Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

شرح منتهى الإراداتal-Buhuti

وَقَالُوا) أَيْ الْأَصْحَابُ: (الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ) ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَقْدِ،

6,313

فَلَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ مَنْ يَرَاهُ فَلَيْسَ لِشَافِعِيٍّ سَمَاعُ دَعْوَى الْوَاقِفِ فِي إبْطَالِ الْوَقْفِ بِمُقْتَضَى كَوْنِهِ وَقْفًا عَلَى النَّفْسِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مُوجَبٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ كَكَوْنِ الْمَوْقُوفِ مَرْهُونًا مَثَلًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي رِسَالَةٍ لَهُ ذَكَرَهَا فِي شَرْحِهِ فُرُوقًا بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ عَنْ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيِّ مَعَ مُنَاقَشَتِهِ لَهُ، وَذَكَرَ مُلَخَّصَ مَا اخْتَارَهُ غَيْرَ مَا سَبَقَ مِنْهَا أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ يَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا لِلْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ عَامٍّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ آثَارِهَا،

6,314

فَإِنَّ مُوجَبَ الشَّيْءِ هُوَ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ مُوجَبٍ

6,315

بِخِلَافِ لَفْظِ الصِّحَّةِ ; فَإِنَّهَا إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْآثَارَ بِالتَّضَمُّنِ لَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهَا،

6,316

وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَعْلَى، وَهُوَ خِلَافُ الِاصْطِلَاحِ،

6,317

وَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ التَّدْبِيرِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بَعْدُ ; لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهِ مَنْعَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ فَقَدْ صَارَ مَحْكُومًا بِعَدَمِ بَيْعِهِ فِي وَقْتِهِ،

6,318

بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ مُكَلَّفٌ طَلَاقَ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى تَزْوِيجِهِ بِهَا وَحَكَمَ بِمُوجَبِهِ حَنَفِيٌّ أَوْ مَالِكِيٌّ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا وَبَادَرَ شَافِعِيٌّ وَحَكَمَ بِاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ وَعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ بِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ ; لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ لَوْ تَزَوَّجَ بِهَا ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ إلَى الْآنَ فَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ؟ ، وَمِنْهَا إذَا كَانَ الصَّادِرُ صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مُوجَبِهِ، فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالصِّحَّةِ،

6,319

وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ بِالْمُوجَبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ بِالْمُوجَبِ، وَلَا بَأْسَ بِهَذَا الْفَرْقِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ جَاءَ وَقْتُ الْحُكْمِ بِمُوجَبِهِ فَمَتَى لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ فَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ بِمُوجَبِهِ عِنْدَهُ عِنْدَ مَجِيءِ وَقْتِهِ.

وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ أَقْوَى كَمَا لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجَبِ شِرَاءِ دَارٍ فَلَيْسَ لِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِشُفْعَتِهَا لِلْجَارِ،

6,320

بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ،

6,321

وَكَذَا لَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ لَمْ يَمْنَعْ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِبَيْعِهِ بَعْدُ،

6,322

بِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمَ بِمُوجَبِهِ،

6,323

وَكَذَا لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ إجَارَةٍ ثُمَّ مَاتَ مُؤَجِّرٌ فَلِلْحَنَفِيِّ إبْطَالُهَا بِالْمَوْتِ،

6,324

وَلَوْ كَانَ حَكَمَ بِمُوجَبِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَنَفِيِّ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِهَا بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ مِنْ مُوجَبِهَا الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ لِلْوَرَثَةِ. وَنَازَعَ الْعِرَاقِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا بِأَنَّ الْحُكْمَ بِمُوجَبِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَى عَدَمِ الِانْفِسَاخِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ وَقْتُهُ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ.

6,325

وَلَوْ وَجَّهَ الْحُكْمَ إلَيْهِ فَقَالَ: حَكَمْتُ بِعَدَمِ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَكَيْفَ يَحْكُمُ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ؟

6,326

قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ عَدَمَ انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ هُوَ مَعْنَى لُزُومِهَا وَهُوَ مَوْجُودٌ مُنْذُ تَفَرَّقَا مِنْ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ كَمَنْعِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ عِنْدَ الْحَنَفِيّ بِلَا فَرْقٍ. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيِّ ضَابِطًا وَهُوَ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إنْ كَانَ صِحَّةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَكَانَتْ لَوَازِمُهُ لَا تَتَرَتَّبُ إلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ، كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ رَافِعًا لِخِلَافٍ وَاسْتَوَيَا حِينَئِذٍ.

6,327

وَإِنْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ الْآثَارَ وَاللَّوَازِمَ كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ غَيْرَ رَافِعٍ لِلْخِلَافِ، وَكَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ رَافِعًا وَقَوِيَ الْمُوجَبُ حِينَئِذٍ،

6,328

وَإِنْ كَانَتْ آثَارُهُ تَتَرَتَّبُ مَعَ فَسَادِهِ قَوِيَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ، لَكِنْ لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجَبِ وَقْفٍ شُرِطَ فِيهِ التَّغْيِيرُ وَالزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، فَهَلْ لِلشَّافِعِيِّ الْمُبَادَرَةُ بَعْدَ التَّغْيِيرِ إلَى الْحُكْمِ بِإِبْطَالِهِ ; لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ؟ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ التَّدْبِيرِ وَالشُّفْعَةِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِمُوجَبِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ لِلْوَاقِفِ فِي التَّغْيِيرِ، فَقَدْ فَعَلَ مَا هُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ مِنْ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ مَنْعُهُ.

