ثم المياه علي ثلاثة أقسام الاول الماء المطلق الباقي على اوصاف خلقته فهو طهور ومنه ماء البحر وماء البئر وكل ما نزل من السماء أو نبع من الارض
Its commentaries
(ثم المياه علي ثلاثة أقسام الاول الماء المطلق الباقي على اوصاف خلقته فهو طهور ومنه ماء البحر وماء البئر وكل ما نزل من السماء أو نبع من الارض) قوله ثم المياه يعني المياه الداخلة في هذا الباب وهى الطاهرة: وانما انقسمت الي ثلاثة اقسام لانها
اما ان تبقى على اصل الخلقة أو لا تبقى وان لم تبق فلما ان يخرج بما تغير من الصفات عن أن يسمى ماء مطلقا أو لا يكون كذلك الاول الباقي على اوصاف خلقته فهو طهور لوقوع اسم مطلق الماء عليه واندراجه تحت النصوص الآمرة باستعمال الماء والمجوزة له.
وقد ورد في ماء البحر قوله صلى الله عليه وسلم (البحر هو الطهور ماؤه) وفى ماء البئر انه توضأ من بئر بضاعة فان قلت لم اعتبر الاطلاق مع البقاء على اصل الخلقة حيث قال الماء المطلق الباقي على اوصاف خلقته ثم إذا اعتبر فكيف عد منه ماء البحر وماء البئر وهذا مقيد لا مطلق: فالجواب ان وصف الماء بالاطلاق قد تكرر في كلام الآئمة ثم منهم من يفسر المطلق بالباقي على اوصاف الخاتمة ومنهم من يفسره بالعاري عن القيود والاوصاف ويقول الماء ينقسم الي مطلق والي مضاف ثم من المضاف ما هو طهور كماء الكوز والبحر ومنه ما ليس بطهور كماء الزعفران وماء الشجر: فيجوز ان يقال أراد بالمطلق الباقي على اوصاف الخلقة وبه يشعر ظاهر كلامه في الوسيط وعلى هذا يكون تعقيب المطلق بالباقي على وصف الخلقة تفسيرا وبيانا للمعنى.
ويجوز أن يقال أراد العارى عن القيود والاضافات أي كل ما يسمى ماء من غير قيد فهو طهور وهذا لا ينافيه وقوع اسم الماء عليه مضافا بل تصح الاشارة إلى الماء المعين بأنه ماء وبأنه ماء عين أو نهر وبهذا يظهر فساد تقسيم من قسم الماء إلى مطلق ومضاف لان المطلق يجوز أن يكون مضافا وبالعكس أيضا فيدخل أحد القسمين في الآخر فإذا عرفت ذلك فان اراد المعني الاول فهما شئ واحد فلا معنى لقول القائل لم اعتبر الاطلاق مع البقاء علي أصل الخلقة وان أراد المعنى الثاني فقد ذكرنا انه لا منافاة بين كونه مطلقا بهذا المعنى ومضافا ثم ليس ذلك علي سبيل اشتراط الاطلاق لان كل باق علي أصل الخلقة يقع عليه اسم الماء عريا عن الاضافة عن القيود والاوصاف فهو إذا ملازم للبقاء علي أصل الخلقة وانما هو اشارة الي أن المعني المقتضي للطهورية اطلاقه والدخول في النصوص على ما سبق ويتبين مما ذكرناه انه لو حذف لفظ المطلق لم يضر: قال (ولا يستثنى عنه الا الماء المستعمل في الحدث فانه طاهر (ح) غير مطهر على القول الجديد لتأدى العبادة به وانتقال المنع إليه: فالمستعمل في الكرة الرابعة طهور لعدم المعنيين:
أما المستعمل في الثانية والثالثة أو في تجديد الوضوء أو في غسل الذمية إذا اغتسلت من الحيض ليحل للزوج غشيانها فيه وجهان لوجود أحد المعنيين دون الثاني) * استثناء المستعمل من الباقي على أوصاف الخلقة يبين انه ليس المراد من الاوصاف كل ما يصح وصف الماء به حتى الاضافات والاعتبارات والافانه قبل الاستعمال موصوف بانه غير مستعمل وبعده بانه مستعمل فلا يكون باقيا على الاوصاف كلها حتي يستثنى منه وانما المراد الصفات المعنوية ثم الاعتبار منها باللون والطعم والرائحة وهى المنظور إليها في التغير بالنجاسة كما سيأتي والصفات المعنوية باقية بحالها في المستعمل ثم هو غير طهور علي المذهب فوجب استثناؤه * وفقه الفصل أن الماء المستعمل في الحدث طاهر
