَمِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ مَنْعَ مَوْصُوفِهَا مِنْ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ أَوْ تَبَرُّعِهِ بِمَالِهِ قَالَ وَبِهِ دَخَلَ حَجْرُ الْمَرِيضِ، وَالزَّوْجَةِ انْتَهَى،
ثُمَّ إنَّ الْمُؤَلِّفَ عَقَدَ الْبَابَ السَّابِقَ لِلْحَجْرِ نَفْسِهِ وَعَقَدَ هَذَا لِأَسْبَابِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ هَذَا عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ طَبْعًا فَيُقَدَّمُ وَضْعًا لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ
لَا أَنَّ تَقْدِيمَهُ وَاجِبٌ كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عَقْلًا لَا وَضْعًا وَأَسْبَابُ الْحَجْرِ الصِّبَا، وَالْجُنُونُ، وَالتَّبْذِيرُ، وَالرِّقُّ، وَالْفَلَسُ، وَالْمَرَضُ، وَالنِّكَاحُ فِي الزَّوْجَةِ وَلَيْسَ مِنْهَا الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ مَبْدَأَ كُلِّ سَبَبٍ وَغَايَتَهُ وَقَدَّمَ حَجْرَ الْجُنُونِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّبَا فَقَالَ (بَابٌ) الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِلْإِفَاقَةِ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمَجْنُونَ بِصَرْعٍ، أَوْ وَسْوَاسٍ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ إلَى إفَاقَتِهِ فَإِذَا عَادَ عَقْلُهُ زَالَ حَجْرُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ لِفَكٍّ إنْ كَانَ جُنُونُهُ طَارِئًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالرُّشْدِ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ؛
لِأَنَّ الْحَجْرَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ لَيْسَ حَجْرًا لِلْجُنُونِ إنَّمَا هُوَ حَجْرٌ آخَرُ قَدِيمٌ لِلصِّبَا، أَوْ السَّفَهِ قَوْلُهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَيْ: لِأَبَوَيْهِ إنْ كَانَا، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ
(قَوْلُهُ: وَادَّعَى الْمَدِينُ دَفْعَ مَا فِيهَا) أَيْ وَإِنَّهُ قَطَعَهَا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَمَا فِي النَّصِّ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الرَّاهِنُ وَبَرِئَ كَالصُّنَّاعِ يَقُومُونَ بِالْأَجْرِ بِحَدَثَانِ دَفْعِ الْمَتَاعِ قَالَهُ سَحْنُونَ كَمَا فِي بَهْرَامَ
(قَوْلُهُ: تَأَمَّلْ) أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ إشَارَةً إلَى الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ وَهُوَ أَنَّهُ ادَّعَى الْقَضَاءَ فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِالدَّيْنِ فَيُؤْخَذُ، وَلَا حَاجَةَ لِلْإِشْهَادِ، وَلَا وَجْهَ لِقَبُولِ قَوْلِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ عَدَمَ وُجُودِ الْوَثِيقَةِ قَوَّى جَانِبَ الْقَضَاءِ فَلِذَا قُلْنَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَدِينِ أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: وَانْظُرْ بَسْطَ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّنَا نَذْكُرُ لَك مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقَامُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِمَا قَالَهُ فِي كَ فَنَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ قَرَّرَ الْمُصَنِّفُ بِكَلَامِ أَبِي عُمَرَ فِي كَافِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ وَطُولِبَ بِهَا وَزَعَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى ذَلِكَ الْحَقَّ لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ حَتَّى يُؤْتَى بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ شَهَادَتُهُ بِخَطِّهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ أَخْذُ الْوَثَائِقِ إذَا أَدَّوْا الدُّيُونَ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ،
ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ سَالِمًا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ قَالَ لَمْ أَزَلْ أَتَوَقَّفُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْكَافِي وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِدْيَانَ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ وَإِنَّمَا يَدَّعِي دَفْعَهُ وَتَقْطِيعَهُ الْوَثِيقَةَ فَكَيْفَ يَطْلُبُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ شَاهِدٍ عَلَى مُقِرٍّ وَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى الشَّهَادَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ فَيُقَالُ لَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ حَتَّى تُحْضَرَ الْوَثِيقَةُ، أَوْ تَجُوزَ الشَّهَادَةُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ وَقَدْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَى ذَلِكَ الْإِشْكَالِ،
ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ سَالِمًا أَجَابَ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مُقِرٍّ فِي السِّرِّ جَاحِدٍ فِي الْعَلَانِيَةِ اهـ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُمَرَ لَمْ يَشْهَدْ لَا عِبْرَةَ بِشَهَادَتِهِ لِتَصْدِيقِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يُصَدَّقُ فَأَطْلَقَ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى تَصْدِيقِهِ، وَإِلَّا فَالشَّهَادَةُ هُنَا لَا
فَائِدَةَ فِيهَا لِإِقْرَارِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَثِيقَةُ مِنْ شَهَادَةٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بِهَا عَلَى غَيْرِ فَرْضِ أَبِي عُمَرَ وَهُوَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِأَصْلِ الدَّيْنِ فَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أُشْهِدَ فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْحَقِّ،
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ ضَاعَ وَسَأَلَ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا حَفِظُوا فَلَا يَشْهَدُوا وَإِنْ كَانُوا حَافِظِينَ لِمَا فِيهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَضَى وَمَحَا الْكِتَابَ فَإِنْ جَهِلُوا وَشَهِدُوا بِذَلِكَ قُضِيَ بِهِ وَقَالَ مُطَرِّفٌ بَلْ يَشْهَدُونَ بِمَا حَفِظُوا إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَشْهَدُوا انْتَهَى.
[أَسْبَابِ الْحَجْرِ]
(قَوْلُهُ: بَقِيَّةُ أَسْبَابِ الْحَجْرِ) ، أَيْ: وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ أَسْبَابِهِ إحَاطَةَ الدَّيْنِ، وَالْفَلَسَ
(قَوْلُهُ: يُقَالُ لِلْمَنْعِ، وَالْحَرَامِ) ، أَيْ: حُرْمَةِ الْحَرَامِ وَهُوَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ وَهُوَ مَصْدَرُ حَجَرَ الْقَاضِي يَحْجُرُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ
(قَوْلُهُ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ إلَخْ) هَذَا التَّعْرِيفُ لَا يُطَابِقُ مَعْنَاهُ لُغَةً، وَلَا اصْطِلَاحًا؛ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَعِنْدَ حَمَلَةِ الشَّرْعِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ خَاصٍّ وَلِذَا حَدَّهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَنَقَلَهُ عَنْ التَّنْبِيهَاتِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مُحَشِّي تت
(قَوْلُهُ: فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ) ، أَيْ: بِغَيْرِ تَبَرُّعِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، أَوْ تَبَرُّعُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ تَبَرُّعُهُ بِمَالٍ إنْ أَرَادَ بِكُلِّهِ فَلَا مَعْنَى لَهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ وَإِنْ أَرَادَ بِبَعْضِ مَالِهِ فَيَصْدُقُ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ أَرَادَ بَعْضًا مُعَيَّنًا وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَلَا قَرِينَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بَعْضُ مَالِهِ وَكَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَجْرِ، وَقَوْلُهُ: بِهِ، أَيْ: بِقَوْلِهِ، أَوْ تَبَرُّعُهُ بِمَالِهِ، وَقَوْلُهُ: يَدْخُلُ حَجْرُ الْمَرِيضِ، وَالزَّوْجَةِ؛
لِأَنَّهُمَا لَيْسَ لَهُمَا التَّبَرُّعُ بِأَزْيَدَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِمَا، وَلَا يَدْخُلُ حَجْرُهُمَا لِقَوْلِهِ مَنَعَ نُفُوذَ تَصَرُّفِهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ مِنْ نُفُوذِ تُصَرِّفهُمَا فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِمَا فَقَوْلُهُ فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ دَخَلَ فِيهِ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّفِيهُ، وَالْمُفَلَّسُ، وَالرَّقِيقُ إذْ لَيْسَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِي الزَّائِدِ عَنْ الْقُوتِ وَبَقِيَ الْمَرِيضُ، وَالزَّوْجَةُ فَأَدْخَلَهُمَا فِي قَوْلِهِ، أَوْ تَبَرُّعُهُ.