قَالَ: وَقَدْ تَحَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ وَالصِّحَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُتَوَجِّهٌ إلَى نَفْسِ الْعَقْدِ صَرِيحًا وَإِلَى آثَارِهِ تَضَمُّنًا،

6,329

وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجَبِ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْآثَارِ صَرِيحًا وَإِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ تَضَمُّنًا، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا عَلَى مَا بَحَثْتُهُ مِنْ تَوَجُّهِ الْحُكْمِ بِالْمُوجَبِ إلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجَمِيعِ آثَارِهِ صَرِيحًا،

6,330

فَإِنَّ الصِّحَّةَ مِنْ مُوجَبِهِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ حِينَئِذٍ أَقْوَى مُطْلَقًا لِسَعَتِهِ وَتَنَاوُلِهِ الصِّحَّةَ وَآثَارَهَا.

معونة أولي النهىIbn al-Najjar

أي: الأصحاب: (الحكم بالموجَب يرفع الخلاف) .

قال ابن نصر الله : كثيراً ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة والحكم بالصحة أخرى. وقد اختلف كلام المتأخرين من الفقهاء في الفرق بينهما وعدمه. ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاماً منقولاً في ذلك. والذي نقوله بعد الاعتصام بالله ورسوله وسؤاله التوفيق: أن الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعاً.

18,430

فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عيناً واعترف المدعى عليه بذلك لم يجز للحاكم الحكم بالصحة، أي: بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعي المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك.

18,431

فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكفِ في جواز الحكم بالصحة؛ لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه فلا بد من بينة تشهد بملكه وحيازته حالة البيع حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة.

18,432

وأما الحكم بالموجَب بفتح الجيم من الموجِب فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها هذا هو معنى الموجب، ولا معنى للموجب غير ذلك.

18,433

فإذا قيل في السجل وحكم بموجب ذلك، فإنما يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلانى بدعوى مدعٍ وقيام البينة على دعواه أو بدعواه الثابتة بطريق من طرق الثبوت؛ كعلم القاضي وغير ذلك.

وحينئذ تكون الإشارة بذلك في قوله: حكم بموجب ذلك إلى الأمر المدعى به الثابت، وحينئذ ينظر في الدعوى فإن كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به كان الحكم بموجبها حكماً بالصحة،

18,434

وإن لم يشتمل على ما يقتضي صحة العقد المدعى به لم يكن الحكم بموجبها حكماً بالصحة.

ويتبين ذلك بمثالين:

الأول: أن يدعي أنه باعه هذه العين وهي في ملكه وحيازته ولا مانع له من بيعها وتشهد البينة بذلك كله،

18,435

فإذا حكم الحاكم في ذلك بموجبه كان ذلك حكماً بصحة البيع؛ لأن موجب الدعوى في هذه الصورة صحة انتقال الملك إليه؛ لاستيفاء شروطه وصحة العقد وقد حكم به فيكون حكماً بالصحة. وهذا ظاهر جلي، إذ موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته فهي موجبة له وهو موجب لها والذي أوجبته في هذه الصورة صحة العقد كما ذكرناه.

18,436

فإن قيل: الصحة لم يقع لها دعوى فكيف يصح الحكم بها؟

قيل: إن لم تقع في الدعوى صريحاً فهي واقعه فيها ضمناً؛ لأن مقصود المشتري من الحاكم ذلك. المثال الثانى: أن يدعي أنه باعه هذه العين ولا يدعي أنها ملكه فيعترف له البائع بالبيع أو ينكر، فتقوم البينة فيحكم الحاكم بموجب ذلك. فموجب الدعوى في هذه الصورة هو حصول صورة بيع بينهما ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحة ذلك البيع؛ لأنه لم يذكر في دعواه أن العين كانت ملكاً للبائع ولم تقم بذلك بينة وصحة العقد متوقفة على ذلك.

فلا يكون الحكم بالموجب هنا حكماً بالصحة أصلاً.

18,437

بخلاف التي قبلها.

وقد تبين مما ذكرناه أن الحكم بالموجَب تاره يكون الحكم بالصحة وتارة لا يكون كذلك. وهذا إشكال وهو أن يقال: أي

18,438

فائدة تبقى للحكم بالموجب إذا لم تجعلوه حكماً بالصحة إن قلتم فائدته ثبوت ذلك؟ قيل: الثبوت قد يستفاد مما يكون قد سبق من الألفاظ، وأيضاً الثبوت لا يقال له حكم به.

18,439

وإن قلتم فائدته الإلزام بتسليم العين. قيل: ذلك لم يقع في الدعوى فكيف يحكم بما لم يدع به؟

وجوابه: أن فائدة الحكنم بالموجَب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد. وفائدته: أنه لو أراد العاقد رفع هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله لم يجز له ذلك ولا للحاكم حتى يتبين موجب لعدم صحة العقد.

18,440

فلو وقف على نفسه ورفعه إلى حنبلي فحكم بموجبه لم يكن لحاكم شافعى بعد ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونه وقفاً على النفس.

18,441

وحاصله: أنه حكم على العاقد بمقتضى عقده لا حكم بالعقد ولا يخفى ما بينهما من التفاوت. انتهى.

وقد صنف الشيخ ولي الدين أبو زرعة العراقي الشافعي تغمده الله برحمته وُريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب فأحببت إيرادها كلها هنا لعموم النفع بها.

18,442

وهي: أما بعد. حمداً لله ولي النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه خير الأمم. فقد عهدنا الحكام على طريقة في الحكم بالصحة والحكم بالموجب وهي: أنهم إن قامت عندهم البينة العادلة باستيفاء العاقد شروط ذلك العقد الذي يراد الحكم به حكم بصحته،

18,443

وإن لم تقم البينة باستيفاء شروطه حكم بموجبه فالحكم بالموجب عندهم أحط مرتبة من الحكم بالصحة.

ويرد على ذلك شيئان:

أحدهما: أن المرجح فيما لو طلب جماعة في أيديهم أرض من القاضي قسمتها بينهم من غير إقامة البينة على أنها ملكهم لا يجيبهم القاضي إلى ذلك.

18,444

وقال شيخنا الإمام البلقيني في " حواشي الروضة ": يخرج من هذا : أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف المتعاقدين بالبيع ولا بمجرد قيام البينة عليهما بما صدر منهما؛ لأن المعنى الذي قيل هنا يأتي هناك.

18,445

قلت: وفي هذا نظر فإن القسمة تتضمن إفراز نصيب كل واحد وصيرورته معيناً بعد أن كان مشاعاً وقد لا يكون الرافعون له مالكين لذلك فيكون متصرفاً في ملك غيره [بغير إذنه.

18,446

[وأما الحكم بالصحة أو الموجَب فإنما هو في تصرف صدر من غير الحاكم ورفع إليه فقد يحكم بصحته وقد يحكم بموجبه] ، والاصطلاح: أن الأول: يكون عند قيام البينة [باستيفاء الشروط، والثانى: يكون عند إهمال البينة بذلك.

18,447

فأما لو قامت البينة بـ] وقوعه على خلاف الشروط المعتبرة فإنه لا يحكم فيه بصحة ولا موجب. وعلى كل تقدير فلم يتصرف الحاكم في ملك غيره] بل الغير هو المتصرف، والصادر من الحاكم حكم على ذلك التصرف فلا يلزم من امتناع الحاكم من القسمة هنا امتناعه من الحكم بالموجب،

18,448

وإن لم تقم البينة باستيفاء الشروط.

note

ثم إن قول الأصحاب: أنه لا يجيبهم هل أرادوا به لا تجب إجابتهم أو لا تجوز إجابتهم؟ لم أر تصريحاً بذلك. والظاهر الأول وهو انتفاء الوجوب لا الجواز.

الشيء الثانى: أن ما نقلته من عمل الحكام يدل على أن الحكم بالموجَب لا يزيد على الثبوت المجرد شيئاً، لكن ما زالوا يرون للحكم بالموجب تمييزاً على مجرد الثبوت. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ووجدت لشيخنا الإمام البلقينى رحمه الله تعالى فروقاً أبدأها في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب وكنت سمعتها منه أو بعضها،

18,449

وفي كلها أو بعضها نظر سأذكره.

فالفرق الأول: أن الحكم بالصحة منصب إلى إنفاذ ذلك الصادر من بيع ووقف ونحوهما والحكم بالموجب منصب إلى أثر ذلك الصادر.

18,450

قلت: وفيما ذكره نظر، فإنه إذا كان الحكم بالصحة منصباً إلى إنفاذ ذلك الصادر ترتب عليه إنفاذ آثاره. وكيف ينفذ ذلك الأمر ولا ينفذ أثره المقصود منه؟ ولا سيما قد عّرف غير واحد من أهل الأصول الصحة بأنها استتباع الغاية أي: كون الشيء بحيث تتبعه غايته ويترتب وجودها على وجوده.

18,451

فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه؛ لأن هذا هو معنى الصحة. وكيف يقال في الحكم بالموجَب أنه منصب إلى الآثار خاصة؟ وكيف تثبت الآثار بدون ثبوت المؤثر لها؟ فالحكم بثبوت الآثار مرتب على الحكم بثبوت المؤثر بلا شك. فلولا صحة ذلك العقد لما حكم القاضي بترتب آثاره عليه. فالصواب تضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة وإلا لما يترتب عليه الآثار، فالصحة هي الحكم الجامع لجميع الآثار. وحينئذ فيظهر استواء الحكم بالصحة والحكم بالموجَب؛

لأنه لا يحكم إلا بموجب ما صح عنده دون ما فسد ولا يصح الشيء وتتخلف آثاره عنه.

18,452

فإذا حكم بالصحة فقد حكم بترتب آثاره عليه. والتحقيق: أن الحكم بالموجب يتناول الآثار بالتنصيص عليها للاتيان بلفظ عام يتناول جميع آثارها،

18,453

فإن موجب الشيء هو مقتضاه وهو مفرد مضاف فيعم كل موجب.

