لقطة الحلّ والحرم أمانةٌ إن أخذها ليردّها على ربّها وأشهد
Its commentaries
(كِتَابُ اللُّقَطَةِ) .
وَجْهُ تَأْخِيرِهَا ظَاهِرٌ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَقَطَهُ أَخَذَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ مَلْقُوطٌ وَاللُّقَطَةُ مُحَرَّكَةٌ كَهُمَزَةٍ مَا اُلْتُقِطَ اهـ.
وَفِي الْمُغْرِبِ اللُّقَطَةُ الشَّيْءُ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَلَمْ أَسْمَعْ اللُّقَطَةَ بِالسُّكُونِ لِغَيْرِ اللَّيْثِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هِيَ فُعَّلَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَصْفُ مُبَالَغَةٍ لِلْفَاعِلِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَلُعَنَةٍ وَضُحَكَةٍ لِلْكَثِيرِ الْهَمْزِ وَغَيْرِهِ وَبِسُكُونِهَا لِلْمَفْعُولِ كَضُحْكَةٍ وَهَمْزَةٍ لِلَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ وَيُهْزَأُ بِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمَالِ لُقَطَةً بِالْفَتْحِ لِأَنَّ طَابِعَ النُّفُوسِ تَتَبَادَرُ إلَى الْتِقَاطِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ فَصَارَ الْمَالُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَاعٍ إلَى أَخْذِهِ لِمَعْنًى فِيهِ نَفْسِهِ كَأَنَّهُ الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطُ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَتُهُ الْمُلْتَقِطُ الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطُ وَمَا عَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا يَعْنِي يُطْلَقُ الِالْتِقَاطُ عَلَى الْمَالِ أَيْضًا اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُ الشَّارِحِينَ تَعْرِيفَهَا اصْطِلَاحًا وَعَرَّفَهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى الْمُضْمَرَاتِ بِأَنَّهَا مَالٌ يُوجَدُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ وَلَيْسَ بِمُبَاحٍ اهـ.
فَخَرَجَ مَا عُرِفَ مَالِكُهُ فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ لَا لُقَطَةٌ وَلِأَنَّ حُكْمَهَا التَّعْرِيفُ وَهَذَا لَا يُعَرَّفُ بَلْ يُدْفَعُ إلَى مَالِكِهِ وَخَرَجَ بِالْأَخِيرِ مَالُ الْحَرْبِيِّ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مُحْرَزًا بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ لُقَطَةٌ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ مَالٌ مَعْصُومٌ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ وَعَرَّفَهَا فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهَا رَفْعُ شَيْءٍ ضَائِعٍ لِلْحِفْظِ عَلَى الْغَيْرِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَجَعَلَ عَدَمَ الْحَافِظِ لَهَا مِنْ شَرَائِطِهَا ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِ الْبَابِ أَخَذَ الثَّوْبَ مِنْ السَّكْرَانِ الْوَاقِعِ النَّائِمِ عَلَى الْأَرْضِ لِيَحْفَظَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَتَاعٌ ضَائِعٌ كَاللُّقَطَةِ فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ تَحْتَ رَأْسِهِ أَوْ كَانَتْ دَرَاهِمُهُ فِي كُمِّهِ فَأَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِضَائِعٍ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِمَالِكِهِ اهـ.
وَالْكَلَامُ فِيهَا فِي مَوَاضِعَ فِي الِالْتِقَاطِ وَالْمُلْتَقِطِ وَاللُّقَطَةِ
أَمَّا الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَفِي الْخُلَاصَةِ فَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا يُفْتَرَضُ الرَّفْعُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ يُبَاحُ رَفْعُهَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ الرَّفْعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ اهـ.
وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ مَنْدُوبُ الْأَخْذِ وَمُبَاحُهُ وَحَرَامُهُ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا الضَّيَاعَ لَوْ تَرَكَهَا لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ لِمَالِ الْمُسْلِمِ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ وَجَبَ أَخْذُهَا وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ لِأَنَّ التَّرْكَ عِنْدَ الْخَوْفِ تَضْيِيعٌ وَالتَّضْيِيعُ حَرَامٌ وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يَكُونُ تَضْيِيعًا بَلْ امْتِنَاعٌ عَنْ حِفْظٍ غَيْرِ مُلْتَزَمٍ وَهُوَ لَيْسَ بِتَضْيِيعٍ كَالِامْتِنَاعِ عَنْ قَبُولِ الْوَدِيعَةِ
وَأَمَّا حَالَةُ الْإِبَاحَةِ فَأَنْ لَا يَخَافَ الضَّيَاعَ
وَأَمَّا حَالَةُ الْحُرْمَةِ فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهَا فَتَكُونُ فِي مَعْنَى الْغَصْبِ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَيْسَ مَذْهَبُنَا وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْأَخْذَ مَنْدُوبٌ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ التَّعْرِيفَ وَالرَّدَّ عَلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ خَافَ الضَّيَاعَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهَا صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ لِمَالِهِ حُرْمَةً كَمَا لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ فَالتَّرْكُ أَوْلَى اهـ.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَمِثْلُهُ فِي الْمُجْتَبَى وَأَشَارَ فِي الْهِدَايَةِ إلَى التَّبَرِّي مِنْهُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ عَلَى مَا قَالُوا وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا ضَاعَتْ بَعْدَمَا خَافَ الضَّيَاعَ وَلَمْ يَلْتَقِطْهَا وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ بِافْتِرَاضِ رَفْعِهَا الضَّمَانُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْ وَضَاعَتْ لَكِنْ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ وَالثَّلَاثِينَ لَوْ انْفَتَحَ زِقٌّ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ
فَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ بَرِئَ وَلَوْ أَخَذَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ ضَمِنَ لَوْ مَالِكُهُ غَائِبًا لَا لَوْ حَاضِرًا
وَكَذَا لَوْ رَأَى مَا وَقَعَ مِنْ كَمْ رَجُلٍ اهـ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِافْتِرَاضِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ
فَائِدَةَ الِافْتِرَاضِ الْإِثْمُ بِالتَّرْكِ لَا الضَّمَانُ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ مَنَعَ الْمَالِكَ عَنْ أَمْوَالِهِ حَتَّى هَلَكَتْ يَأْثَمُ وَلَا يَضْمَنُ
وَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَلَمْ أَرَ مَنْ بَيَّنَ شَرَائِطَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بِدَلِيلِ مَا فِي الْمُجْتَبَى التَّعْرِيفُ إلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ وَالْوَارِثِ اهـ.
فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْتِقَاطِهِ وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُلْتَقِطِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا صَحِيحَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَأْخُذَ وَدِيعَةَ عَبْدِهِ مَأْذُونًا أَمْ لَا مَا لَمْ يَحْضُرْ وَيُظْهِرْ أَنَّهُ مِنْ كَسْبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ وَدِيعَةَ الْغَيْرِ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَإِنْ بَرْهَنَ أَنَّهُ لِلْعَبْدِ تُدْفَعُ إلَيْهِ اهـ.
لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَقَالَ الْمَوْلَى هُوَ عَبْدِي وَقَالَ الْعَبْدُ الْتَقَطْته فَإِنْ مَحْجُورًا فَالْقَوْلُ لِلْمَوْلَى وَإِنْ مَأْذُونًا فَلِلْعَبْدِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ اللُّقَطَةِ إذَا تَنَازَعَا فِيهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ تَعْرِيفِ لُقَطَتِهِ هَلْ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَوْلَاهُ وَإِذَا عُرِّفَتْ فَهَلْ يَتَمَلَّكُهَا الْمَوْلَى إنْ كَانَ فَقِيرًا وَهَلْ يَتَوَقَّفُ الِالْتِقَاطُ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى وَهَلْ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ إذْنٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَهَلْ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ فِيهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي رَشِيدٍ قَالَ وَجَدْت خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْحِيرَةِ وَأَنَا مُكَاتَبٌ قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ اعْمَلْ بِهَا وَعَرِّفْهَا قَالَ فَعَمِلْت بِهَا حَتَّى أَدَّيْت مُكَاتَبَتِي ثُمَّ أَتَيْته فَأَخْبَرْته فَقَالَ ادْفَعْهَا إلَى خَزَائِنِ بَيْتِ الْمَالِ اهـ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ رَدَّ الْآبِقَ فَالْجُعْلُ لِمَوْلَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِالْتِقَاطِ وَأَنَّ الْمَوْلَى يُعَرِّفُهَا ثُمَّ يَتَمَلَّكُهَا إنْ كَانَ فَقِيرًا.
