قال المدّعى عليه هذا الشّيء أودعنيه أو آجرنيه أو أعارنيه فلانٌ الغائب أو رهنه أو غصبه منه وبرهن عليه دفعت خصومة المدّعي
Its commentaries
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ أَوْ آجَرَنِيهِ أَوْ أَعَارَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ دُفِعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي) ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَتْ بِبَيِّنَةِ أَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِيَدِ خُصُومَةٍ، وَهَذِهِ مُخَمَّسَةُ كِتَابِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ صُوَرَهَا خَمْسٌ وَدِيعَةٌ، وَإِجَارَةٌ وَإِعَارَةٌ، وَرَهْنٌ وَغَصْبٌ أَوْ؛ لِأَنَّ فِيهَا خَمْسَةَ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ الْأَوَّلُ مَا فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَهُ فِي الْمُخْتَارِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ صَالِحًا فَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ،
وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى مُسَافِرٍ يُودِعُهُ إيَّاهُ وَيُشْهِدُ فَيَحْتَالُ لِإِبْطَالِ حَقِّ غَيْرِهِ فَإِذَا اتَّهَمَهُ بِهِ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ الثَّالِثُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ إنَّ الشُّهُودَ إذَا قَالُوا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ فَقَطْ لَا تَنْدَفِعُ فَعِنْدَهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِالْوَجْهِ وَالِاسْمِ وَالنَّسَبِ،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَعْوِيلُ الْأَئِمَّةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ،
وَفِي الْعِمَادِيَّةِ لَوْ قَالُوا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ لَا بِوَجْهِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَتَكْفِي مَعْرِفَةُ الْوَجْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ لَوْ قَالُوا أَوْدَعَهُ رَجُلٌ لَا نَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعْ.
الرَّابِعُ: قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ إنَّهَا لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ لِعَدَمِ الْخَصْمِ عَنْهُ، وَدَفْعُ الْخُصُومَةِ بِنَاءً عَلَيْهِ قُلْنَا مُقْتَضَى الْبَيِّنَةِ شَيْئَانِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، وَلَا خَصْمَ فِيهِ فَلَمْ يَثْبُتْ وَدَفْعُ خُصُومَةِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ خَصْمٌ فِيهِ فَثَبَتَ، وَهُوَ كَالْوَكِيلِ بِنَقْلِ الْمَرْأَةِ، وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الطَّلَاقِ الْخَامِسُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى تَنْدَفِعُ بِدُونِ بَيِّنَةٍ لِإِقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، وَقُلْنَا صَارَ خَصْمًا بِظَاهِرِ يَدِهِ فَهُوَ بِإِقْرَارِهِ يُرِيدُ أَنْ يُحَوِّلَ مُسْتَحَقًّا عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِالْحُجَّةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى تَحَوُّلَ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صُورَةَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَأَرَادَ بِهَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فِي الْعَيْنِ، وَلَمْ يَدَّعِ عَلَى ذِي الْيَدِ فِعْلًا بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُقَابِلَةِ لِهَذِهِ وَحَاصِلُ جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ أَوْ مَضْمُونَةٌ وَالْمِلْكُ لِلْغَيْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ بُرْهَانَ الْمُدَّعِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْخَارِجَ هُوَ الْمُطَالِبُ بِالْبُرْهَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الدَّفْعِ قَبْلَهُ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَمَّا ادَّعَى الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فِيمَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْكَرَهُ فَطَلَبَ مِنْ الْمُدَّعِي الْبُرْهَانَ فَأَقَامَهُ، وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ حَتَّى دَفَعَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ وَبَرْهَنَ عَلَى الدَّفْعِ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْخَمْسِ فَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ وَكَّلَنِي صَاحِبُهُ بِحِفْظِهِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ أَسْكَنَنِي فِيهَا فُلَانٌ الْغَائِبُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ
وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ سَرَقْته مِنْهُ أَوْ أَخَذْته مِنْهُ أَوْ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدْته كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْأَوَّلَانِ رَاجِعَانِ إلَى الْأَمَانَةِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ إلَى الضَّمَانِ إنْ لَمْ يُشْهِدْ فِي الْأَخِيرَةِ، وَإِلَّا فَإِلَى الْأَمَانَةِ فَالصُّوَرُ عَشْرٌ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخَمْسِ فَالْأَوْلَى أَنْ تُفَسَّرَ الْخَمْسَةُ بِالثَّانِي،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيَلْحَقُ بِهَا دَعْوَى كَوْنِهَا مُزَارَعَةً بِأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَرْضًا فَبَرْهَنَ عَلَى أَنَّهَا فِي يَدِهِ بِالْمُزَارَعَةِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ الْغَائِبِ وَتَلْحَقُ الْمُزَارَعَةُ بِالْإِجَارَةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ فَلَا يَزْدَادُ عَلَى الْخَمْسِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ.