18,454

بخلاف لفظ الصحة فإنه إنما يتناول الآثار بالتضمين لا بالتنصيص عليها. ومقتضى ذلك: أن يكون الحكم بالموجب أعلا وهو

18,455

بخلاف الاصطلاح. وكأن الحكم بالصحة إنما علت مرتبته عندهم لاختصاصه بما ثبت فيه وجود الشروط، وانحطت مرتبة الحكم بالموجب عندهم؛ لعدم ثبوت وجود الشروط فيه. لكن هذا راجع إلى الاصطلاح فيما أظن ولا يظهر للفرق المذكور معنا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع. فلا ينبغي أن يصدر من حاكم حكم إلا بحجة معتبرة

18,456

إما ببينة، وإما بعلم، وإما إقرار الخصم الذي هو صاحب اليد،

18,457

وإما يمين المدعي المردودة بعد نكول الخصم، سواء كان ذلك الحكم بإقرار أو ببينة. وإنما نازعت شيخنا في استنباط هذا من مسألة القسمة لا في أصل الحكم فإنى أوافق عليه.

18,458

فإذا قامت البينة فحكم بالصحة فقد حكم بترتب غايته عليه من غير تنصيص علمها لا لعموم ولا لخصو ص،

18,459

وإن حكم بالموجب فقد أتى بصيغة شاملة لجميع أحكامه،

18,460

فإن صيغة العموم في تناولها لكل فرد فرد كلية فكأنه نص بذلك على جميع آثاره.

18,461

فإن قلت: فهل يترتب عليه بذلك جميع آثاره المتفق عليها والمختلف فيها؟.

18,462

قلت: أما المتفق عليها فلا يحتاج فيها إلى حكم .

18,463

وأما المختلف فيها فما كان منها قد جاء وقت الحكم فيه نفذ وما لم يجيء وقت الحكم فيه لم ينفذ.

مثال الأول: أن يحكم حنفي بموجب التدبير.

18,464

فمن موجبه منع بيع المدبر فقد حكم الحنفي بذلك في وقته؛ لأنه منع السيد المدبر من بيع عبده المدبر، فليس له بمقتضى الحكم المذكور الإقدام على بيعه [لمنع الحاكم له من ذلك، وليس للشافعي أن يأذن له بعد ذلك في بيعه؛ لما فيه من نقض حكم الحنفي بمنع البيع، ولا أن تحكم بصحة بيعه لو صدر فإنه ارتكب ببيعه محرماً قد منعه منه جائز الحكم، فصار هذا المدبر بهذا الحكم كأم الولد.

ومثال الثانى: أن يعلق شخص طلاق امرأة أجنبية منه على التزويج بها فيحكم مالكي أو حنفي بموجَبه.

18,465

فإذا تزوج بها وبادر شافعي وحكم باستمرار العصمة وعدم وقوع الطلاق نفذ حكمه ولم يكن ذلك نقضاً لحكم الحاكم الأول بموجب التعليق؛ لأن حكم الأول لم يتناول وقوع الطلاق لو تزوج بها فإنه أمر يقع إلى الآن فكيف يحكم على ما لم يقع؟.

والحكم إنما يكون في شخص فما هذا منه إلا فتوى وتسميته حكماً جهل أوتجوّز يعني: به أن هذا حكم الشرع عنده، لا أنه منه وألزم به وكيف يُلزم بما لم يقع؟.

ومما يوضح ذلك: أنه لو لم يأت بصيغة عموم وهو الموجب بل حكم بهذه الجزئية خاصة فقال: حكمت بوقوع الطلاق إن تزوجها لم يصادف ذلك محلاً وعد سفهاً وجهلاً. وكيف يحكم الإنسان بالشيء قبل وقوعه؟ فيقول: حكمت بصحة بيع هذا العبد لو وقع بشروطه، وبصحة نكاح هذه المرأة لو وقع بشروطه.

18,466

بخلاف قول الحنفي في المدبر بعد تدبيره حكمت بمنع بيعه، فإنه حكم صحيح على مذهبه وقع في محله ووقته فنفذ وما لم يجز نقضه. فافهم ذلك فإنه حسن وقع بسبب عدم تدبيره خبط في الأحكام وقد ظهر أن توجيه الحنفي أو المالكي حكمه إلى وقوع الطلاق على التي لم يتزوج بها مُحال وحكمه بمنع التزويج بها أفسدُ منه،

18,467

فإن النكاح صحيح بلا توقف وإنما الكلام في وقوع الطلاق بعد صدور النكاح ولا يدرى هل بينهما نكاح أم لا؟ فلا يمكن توجيه الحكم إلى منع النكاح، كما وجه الحنفي حكمه إلى منع بيع المدبر، ولا إلى وقوع الطلاق في عصمة لا يدرى هل هذه تقع في الوجود أو لا؟

18,468

فإن نفس الطلاق لم يقع قبل النكاح وإنما وقع تعليقه خاصة والتعليق غير موقع في الحال فكيف يحكم على شيء لم يوجد بشيء لم يقع؟ وهذا واضح لصاحب الألمعية الخالي عن العصبية. والله تعالى أعلم.

وقس على هذين المثالين بقية الأمثلة فقد عرفت المدرك الذي أوجب الفرق بينهما.

الفرق الثانى بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب: أن الحكم بالصحة لا يختص بأحد والحكم بالموجب يختص بالمحكوم عليه بذلك.

18,469

قلت: وفي هذا الفرق أيضاً نظر.

18,470

فإذا وقف الإنسان شيئاً من أملاكه على نفسه ومات قبل الحكم بصحته وبطلانه، فأراد أحد ورثته أن يبيعه فمنعه حنفي وحكم بموجب الوقف المذكور لم يختص ذلك الحكم به في حصته،

18,471

فلو أراد وارث آخر أن يبيع حصته منه لم يصح وكيف يصح ذلك بعد حكم الحنفي بموجبه؟

18,472

فلو بادر شافعي وحكم عند إرادة أحد الورثة بيع حصته بموجب الوقف المذكور وهو البطلان عنده أيحكم حنفي بعد ذلك بمنع بيع الوارث الآخر حصته مع حكم الشافعي ببطلان الوقف المذكور؟ هذا بعيد. والله أعلم.