وَأَمَّا إسْلَامُ الْمُلْتَقِطِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِدَلِيلِ مَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ لَوْ أَقَامَ مُدَّعِيهَا شُهُودًا كُفَّارًا عَلَى مُلْتَقِطٍ كَافِرٍ قُبِلَتْ اهـ.
فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ وَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ مِنْ التَّعْرِيفِ وَالتَّصْدِيقِ بَعْدَهُ أَوْ الِانْتِفَاعُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الْتِقَاطِ الْمُرْتَدِّ لَقِيطًا أَوْ لُقَطَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَشَايِخَنَا إنَّمَا لَمْ يُقَيِّدُوا الْمُلْتَقِطَ بِشَيْءٍ لِإِطْلَاقِهِ عِنْدَنَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَذَكَرَ فِي اللَّقِيطِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ مِنْهُ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَضَاعَتْ مِنْهُ ثُمَّ وَجَدَهَا فِي يَدِ رَجُلٍ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّانِي فِي أَخْذِ اللُّقَطَةِ كَالْأَوَّلِ وَلَيْسَ الثَّانِي فِي أَخْذِ الْوَدِيعَةِ كَالْأَوَّلِ وَلَوْ الْتَقَطَ الرَّجُلُ لَقِيطًا فَأَخَذَهُ مِنْهُ رَجُلٌ ثُمَّ اخْتَصَمَا فِيهِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ صَارَ أَحَقَّ بِإِمْسَاكِهِ بِحُكْمِ الْيَدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحَقٌّ آخَرُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مُسْتَحَقٌّ لَمَا وَجَدَهُ مَطْرُوحًا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ وَلَا كَذَلِكَ اللُّقَطَةُ لِأَنَّ لَهَا مُسْتَحَقًّا آخَرَ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِصَاحِبِ الْيَدِ الْأَوَّلِ فَكَانَ الثَّانِي فِي إثْبَاتِ الْيَدِ كَالْأَوَّلِ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَيْسَ أَحَقَّ بِهَا وَهُوَ مُشْكِلٌ لَوْ انْتَزَعَهَا إنْسَانٌ مِنْهُ غَصْبًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْأَوَّلِ حَقُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَوْ كَانَ فَقِيرًا فَكَيْفَ يُبْطِلُهُ الثَّانِي نَعَمْ لَوْ ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ وَالْتَقَطَهَا آخَرُ فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يُخَاصِمُهُ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لِلثَّانِي وَالْأَوَّلُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَلَا يُقَالُ إنَّ كَلَامَهُمْ فِيمَا إذَا ضَاعَتْ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى فِيمَا إذَا ضَاعَتْ وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ الثَّانِيَةِ فِيمَا إذَا أَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّقِيطِ
وَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ لُقَطَةٍ وَلُقَطَةٍ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ وَصَحَّ الْتِقَاطُ الْبَهِيمَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَان وَمَكَانٍ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ
(لُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَمَانَةٌ إنْ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى رَبِّهَا وَأَشْهَدَ) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً»
وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْحَرَمِ «وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهُ إلَّا لِمُنْشِدِهَا» فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِالْتِقَاطُ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّخْصِيصُ بِالْحَرَمِ لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِمَكَانٍ أَنَّهُ لِلْغُرَبَاءِ ظَاهِرًا.
وَأَمَّا كَوْنُهَا أَمَانَةً فَلِأَنَّ الْأَخْذَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْعَامَّةِ قَيَّدَ بِأَخْذِهَا لِيَرُدَّهَا لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِ الشَّرْعِ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ إجْمَاعًا لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا كَالْبَيِّنَةِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ بِأَنْ قَالَ الْمُلْتَقِطُ أَخَذْته لِلْمَالِكِ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ لِاخْتِيَارِهِ الْحَسَنَةَ دُونَ الْمَعْصِيَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ وَادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ وَهُوَ الْأَخْذُ لِمَالِكِهِ وَفِيهِ وَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يُبَرَّأُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الظَّاهِرِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَرِّفُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَرَجَّحَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ.