اهـ. وَهُوَ ذُهُولٌ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الشَّيْءَ فَشَمِلَ الْمَنْقُولَ وَالْعَقَارَ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَذَا الشَّيْءِ أَنَّهُ قَائِمٌ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ الْحِسِّيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا إلَى مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا تَنْدَفِعُ لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى هَالِكًا وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ فَقَالَ عَبْدٌ هَلَكَ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَأَقَامَ الَّذِي مَاتَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ فُلَانٌ أَوْ غَصَبَهُ أَوْ آجَرَهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَهُوَ خَصْمٌ فَإِنَّهُ يَدَّعِي إيدَاعَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَإِيدَاعُ الدَّيْنِ لَا يُمْكِنُ ثُمَّ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ وَصَدَّقَهُ فِي الْإِيدَاعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ لِلْمُدَّعِي
أَمَّا لَوْ كَانَ غَصْبًا لَمْ يَرْجِعْ
وَكَذَا فِي الْعَارِيَّةِ وَالْإِبَاقُ مِثْلُ الْهَلَاكِ هَا هُنَا فَإِنْ عَادَ الْعَبْدُ يَوْمًا يَكُونُ عَبْدًا لِمَنْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، جَارِيَةٌ فِي يَدِهِ ذَهَبَتْ عَيْنُهَا فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ وَطَلَبَ أَرْشَ الْعَيْنِ، وَأَخْذَ الْجَارِيَةِ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا،
وَلَوْ كَانَتْ، وَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَعَلَهُ الْقَاضِي خَصْمًا فِي حَقِّ الْقِيمَةِ، وَلَا يَقْضِي بِالْوَلَدِ وَيَقِفُ فِيهِ وَيَجْعَلُهُ تَبَعًا لِلْأُمِّ
بِخِلَافِ الْأَرْشِ أَمَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ قَتَلَهَا عَبْدٌ خَطَأً، وَذُو الْيَدِ زَعَمَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ عِنْدِي يُقَالُ لِمَوْلَى الْعَبْدِ افْدِهِ أَوْ ادْفَعْهُ فَإِنْ دَفَعَهُ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ لَهُ، وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْإِيدَاعِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمُدَّعِي إنْ طَلَبْت الْعَبْدَ فَلَا حَقَّ لَك،
وَإِنْ طَلَبْت الْقِيمَةَ قَضَيْنَا بِهَا عَلَيْهِ لَك فَإِنْ اخْتَارَ الْقِيمَةَ، وَأَخَذَهَا مِنْهُ ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ لَا فِي الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ،
وَإِنْ أَنْكَرَ الْغَائِبُ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَوْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَرْجِعْ قَطْعًا، وَمَعَ الْقَتْلِ لَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا لَا فِي الرَّقَبَةِ، وَلَا فِي الْأَرْشِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالِكُ. اهـ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْدَعَنِيهِ، وَمَا بَعْدَهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى إيدَاعِ الْكُلِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ النِّصْفُ لِي وَالنِّصْفُ وَدِيعَةٌ عِنْدِي لِفُلَانٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ انْدَفَعَتْ فِي الْكُلِّ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ. اهـ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ فُلَانٌ أَنَّهُ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ لَمْ تَنْدَفِعْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْغَائِبِ فِي الدَّفْعِ وَالشَّهَادَةِ
فَلَوْ ادَّعَاهُ مِنْ مَجْهُولٍ وَشَهِدَا بِمُعَيَّنٍ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ تَنْدَفِعْ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَعْرِفَةَ الشُّهُودِ الْغَائِبَ بِوَجْهِهِ فَقَطْ كَافِيَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَ الشُّهُودُ أَوْدِعْهُ مَنْ نَعْرِفُهُ بِالطُّرُقِ الثَّلَاثِ لَكِنْ لَا نَقُولُهُ، وَلَا نَشْهَدُ بِهِ لَا تَنْدَفِعُ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ أَجَابَ بِذَلِكَ لَا يَكْفِي
وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْرِفُهُ إلَّا أَنِّي نَسِيته، وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ مِنْ مُعَيَّنٍ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ فَشَهِدَا بِمَجْهُولٍ لَكِنْ قَالَا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ
أَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ مِنْ مَجْهُولٍ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ إجْمَاعًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْخَصَّافِ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَالْخَانِيَّةِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّ رَجُلًا دَفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَطْلَقَ فِي الْغَائِبِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بَعِيدًا مَعْرُوفًا يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أَوْ قَرِيبًا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مُطَابَقَةً،
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا نَدْرِي لِمَنْ هُوَ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا. اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ لِعَيْنِ مَا ادَّعَاهُ،
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ إلَى أَنَّهُ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَزِيدُوا فَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا قَائِمَةٌ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَالْفُصُولِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ دُفِعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي دَفَعَهَا الْقَاضِي أَيْ حَكَمَ بِدَفْعِهَا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ أَعَادَ الْمُدَّعِي الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ لَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى إعَادَةِ الدَّفْعِ بَلْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَأَرَادَ بِالْبُرْهَانِ وُجُودَ حُجَّةٍ عَلَى مَا قَالَ سَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةً أَوْ عِلْمَ الْقَاضِي أَوْ إقْرَارَ الْمُدَّعِي كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ،
وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَهَا فِي يَدِ آخَرَ فَقَالَ الْأَوَّلُ إنَّهَا لِي، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْوَدِيعَةِ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا
وَكَذَا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي إيدَاعَ هَذَا الْآخَرِ كَمَا عَلِمَ مِلْكَ الْأَوَّلِ أَقَرَّهُ فِي يَدِهِ
أَمَّا لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ الْغَائِبَ غَصَبَهَا مِنْ هَذَا الَّذِي كَانَتْ لَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهَا هَذَا أَخَذَهَا وَرَدَّهَا فَإِنَّ عِلْمَهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ. اهـ.