الفرق الثالث: أن الحكم بالصحة يقتضي استيفاء الشروط والحكم بالموجب لا يقتضي استيفاء الشروط وإنما مقتضاه ثبوت صدور ذلك الحكم على المصدر بموجب ما صدر منه.

18,473

قلت: وفيه نظر أيضاً فقد قدمت عن شيخنا المذكور أنه استنبط من مسألة امتناع القاضى من القسمة فيما إذا لم تقم بينة بأنه ملك طالبها أن الحكم لا يقع بصحة ولا بموجب إلا بعد استيفاء الشروط. وهذا الفرق هو الذي يعمل به الناس الآن وفيه ما قدمته.

note

ثم إن في تعبير الشيخ عن هذا الفرق نظراً، فكان ينبغي التعبير بأن الحكم بالصحة متوقف على ثبوت أن المتعاطي لذلك التصرف استوى الشروط فيه؛

18,474

فإذا رفع إلى القاضي بيع لا يحكم بصحته حتى تثبت شروط البيع من كون المبيع طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه مملوكاً للعاقد أو لمن وقع له العقد معلوماً.

18,475

بخلاف الحكم بالموجب فلا يتوقف على ثبوت استيفاء الشروط. وليت شعري كيف يكون حكم القاضى بثبوت جميع الآثار ثابتاً فيما إذا لم يثبت عنده أن العاقد استوفى الشروط [وينتفي فيما إذا ثبت أنه استوفى الشروط] . هذا مما لا يعقل. والله أعلم.

الفرق الرابع: أنه إذا كان الصادر صحيحاً باتفاقٍ ووقع الخلاف في موجبه فالحكم بالصحة لا يمنع من العمل بموجبه عند غير الحاكم بالصحة،

18,476

ولو حكم فيه بالموجب امتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب.

18,477

قلت: لا بأس بهذا الفرق، لكن إطلاقه في الحكم بالموجب أنه يمتنع العمل بموجبه عند غير الحاكم بالموجب لا بد من تقييده بأن يكون قد جاء وقت الحكم بموجبه فمتى لم يجيء وقته فلغيره عند مجيء وقته الحكم بموجبه عنده وإن لم يكن موجبه عند الحاكم الأول. والله أعلم.

الفرق الخامس: أن كل دعوى كان المطلوب فيها إلزام المدعى عليه بما أقر به أو قامت به البينة كان الحكم حينئذ بالإلزام وهو الموجب ولا يكون الحكم بالصحة، ولكن يتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة،

18,478

ومن ذلك: أن ما ليس له وجهان صحة وإبطال لا يدخل فيه الحكم بالصحة إنما يدخل فيه الحكم بالموجب.

18,479

قلت: لم يظهر لي هذا الفرق فإن مقتضاه: أنه إذا ادعى على إنسان بمائة درهم مثلاً واعترف بذلك بمجلس الحكم أو قامت عليه بينة بالاعتراف لم يسغ القاضي الحكم بالصحة في الاعتراف المذكور، وإنما يسوغ له الحكم بالموجب. ولا يظهر له معنى فليتأمل. وقد رجع الشيخ رحمه الله تعالى إلى ما ذكرته أولاً من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة. والله أعلم.

الفرق السادس: أن تنفيذ الحكم المختلف فيه يكون بالصحة عند الموافق

18,480

وكذا عند المخالف الذي يجيز التنفيذ فى المختلف فيه ويكون بالموجب إذا أريد به الإلزام بحكم الحاكم فى الحكم المختلف فيه، فيكون الأمر فيه كما تقدم في الحكم بالصحة فيكون قول القاضي: حكمت بصحة حكم فلان مساو لقوله: حكمت بموجب حكم فلان إذا أريد به هذا المعنى وهو: الإلزام بحكم الحاكم،

18,481

وإن أريد الإلزام بذلك الشيء المحكوم فيه فيجوز ذلك من الموافق ولا يجوز من المخالف؛ لأنه ابتداء حكم بذلك الشيء من غير تعرض للحكم الأول وذلك لا يجوز عند المخالف.

18,482

قلت: لم يتحرر من هذا الكلام فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب، لأنه ذكر أنه إذا أريد الإلزام بحكم المخالف في موضع الخلاف استوى الحكم بالصحة والحكم بالموجب في الجواز،

18,483

وإن أريد الإلزام بذلك الشيء من غير توسط حكم المخالف امتنع ذلك بالصحة وبالموجب فإن المخالف لا يراه وليس هذا تنفيذ بل ابتداء حكم بما لا يراه الحاكم به. والله سبحانه وتعالى أعلم.

وذكر شيخنا الإمام البلقيني رحمه الله تعالى: أنه يستوي الحكم بالصحة والحكم بالموجب في مسائل:

منها: حكم الحنفي بصحة النكاح بلا ولي أو بموجبه ليس للشافعي نقضه.

ومنها: حكمه بشفعه الجوار لا ينقضه الشافعي، سواء حكم بصحه ذلك أو بموجبه.

ومنها: حكمه بالوقف على النفس لا ينقضعه الشافعي، سواء حكم في ذلك بالصحة أو بالموجب.

ومنها: حكم الشافعي في إجازة الجزء الشائع من دار أو عبد أو نحوهما ليس للحنفي إبطاله، سواء حكم فيه بالصحة أو بالموجَب.

وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى افتراقهما في مسائل يكون في بعضها الحكم بالصحة أقوى وفي بعضها الحكم بالموجب أقوى.

فالقسم الأول: كما لو حكم شافعي بموجَب الوكالة بغير رضى الخصم. فللحنفي الحكم بإبطالها ولو حكم بصحتها لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأن موجبها المخاصمة صحت أو فسدت لأجل الإذن. فلم يتعرض الشافعي للحكم بالصحة، وإنما تعرض للأثر، فساغ للحنفي الحكم بإبطالها؛ لأنه يقول للشافعي: جردت حكمك للازم ولم تتعرض لصحة الملزوم ولا عدمه، وأنا أقول بإبطالها فلم توقع الحكم في محل الخلاف؟ هذا كلام شيخنا. وفيه نظر لما تقدم من أن الحكم بالآثار يتوقف على الحكم بالمؤثر فلولا صحة عقد الوكالة لما حكم بترتب آثارها.

وقد تقدم من كلامه الأخير: أن بيان الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.

18,484

فإن قلت: الوكالة يترتب عليها أثرها وهو صحة التصرف بعموم الإذن ولو كانت فاسدة.

18,485

قلت: من جملة موجبها ومقتضاها صحتها عند الشافعي ولو لم يرض الخصم اللازم فقد تناوله حكمه. ولا نسلم قول الحنفي أن الشافعي جرد حكمه للازم ولم يتعرض لصحة الملزوم ولا بطلانه، بل قد تعرض لها ضمناً كما اعترف به الشيخ رحمه الله تعالى، أو صريحاً كما اعتقده؛ لأن الصحة من جملة الموجب فقد دخل في حكمه بالموجب. لأنه مفرد مضاف فيعم جميع الواجب.

18,486

ولو كان التوكيل عند الشافعي فاسداً كالوكالة المعلقة لم يسغ له الحكم بموجب الوكالة اعتماداً على صحة التصرف بعموم الإذن؛ لما ذكرناه من أن من جملة المواجب الصحة والوكالة المذكورة باطلة فلم يثبت جميع موجبها.

18,487

فإذا حكم فليوجه حكمه إلى ما يترتب من الآثار وهو صحة التصرف، ولا يأتي بصيغة تعم جميع المواجب لفساد ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم.

والقسم الثانى له أمثلة:

منها: لو حكم الحنفي بصحة التدبير لم يمتنع على الشافعي الحكم بالبيع؛ لأنه عند الشافعي صحيح ولكن يباع.

18,488

فلو حكم بموجب التدبير لم يكن للشافعي الحكم بالبيع؛ لأن من موجب التدبير عنده عدم البيع.

ومنها: لو حكم شافعي بصحة شراء الدار التي لها جار فإنه يسوغ للحنفي أن يحكم بأخذ الجار بالشفعة؛ لأن البيع عنده صحيح مسلط لأخذ الجار كما يقول الشافعي في بيع أحد الشركاء.

18,489

ولو حكم الشافعي بموجب شراء الدار المذكورة فليس للحنفي أن يحكم بأخذ الجار؛ لأن من موجبه عنده دوامه واستمراره.

ومنها: لو حكم شافعي بصحة إجارةٍ ثم مات المؤجر فإن للحنفي إبطالها بالموت ولو حكم بموجب الإجارة لم يكن للحنفي الحكم بإبطالها بالموت؛ لأن من موجبها الدوام والاستمرار للورثة.

18,490

قلت: هذه الصورة الثالثة ممنوعة. والفرق بينها وبين الصورتين التي قبلها: أنه وقع الحكم فيها بالموجب بعد دخول وقته فنفذ؛ لأنه لما حكم فيها بموجب التدبير فقد منعه من البيع الذي يسوغه الشافعي،

note

ولما حكم بموجب شراء الدار التي لها جار فقد منع الجار من الأخذ بالشفعة. فامتنع ذلك عليه؛ كما لو وجه الحكم إلى ذلك صريحاً فإنه ينفذ ويعمل به. ولا فرق بين الحكم بالشيء بخصوصه وبين الحكم بصيغة عامة تشمله.

18,491

وأما الصورة الثالثة: لما حكم الشافعي فيها بموجب الإجارة قبل موت المستأجر لم يكن توجه حكمه إلى عدم الانفساخ؛ لأنه لم يجئ وقته ولم يوجد سببه ولو وجه الحكم إليه فقال: حكمت بعدم انفساخ الإجارة إذا مات المستأجر لم يكن ذلك حكماً. وكيف يحكم على ما لم يقع ولا يدري هل يقع أو لا؟ فتسميته هذا حكماً

18,492

إما جهل وإما تجوز كما قدمناه.

18,493

وفي حكم مالكي أو حنفي بموجب تعليق طلاق امرأة معينة على التزويج بها قبل التزويج بها، فإنه لا يدخل في موجبه وقوع الطلاق بعد التزويج.

18,494

فإن التزويج إلى الآن لم يقع وقد لا يوجد فلا يمكن الحكم على معدوم لم يدخل في الوجود. فهذه الصورة وتلك من واد واحد.

18,495

وإذا ظهر ما ذكرناه من الفرق عرفت المسائل واتضحت ولم يشكل منها شيء.

