ولا قضاء على كافر إلا المرتد
Its commentaries
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) إذَا أَسْلَمَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وَلِأَنَّهُ لَوْ طُلِبَ مِنْهُ قَضَاءُ عِبَادَاتِ زَمَنِ كُفْرِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا لَكَانَ سَبَبًا لِتَنْفِيرِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ خُصُوصًا إذَا مَضَى غَالِبُ عُمْرِهِ فِي الْكُفْرِ،
فَلَوْ قَضَاهَا لَمْ تَنْعَقِدْ وَلَوْ أَسْلَمَ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ وَعِتْقٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ أَيْ عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي مِثْلِهِ الِاتِّبَاعُ فَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْأَرْجَحَ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِيهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْجُحُودِ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ اعْتَقَدَ وُجُوبَهَا وَقَدَرَ عَلَى التَّسَبُّبِ إلَى أَدَائِهَا فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ.
نَعَمْ لَا تَقْضِي الْمُرْتَدَّةُ زَمَنَ الْحَيْضِ وَنَحْوَهُ،
بِخِلَافِ زَمَنِ الْجُنُونِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَائِضَ مُخَاطَبَةٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَهِيَ مُؤَدِّيَةٌ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الْمُرْتَدَّةِ زَمَنَ الْجُنُونِ سَبْقُ قَلَمٍ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ قَضَاهَا إلَخْ) أَيْ عَالِمًا وَعَامِدًا وَإِلَّا وَقَعَتْ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
[فَرْعٌ] لَنَا شَخْصٌ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ إذَا تَرَكَهَا، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَبِهَ صَغِيرَانِ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ثُمَّ يَبْلُغَا وَيَسْتَمِرَّ الِاشْتِبَاهُ،
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا بَالِغٌ عَاقِلٌ قَادِرٌ وَلَا يُؤْمَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
قُلْت: فَلَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ الْبُلُوغِ إلَى الْإِسْلَامِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ إسْلَامِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ لَا مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ لِلشَّكِّ فِي اسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهَا بَلْ هَذَا فَرْدٌ مِنْ ذَاكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَحَلُّهُ فِيمَنْ شَكَّ إذَا اسْتَمَرَّ شَكُّهُ،
فَإِنْ زَالَ تَبَيَّنَّا الْوُجُوبَ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّا لَمْ نَتَبَيَّنْ عَيْنَ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِمْ مِنْ وَقْتِ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَغَايَتُهُ أَنَّا نَحْكُمُ الْآنَ بِإِسْلَامِهِمَا مَعَ اعْتِقَادِنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ كَافِرًا قَبْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّ لَهُمَا الْقَضَاءُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ مَاتَا هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِمَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمَا وَيُعَلِّقَ النِّيَّةَ سَوَاءٌ مَاتَا مَعَهُ أَوْ مُرَتَّبًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ صِغَرِ الْمَمَالِيكِ حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ بِتَحَقُّقِ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ
(قَوْلُهُ: لَمْ تَنْعَقِدْ) خِلَافًا لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ فَإِنَّهُ قَالَ بِانْعِقَادِهَا كَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ سم عَلَى حَجّ.
وَنَقَلَ سم عَنْ الشَّارِحِ أَنَّ قَضَاءَهُ لَا يُطْلَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا لِأَنَّهُ يَنْفِرُ، وَالْأَصْلُ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ اهـ.
لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ ذَلِكَ بِانْعِقَادِهَا مِنْ الْحَائِضِ إذَا قَضَتْ فَإِنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْهَا لِلْكَرَاهَةِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَائِضَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ صَحَّ مِنْهَا الْقَضَاءُ،
بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ أَصْلًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ هَذَا وَانْظُرْ حُكْمَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ هَلْ يَصِحُّ قَضَاؤُهُمَا أَوْ لَا،
فَإِنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ الَّتِي قَالَ بِهَا السُّيُوطِيّ اُحْتِيجَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الزَّكَاةِ مُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ وَتَعَلُّقُ حَقِّهِمْ بِالْمَالِ وَبِحَوَلَانِ الْحَوْلِ فَالْتَحَقَتْ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ فَاعْتُدَّ بِدَفْعِهَا مِنْهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَرْبَابِهَا قَوْلُهُ بِالْمَالِ وَبِحَوَلَانِ الْحَوْلِ: أَيْ كِلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ النِّصَابُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَالنِّصَابُ سَبَبٌ، وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ شَرْطٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ أُثِيبَ إلَخْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَا يُثَابُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُهُ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا مَالًا أَوْ وَلَدًا وَغَيْرَهُمَا، وَقَوْلُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ: أَيْ فِي الْكُفْرِ
(قَوْلُهُ: إلَّا الْمُرْتَدَّ) . [فَرْعٌ] لَوْ انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إلَى التَّهَوُّدِ مَثَلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي مُدَّةِ التَّهَوُّدِ أَيْضًا بِرّ بِخَطِّهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَمَا ذَكَرَهُ يُفِيدُهُ قَصْرُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ، وَأَيْضًا فَتَعْلِيلُهُمْ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ إلَخْ يُفِيدُ نَفْيَ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُتَنَقِّلِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ الْأَرْجَحَ) وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) وَهُوَ النِّفَاسُ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ زَمَنِ الْجُنُونِ) أَيْ الْخَالِي مِنْ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ
(قَوْلُهُ: مَا أُمِرَتْ بِهِ) أَيْ وَهُوَ التَّرْكُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْدِيَةِ فِعْلُهُ وَبِالتَّرْكِ كَفُّ النَّفَسِ لَا عَدَمُ الْفِعْلِ، إذْ الْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ مَنَاطًا لِلتَّكْلِيفِ أَصْلًا
(قَوْلُهُ: سَبْقُ قَلَمٍ) يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ الْبَالِغُ كَمَا فِي حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ الْبَالِغُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَضَاءِ الْحَائِضِ زَمَنُ الْجُنُونِ: أَيْ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ.
أَقُولُ: وَكِلَا الْجَوَابَيْنِ بَعِيدٌ
Says nothing on this mas’ala.
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ كَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَعَلَّهُ لِاقْتِصَارِ ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ الْأَفْصَحَ فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ الرِّدَّةِ حَتَّى زَمَنَ جُنُونِهِ، أَوْ إغْمَائِهِ، أَوْ سُكْرِهِ فِيهَا وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ
بِخِلَافِ زَمَنِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُخَالِفُهُ وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَهَا عَنْهَا عَزِيمَةٌ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهَا الرِّدَّةُ
وَعَنْهُ رُخْصَةٌ فَأَثَّرَتْ فِيهَا إذْ لَيْسَ الْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِهَا وَنَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ بِالْجُنُونِ فَمُقَارَنَةُ الرِّدَّةِ لَهُ كَمُقَارَنَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي السَّفَرِ لَهُ وَجَوَابُهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الرِّدَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْقَضَاءِ مُقَارِنَةٌ لِلْجُنُونِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ
بِخِلَافِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَانِعٌ لِلْقَصْرِ أَصْلًا فَإِنْ قُلْت لِمَ وَجَبَ الْقَضَاءُ مَعَ الْجُنُونِ الْمُقَارِنِ لَهَا تَغْلِيظًا وَمَنَعَ الْجُنُونُ صِحَّةَ إقْرَارِهِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا وَأَوْجَبَ السُّكْرَ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَمْنَعْ الثَّانِيَ تَغْلِيظًا فِيهِمَا مَعَ أَنَّهَا أَفْحَشُ مِنْهُ قُلْت؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا جِنَايَةٌ إلَّا عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَاقْتَضَتْ التَّغْلِيظَ فِيهَا فَحَسْبُ وَهُوَ فِيهِ جِنَايَةٌ عَلَى الْحَقَّيْنِ فَاقْتَضَى التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ فِيهِمَا فَتَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ: وَرَدُّ الصَّبِيِّ) أَيْ:؛ لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْهُ وَلَوْ بِوَاسِطَةِ وَلِيِّهِ رَشِيدِيٌّ وَتَقَدَّمَ عَنْ سم مِثْلُهُ وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْبَصْرِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ الطَّلَبِ فِي الدُّنْيَا شَامِلٌ لِلْجَمِيعِ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ وَرَدُّ غَيْرِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ صَوَابُهُ وَرَدُّ الصَّبِيِّ اهـ
(قَوْلُهُ: إذَا أَسْلَمَ) إلَى قَوْلِهِ وَنَظَرَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ لِاقْتِصَارِ إلَى لِكَوْنِهِ قَوْلَ الْمَتْنِ (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكُفَّارِ) أَيْ كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَلَوْ قَضَاهَا لَمْ تَنْعَقِدْ نِهَايَةٌ وَنَقَلَ سم عَنْ إفْتَاءِ السُّيُوطِيّ صِحَّتَهُ وَقَالَ الْكُرْدِيُّ وَهُوَ أَيْ الِانْعِقَادُ التَّحْقِيقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ عِبَارَةُ شَيْخِنَا وَكَمَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا لَا يُسَنُّ، بَلْ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى مُعْتَمَدِ الرَّمْلِيِّ وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِالِانْعِقَادِ وَاسْتَوْجَهَهُ سم وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ بِأَنَّهُمَا أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ
(قَوْلُهُ: تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَلَوْ أَسْلَمَ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ وَعِتْقٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي قَالَ ع ش قَوْلُهُ م ر وَلَوْ أَسْلَمَ إلَخْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَا يُثَابُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ لَكِنْ يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُهُ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا مَالًا، أَوْ وَلَدًا، أَوْ غَيْرَهُمَا اهـ.
وَفِي الْبَصْرِيِّ مِثْلُهُ
(قَوْلُهُ: إلَّا الْمُرْتَدِّ) وَلَيْسَ مِثْلُ الْمُرْتَدِّ الْمُنْتَقِلِ مِنْ دِينِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ إلَى دِينٍ آخَرَ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَدَاءً وَلَا قَضَاءً إذَا أَسْلَمَ شَيْخُنَا وع ش
(قَوْلُهُ: بِالْجَرِّ) أَيْ: عَلَى الْبَدَلِ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِكَوْنِهِ الْأَفْصَحَ) أَيْ: عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا كَانَ تَامًّا غَيْرَ مُوجَبٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} فَالْأَرْجَحُ اتِّبَاعُ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ
وَيَجُوزُ النَّصْبُ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ: حَتَّى زَمَنِ جُنُونِهِ) أَيْ: الْخَالِي مِنْ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ ع ش وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ حَالَ جُنُونِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ مِنْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِينَئِذٍ مَجْنُونٌ مُسْلِمٌ سم وَقَوْلُهُ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ مِنْ حِينَئِذٍ أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا شَيْخُنَا
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ زَمَنِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا) أَيْ الْوَاقِعَيْنِ فِي رِدَّتِهَا سم
(قَوْلُهُ: مَا يُخَالِفُهُ) أَيْ: مِنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الْمُرْتَدَّةِ زَمَنَ الْجُنُونِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ) أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَائِضِ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ وَلَمْ تَحِضْ بِالْفِعْلِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهِ إلَى السَّهْوِ بُجَيْرِمِيٌّ وَشَيْخُنَا
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ
بِخِلَافِ زَمَنِ حَيْضِهَا إلَخْ وَبَيَانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ زَمَنِ نَحْوِ الْحَيْضِ وَزَمَنِ نَحْوِ الْجُنُونِ