، وَلَوْ لَمْ يُبَرْهِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعِي اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَإِنْ حَلَفَ عَلَى الْعِلْمِ كَانَ خَصْمًا،
وَإِنْ نَكَلَ فَلَا خُصُومَةَ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ دُفِعَتْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يُحَلِّفُ الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ، وَلَمْ أَرَهُ الْآنَ، وَأَطْلَقَ فِي انْدِفَاعِهَا فِيمَا ذُكِرَ فَشَمِلَ مَا إذَا صُدِّقَ ذُو الْيَدِ عَلَى دَعْوَى الْمِلْكِ ثُمَّ دَفَعَهُ بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهَا تَنْدَفِعُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَإِنْ ادَّعَى ذُو الْيَدِ الْوَدِيعَةَ، وَلَمْ يُبَرْهِنْ عَلَيْهَا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ الْغَائِبَ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ يُحَلِّفُ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَقَدْ أَوْدَعَهَا إلَيْهِ عَلَى الْبَتَاتِ لَا عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ،
وَإِنْ كَانَ فِعْلَ الْغَيْرِ لَكِنْ تَمَامُهُ بِهِ، وَهُوَ الْقَبُولُ،
وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الْمُدَّعِي فَعَلَى الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ إيدَاعَ فُلَانٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْغَيْرِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ،
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يَحْلِفُ ذُو الْيَدِ عَلَى الْإِيدَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْإِيدَاعَ، وَلَا حَلِفَ عَلَى الْمُدَّعِي،
وَلَوْ حَلَفَ أَيْضًا لَا يَنْدَفِعُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعِيَ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ. اهـ.
وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْمُدَّعِي ادَّعَاهُ مِلْكًا مُطْلَقًا يَعْنِي فَقَطْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا ادَّعَى عَبْدًا أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَأَعْتَقَهُ فَدَفَعَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ وَبَرْهَنَا فَإِنَّهُ لَا تَنْدَفِعُ وَيُقْضَى بِالْعِتْقِ عَلَى ذِي الْيَدِ فَإِنْ جَاءَ الْغَائِبُ وَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ يُقْضَى بِهِ
فَلَوْ ادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ عَبْدُهُ لَمْ يُسْمَعْ
وَكَذَا فِي الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ فَبَرْهَنَ ذُو الْيَدِ عَلَى إيدَاعِ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِعَيْنِهِ يُقْبَلُ وَبَطَلَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ قِيلَ لِلْعَبْدِ أَعِدْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَامَهَا قَضَيْنَا بِعِتْقِهِ، وَإِلَّا رُدَّ عَلَيْهِ،
وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ قُبِلَ قَوْلُهُ: وَلَوْ بَرْهَنَ ذُو الْيَدِ عَلَى الْإِيدَاعِ، وَلَا يُنَافِيهِ دَعْوَى حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ فَإِنَّ الْحُرَّ قَدْ يُودَعُ
وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَالْإِعَارَةُ.
وَأَمَّا فِي الرَّهْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْحُرُّ قَدْ يُرْهَنُ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُرْهَنُ فَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّ الدَّارَ وَقْفٌ عَلَيْهِ فَدَفَعَهُ ذُو الْيَدِ بِمَا ذُكِرَ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ إنَّ دَعْوَى الْوَقْفِ مِنْ قَبِيلِ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَنْ تَنْدَفِعَ إذَا بَرْهَنَ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْقَاضِي لَمْ يَقْضِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ثُمَّ بَرْهَنَ ذُو الْيَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ لَمْ تُسْمَعْ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَالْفُصُولِ وَسَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ دَعْوَى الْإِيدَاعِ قَبْلَ الْبُرْهَانِ أَوْ قَبْلَ دَعْوَاهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اقْتَصَرَ عَلَى الدَّفْعِ بِمَا ذَكَرَ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا زَادَ،
وَقَالَ كَانَتْ دَارِي بِعْتهَا مِنْ فُلَانٍ، وَقَبَضَهَا ثُمَّ أَوْدَعَنِيهَا أَوْ ذَكَرَ هِبَةً، وَقَبْضًا لَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ أَوْ يَعْلَمُهُ الْقَاضِي،
وَلَوْ ادَّعَى الْمُدَّعِي ثُمَّ قَامَا إلَى إحْضَارِ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنِّي وُهِبْتُهَا مِنْ فُلَانٍ فَسَلَّمْتهَا إلَيْهِ ثُمَّ أَوْدَعَنِيهَا وَغَابَ لَمْ يُسْمَعْ
وَكَذَا فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعِي أَوْ يَعْلَمَ الْقَاضِي
فَلَوْ بَرْهَنَ الْمُدَّعِي ثُمَّ صَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيْعًا أَوْ هِبَةً قَبْلَ الْقَضَاءِ لَمْ تَنْدَفِعْ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ الْمُدَّعِي أَوْ عَلِمَهُ الْقَاضِي أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ كَذَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخَمَّسَةِ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ فَقَطْ لَمْ تُقْبَلْ،
وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ انْدَفَعَتْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَأَفَادَ الْمُؤَلِّفُ بِجَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِي أَوْ هِيَ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَزِدْ لَا يَكُونُ دَفْعًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ دَفْعَ الدَّفْعِ
فَلَوْ بَرْهَنَا عَلَى مَا ادَّعَيَاهُ فَدَفَعَهُ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ مِلْكُهُ غَصَبَهُ مِنْهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ،
وَفِي الِاخْتِيَارِ لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي أَوْدَعَنِيهَا ثُمَّ وَهَبَهَا مِنْك أَوْ بَاعَهَا، وَأَنْكَرَ يَسْتَحْلِفُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ مَا وَهَبَهَا مِنْهُ، وَلَا بَاعَهَا لَهُ فَإِنْ نَكَلَ صَارَ خَصْمًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ يَدَهُ يَدُ مِلْكٍ فَكَانَ خَصْمًا. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الدَّفْعُ الصَّحِيحُ لِلدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ عَلَى فَسَادِهَا صَحِيحٌ فِي الْأَصَحِّ،
وَقِيلَ الدَّفْعُ أَيْضًا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى فَاسِدٍ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ وَكَمَا يَصِحُّ الدَّفْعُ قَبْلَ الْبُرْهَانِ يَصِحُّ بَعْدَ إقَامَتِهِ أَيْضًا
وَكَذَا يَصِحُّ قَبْلَ الْحُكْمِ كَمَا يَصِحُّ بَعْدَهُ وَدَفْعُ الدَّفْعِ وَدَفْعُهُ،
وَإِنْ كَثُرَ صَحِيحٌ فِي الْمُخْتَارِ،
وَقِيلَ لَا يُسْمَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ بِأَنْ ادَّعَى الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فَقَالَ اشْتَرَيْتُهُ مِنْك فَدَفَعَ قَائِلًا بِالْإِقَالَةِ فَدَفَعَ قَائِلًا بِأَنَّك أَقْرَرْت مَا اشْتَرَيْته مِنِّي يُسْمَعُ فِي الْمُخْتَارِ كَمَا لَوْ كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا وَالدَّفْعُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يُسْمَعُ وَدَفْعُ أَحَدِ الْوَرَثَةِ يُسْمَعُ،
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ لِقِيَامِ بَعْضِهِمْ مَقَامَ الْكُلِّ حَتَّى لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ دَارًا فَبَرْهَنَ الْوَارِثُ الْآخَرُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا فِي الدَّعْوَى يُسْمَعُ. اهـ.