(قَوْلُهُ: عَقَدَ الْبَابَ السَّابِقَ لِلْحَجْرِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْحَجْرِ الْكُلِّيِّ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ حَجْرًا خَاصًّا وَهُوَ حَجْرُ الْمَدِينِ لِإِحَاطَةِ الدَّيْنِ، وَالتَّفْلِيسِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ بِمَالِكٍ) رُدَّ بِأَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ فَكَوْنُ مَالِهِ لَا يَمْلِكُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ مَمْنُوعٌ
(قَوْلُهُ: كُلُّ سَبَبٍ وَغَايَتُهُ) كَأَنْ يَقُولَ الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَبْدَإِ جُنُونِهِ لِلْإِفَاقَةِ
(قَوْلُهُ: لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ) ، أَيْ: لِأَنَّ الْحَجْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَجْنُونِ مِنْ حَيْثُ النَّفْسُ فَقَطْ،
وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَمِنْ حَيْثُ النَّفْسُ، وَالْمَالُ (بَابُ الْحَجْرِ)
(قَوْلُهُ: الْمَجْنُونُ) كَانَ جُنُونُهُ مُطْبِقًا، أَوْ مُتَقَطِّعًا وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَقْتَ جُنُونِهِ.
(قَوْلُهُ: بِصَرْعٍ، أَوْ وَسْوَاسٍ) نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْجُنُونِ يُعْرَفَانِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ بِالطَّبْعِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيقُ مِنْهُ عَادَةً
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ)
، أَيْ: مِنْ الْفَكِّ قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ حَجْرٌ آخَرُ) ، أَيْ: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِنَا إنْ كَانَ جُنُونُهُ فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِلْفَكِّ مُطْلَقًا كَانَ جُنُونُهُ طَارِئًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالرُّشْدِ أَمْ لَا نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَجْرَ لِلصِّبَا، وَالسَّفَهِ يَحْتَاجُ لِفَكٍّ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت شب ذَكَرَ مَا نَصُّهُ الْمَجْنُونُ مِنْ حَيْثُ جُنُونُهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِلْإِفَاقَةِ فَبِمُجَرَّدِ الْإِفَاقَةِ يَنْفَكُّ عَنْهُ حَجْرُ الْجُنُونِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِفَكٍّ وَيَرْجِعُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ حَجْرِ صِبًا، أَوْ سَفَهٍ إنْ كَانَ وَيَنْفَكُّ عَنْهُ بِمَا يَأْتِي انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَجْنُونِ مِنْ حَيْثُ النَّفْسُ فَيَزُولُ بِمُجَرَّدِ زَوَالِ الْجُنُونِ فَهُوَ مُفِيدٌ لِمَا قُلْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: لِأَبَوَيْهِ) الْمُنَاسِبُ لِأَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ لَا حَجْرَ لَهَا وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ أَنْ يَقُولَ لِأَبِيهِ، أَوْ وَصِيِّهِ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمِ
(كَوَثِيقَةٍ) فُقِدَتْ فَلَمْ تُوجَدْ بِيَدِ رَبِّ الدَّيْنِ وَلَا الْمَدِينِ (وَزَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا) وَإِنَّ دَيْنَهُ بَاقٍ عَلَى الْمَدِينِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمَدِينُ فَلَا شَيْءَ لِرَبِّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ حَلِفِهِ. الْبُنَانِيُّ الظَّاهِرُ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ وَهُوَ مَا إذَا زَعَمَ رَبُّ الدَّيْنِ سُقُوطَ الْوَثِيقَةِ وَادَّعَى الْمَدِينُ الْقَضَاءَ فَالْقَوْلُ لِلْمَدِينِ بِيَمِينِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ التَّشْبِيهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَيَكُونُ فَقْدُ الْوَثِيقَةِ مِنْ يَدِ رَبِّ الدَّيْنِ شَاهِدًا لِلْمَدِينِ بِالْقَضَاءِ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَعَارَضَهُ " غ " بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَلِرَبِّهَا رَدُّهَا.