(قَوْلُهُ: إسْقَاطُهَا عَنْهَا) أَيْ: إسْقَاطُ الصَّلَاةِ عَنْ نَحْوِ الْحَائِضِ سم
(قَوْلُهُ: عَزِيمَةٌ) أَيْ:؛ لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ مِنْ وُجُوبِ الْفِعْلِ إلَى وُجُوبِ التَّرْكِ وَلَا يُشْكِلُ بِكَوْنِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ رُخْصَةً مَعَ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ وُجُوبِ تَرْكِ الْأَكْلِ إلَى وُجُوبِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ
بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ فَلَا تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ غَالِبًا قَالَهُ شَيْخُنَا وَفِي الْبُجَيْرِمِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ نَحْوِهِ عَنْ ع ش مَا نَصُّهُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَائِضَ، وَالنُّفَسَاءَ انْتَقَلَتَا إلَى سُهُولَةٍ فَحِينَئِذٍ فَوَجْهُ كَوْنِهِ عَزِيمَةً أَنَّ الْحُكْمَ تَغَيَّرَ فِي حَقِّهِمَا لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ الْفِعْلِ وَشَرْطُ الْعُذْرِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ الرُّخْصَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا مِنْ الْفِعْلِ كَمَا يُسْتَفَادُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَحَلِّيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْهُ) أَيْ وَإِسْقَاطُهَا عَنْ نَحْوِ الْمَجْنُونِ سم
(قَوْلُهُ: رُخْصَةٌ) أَيْ:؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ وُجُوبِ الْفِعْلِ إلَى جَوَازِ التَّرْكِ شَيْخُنَا وَقَالَ الْبُجَيْرِمِيُّ الْمُرَادُ بِالرُّخْصَةِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ أَيْ وَنَحْوِهِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ السُّهُولَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ زَمَنَ جُنُونِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَنَظَرَ فِيهِ) فِي لُزُومِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَجْنُونِ الْمُرْتَدِّ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَعْصِ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ كَلَامَهُ فِي جُنُونٍ لَا تَعَدِّيَ بِهِ لَكِنْ قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ يَقْتَضِي فَرْضَ الْكَلَامِ فِي الْأَعَمِّ فَفِيهِ مَا فِيهِ سم
(قَوْلُهُ: لَهُ) أَيْ لِلْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ
(قَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ مَا تَقَرَّرَ إلَخْ) فِيهِ شِبْهُ مُصَادَرَةٍ وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْقَضَاءِ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهِ تَقْدِيمُ الْمُقْتَضِي عَلَى الْمَانِعِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْقِيَاسُ لَكِنْ خَرَجْنَا عَنْهُ لِغِلَظِ الرِّدَّةِ فَكَانَ وُجُودُهَا مَانِعًا مِنْ التَّخْفِيفِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ بَصْرِيٌّ وَفِي سم نَحْوُهُ
(قَوْلُهُ: مُقَارِنَةً لِلْجُنُونِ إلَخْ) لَعَلَّ الْأُولَى سَابِقَةٌ عَلَى الْجُنُونِ فَجُعِلَ تَابِعًا لَهَا
بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ فَجُعِلَتْ تَابِعًا لَهُ
(قَوْلُهُ: لَهَا) أَيْ لِلرِّدَّةِ
(قَوْلُهُ: وَمَنَعَ الْجُنُونُ إلَخْ) إنْ عَمَّ مَنْعُهُ قَوِيَ السُّؤَالُ وَإِنْ خُصَّ بِغَيْرِ الْمُتَعَدِّي ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّكْرِ سم
(قَوْلُهُ: عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا) أَيْ: عَلَى الْمُرْتَدِّ الْمَجْنُونِ لِأَجْلِ الرِّدَّةِ
(قَوْلُهُ: وَأَوْجَبَ السُّكْرَ) أَيْ: بِتَعَدٍّ، ثُمَّ قُوَّةُ عِبَارَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي سُكْرٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الرِّدَّةِ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ، وَالْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَالِحَانِ لِلْمُتَّصِلِ بِهَا أَيْضًا سم
(قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) أَيْ: الْقَضَاءُ وَقَوْلُهُ الثَّانِي أَيْ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّهَا أَيْ الرِّدَّةَ وَقَوْلُهُ مِنْهُ أَيْ مِنْ السُّكْرِ
(قَوْلُهُ: وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الْكُفْرِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ هَلْ لَهُ ذَلِكَ وَهَلْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ الْجَوَابُ نَعَمْ لَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، ثُمَّ أَطَالَ جِدًّا فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ وَلَا بِالْكَرَاهَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِضِ بِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ لِلْحَائِضِ عَزِيمَةٌ وَبِسَبَبٍ لَيْسَتْ مُتَعَدِّيَةً بِهِ، وَالْقَضَاءُ لَهَا بِدْعَةٌ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الصَّلَاةِ لِلْكَافِرِ بِسَبَبٍ هُوَ مُتَعَدٍّ بِهِ وَإِسْقَاطُ الصَّلَاةِ عَنْهُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ مَعَ قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ حَالَ الْكُفْرِ وَعُقُوبَتُهُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ اهـ لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر الْجَزْمُ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ وَوَجَّهَهُ فِي دَرْسِهِ بِأَنَّ قَضَاءَهُ لَا يُطْلَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا؛