فَإِنْ قُلْت مَا فَائِدَةُ دَفْعِ الدَّعْوَى الْفَاسِدَةِ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُهَا قُلْت تَفَقُّهًا، وَلَمْ أَرَهُ: فَائِدَتُهُ لَوْ ادَّعَاهَا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَانَ الدَّفْعُ الْأَوَّلُ كَافِيًا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الدَّفْعَ بَعْدَ الْحُكْمِ صَحِيحٌ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى لِلْمُدَّعِي قَبْلَ الدَّفْعِ ثُمَّ دَفَعَ بِالْإِيدَاعِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْكُلِّيِّ فَافْهَمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ جَوَابِ الْغَائِبِ إذَا حَضَرَ،
وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ حَضَرَ فُلَانٌ وَسَلَّمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّارَ إلَيْهِ فَادَّعَاهُ الْمُدَّعِي الْأَوَّلُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَأَجَابَ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ آخَرَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَتَنْدَفِعُ عَنْهُ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ لَمْ يُبَرْهِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرْهَنَ الطَّالِبُ وَحُكِمَ لَهُ بِهِ ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ وَادَّعَى بِأَنَّهُ مِلْكُهُ إنْ أَطْلَقَ الْمِلْكَ تُقْبَلُ،
وَإِنْ قَالَ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى ذِي الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ قَضَاءٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَلَقَّى الْمِلْكَ إلَيْهِ مِنْهُ فَكَانَ الْمُشْتَرِي مَقْضِيًّا عَلَيْهِ،
وَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَرْهَنَ عَلَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ فَهُمَا كَخَارِجَيْنِ بَرْهَنَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الرَّهْنِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخَمَّسَةِ تَصْلُحُ حِيلَةً لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ فِي غَيْبَةِ الرَّاهِنِ كَمَا فِي حِيلَ الْوَلْوَالِجيَّةِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ دَفْعَ ذِي الْيَدِ، وَقَضَى بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي كَانَ قَضَاءً عَلَى غَائِبٍ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ فِي نَفَاذِهِ رِوَايَتَيْنِ فَلْيَكُنْ هَذَا عَلَى ذِكْرٍ مِنْك، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ،
وَفِي الْعُبَابِ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى غَائِبٍ وَيَحْلِفُ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ. اهـ. .
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ يَدْفَعُ مَالَهُ إلَى مُسَافِرٍ يُودِعُهُ إيَّاهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَدْفَعُ مَالَهُ أَيْ مَالَ غَيْرِهِ إلَى مُسَافِرٍ يُودِعُهُ أَيْ يُودِعُ ذَلِكَ الْمُسَافِرُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ الدَّافِعِ ذَلِكَ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْخَمْسِ) أَيْ بِحَسَبِ فُرُوعِهَا، وَإِلَّا فَعَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ رُجُوعِ الْخَمْسَةِ الْمَزِيدَةِ إلَى الْخَمْسَةِ الْأُصُولِ فَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فَالْمُرَادُ انْحِصَارُ أُصُولِهَا فِي الْخَمْسَةِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَوْرَدَهُ عَلَى الْبَزَّازِيَّةِ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَدَّعِي إيدَاعَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ) عِبَارَةُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَإِذَا كَانَ الْعَيْنُ هَالِكًا فَالدَّعْوَى فِي الدَّيْنِ، وَمَحَلُّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا بِذِمَّتِهِ، وَبِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ لِغَيْرِهِ فَلَا تَتَحَوَّلُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ
(قَوْلُهُ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا ضَمِنَ) أَيْ ذُو الْيَدِ عَلَى الْغَائِبِ
(قَوْلُهُ: وَصُدِّقَ الْمُقِرُّ فَإِنَّهُ) أَيْ ذَا الْيَدِ
(قَوْلُهُ: لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَلَمْ يَزِيدُوا فَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا قَائِمَةٌ) يُخَالِفُهُ مَا يَأْتِي بَعْدَ صَفْحَةٍ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهَا تَنْدَفِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ
وَكَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَ أَسْطُرٍ عَنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَكِنْ مَا قَدَّمَهُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّ رَجُلًا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَمَا هُنَا عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لِفُلَانٍ بِدُونِ التَّصْرِيحِ بِالدَّفْعِ
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ دُفَعْت أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَحْلِفُ لِلْمُدَّعِي إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْبُرْهَانِ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ وُجُوبُ الْحَلِفِ
أَمَّا قَبْلَهُ فَسَيُذْكَرُ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتَاتِ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُؤَلِّفَ لَاحَظَ أَنَّهُ يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى مَدْيُونِ الْمَيِّتِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: فَشَمِلَ مَا إذَا صُدِّقَ ذُو الْيَدِ عَلَى دَعْوَى الْمِلْكِ)
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ (شح) قَالَ ذُو الْيَدِ إنَّهُ لِلْمُدَّعِي إلَّا أَنَّهُ أَوْدَعَنِي فُلَانٌ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ لَوْ بَرْهَنَ، وَإِلَّا فَلَا (فش) لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ إذَا صَدَّقَهُ أَقُولُ: فَعَلَى إطْلَاقِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَنْدَفِعَ وَلَوْ بَرْهَنَ عَلَى الْإِيدَاعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْحُرُّ قَدْ يُرْهَنُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالُوا الْحُرُّ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ؛
لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَأَقُولُ: فَلَوْ رَهَنَ رَجُلٌ قَرَابَتَهُ كَابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ السَّلَاطِينِ فَلَا حُكْمَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .
وَالْحُرُّ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَرَأَيْت فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيّ قَالَ إذَا رُهِنَ الرَّجُلُ الْحُرُّ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ كَانَ رَهْنًا حَتَّى يَفُكَّهُ لِذِي رَهْنِهِ أَوْ يَفُكَّ نَفْسَهُ وَجْهُ كَلَامِ النَّخَعِيّ الْمُؤَاخَذَةُ بِإِقْرَارِهِ
(قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ دَعْوَى الْوَقْفِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ إذْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ إطْلَاقِ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمِلْكِ وَانْظُرْ فِي عِبَارَةِ هَذَا الْمَتْنِ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ إلَخْ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ وَسَيَنْقُلُهُ بِعَيْنِهِ قَرِيبًا عَنْ الْإِسْعَافِ فِي أَوَاخِرِ الْوَرَقَةِ الثَّانِيَةِ تَأَمَّلْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
يَعْنِي: أَوَّلَ الْفَصْلِ الْآتِي.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَضَى بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي إلَخْ)
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ يَقُولُ الْحَقِيرُ فِيهِ إشْكَالٌ سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْفَصْلِ نَقْلًا عَنْ (ذ) أَنَّهُ كَمَا يَصِحُّ الدَّفْعُ قَبْلَ الْحُكْمِ يَصِحُّ بَعْدَهُ أَيْضًا وَلَعَلَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّفْعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يُسْمَعُ، وَهُوَ خِلَافُ الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وَسَيَأْتِي عَيْنُ هَذَا الْإِشْكَالِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ قَرِيبًا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَّعِ الْإِيدَاعَ أَوْ ادَّعَاهُ وَلَمْ يُبَرْهِنْ عَلَيْهِ لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ خُصُومَةٍ فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى الْخَارِجِ وَصَحَّ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ ثُمَّ إذَا أَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ الْإِيدَاعَ لَا يُمْكِنُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا يُرِيدُ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ، وَإِيدَاعِهِ فَلَمْ تَتَضَمَّنْ دَعْوَاهُ إبْطَالَ الْقَضَاءِ السَّابِقِ وَالدَّفْعُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ فِيهِ بُرْهَانٌ عَلَى إبْطَالِ الْقَضَاءِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا
وَلَمَّا لَمْ يُقْبَلْ بُرْهَانُهُ وَلَا دَعْوَاهُ لِمَا قُلْنَا لَمْ يَظْهَرْ بُطْلَانُ الْقَضَاءِ وَعَلَى هَذَا لَا تَرِدُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ فَقَطْ) أَيْ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِالْإِيدَاعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ
(قَوْلُهُ: وَدَفْعُ الدَّفْعِ وَدَفْعُهُ، وَإِنْ كَثُرَ صَحِيحٌ فِي الْمُخْتَارِ)
قَالَ فِي نُورِ الْعَيْنِ خُلَاصَةُ صُورَتِهِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اشْتَرَيْته مِنْك فَقَالَ الْمُدَّعِي قَدْ أَقَلْتُ الْمَبِيعَ
فَلَوْ قَالَ الْآخَرُ إنَّكَ أَقْرَرْت أَنِّي مَا اشْتَرَيْتُهُ يُسْمَعُ إذَا ثَبَتَ الْعَدَالَةُ (ذ)
وَيَصِحُّ الدَّفْعُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَبَعْدَهَا، وَقَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ حَتَّى لَوْ بَرْهَنَ عَلَى مَالٍ وَحَكَمَ لَهُ فَبَرْهَنَ خَصْمُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ قَبْلَ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَطَلَ الْحُكْمُ قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْحُكْمُ لَوْ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بِحُدُوثِهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي (فش) أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ الْحُكْمُ الْجَائِزُ بِشَكٍّ.