وَفَرَّقَ بَعْضٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمَّا وُجِدَتْ الْوَثِيقَةُ بِيَدِ الْمَدِينِ غَيْرِ مَخْصُومٍ عَلَيْهَا كَذَّبَهُ الْعُرْفُ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يُقْضَى إلَّا بِكُتُبِ قَضَائِهِ عَلَيْهَا،
بِخِلَافِ هَذِهِ، وَارْتَضَى طفي هَذَا الْحَمْلَ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِنَصِّ الْكَافِي وَنَصَّ الْمُتَيْطِيِّ عَنْ الْكَافِي إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ الْوَثِيقَةَ وَطُولِبَ بِهَا وَزَعَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَدْ أَدَّى ذَلِكَ الْحَقَّ لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ حَتَّى يُؤْتِيَ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ شَهَادَتُهُ بِخَطِّهِ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ أَخْذُ الْوَثَائِقِ إذَا أَدَّوْا الدُّيُونَ اهـ نَقَلَهُ " غ " وَغَيْرُهُ.
قُلْت مُقْتَضَى كَلَامِ الْكَافِي أَنَّ الشَّاهِدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَشْهَدُ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمَدِينِ إذْ لَوْ كَانَ مُؤَاخَذًا بِإِقْرَارِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَنْعِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ
فَائِدَةٌ لِمُوَافَقَتِهَا الْإِقْرَارَ، فَصَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ كَوْنَهُ حُجَّةً،
وَإِذَا صَحَّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ " ز " تَبَعًا لعج مِنْ عَدَمِ دَعْوَى الْمَدِينِ الْقَضَاءَ وَلِقِلَّةِ جَدْوَاهُ. وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بِهَا.
[منح الجليل] وَلَمْ يَشْهَدْ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ (شَاهِدُهَا) أَيْ الشَّاهِدُ الَّذِي كَتَبَ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ فِي الْوَثِيقَةِ وَهُوَ يَشْمَلُ الشَّاهِدَيْنِ فَأَكْثَرَ بِإِضَافَتِهِ لِلضَّمِيرِ بِمَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ (إلَّا بِ) رُئِيَتْ (هَا) أَيْ لِاحْتِمَالِ قَضَاءِ مَا فِيهَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَكُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِخَطِّ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ.
تت صَاحِبُ التَّكْمِلَةِ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَيْ مَنْ زَعَمَ سُقُوطَ وَثِيقَتِهِ وَطَالَبَ بِمَا فِيهَا وَزَعَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ رَدَّ الدَّيْنِ فَلَا يَشْهَدُ شَاهِدُ الْحَقِّ إلَّا بَعْدَ حُضُورِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي فِيهَا خَطُّهُ، كَذَا فِي كَافِي أَبِي عُمَرَ. اهـ. وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ أَنَّ قَوْلَهُ كَوَثِيقَةٍ إلَخْ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَدِينِ إذَا زَعَمَ رَبُّهَا أَنَّهَا سَقَطَتْ وَلَمْ يَقْبِضْ مَا فِيهَا،
وَقَالَ الْمَدِينُ بَلْ أَقَبَضْته وَامْتَنَعَ شَاهِدُهَا أَنْ يَشْهَدَ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِهِمَا. اهـ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِيهَا إشْكَالٌ لِأَنَّ الْمَدِينَ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ مُدَّعٍ قَضَاءَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ لِلْقَضَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
طفي لَا إشْكَالَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ عَارَضَهُ عَدَمُ وُجُودِ الْوَثِيقَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَذَكَرَ نَصُّ الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ الْكَافِي الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ قَالَ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِإِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ لِاسْتِنَادِهِ لِمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَلَا إشْكَالَ لِمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ، وَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُمَرَ لَمْ يَشْهَدْ لَا عِبْرَةَ بِشَهَادَتِهِ لِتَصْدِيقِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَصْدُقُ، فَأَطْلَقَ لَمْ يَشْهَدْ تَصْدِيقَهُ بِدَلِيلِ آخِرِ كَلَامِهِ، وَإِلَّا فَالشَّهَادَةُ هُنَا لَا
فَائِدَةَ فِيهَا لِإِقْرَارِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَثِيقَةُ مِنْ شَهَادَتِهِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ شَاهِدٌ إلَّا بِهَا عَلَى غَيْرِ فَرْضِ أَبِي عُمَرَ،
وَأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِأَصْلِ الدَّيْنِ، فَفِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ أَشْهَدَ فِي ذِكْرِ حَقٍّ
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ ضَاعَ وَسَأَلَ أَنَّ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا حَفِظُوا فَلَا يَشْهَدُوا وَإِنْ كَانُوا حَافِظِينَ لِمَا فِيهِ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَضَى وَمَحْكِيُّ الْكِتَابِ،
فَإِنْ جَهِلُوا وَشَهِدُوا بِذَلِكَ قَضَى بِهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ بَلْ يَشْهَدُونَ بِمَا حَفِظُوا إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (بَابٌ) [منح الجليل] [بَابٌ فِي بَيَان أَسْبَاب الْحَجَر أَوْ الْوَسْوَاسِ أَوْ صَرْعٍ الْحَجَرُ عَلَيْهِ] بَابٌ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ وَأَحْكَامِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ مَنْعَ مَوْصُوفِهَا مِنْ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى قُوتِهِ أَوْ تَبَرُّعِهِ بِمَالِهِ، قَالَ وَبِهِ دَخَلَ حَجْرُ الْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ اهـ.
الْحَطّ إنَّ حَجْرَهُمَا لَمْ يَدْخُلْ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " بِمَالِهِ " كُلَّ مَالِهِ لَمْ يَدْخُلْ الْحَجْرُ عَلَيْهِمَا فِي تَبَرُّعِهِمَا بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَمْ يَبْلُغْ كُلَّ الْمَالِ،
وَإِنْ أَرَادَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَبَيِّنٌ فَسَادُهُ،
وَإِنْ أَرَادَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَشْمَلْ حَدُّهُ الْحَجْرَ عَلَى الرَّاهِنِ فِي تَصَرُّفِهِ فِي الرَّهْنِ وَمَنْ جَنَى رِقَّهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيهِ قَبْلَ تَحَمُّلِهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا مُطْلَقًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّبَرُّعُ بِكُلِّ مَالِهِ كَمَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ وَيَدْخُلُ فِيهِ حَجْرُ الزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ. لِمَنْعِهِمَا مِنْ التَّبَرُّعِ بِكُلِّ مَالِهِمَا، وَجَوَازِ تَبَرُّعِهِمَا بِالثُّلُثِ فَدُونَهُ شَيْءٌ آخَرُ يُعْلَمُ مِنْ خَارِجٍ.
وَقَالَ طفي: تَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ لَمْ يُطَابِقْ مَعْنَاهُ لُغَةً وَلَا شَرْعًا لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ،
وَفِي الشَّرْعِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ خَاصٍّ، كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعِيَاضٌ وضيح، وَاعْتَرَفَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، فَحَدَّهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ.
وَفِي التَّوْضِيحِ مَنْعُ الْمَالِكِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، هَذَا مَعْنَاهُ فِي الِاصْطِلَاحِ يُطْلِقُونَهُ عَلَى أَصْلِهِ أَصْلًا، وَلِذَا يَقُولُونَ يَحْجُرُ الْوَلِيُّ وَالْحَاكِمُ وَيَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِكَذَا، وَيُحْجَرُ بِكَذَا وَابْنُ عَرَفَةَ نَفْسُهُ مُعْتَرِفٌ بِذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلْإِفَاقَةِ.
[منح الجليل] اكْتِفَاءُ الْمَازِرِيِّ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ مَا مَعْنَى الْحَجْرِ بِقَوْلِهِ مَعْنَاهُ لُغَةً الْمَنْعُ، وَالْحَجْزُ يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَاهُ عُرْفًا كَمَعْنَاهُ لُغَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْعُرْفِيُّ أَخَصُّ. اهـ. فَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ مَنْعٌ خَاصٌّ إذْ هُوَ الْمُقَابِلُ لِلْمَنْعِ الْعَامِّ، فَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَدْ نَاقَشَهُ بِهَذَا الرَّصَّاعُ شَارِحُ حُدُودِهِ فَحَدَّهُ بِتَنَاوُلِ أَسْبَابِ الْحَجْرِ لَا الْحَجْرِ نَفْسِهِ.