لِأَنَّهُ يُنَفِّرُهُ، وَالْأَصْلُ فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ
(قَوْلُهُ: تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ وَهَلْ يَصِحُّ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَالْعِبَادَةُ إذَا لَمْ تُطْلَبْ الْأَصْلُ أَنْ لَا تَصِحَّ فِيهِ نَظَرٌ وَعَلَى الثَّانِي فَيُفَارِقُ صِحَّةَ قَضَاءِ الْحَائِضِ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى قَوْلِ كَرَاهَتِهِ بِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ خِطَابٍ فِي الْجُمْلَةِ
(قَوْلُهُ: حَتَّى زَمَنِ جُنُونِهِ) لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أُصُولِهِ حَالَ جُنُونِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ مِنْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِينَئِذٍ مَجْنُونٌ مُسْلِمٌ
(قَوْلُهُ: حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا) أَيْ الْوَاقِعَانِ فِي رِدَّتِهَا
(قَوْلُهُ: عَنْهَا) أَيْ: الْحَائِضِ
(قَوْلُهُ: وَعَنْهُ رُخْصَةٌ) أَيْ: وَإِسْقَاطُهَا عَنْهُ أَيْ عَنْ الْمَجْنُونِ، أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ السَّكْرَانِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى زَمَنَ جُنُونِهِ إلَخْ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ يُفِيدُ دُخُولَ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَعْصِ) يُفِيدُ أَنَّ كَلَامَهُ فِي جُنُونٍ لَا تَعَدِّيَ بِهِ لَكِنْ قَوْلُ الشَّارِحِ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ يَقْتَضِي فَرْضَ الْكَلَامِ فِي الْأَعَمِّ فَفِيهِ مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ: مُقَارِنَةٌ لِلْجُنُونِ) قَدْ يُقَالُ غَايَتُهُ اجْتِمَاعُ مُقْتَضٍ وَمَانِعٍ فَلِمَ قَدَّمَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ لِقُوَّتِهِ بِاقْتِضَائِهِ التَّغْلِيظَ، أَوْ بِتَقَدُّمِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَيُجَابُ بِالْفَرْقِ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ السَّفَرِ) قَدْ يُقَالُ الْفَرْقُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ النَّظَرِ أَنَّ مُقَارَنَةَ الْمَعْصِيَةِ لِلسَّفَرِ كَمَا لَمْ تَمْنَعْ تَرَتُّبَ مُقْتَضَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَوَازُ التَّرَخُّصِ فَهَلَّا كَانَ مُقَارَنَةُ الرِّدَّةِ لِلْجُنُونِ كَذَلِكَ أَيْ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ تَرَتُّبِ أَثَرِهِ وَهُوَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ
وَحَاصِلُهُ لِمَ جَعَلْتُمْ مُقَارَنَةَ الرِّدَّةِ مُؤَثِّرًا دُونَ مُقَارَنَةِ الْمَعْصِيَةِ لِلسَّفَرِ وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا لَا يَنْدَفِعُ بِدَعْوَى أَنَّ الْمَعْصِيَةَ الْمُقَارِنَةَ لِلسَّفَرِ غَيْرُ مَانِعَةٍ لِلْقَصْرِ أَيْ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ تَرَتُّبِ أَثَرِ السَّفَرِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ حَاصِلُ هَذَا الْفَرْقِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَرْقُ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي التَّخْفِيفَ
(فَرْعٌ) الْوَجْهُ فِيمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، ثُمَّ بَلَغَتْهُ وُجُوبُ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ قَبْلَ بُلُوغِهَا وَفِيمَنْ خُلِقَ أَعْمَى أَصَمُّ أَخْرَسُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَأَنَّهُ لَوْ رُدَّتْ لَهُ حَوَاسُّهُ لَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ قَبْلَ الرَّدِّ
(قَوْلُهُ: وَمَنَعَ الْجُنُونُ) إنْ عَمَّ مَنْعُهُ قَوِيَ السُّؤَالُ وَإِنْ خُصَّ بِغَيْرِ الْمُتَعَدِّي ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّكْرِ
(قَوْلُهُ: وَأَوْجَبَ السُّكْرَ) أَيْ: بِتَعَدٍّ، ثُمَّ قُوَّةُ عِبَارَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي سُكْرٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ الرِّدَّةِ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ، وَالْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَالِحَانِ لِلْمُتَّصِلِ بِهَا أَيْضًا
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ) إذَا أَسْلَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}[الْأَنْفَالُ] .