وَيَكْفِيهِ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيْهَا وَاحِدَةً كَانَتْ اللُّقَطَةُ أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْيَنَابِيعِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ اهـ.
وَيَكْفِيهِ فِي الْإِشْهَادِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ عِنْدِي لُقَطَةً كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ لُقَطَةً لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عِنْدِي شَيْءٌ فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَسْأَلُ فَدُلُّوهُ عَلَى كَفَاهُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ
فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُشْهِدُهُ عِنْدَ الرَّفْعِ أَوْ خَافَ أَنَّهُ لَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ الرَّفْعِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ الظَّالِمُ فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ كَوْنِي مَنَعَنِي مِنْ الْإِشْهَادِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُشْهِدُهُ فَجَاوَزَهُ ضَمِنَ وَفِي الْقُنْيَةِ وَجَدَ الصَّبِيُّ لُقَطَةً وَلَمْ يُشْهِدْ يَضْمَنُ كَالْبَائِعِ اهـ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الْتِقَاطِهِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِهَا لُقَطَةً لَكِنْ اخْتَلَفَا هَلْ الْتَقَطَهَا لِلْمَالِكِ أَوْ لَا
أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهَا لُقَطَةً فَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ أَخَذْتهَا غَصْبًا وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ لُقَطَةً وَقَدْ أَخَذْتهَا لَك فَالْمُلْتَقِطُ ضَامِنٌ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا إذَا رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ فَقَدْ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ هَذَا إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ
أَمَّا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَمَا تَحَوَّلَ يَضْمَنُ وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ فَرَكِبَهَا ثُمَّ نَزَلَ عَنْهَا فَتَرَكَهَا فِي مَكَانِهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ هُوَ ضَامِنٌ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ لَا
وَكَذَا إذَا أَخَذَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى أُصْبُعِهِ بَعْدَمَا انْتَبَهَ وَلَوْ أَعَادَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ تِلْكَ النَّوْمَةِ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ اتِّفَاقًا اهـ.
وَالتَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا عَدَمُ الضَّمَانِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْوَجْهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَرَجَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا وَأَطْلَقَ فِي الْإِشْهَادِ فَانْصَرَفَ إلَى مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ عَدْلَانِ وَلِذَا
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُ الْمَبْسُوطِ اشْتِرَاطُ عَدْلَيْنِ اهـ.
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] (قَوْلُهُ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مُحَرَّزًا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ الْحِرْزُ بِالْمَكَانِ وَنَحْوِهِ خَرَجَ بِقَوْلِهِ يُوجَدُ أَيْ فِي الْأَرْضِ ضَائِعًا إذْ لَا يُقَالُ فِي الْمُحْرَزِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُحِيطِ جَعَلَ عَدَمَ الْإِحْرَازِ مِنْ شَرَائِطِهَا
(قَوْلُهُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ لَيْسَ مَذْهَبَنَا)
قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْبَدَائِعِ شَاذٌّ وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ والتتارخانية وَالِاخْتِيَارِ وَارْتَضَاهُ فِي الْفَتْحِ وَقَيَّدَهُ فِي السِّرَاجِيَّةِ بِأَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا
(قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا ضَاعَتْ بَعْدَ مَا خَافَ الضَّيَاعَ إلَخْ) أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الْخَانِيَّةِ مَا هُوَ كَالصَّرِيحِ فِي عَدَمِ ضَمَانِهِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ حَيْثُ قَالَ رَجُلٌ الْتَقَطَ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْمَكَانٍ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا تَحَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَعَادَهَا إلَيْهِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنَّمَا يَبْرَأُ إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ التَّحَوُّلِ
أَمَّا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ مَا تَحَوَّلَ يَكُونُ ضَامِنًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُخْتَصَرِ هَذَا إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِيُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا لِيَأْكُلَهَا لَمْ يَبْرَأْ عَنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ لِيَأْكُلَهَا يَصِيرُ غَاصِبًا وَالْغَاصِبُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ وَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ دَابَّةٌ فَرَكِبَهَا ثُمَّ نَزَلَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا فِي مَكَانِهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ ضَامِنًا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ لَا يَكُونُ اهـ.