وَحَيْثُ بَيَّنَّا الْمُرَادَ فَنُبَيِّنُ حَدَّهُ فَنَقُولُ: أَوْ تَبَرُّعِهِ بِمَالِهِ عُطِفَ عَلَى تَصَرُّفِهِ وَمَالِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ،
فَإِنْ كَانَتْ الْخَاصَّةُ التَّبَرُّعَ بِكُلِّ الْمَالِ كَمَا قَالَ الرَّصَّاعُ يَرِدُ التَّبَرُّعُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّائِدَ عَلَى الثُّلُثِ فَلَا قَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فَبَيَّنَ فَسَادَهُ قَالَهُ " ح ".
ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: أَسْبَابُ الْحَجْرِ سَبْعَةٌ؛ الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالتَّبْذِيرُ وَالرِّقُّ وَالْفَلَسُ وَالْمَرَضُ وَالنِّكَاحُ فِي الزَّوْجَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْحَصْرُ اسْتِقْرَائِيٌّ وَهُوَ فِي الْأُمُورِ الْمَذْهَبِيَّةِ لِلْعَالِمِ بِالْمَذْهَبِ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ كَمَوْجُودٍ عِنْدَهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ تَرَكَ سَبَبًا وَهِيَ الرِّدَّةُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا الْحَجْرَ عَلَى الْمَالِكِ فِيمَا يَمْلِكُهُ لَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، وَحَجْرُ الْمُرْتَدِّ مِنْ حَجْرِ الْمَالِكِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مَا وَرِثَ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ تَبِعَ الْقَرَافِيَّ فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَسْبَابُهُ ثَمَانِيَةٌ وَعَدَّ مِنْهَا الرِّدَّةَ.
اهـ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَتُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ،
وَإِذَا تَابَ انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ كَمَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْلِكُهُ لَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ.
وَأَمَّا عَدَمُ إرْثِهِ فَلِمَانِعِ حُدُوثِ كُفْرِهِ، وَأَيْضًا لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ التَّصَرُّفُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ أَصَالَةً، فَلَا مَعْنَى لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَزَادَ: الْحَجْرُ عَلَى الرَّاهِنِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ. الْحَطّ: وَيُزَادُ الْحَجْرُ عَلَى مَالِكِ الرَّقِيقِ الْجَانِي قَبْلَ تَحَمُّلِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ.
قُلْت: وَيُزَادُ الْحَجْرُ عَلَى الْوَاقِفِ وَعَلَى سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَّبِّرِ وَالْمُكَاتِبِ وَالْمُعْتِقِ لِأَجَلٍ وَالْمُخْدِمِ. الشَّخْصُ
كوثيقة زعم ربها سقوطها تشبيه بما تضمنه قوله: "ولراهن بيده رهنه" لخ وهو لا شيء للمرتهن؛ يعني أنه إذا زعم رب الدين سقوط الوثيقة وادعى المدين القضاء فإن القول للمدين مع يمينه، وهذا ظاهر التشبيه في كلام المص فيكون فقد الوثيقة من يد رب الدين شاهدا للمدين فيحلف معه. وعارضها ابن غازي بقوله قبل ولربها ردها، وفرق بينهما بعض بأنه في الأولى لما وجدت الوثيقة بيد المدين غير مخصوم عليها كذبه العرف وهو أن الدين لا يقضى إلا بكتب القضاء على الوثيقة
بخلاف هذه. انتهى انظر البناني. ولم يشهد شاهدها إلا بها هذا الكلام استيناف، ومعناه أن الشاهد إذا كتب شهادته في الوثيقة فلا يجوز له أن يشهد إلا مع إحضارها،
وظاهره حَفِظَ الشَاهِدانِ ما يشهدان به أم لا، قال المتيطى عن الكافي: إذا كتب الشاهد الوثيقة وطولب بها يعني بالشهادة وزعم المشهود عليه أنه قد أدى ذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه؛ لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذا أدوا الديون. انتهى نقله ابن غازي وغيره.
قال البناني: قلت: مضمن كلام الكافي أن الشاهد في هذه المسألة لا يشهد، ويفهم منه أن القول للمدين أي في أنه أبى الدين إذ لو كان مؤاخذا بإقراره لم يكن لمنع شهادة الشاهد
فائدة لموافقتها للإقرار. انتهى واللَّه تعالى أعلم.
ولما أنهى الكلام على التفليس أَتْبَعَهُ بالحجر تكميلا لبيان أسباب الحجر فقال: في الحجر وأسبابه حصرها ابن الحاجب تبعا لابن شأس في سبعة ونصه: الحجر أسبابه الصبا والجنون والتبذير والرق والفلس والمرض والنكاح في الزوجة، قال ابن عبد السلام: وتُعقِّب كلام المص هنا من وجهين: أحدهما أنه ترك سببا ثامنًا وهو الردة،
والثاني قدم حكم الفلس قبل ذكر سببه، فإنه عند الفلس هنا في الأسباب بعد أن تكلم على أحكام التفليس فيما تقدم. انتهى. وقد اعترض في التوضيح بذلك وزاد تاسعا، ونصه: مفهوم العدد يقتضي الحصر فيها وينتقض عليه بالحجر على الراهن لحق المرتهن وبالحجر على المرتد. انتهى. وسلمه الناصر بسكوته عنه.
وقال ابن عرفة بعد ذكره كلام ابن عبد السلام في نصه: قلت يُرَدُّ تعقبه الأول بأنهم ذكروا الحجر على المالك فيما يملكه لا فيما لا يملكه، وحجر المرتد ليس من حجر المالك على ما يملكه؛ لأنه لو مات ما ورث عنه، ولعله في تعقبه تبع القرافي في الذخيرة فإنه قال: أسبابه ثمانية فعد فيها الردة. انتهى. قال الرهوني: قلت سلم كلام ابن عرفة هذا ابن غازي في تكميله والحطاب وجسوس والتاودي وغير واحد وهو غير مسلَّم، بل الحق ما قاله ابن عبد السلام، وما استدل به ابن عرفة من عدم الإرث لا دليل له فيه لأن مانع الإرث التخالف في الدين بهذا علله غير واحد،
ويلزم ابن عرفة أن الكافر بالأصالة إذا لم يكن له ورثة إلا مسلمون أنه ليس بمالك، ثم هو استدل بدليل واحد، ولابن عبد السلام أدلة متعددة كون ماله لسيده المسلم إذا قتل على ردته، فلولا أنه باق على ملكه إلى موته لم يكن لاختصاص سيده به عن سائر المسلمين وَجْهٌ ورجوع ماله إليه إذا راجع الإسلام،
فلو زال ملكه عنه بالردة لم يكن لرجوعه إليه بدون سبب وَجْهٌ، وقضاء ما عليه من الديون من ماله وأداء جنايته على عبد أو ذمي من ماله والإنفاق على مدبره وأم ولده من ماله. فتأمله بإنصاف. ثم وجدت أبا علي رد كلام ابن عرفة بنحو هذا وأطال بجلب كلام المعونة والمتيطي والمدونة وابن شأس وابن عرفة نفسِه،
ثم قال بعد ذلك ما نصه: ومن ادعى أن الردة مزيلة للملك كابن عرفة فليأت بدليل، وكونه لا يورث ليس بدليل وإلا لزم في كل من لا يورث من كافر أصلا أو غيره،
وإن أردت تحقيق هذد المسألة، فانظر كلامنا على إرث المرتد صدر كتاب الردة تجد السحر الحَلَالْ، إن شاء اللَّه تعالى الكبير المتعالْ، انتهى. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وقال الحطاب: الحجر مصدر حجر يحجر ويحجر بضم الجيم وكسرها وهو لغة حضن الإنسان والمنع والحرام، ومنه قوله تعالى: {وَحَرْثٌ حِجْرٌ} ويثلث في المعاني الثلاثة. قاله في القاموس. وقرئ بهن في الآية، وتقول الكفار يوم القيامة إذا رأوا ملائكة العذاب: {حِجْرًا مَحْجُورًا} أي حراما محرما يظنون أن ذلك ينفعهم كما كانوا يقولونه في الدنيا لمن يخافونه في الشهر الحرام. قاله في الصحاح. وذكر أن الحجر بمعنى الحرام أفصح فيه الكسر من غيره، والحجر مثلث أيضًا ما بين يدي الإنسان من ثوبه، قاله في المحكم وحكاه في القاموس بالكسر فقط.
والحجر بالكسر فقط يطلق على العقل كقوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} وعلى حجر الكعبة المحاذي لها من الجانب الشمالي وكل ما حجرته من حائط فهو حجر، وعلى ديار ثمود بالشام عند وادي القرى قال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} وعلى الأنثى من الخيل وهو في الجميع بمعنى المنع؛ لأن العقل يمنع من الرذائل جميعها والحائط يمنع من الدخول إليه
وكذا ديار ثمود والأنثى تمنع صاحبها من العدو، ويطلق أيضًا بالكسر على القرابة وعلى فرج الرجل والمرأة والحجر في الشرع.