وَقَدْ يُؤَدِّي إيجَابُ ذَلِكَ إلَى التَّنْفِيرِ، فَخَفَّفَ عَنْهُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِذَا أَسْلَمَ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ وَعِتْقٍ (إلَّا الْمُرْتَدَّ) فَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْجُحُودِ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ،
وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى أَيَّامَ الْجُنُونِ مَعَ مَا قَبْلَهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ مَنْ كَسَرَ رِجْلَيْهِ تَعَدِّيًا ثُمَّ صَلَّى قَاعِدًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَانْتِهَاءِ مَعْصِيَتِهِ بِانْتِهَاءِ كَسْرِهِ، وَلِإِتْيَانِهِ بِالْبَدَلِ حَالَةَ الْعَجْزِ،
وَلَوْ سَكِرَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ جُنَّ قَضَى الْمُدَّةَ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا سُكْرُهُ لَا مُدَّةَ جُنُونِهِ بَعْدَهَا،
بِخِلَافِ مُدَّةِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّ مَنْ جُنَّ فِي رِدَّتِهِ مُرْتَدٌّ فِي جُنُونِهِ حُكْمًا،
وَمَنْ جُنَّ فِي سُكْرِهِ لَيْسَ سَكْرَانَ فِي دَوَامِ جُنُونِهِ،
وَلَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ،
وَلَوْ اسْتَعْجَلَتْ الْحَيْضَ بِدَوَاءٍ أَوْ اسْتَخْرَجَتْ بِهِ جَنِينًا لَمْ تَقْضِ زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَفَارَقَتْ الْمَجْنُونَ بِأَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ عَنْهَا عَزِيمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِالتَّرْكِ،
وَعَنْهُ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ وَالسَّكْرَانُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وَمَا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الْمُرْتَدَّةِ زَمَنَ الْجُنُونِ نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: إلَّا الْمُرْتَدَّ يَجُوزُ جَرُّهُ عَلَى الْبَدَلِ وَنَصْبُهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا كَانَ تَامًّا غَيْرَ مُوجَبٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}[النِّسَاءُ] فَالْأَرْجَحُ إتْبَاعُ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ،
وَيَجُوزُ النَّصْبُ لِمَا رَوَى سِيبَوَيْهِ عَنْ يُونُسَ وَعِيسَى جَمِيعًا أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ الْمَوْثُوقِ بِعَرَبِيَّتِهِمْ يَقُولُ: مَا مَرَرْتُ بِأَحَدٍ إلَّا زَيْدًا، وَقُرِئَ بِهِ فِي السَّبْعِ إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
قَرَأَ بِهِ ابْنُ عَامِرٍ، فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَالشَّارِحُ إنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ الرَّاجِحِ مِنْ الضَّبْطِ لَا أَنَّهُ يَمْنَعُ النَّصْبَ، وَهَذَا دَأْبُهُ فِي الضَّبْطِ يَقْتَصِرُ عَلَى ذِكْرِ الرَّاجِحِ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ جَائِزًا
(وَلَا قَضَاءَ عَلَى كَافِرٍ) إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ فَإِنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ فِيهَا عَنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
قَوْلُهُ: (تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) إذْ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ تَنْفِيرٌ لَهُ عَنْهُ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ،
وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فِي الْكُفْرِ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ كَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُرْتَدِّ) بِالْجَرِّ عَلَى التَّبَعِيَّةِ أَيْ فَهُوَ أَوْلَى وَخَرَجَ بِالْمُرْتَدِّ الْمُنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى آخَرَ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَالزِّيَادِيِّ وَفِي قَضَائِهِ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى زَمَنِ الْجُنُونِ فِيهَا) أَيْ فِي الرِّدَّةِ إنْ اسْتَمَرَّتْ
فَلَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، فَلَا قَضَاءَ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِيهَا) وَلَوْ مَعَ الْجُنُونِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَحَمَلَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ مَا فِيهِ عَلَى جُنُونٍ، سَبَقَ الْحَيْضَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَيُرَادُ فِيهِ بِذِي الْحَيْضِ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ خُرُوجٌ عَنْ السَّهْوِ إلَى التَّكْرَارِ وَهُوَ أَسْهَلُ.