يَقُولُ الْحَقِيرُ قَوْلُهُ: يَنْبَغِي مَحَلُّ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ مَا فِي (ذ) بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِ اشْتِرَاطِ التَّوْفِيقِ وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ كَمَا مَرَّ مِرَارًا (فَقَطْ) مُتَقَدِّمُو مَشَايِخِنَا جَوَّزُوا دَفْعَ الدَّفْعِ وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
وَقِيلَ يَصِحُّ مَا لَمْ يَظْهَرْ احْتِيَالٌ وَتَلْبِيسٌ (فش) حُكِمَ لَهُ بِمَالٍ ثُمَّ رَفَعَا إلَى قَاضٍ آخَرَ وَجَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّفْعِ يُسْمَعُ
وَيَبْطُلُ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ لَوْ أَتَى بِالدَّفْعِ بَعْدَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا يُقْبَلُ نَحْوُ أَنْ يُبَرْهِنَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ قَبْلَ الدَّعْوَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الدَّارِ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ لِجَوَازِ التَّوْفِيقِ بِأَنَّهُ شَرَاهُ بِخِيَارٍ فَلَمْ يَمْلِكْهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ وَقْتَ الْحُكْمِ فَمَلَكَهُ فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَا لَمْ يَبْطُلْ الْحُكْمُ الْجَائِزُ بِشَكٍّ وَلَوْ بَرْهَنَ قَبْلَ الْحُكْمِ يُقْبَلُ وَلَا يُحْكَمُ إذْ الشَّكُّ يَدْفَعُ الْحُكْمَ وَلَا يَرْفَعُهُ يَقُولُ الْحَقِيرُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ بَرْهَنَ قَبْلَ الْحُكْمِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ التَّوْفِيقُ خَفِيفًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ وَيُحْكَمَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ إمْكَانَ التَّوْفِيقِ كَافِيًا إذْ لَا شَكَّ حِينَئِذٍ؛
لِأَنَّ إمْكَانَهُ كَتَصْرِيحِهِ عِنْدَهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ عَلَى إبْطَالِ الْقَضَاءِ بِأَنْ ادَّعَى دَارًا بِالْإِرْثِ وَبَرْهَنَ، وَقَضَى ثُمَّ ادَّعَى الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الشِّرَاءَ مِنْ مُوَرِّثِ الْمُدَّعِي وَادَّعَى الْخَارِجُ الشِّرَاءَ مِنْ فُلَانٍ وَبَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى شِرَائِهِ مِنْ فُلَانٍ أَوْ مِنْ الْمُدَّعِي قَبْلَهُ أَوْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالدَّابَّةِ فَبَرْهَنَ عَلَى نِتَاجِهَا عِنْدَهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ قَرِيبًا، وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ.
Says nothing on this mas’ala.
(قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ أَوْ آجَرَنِيهِ أَوْ أَعَارَنِيهِ فُلَانٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ دُفِعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي) لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ الْعَيْنَ وَصَلَتْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْغَائِبِ وَأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِيَدِ خُصُومَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ أَوْ أَثْبَتَ ذُو الْيَدِ إقْرَارَهُ بِهِ وَالشَّرْطُ إثْبَاتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ دُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ تَنْدَفِعْ الْخُصُومَةُ وَبِالْعَكْسِ تَنْدَفِعُ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لِأَنَّهُ بِظَاهِرِ يَدِهِ صَارَ خَصْمًا وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِهَا لِلْغَائِبِ لِعَدَمِ الْخَصْمِ عَنْهُ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ فِي إدْخَالِ الشَّيْءِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَخُرُوجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا فِي ضِمْنِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْمُتَضَمَّنُ بِغَيْرِ أَصْلِهِ كَالْوَصِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ بِالْمُحَابَاةِ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فَصَارَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَاهَا بَعْدَ هَلَاكِهَا أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْفِعْلَ كَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ بِإِقْرَارِهِ لِلْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ كَلَامَهُ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ وَالْإِقْرَارُ مُوجِبٌ لِلْحَقِّ بِنَفْسِهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ التُّهْمَةِ فَالْتُحِقَ بِالْبَيِّنَةِ فَيَثْبُتُ مَا أَقَرَّ بِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِغَائِبٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِحَاضِرٍ فَرَجَعَ الْغَائِبُ وَصَدَّقَهُ يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ
وَكَذَا الصَّحِيحُ لَوْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِشَيْءٍ فَمَرِضَ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي مَرَضِهِ كَانَ إقْرَارُهُ إقْرَارَ الصَّحِيحِ
وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لِشَخْصٍ ثُمَّ غَابَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارُهُ مُوجِبًا بِنَفْسِهِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ صَحِيحٌ فَيَثْبُتُ بِهِ أَنَّ يَدَهُ يَدُ حِفْظٍ لَا يَدُ خُصُومَةٍ قُلْنَا إنَّ بَيِّنَتَهُ أَثْبَتَتْ أَمْرَيْنِ الْمِلْكَ لِلْغَائِبِ وَهُوَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ وَدَفْعَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ خَصْمٌ فِيهِ فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَالْوَكِيلِ بِنَقْلِ الْمَرْأَةِ أَوْ الْأَمَةِ إذَا أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ تُقْبَلُ فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ دُونَ ثُبُوتِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ فَصَارَ كَأَنَّ الْمُدَّعِي أَقَرَّ بِذَلِكَ أَوْ أَثْبَتَ إقْرَارَهُ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّ مَقْصُودَ ذِي الْيَدِ إثْبَاتُ يَدٍ حَافِظَةٍ لِنَفْسِهِ لَا إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ وَهُوَ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ يَدِهِ فَيَثْبُتُ دُونَ الْمِلْكِ لِلْغَائِبِ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ يَدِهِ وَلِهَذَا يُجْبَرُ بِالْحُضُورِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا إذَا ادَّعَى إحَالَةَ غَرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّ دَفْعَهَا بِلَا بَيِّنَةٍ يُؤَدِّي إلَى إتْوَاءِ الْحُقُوقِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ وَخُرُوجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا فِي ضِمْنِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ إلَخْ قُلْنَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ فَيَتَوَقَّفُ بِمُوَاجِبِهِ وَانْدِفَاعِ الْخُصُومَةِ مِنْهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا صَدَقَهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ وَأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ حَافِظَةً لَا يَدَ خُصُومَةٍ وَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ إذَا حَضَرَ وَيُعْتَبَرُ حَالُهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَيُسَلِّمُ الْقَاضِي الْمَقَرَّ بِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ إذَا غَابَ الْمُقِرُّ بَعْدَ إقْرَارِهِ عِنْدَهُ
بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْعَيْنَ بَعْدَ هَلَاكِهَا عِنْدَهُ حَيْثُ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمُدَّعِي بَعْدَ هَلَاكِ الْعَيْنِ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْقِيمَةَ وَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِهَا عَلَى مُودِعِ الْغَاصِب فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذِمَّتَهُ كَانَتْ لِغَيْرِهِ وَفِي الْعَيْنِ يَتَبَيَّنُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الْفِعْلَ عَلَيْهِ كَالْغَصْبِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ صَارَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي بِاعْتِبَارِ دَعْوَى الْفِعْلِ عَلَيْهِ فَلَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْعَيْنَ لِغَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ دَعْوَى الْفِعْلِ تَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذِي الْيَدِ فَلَا تَنْدَفِعُ بِالتَّحْوِيلِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ لَا تَجُوزُ فَتَنْدَفِعُ بِالتَّحْوِيلِ لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ فَإِذَا أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ يَدَهُ حَافِظَةٌ وَلَيْسَتْ بِيَدِ خُصُومَةٍ انْدَفَعَتْ الْخُصُومَةُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - آخِرًا إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَالِحًا فَالْجَوَابُ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ وَالِافْتِعَالِ لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُصُومَةُ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ الْعَيْنَ لِلْغَائِبِ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ مِنْ النَّاسِ يَأْخُذُ مَالَ غَيْرِهِ غَصْبًا وَيَدْفَعُهُ سِرًّا إلَى غَرِيبٍ يُرِيدُ أَنْ يَغِيبَ مِنْ الْبَلْدَةِ وَيُوَاعِدُهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ لِيُمْكِنَهُ الْإِشْهَادُ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ أَوْدَعَهُ غَيْرَهُ عِنْدَ مَا يَدَّعِيهِ صَاحِبُهُ فَيُضَيِّعُ بِذَلِكَ مَالَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ وَيَعْمَلَ بِمُقْتَضَى حَالِهِمْ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ مَا وَلِيَ الْقَضَاءَ وَابْتُلِيَ بِأُمُورِ النَّاسِ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا قَالَ الشُّهُودُ نَعْرِفُ صَاحِبَ الْمَالِ وَهُوَ الْمُوَدِّعُ أَوْ الْمُعِيرُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَوَجْهِهِ لِأَنَّ الْمُدَّعِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَتْبَعَهُ وَإِنْ قَالُوا لَا نَعْرِفُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ وَلَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْ ذِي الْيَدِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُمْ مَا أَحَالُوا الْمُدَّعِي عَلَى رَجُلٍ مَعْرُوفٍ يُمْكِنُ مُخَاصَمَتُهُ وَلَعَلَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَلَوْ انْدَفَعَتْ لَبَطَلَ حَقُّهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُودِعُ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ يَبْطُلُ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَوْ قَالُوا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَلَا نَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ بِالْيَدِ فَلَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ إلَّا إذَا أَحَالَهُ عَلَى مَعْرُوفٍ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ الْمُدَّعِي وَالْمَعْرِفَةُ بِوَجْهِهِ فَقَطْ لَا تَكُونُ مَعْرِفَةً أَلَا تَرَى «قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِرَجُلٍ أَتَعْرِفُ فُلَانًا فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ هَلْ تَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ فَقَالَ لَا فَقَالَ إذًا لَا تَعْرِفُهُ»
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَعْرِفُ فُلَانًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا بِوَجْهِهِ لَا يَحْنَثُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا إلَّا بِوَجْهِهِ عِنْدَ الشُّهُودِ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ اتِّبَاعِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِانْدِفَاعِهَا عَنْهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ أَنَّ الْعَيْنَ أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي وَأَنَّ يَدَهُ يَدُ حِفْظٍ إذْ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَ الْمُودِعَ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ غَيْرُ هَذَا الْمُدَّعِي وَمَقْصُودُ ذِي الْيَدِ إثْبَاتُ يَدٍ حَافِظَةٍ وَأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ لِهَذَا الْحَاضِرِ وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ كَافِيَةٌ لِهَذَا الْمَقْصُودِ وَحُصُولُ الضَّرَرِ لِلْمُدَّعِي بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ اتِّبَاعِهِ مُضَافٌ إلَى نَفْسِهِ حَيْثُ نَسِيَ خَصْمَهُ أَوْ إلَى شُهُودِهِ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنُوا لَهُ خَصْمَهُ فَأَضَرُّوا بِهِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِمِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ التَّعْرِيفُ وَلَكِنْ لَيْسَ تَعْرِيفُ خَصْمِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ وَأَنَّ يَدَهُ يَدُ حِفْظٍ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُخَمَّسَةَ كِتَابِ الدَّعْوَى لِأَنَّ فِيهَا خَمْسَ صُوَرٍ مِنْ دَعْوَى الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ فِيهَا اخْتِلَافَ خَمْسَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ الْخُصُومَةُ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ دُفِعَتْ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْقُدُورِيِّ ثُمَّ قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ إذَا كَانَ الْعَيْنُ قَائِمًا