وَتَمَامُهُ فِيهَا وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ أَيْضًا وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا إذَا خَافَ ضَيَاعَهَا بَعْدَ الرَّدِّ وَإِذَا لَمْ يَضْمَنْ حِينَئِذٍ بَعْدَ رَفْعِهَا فَكَيْفَ قَبْلَهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) قَالَ الْحَمَوِيُّ وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا فَقَدْ
قَالَ فِي الْبِنَايَةِ وَلَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ اهـ.
قَالَهُ أَبُو السُّعُودِ
(قَوْلُهُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَيْسَ أَحَقَّ بِهَا)
قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ الصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ الْخُصُومَةَ لِأَنَّ يَدَهُ أَحَقُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [التَّعْرِيفَ بِاللُّقَطَةِ]
(لقطة الحل والحرم) نبه بذلك على أنه لا فرق بين مكان ومكان (أمانة) في يد الملتقط (إن أخذها) ليردها قيد بذلك لأنه لو أقر أنه أخذها لنفسه ضمنها بالإجماع (وأشهد) على ذلك بأن يقول: عندي شيء أو ضالة فمن سمعتموه ينشد ضالا فدلوه علي لا فرق بين كونها واحدة أو أكثر، قيد بإشهاده لأنه لو لم يشهد وادعى أنه أخذها ليردها ولهما أنه أقر بسبب الضمان وادعى ما يبرئه فلا يقبل منه إلا ببرهان.
قال الطحاوي: وبقول أبي يوسف نأخذ، قاله الإتقاني،
وفي (الينابيع) الأصح أن محمد مع أبي يوسف والخلاف مقيد بما إذا اتفقا على اللقطة
أما لو ادعى المالك أنه غصبها وقال: إنما التقطها ضمن اتفاقا وبما إذا أمكنه الإشهاد فإن لم يمكنه بأن لم يجد من يشهده أو خاف أن يأخذها ظالم فتركه لا يضمن إجماعا والقول له مع يمينه أنه المانع كذا في (الفتح) ،
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] (كِتَابُ اللُّقَطَةِ) اللُّقَطَةُ مِثْلُ اللَّقِيطِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ الِالْتِقَاطِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَاللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ اسْمُ الْفَاعِلِ لِلْمُبَالَغَةِ وَبِسُكُونِ الْقَافِ اسْمُ الْمَفْعُولِ كَالضُّحَكَةِ وَالضُّحْكَةِ وَسُمِّيَ هَذَا الْمَالُ الْمَلْقُوطُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ مِنْهُ لِزِيَادَةِ مَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهَا يَمِيلُ إلَى رَفْعِهَا فَكَأَنَّهَا تَأْمُرُهُ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهَا حَامِلَةٌ عَلَيْهِ فَأُسْنِدَ إلَيْهَا مَجَازًا فَجُعِلَتْ كَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رَفَعَتْ نَفْسَهَا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ نَاقَةٌ حَلُوبٌ وَدَابَّةٌ رَكُوبٌ وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ رَآهَا يَرْغَبُ فِي الرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ فَنَزَلَتْ كَأَنَّهَا حَلَبَتْ نَفْسَهَا أَوْ رَكِبَتْ نَفْسَهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(لُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَمَانَةٌ إنْ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى رَبِّهَا وَأَشْهَدَ) لِأَنَّ الْأَخْذَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ
وَيَجِبُ إذَا خَافَ ضَيَاعَهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَصَاحِبُهَا أَيْضًا يَرْضَى بِالْأَخْذِ لِيَحْفَظَهَا لَهُ عَادَةً فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الرِّضَا دَلَالَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَا يَكْتُمُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ تَعَالَى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَهَذَا مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ لُقَطَةَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَقَالَتْ الْمُتَقَشِّفَةُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا بَيَّنَّا وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ فَيَكْتُمَهَا عَنْ مَالِكِهَا قَالُوا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّمَعَ فِيهَا فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ وَإِذَا أَخَذَهَا عَرَّفَهَا حَتَّى يُوَصِّلَهَا إلَى مَالِكِهَا وَالْإِشْهَادُ لِنَفْيِ التَّجَاحُدِ حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لِأَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ لِوُجُودِ التَّعَدِّي عَلَى مَالِ الْغَيْرِ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ وَادَّعَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِهَا وَيَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ قِيمَتَهَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ أَخْذَهَا لِصَاحِبِهَا حِسْبَةٌ وَلِنَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ فَكَانَ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى الصَّلَاحِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ وَلِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ مُنْكِرٌ وَالْمَالِكَ مُدَّعٍ لِلضَّمَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ فَيَضْمَنُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْإِشْهَادِ عَلَى مَا رَوَيْنَا وَإِذَا لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يُوجَدْ فَيَضْمَنُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الظَّاهِرِ يُعَارِضُهُ مِثْلُهُ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَصَرِّفُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ وَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ قَالُوا هَذَا الِاخْتِلَافُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُشْهِدُهُ أَوْ خَافَ عَلَيْهَا مِنْ الظَّلَمَةِ فَلَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ أَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ إنْ رَدَّهَا بَعْدَمَا حَوَّلَهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ بِالتَّحْوِيلِ الْتَزَمَ حِفْظَهَا وَبِالرَّدِّ صَارَ مُضَيِّعًا لَهَا وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ حَيْثُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَبْرَأُ بِغَيْرِ الرَّدِّ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَكْفِيهِ فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَنْشُدُ الضَّالَّةَ فَدُلُّوهُ عَلَيَّ سَوَاءٌ كَانَتْ اللُّقَطَةُ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ إلَخْ) تَبِعَ صَاحِبُ الْكَافِي فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْوُجُوبِ وَفِي الْخُلَاصَةِ يُفْتَرَضُ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الِافْتِرَاضُ
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ أَيْ الِالْتِقَاطُ الْوَاجِبُ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ عَلَى مَا قَالُوا اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ أَيْ يُفْتَرَضُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّقِيطِ اهـ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي جَوَازِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ»
قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ أَخْذُ اللُّقَطَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}
وَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا وَجَدَ لُقَطَةً فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا إذَا كَانَ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ لَا يَأْمَنُ لَا يَرْفَعُهَا
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ يُسْتَحَبُّ أَخْذُ اللُّقَطَةِ وَلَا يَجِبُ
قَالَ فِي النَّوَازِلِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ تَرْكُ اللُّقَطَةِ أَفْضَلُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا مِنْ رَفْعِهَا وَرَفْعُ اللَّقِيطِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ
وَقَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى إنْ خَافَ ضَيَاعَهَا يُفْتَرَضُ الرَّفْعُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ يُبَاحُ رَفْعُهَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ الرَّفْعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إلَى هُنَا لَفْظُهُ
وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَفْعِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ رَفْعُهَا أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحِلُّ رَفْعُهَا وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ فَيَمْنَعُهَا عَنْ مَالِكِهَا وَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ صَاحِبَهَا رُبَّمَا يَطْلُبُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَتْ مِنْهُ فَإِذَا تَرَكَهَا وَجَدَهَا صَاحِبُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ رَفَعَهَا وَوَضَعَهَا فِي مَكَانِهَا ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا إذَا أَخَذَ وَلَمْ يَبْرَحْ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى وَضَعَ هُنَاكَ
فَأَمَّا إذَا ذَهَبَ عَنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَهَا وَوَضَعَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أَخَذَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَهُوَ ضَامِنٌ ذَهَبَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْإِسْبِيجَابِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(فَرْعٌ) مَنْ سَقَطَ مِنْهُ مَالٌ فِي الطَّرِيقِ وَأَخَذَهُ إنْسَانٌ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فِي يَدِ صَاحِبِهِ حُكْمًا وَرَدُّهُ إلَيْهِ كَرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ اهـ فَتْحٌ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ فِي نَقْبِ اللِّصِّ وَانْظُرْ مَا كَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ وَعَرَّفَ إلَخْ فَإِنَّهُ نَافِعٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا) الْعِفَاصُ الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَالْوِكَاءُ الرِّبَاطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ اهـ كَاكِيٌّ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَالْوِكَاءُ رِبَاطُ الْقِرْبَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْمُتَقَشِّفَةُ) الْمُتَقَشِّفَةُ: الْمُتَعَمِّقَةُ فِي الدِّينِ وَأَصْلُ الْمُتَقَشِّفِ الَّذِي لَا يَتَعَاهَدُ النَّظَافَةَ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُتَزَهِّدِ الَّذِي يَقْنَعُ بِالْمُرَقَّعِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْوَسَخُ مُتَقَشِّفٌ مِنْ الْقَشَفِ وَهُوَ شِدَّةُ الْعَيْشِ وَخُشُونَتُهُ. اهـ. مُغْرِبٌ
(قَوْلُهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بَلْ أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِهَا. اهـ. فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ) قَالَ الْكَمَالُ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَفِي الْخُلَاصَةِ يُفْتَرَضُ الرَّفْعُ وَلَوْ رَفَعَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَضَعَهَا مَكَانَهَا فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَسَنَذْكُرُهُ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ فَيَضِيعُ مَالُهُ فَكَانَ رَفْعُهَا وَسِيلَةً إلَى إيصَالِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ وَلِهَذَا قَالُوا يَجِبُ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ. اهـ. كَافِي شَرْحِ الْوَافِي
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ الْوَاجِبُ إذَا خَافَ الضَّيَاعَ عَلَى مَا قَالُوا اهـ قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ أَخْذُ اللُّقَطَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ فَلَا يَضْمَنُ) أَيْ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ. اهـ. كَاكِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَبِهِ نَأْخُذُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَكَانَ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلَى الصَّلَاحِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفَسَادِ) أَيْ وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِلْمَالِكِ فَإِذَا أَخَذَ إنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْمَالِكِ فَأَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِي أَنَّهُ أَخَذَهُ لَهُ أَوْ لِنَفْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ بِالشَّكِّ. اهـ. كَمَالٌ
(قَوْلُهُ فَلَا يَضْمَنُ بِالِاتِّفَاقِ) أَيْ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ كَوْنُهُ مَنَعَنِي مِنْ الْإِشْهَادِ كَذَا. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ إنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَا حَوَّلَهَا ضَمِنَ) وَفِي الْيَنَابِيعِ يَضْمَنُ سَوَاءٌ حَوَّلَهَا أَوْ لَمْ يُحَوِّلْهَا وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَعَرَّفَ إلَى أَنْ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهَا لَا يَطْلُبُهَا)
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ قَالَ الْتَقَطْت لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً أَوْ قَالَ عِنْدِي شَيْءٌ فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَسْأَلُ شَيْئًا فَدُلُّوهُ عَلَيَّ فَلَمَّا جَاءَ صَاحِبُهَا قَالَ هَلَكَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
وَكَذَا لَوْ وَجَدَ لُقَطَتَيْنِ وَقَالَ مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَسْأَلُ شَيْئًا فَدُلُّوهُ عَلَيَّ وَلَمْ يَقُلْ عِنْدِي لُقَطَتَانِ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عِنْدِي لُقَطَةٌ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ وَإِنْ كَانَتْ عَشْرًا وَهَذَا كُلُّهُ إشْهَادٌ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ وَقَالَ الْكَمَالُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ اللُّقَطَةِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ أَيْ اللُّقَطَةُ بِتَأْوِيلِ الْمُلْتَقِطِ اسْمُ جِنْسٍ وَلَا يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنْ يُشْهِدَ عِنْدَ الْأَخْذِ وَيَقُولَ أَخَذَهَا لَا رَدَّهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَرِّفْهَا كَفَى فَجَعَلَ التَّعْرِيفَ إشْهَادًا.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَكْفِيهِ مِنْ الْإِشْهَادِ أَنْ يَقُولَ إلَخْ يُفِيدُ مِثْلَهُ فَاقْتَضَى هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ التَّعْرِيفُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَصَابَ ضَالَّةً فَلْيُشْهِدْ» مَعْنَاهُ فَلْيُعَرِّفْهَا وَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَا عَدْلٍ لِيُفِيدَ عِنْدَ جَحْدِ الْمَالِكِ التَّعْرِيفَ أَيْ الْإِشْهَادَ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَشْهَدَ ثُمَّ عَرَّفَ بِحَضْرَتِهِ لَا يَقْبَلُ مَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَإِلَّا فَالتَّعْرِيفُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَحْضُرُهُ الْعُدُولُ وَعَلَى هَذَا فَخِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا أَصْلًا حَتَّى ادَّعَى ضَيَاعَهَا وَادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ لِيَرُدَّهَا وَأَخَذَهَا لِذَلِكَ وَقَوْلُهُمَا إنَّ إذْنَ الشَّرْعِ مُقَيَّدٌ بِالْإِشْهَادِ أَيْ بِالتَّعْرِيفِ فَإِذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا فَقَدْ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا فِي الْأَخْذِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ أَيْ التَّعْرِيفُ وَقْتَ الْأَخْذِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْهُ قَبْلَ هَلَاكِهَا لِيَعْرِفَ بِهِ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَا لِنَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَا ذُكِرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا لَا يَضْمَنُ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِكَوْنِهِ رَدَّهَا فِي مَكَانِهِ أَوْ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ بِالرَّدِّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَبِهِ يَنْتَفِي الضَّمَانُ عَنْهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِمَا إذَا لَمْ يَذْهَبْ بِهَا فَإِنْ ذَهَبَ بِهَا ثُمَّ عَادَ ضَمِنَ وَبَعْضُهُمْ ضَمَّنَهُ ذَهَبَ بِهَا أَوْ لَا وَالْوَجْهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَمَا ذَكَرْنَا لَا يَنْفِي وَجْهَ التَّضْمِينِ بِكَوْنِهِ مُضَيِّعًا مَالَ غَيْرِهِ بِطَرْحِهِ بَعْدَ مَا لَزِمَهُ حِفْظُهُ بِالْأَخْذِ اهـ.
قَالَ قَاضِي خَانْ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَلَوْ أَخَذَ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا يَضْمَنُ وَلَمْ يُفَصِّلْ فِي الْكِتَابِ بَيْنَ مَا إذَا تَحَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَتَحَوَّلْ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ تَأْوِيلَهُ إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ التَّحَوُّلِ
فَأَمَّا بَعْدَ التَّحَوُّلِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهَذَا إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِيُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا لِيَأْكُلَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ يَرُدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا اهـ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَإِذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ فَقَدْ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ هَذَا إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ
أَمَّا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ مَا تَحَوَّلَ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعَادَهَا قَبْلَ التَّحَوُّلِ فَقَدْ تَرَكَ الْحِفْظَ قَبْلَ أَنْ يَلْتَزِمَ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِالْتِزَامِ الْحِفْظِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُهُ الْحِفْظُ فَكَانَ الْآخِذُ مُتَرَدِّدًا فَلَا يَصِيرُ مُلْتَزِمًا لِلْحِفْظِ بِنَقْضِ الْأَخْذِ فَإِذَا أَعَادَ بَعْدَ مَا صَارَ تَارِكًا لِلْحِفْظِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَزِمَهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ
فَأَمَّا إذَا تَحَوَّلَ بِهَا فَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ بِهَا لِيَحْفَظَهَا لَا لِيَتَأَمَّلَ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ مَشْيٍ فَكَانَ الْمَشْيُ دَلِيلًا عَلَى الْتِزَامِ الْحِفْظِ فَإِذَا أَعَادَهَا فَقَدْ تَرَكَ الْحِفْظَ بَعْدَ الْتِزَامِهِ فَيَضْمَنُ هَذَا إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ لِيُعَرِّفَهَا فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَأْكُلَهَا لَمْ يَبْرَأْ عَنْ ضَمَانِهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى صَاحِبِهَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهَا لِيَأْكُلَهَا صَارَ آخِذًا لِنَفْسِهِ فَصَارَ غَاصِبًا وَالْغَاصِبُ لَا يَبْرَأُ بِرَدِّ الدَّابَّةِ الْمَغْصُوبَةِ إلَى دَارِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِلَى مَرْبِطِهِ وَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعٍ صَالِحٍ لِلْحِفْظِ فَلَأَنْ لَا يَبْرَأَ هُنَا وَقَدْ رَدَّ إلَى مَكَان لَا يَصْلُحُ لِلْحِفْظِ أَوْلَى اهـ.
وَقَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَلَوْ رَفَعَ اللُّقَطَةَ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ وَضَعَهَا فِي مَكَانِهَا فَهَلَكَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - هَذَا إذَا أَخَذَهَا وَلَمْ يَبْرَحْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى أَعَادَهَا فِي مَكَانِهَا
أَمَّا إذَا ذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ أَعَادَهَا فَهَلَكَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا أَخَذَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَكَانِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ سَوَاءٌ ذَهَبَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.