وذكر شيخنا المذكور رحمه الله تعالى أن ضابط ذلك: أن المتنازع فيه إن كان صحة ذلك الشيء وكانت لوازمه لا تترتب إلا بعد صحته كان الحكم بالصحة رافعاً للخلاف واستويا حينئذ،

18,496

وإن كان المتنازع فيه الآثار واللوازم كان الحكم بالصحة غير رافع للخلاف وكان الحكم بالموجب رافعاً وقوى الموجب حينئذ،

18,497

وإن كانت آثاره تترتب مع فساده قوى الحكم بالصحة على الحكم بالموجب.

18,498

قلت: قوله: فيما إذا كان النزاع في الآثار واللوازم أن الحكم بالموجب رافع للخلاف محله: أن يكون ذلك بعد دخول وقته ووجود سببه وتمكنه من الحكم بذلك الشيء بعينه فأدرجناه في الحكم بموجبه الذي هو من صيغ العموم؛ لأنه في جملة أفراده وقد جاء وقته. وقد قدمنا الأمثلة في ذلك بحيث اتضح الحال فيه. وقد عرفت الكلام معه فيما ذكر أن الحكم بالصحة أقوى من الموجب لترتب آثاره عليه مع فساده كالوكالة فأغنى بذلك عن إعادته.

والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقد ظهر بذلك أن حكم الحنفي بموجب التدبير يمنع الشافعي من الحكم بجواز بيعه وحكم الشافعي بموجب شراء الدار التي لها جار يمنع الحنفي من الحكم بجواز الأخذ بالشفعة، وحكم الشافعي بموجب الإجارة لا يمنع الحنفي من الحكم بعد موت المستأجر بانفساخها ، وحكم الحنفى أو المالكي بموجب تعليق طلاق امرأة على التزوج بها لا يمنع الشافعي من الحكم بدوام العصمة واستمرارها بعد وقوع التزوج بها. والفرق بين المسائل ما قدمناه: من أن الحكم في الصورتين الأولتين على الشيء بعد وجوده ولهذا صح توجيه الحكم إليه بعينه،

18,499

وفي الصورتين الأخيرتين الحكم على الشيء قبل وجوده، ولهذا لم يصح توجيه الحكم فيهما إلى ذلك الشيء بعينه كما قدمناه. ولنذكر مثالاً آخر فيه توقف وهو: ما إذا وقف إنسان وقفاً وجعل لنفسه التغيير فيه والزيادة فيه والنقص منه وحكم حنفي بموجبه ثم وقع منه التغيير هل للشافعي المبادرة بعد التغير إلى الحكم بإبطاله؟ يحتمل أن يكون كالمسألتين الأولتين فيمتنع على الشافعي الحكم فيه بالبطلان، لأن حكم الحنفي بموجبه يتضمن الإذن للواقف في التغيير فقد فعل ما هو مأذون له فيه من حاكم شرعي، فليس لحاكم آخر منعه منه ولا الحكم بإبطاله لو وقع، ويحتمل أن يكون كالمسألتين الأخيرتين؛

لأن التغيير إلى الآن لم يقع ولا يلزم من إذن الحنفي له في التغيير وقوعه فقد يغير وقد لا يغير فلا يدخل ذلك بعد الحكم بالموجَب،

18,500

فإن الحنفي لو وجه حكمه الآن إليه بعينه وقال: حكمت بموجب التغيير أو صحته لم يصح؛ لأنه حكم على الشيء قبل وقوعه. والله أعلم.

وقد تحرر في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب أن الحكم بالصحة متوجه إلى نفس العقد صريحاً وإلى اثاره تضمناً،

18,501

وأن الحكم بالموجب متوجه إلى آثاره صريحا وإلى نفس العقد تضمناً فليس أحدهما أقوى من الآخر إلا على ما بحثته من توجه الحكم بالموجب إلى صحة العقد وجميع آثاره صريحاً،

18,502

فإن الصحة من مواجبه . فيكون الحكم بالموجب حينئذ أقوى مطلقاً لسعته وتناوله الصحة وآثارها. والله تعالى أعلم بالصواب. انتهى كلام الشيخ ولي الدين العراقي.

18,503

ولنرجع الآن إلى ما في المتن من قوله: وإن بان حبسه في تهمة أو تعزير كافتيات على القاضي قبله ونحوه خلاه أو أبقاه بقدر ما يرى.

حاشية الخلوتي على المنتهىal-Khalwati

من انتقال الملك والحيازة . * قوله: (وقالوا: الحكمُ بالموجَبِ يرفعُ الخلافَ) .

رأيت بخط المصنف بآخر نسخة الأصل نقلًا عن خط ابن نصر اللَّه البغدادي ما نصه:(كثيرًا ما يقع في سجلات (٤) القضاة: الحكمُ بالموجَب تارةً، والحكمُ بالصحة أخرى، وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمِه، ولم أجد لأحدِ من أصحابنا كلامًا منقولًا في ذلك.