أَمَّا إذَا هَلَكَ فَلَا تَنْدَفِعْ الْخُصُومَةُ بِدَعْوَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ فِي بَابِ الرَّجُلِ يَكُونُ خَصْمًا فِيمَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ عَبْدٌ فَادَّعَى إنْسَانٌ عَلَيْهِ ضَمَانَ الْعَبْدِ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ وَدِيعَةَ فُلَانٍ وَنَحْوَهُ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُودِعُ الْغَاصِبَ فَيَكُونُ ضَامِنًا اهـ وَقَدْ نَصَّ الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ هَلَاكِ الْعَيْنِ قَرِيبًا مِنْ هَذِهِ الْقَوْلَةِ فِي الشَّرْحِ بِقَوْلِهِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ ادَّعَاهَا بَعْدَ هَلَاكِهَا يَعْنِي فَإِنَّهُ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ فَقَدْ قَاسَ ابْنُ شُبْرُمَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى الْمُتَّفَقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ دُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) أَيْ الْإِيدَاعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لِشَخْصٍ) أَيْ عِنْدَ الْقَاضِي كَمَا سَيَأْتِي فِي صَفْحَةِ هَذِهِ الْقَوْلَةِ فِي الشَّرْحِ. اهـ.
(قَوْلُهُ قُلْنَا) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ اهـ قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ آخِرًا إلَخْ) وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا أُودَعَهُ يَعْرِفُهُ بِاسْمِهِ وَوَجْهِهِ حَيْثُ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ أَوْ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحِيَلِ) أَيْ بِالتَّزْوِيرِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَوَجَّهَتْ) الَّذِي بِخَطِّ الشَّارِحِ لِأَنَّهَا تَوَجَّهَتْ اهـ
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ نَعْرِفُ فُلَانًا الْغَائِبَ بِوَجْهِهِ وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ فَكَذَلِكَ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُصُولُ الْعَيْنِ إلَى ذِي الْيَدِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الْمُدَّعِي فَثَبَتَ أَنَّ يَدَهُ يَدُ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ وَهَذَا يَكْفِي لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ فَكَذَلِكَ هَذَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ مَا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ الْغَائِبِ وَنَسَبَهُ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ خَصْمٌ بِاعْتِبَارِ الْيَدِ وَهُوَ يَمْلِكُ نَقْلَ الْخُصُومَةِ إلَى غَيْرِهِ
أَمَّا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْخُصُومَةِ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمُدَّعِي وَمَتَى صَارَ الْغَائِبُ مَعْرُوفًا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ كَانَ نَقْلًا وَإِذَا لَمْ يَصِرْ مَعْرُوفًا لَا يَتَمَكَّنُ الْمُدَّعِي مِنْ الْخُصُومَةِ مَعَهُ فَيَكُونُ إبْطَالًا لِحَقِّ الْمُدَّعِي وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ أَوْدَعَهَا رَجُلٌ لَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَلَا نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَقَالَ ذُو الْيَدِ أَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ لِلْمَجْهُولِ وَلَعَلَّ الْمُودِعَ هُوَ الْمُدَّعِي فَعَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُودِعُ لَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ وَالْيَدُ دَلِيلُ الْخُصُومَةِ فَلَا تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ بِالشَّكِّ وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ نَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَقَالَ ذُو الْيَدِ لَا أَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ ذُو الْيَدِ فَصَارَ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِي بَعْضِ شَهَادَتِهِمْ فَإِنْ قَالَ ذُو الْيَدِ أَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَشُهُودُهُ شَهِدُوا أَنَّهُ أَوْدَعَهَا رَجُلٌ فَالْقَاضِي يَسْأَلُ الشُّهُودَ هَلْ تَعْرِفُونَهُ بِوَجْهِهِ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ تُقْبَلُ وَتَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَايَنَةً وَلَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ رَجُلًا دَفَعَهُ إلَيْهِ لَا أَعْرِفُهُ بِوَجْهِهِ وَنَسَبِهِ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ فَكَذَا هَذَا وَهَذَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَصَلَتْ بِالْمَعْلُومِ وَهُوَ إقْرَارُ الْمُدَّعِي فَتُقْبَلُ لَكِنْ الْمُقَرُّ لَهُ مَجْهُولٌ وَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ لَهُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ
فَأَمَّا جَهَالَةُ الْمَشْهُودِ لَهُ تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِذِي الْيَدِ بَيِّنَةٌ عَلَى الْإِيدَاعِ عِنْدَهُ حَتَّى قَضَى الْقَاضِي بِهِ لِلْمُدَّعِي ثُمَّ وَجَدَ ذُو الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى الْإِيدَاعِ لَا تُسْمَعُ وَالْقَضَاءُ لِلْمُدَّعِي مَاضٍ وَهَذَا
بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً عَلَى النِّتَاجِ أَوْ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَلَى ذِي الْيَدِ وَقَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ أَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى النِّتَاجِ حَيْثُ يَبْطُلُ الْقَضَاءُ لِلْخَارِجِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِهِ بُطْلَانُ الْقَضَاءِ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.