قَوْلُهُ: (رُخْصَةٌ) أَيْ لُغَةً وَهِيَ السُّهُولَةُ وَالْخِفَّةُ لَا اصْطِلَاحًا لِأَنَّهَا الْمُعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا قَضَاءَ عَلَى الصَّبِيِّ) أَيْ وَاجِبٌ فَيُنْدَبُ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ التَّمْيِيزِ،
وَلَوْ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ، وَحُكْمُ قَضَائِهِ كَأَدَائِهِ مِنْ تَعَيُّنِ الْقِيَامِ فِيهِ، وَعَدَمِ جَمْعِهِ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَعَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عِنْدَ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ، وَلَا يَقْضِي مَا قَبْلَ زَمَنِ التَّمْيِيزِ وَلَا يَنْعَقِدُ لَوْ فَعَلَهُ،
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَفِي كَلَامِهِ إطْلَاقُ الصَّبِيِّ عَلَى الْأُنْثَى، وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إذَا أَسْلَمَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ) وَيُثَابُ عَلَى الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (إلَّا الْمُرْتَدَّ) (فَرْعٌ) لَوْ انْتَقَلَ النَّصْرَانِيُّ إلَى التَّهَوُّدِ مَثَلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي مُدَّةِ التَّهَوُّدِ أَيْضًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (تَغْلِيظًا عَلَيْهِ) أَيْ وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ الصَّلَاةَ بِالْإِسْلَامِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَسْلَمَ أَبُوهُ فِي حَالِ جُنُونِ الْوَلَدِ زَمَنَ الرِّدَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي مِنْ الْآنَ لِأَنَّهُ جُنُونٌ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ الْمَحْكُومِ بِهِ تَبَعًا.
قال: (ولا قضاء على كافر) المراد: من كان كافرًا وأسلم؛ لقوله تعالي:{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}. ولأن في وجوب القضاء عليهم تنفيرًا عن الإسلام ومشقة شديدة،
وإذا أسلم .. أثيب على ما كان يعمله من القرب التي لا تحتاج إلى النية، كالعتق والصدقة والصلة ونحو ذلك. قال: (إلا المرتد) ، فإنه يلزمه قضاء ما فات في الردة؛ لأنه اعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إليه، فهو كالمحدث.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وداوود: لا يلزم المرتد إذا أسلم قضاء ما فات في الردة، ولا في الإسلام قبلها، وجعلوه كالكافر الأصلي يسقط عنه بالإسلام ما سلف؛ لقوله تعالى:{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}.
فرعان:
الأول: لو صلى المسلم ثم ارتد، ثم أسلم ووقت الصلاة باق. لم تجب إعادتها.
الثاني: المرتدة لا تقضي زمن الحيض ونحوه،
بخلاف الجنون ونحوه؛ لأن إسقاط الصلاة عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة والمرتد ليس من أهلها.
والواقع في (شرح المهذب) من أنها: لا تقضي زمن الجنون .. سهو.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.