والذي نقوله -بعد الاعتصام باللَّه تعالى، وسؤالِه التوفيقَ-: أن الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوتَ الملك والحيازة قطعًا،

3,637

فإذا ادَّعى رجل أنه ابتاع من أحدٍ عينًا، واعترف المدَّعَى عليه بذلك، لم يجز للحاكمِ الحكمُ بصحةِ البيع بمجرد ذلك حتى يدَّعي المدَّعَى [عليه] أنه باعه العينَ المذكورةَ وهو مالكٌ لها، ويقيم البينةَ بذلك،

3,638

فأما لو اعترف البائع له بذلك، لم يكف في جواز الحكم بالصحة؛ لأن اعترافه يقتضي ادعاءه ملكَ العينِ المبيعةِ وقتَ البيع، ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه، بل لابد من بينةٍ تشهد بملكه [و] حيازته حالَ البيع حتى يسوغَ للحاكم الحكمُ بالصحة.

3,639

وأما الحكم بالموجَب -بفتح الجيم -، فمعناه : الحكمُ بموجب الدعوى الثابتة بالبينةِ، أو غيرِها. هذا هو معنى الموجَب، لا معنى له غير ذلك.

3,640

فإذا قيل في السجل: وحكم بموجب ذلك، فإنما يقال ذلك بعد أن ذكر أنه ثبت عنده الأمر الفلانيُّ بدعوى مُدَّعٍ، وقيامِ البينة على دعواه، وبدعواه الثابتةِ بطريق من طرق الثبوت؛ كعلم القاضي، وغير ذلك، وحينئذ فينظر في الدعوى،

3,641

فإن كانت مشتملةً على ما يقتضي صحةَ العقد المدعَى به، [كان الحكمُ فيها بالموجَب حكمًا بالصحة،

3,642

وإن لم تكن الدعوى مشتملةً على ما يقتضي صحةَ العقد المدعى به]، لم يكن الحكم بموجبها حكمًا بصحة العقد.

ويتبين ذلك بمثالين:

الأولُ: أن يدَّعي أنه باعه العينَ وهي في ملكه وحيازته، ولا مانع من بيعها، وتشهد له اليينةُ بذلك كلِّه،

3,643

فإذا حكم الحكم في ذلك بموجَبه، فذلك حكمٌ بصحة البيع؛ لأن موجَبَ الدعوى في ذلك [صحةُ] انتقال الملك إليه؛ لاستيفاء شروطه، وصحةِ العقد، وقد حكم به، فيكون حكمًا بالصحة، وهذا ظاهر جليٌّ؛ إذ موجب الدعوى هو الأمر الذي أوجبته، فهي موجبة له، وهو موجب لها، والذي أوجبته في هذه الصورة صحةُ العقد -كما ذكرنا-، واللَّه أعلم.

3,644

فإن قيل: الصحةُ لم يقع بها دعوى، فكيف يصحُّ الحكمُ بها؟ قيل: إنه -وإن لم يقع في الدعوى صريحًا-، فهي واقعة فيها ضمنًا؛ لأن مقصودَ المشتري من الحكم ذلك.

المثال الثاني: أن يدَّعي أنه باعه العينَ هذه، ولا يدَّعي أنها ملكُه، فيعترف له البائعُ بالبيع، أو ينكر، فتقوم البينةُ ، فيحكم الحاكمُ بموجب ذلك. فموجب الدعوى في هذه الصورة هو: حصولُ صورةِ بيعٍ بينهما، ولم تشمل الدعوى على ما يقتضي صحةَ ذلك البيع؛ [لأنه لم يذكر في دعواه أن العينَ كانت ملكًا للبائع، ولم يُقم بذلك بينةً، وصحةُ البيع] متوقفةٌ على ذلك، فلا يكون الحكمُ بالموجب هذا حكمًا بالصحة أصلًا؛

3,645

بخلاف التي قبلها. وقد تبين مما ذكرناه: أن الحكم بالموجَب تارةً يكون كالحكم بالصحة، وتارة لا يكون كذلك. وهنا إشكال، وهو أن يقال: أي

3,646

فائدة للحكم بالموجب إذا لم يجعلوه حكمًا بالصحة؟ إن قلتم: فائدتُه ثبوتُ ذلك، قيل : الثبوتُ قد يُستفاد مما قد سبق من الألفاظ، وأيضًا الثبوتُ لا يقال فيه: حكم به،

3,647

وإن قلتم: فائدتُه الإلزامُ بتسليم العين، قيل: ذلك لم يقع في الدعوى، فكيف يحكم بما لم يُدَّع به؟ وجوابه: أن

3,648

فائدة الحكم بالموجب أنه حكم على العاقد بمقتضى ما ثبت عليه من العقد، لا حكمٌ بالعقد، و [فائدتُه]: أنه لو أراد العاقدُ رفعَ هذا العقد إلى من لا يرى صحته ليبطله، لم يجز ذلك له، ولا للحاكم ، حتى يتبين له موجب لعدم صحة العقد،

3,649

فلو وقف على نفسه، ورفع إلى حنبلي، فحكم بموجبه، لم يكن [لـ:] حاكمٍ شافعيٍّ بعدَ ذلك أن يسمع دعوى الواقف في إبطال الوقف بمقتضى كونِه وقفًا على النفس،

3,650

وحاصلُه: أنه حكمٌ على العاقد بمقتضى عقده، لا حكمٌ بالعقد، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت، واللَّه -سبحانه [وتعالى] - أعلمُ). انتهى ما رأيته بخط المصنف نقلًا عن خط ابن نصر اللَّه، وقد ذكره المصنف بِرُمَّته في شرحه ، وزاد عليه ملخصَ رسالةٍ في ذلك للوليِّ العراقي الشافعي -رحمه اللَّه تعالى -.

* وقوله: (حلفه) ؛ أي: على أنه لا خصم له.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.