قال في الذخيرة المنع من التصرف،
وقال ابن رشد: المنع من التصرف في المال وفيهما إجمال يجب اجتنابه في الحدود إذ لم يبين هل هو المنع من التصرف بالتبرع أو بالمعاوضة؟ وهل في الكل أو في البعض؟
وقال ابن عرفة: الحجر صفة حكمية توجب لموصوفها منع نفوذ تصرفه في الزائد على قوته أو تبرعه بماله، قال: وبه دخل حجر المريض والزوجة. انتهى. وقوله: أو تبرعه عطف على تصرفه وبماله بكسر اللام،
فإن كان أراد التبرع بكل المال كما قال الرصاع يرد التبرع بأكثر من الثلث،
وإن كان الزائد على الثلث فلا قرينة تدل عليه،
وإن كان المراد بشيء من ماله ففساده بيِّن. قاله الحطاب. وَأجِيبَ بأن المراد التبرع بكل ماله كما تفيده الإضافة، ولا يخرج منه الزوجة والمريض لأنهما ممنوعان من التبرع بكل المال، وجواز تبرعهما بالثلث فدون شيء آخر يعلم من خارج.
وقال مصطفى: تعريف ابن عرفة لا يطابق معناه لغة ولا اصطلاحا؛ لأنه في اللغة المنع،
وفي الشرع المنع من شيء خاص كما قاله ابن رشد وعياض والتوضيح واعترف به ابن عرفة. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله مصطفى ظاهر لأنه جعل الحجر السفه والصبا ونحوهما وذلك سبب في الحجر والسبب غير المسبب. واللَّه تعالى أعلم. وقدم المص حجر المجنون لقلة الكلام عليه بالنسبة للصبي فقال: المجنون محجور اللام لانتهاء الغاية، يعني أن المجنون محجور عليه إلى أن يُفيقَ فإذا أفاق زال الحجر لأجل الجنون، وينظر في غيره من الأسباب فإن وجد شيء منها عمل عليه وإلا فرشيد.
وقوله: "محجور" أي لأبيه إن كان وجُنَّ قبل بلوغه أو رشده وإلا فالحاكم وإلا فلجماعة المسلمين.
والحاصل أن الجنون الطارئ بعد الرشد يكون للحاكم وإن وجد الأب،
وأما الطارئ قبل البلوغ أو بعده مع السفه فهو للأب إن كان وإلا فالحاكم وإلا فجماعة المسلمين. وقوله: "محجور" أي عليه حتى بالنسبة لمهجته، قال عبد الباقي: ولا ولاية للأم من حيث الحجر عليه خلافا لبعض الشراح، وإنما لها الحضانة فقط. وفهم منه أن غير المجنون لا يحجر عليه، ووقع خلاف فيمن يخدع في البيع فقيل يحجر عليه مطلقًا ورجحه القرطبي،
وقيل لا إن كان يشترط في بيعه ما يدفع ذلك، وفصل اللخمي فقال: إن كان يخدع باليسير أو بالكثير إلا أنه لا يخفى عليه ذلك ويتبين ذلك الغبن له فلا يحجر عليه ويؤمر بالاشتراط حين البيع ويشهد بذلك،
وإن كان لا يتبين له ذلك ويكثر نزول ذلك به أمر بالإمساك عن التجر ولم ينزع ماله منه،
فإن لم يمسك عنه نزع منه. انتهى.
وقال المواق: ابن رشد: لا يصح للإنسان أن يتصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف وهي: البلوغ والحرية وكمال العقل وبلوغ الرشد،
ولا يصح رشد من مجنون لسقوط ميزه وذهاب رأيه. انتهى. وقوله: "محجور" استعمله المص بغير ذكر متعلق كمضروب ونحوه مما فعْلُه متعد مع أن فعله غير متعدة
قال في المصباح: حجر عليه من باب قتل منعه التصرف فهو محجور عليه والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفا لكثرة الاستعمال ويقولون محجور وهو سائغ. انتهى. وقد مر أنه من باب ضرب وقتل. واللَّه تعالى أعلم.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.