وفي رواية عن أبي حنيفة رحمه الله هو نجس وبه قال أبو يوسف رحمه الله * لنا وجهان أحدهما قال صلي الله عليه وسلم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير طعمه أو ريحه ولا تغير ههنا: والثانى أن الصحابة فمن بعد هم كانوا يتوضؤن في ثيابهم ولا يحترزون عما يتقاطر إليهم وإلى ثيابهم: وهل هو طهور أم لا
قال في الجديد لا لانهم ما كانوا يجمعون المياه المستعملة للاستعمال ثانيا ولو جاز الاستعمال لجمعوها كي لا يحتاجوا إلى التيمم: وحكي عن القديم انه طهور وبه قال مالك رحمه الله لان الطهور ما يتكرر منه الطهارة كالقتول والشتوم من يتكرر منه الفعل ولانه ماء باق على اطلاقه فأشبه غيره: ومنهم من لم يثبت هذا القول وجزم بالجديد وسواء ثبت أم لا فالفتوى على الجديد:
ثم ذكر الاصحاب في انه لم سقطت طهورية المستعمل معنيين أحدهما تأدى عبادة الطهارة به والثاني تأدي فرض الطهارة به:
فمن قال بالاول أسقط طهورية المستعمل في الكرة الثانية والثالثة وتجديد الوضوء والمضمضة والاستنشاق وغسل الجمعة والعيدين وسائر مسنونات الطهارة والطهارة المسنونة وقالوا ببقاء الطهورية فيما اغتسلت به الذمية عن الحيض لتحل لزوجها المسلم إذ لا تصح منها العبادة:
ومن قال بالآخر عكس الحكم واتفقوا علي انهما ليستا علتين مستقلتين والا لما صار بعضهم الي ثبوت الطهورية في هذه الصور وعلى انهما ليستا جزأي علة واحدة والا لما صار بعضهم إلى النفى وانما اختلفوا في ان المعنى هذا أو ذاك وكل واحد منهما ملائم:
أما تأدي العبادة فلان الآلة المستعملة في المقصود الحسي يورثها ضعفا وكلالا فكذلك الآلة المستعملة في المقصود الشرعي:
وأما تأدى الفرض به فلان المراد منه رفع الحدث به أو رفع منعه من الصلاة حيث لا يرتفع هو كما في وضوء صاحب الضرورة وذلك يقتضى تأثر الماء الا ترى أن غسالة النجاسة لما أثرت في المحل حتى لم يبق المحل كما كان قبل الغسل تأثرت هي بالاستعمال حتي لم تبق كما كانت قبل الغسل يحكي هذا التقرير عن ابن سريج
ويجوز أن لا يقدر لكل واحد من فريقي الاصحاب التعليل بالمعنى الذى أبداه استقلالا بل يقول هؤلاء ما ذكرناه من المعنى واقع في موضع الاتفاق ملائم للحكم فلا يحذف عن درجة الاعتبار ويزعمون أن المعنى الثاني لغو: والآخرون يدعون مثل ذلك في المعني الثاني فينتظم الخلاف علي هذا التقدير أيضا * واعلم ان ظاهر المذهب اعتبار أداء الفرض دون المعني الثاني حتى لا تسقط طهورية المستعمل في المرة الثانية واخواتها وتسقط في مسألة الذمية: والوجهان في الذمية مخصوصان بقولنا ان الذمية إذا أسلمت يجب عليها اعادة ذلك الغسل وهو الصحيح
أما إذا قلنا لا تجب الاعادة عليها فهو مستعمل علي المعنيين لانه قد ارتفع به المنع من الوطئ وأفاد جواز العبادة به لو ارتفع مانع الكفر: وقوله في الاصل لتأدي العبادة به وانتقال كذلك يوجد في بعض النسخ بل في اكثرها وفي بعض النسخ المحدثة أو انتقال المنع إليه وشغف به جماعة من محصلى هذا الكتاب لما ذكرنا ان العلة غير مركبة من المعنبين: وانما اختلفوا في أن العلة ماذا ولا شك ان ما شرحناه من كلام الاصحاب واختلافهم يقتضي ذلك ولكن الواو واو قد يستعمل أحدهما في موضع الآخر فالواقف علي حظ المعنى قد ينزل الواو على أو ولا يغير صورة الكتاب ونظيره يكثر في المذهب ثم الحدث ليس شيئا محققا يفرض انتقاله من البدن إلى الماء لكن المعنى ان باستعمال الماء يرتفع منع كان في البدن وهو انه كان ممنوعا من الصلاة وغيرها ويحدث منع في الماء لم يكن وهو أنه لا يستعمل مرة أخرى فعبر عن ارتفاع منع وحدوث منع بالانتقال توسعا: وينبغي أن تعلم ان انتقال المنع الذى ذكره هو الذى عبر عنه غيره من الاصحاب باداء الفرض لان رفع الحدث فرض ولا نعنى بالفرض في مثل هذا ما يلحق الاثم بتركه بل ما لا بد منه ولذلك نحكم باستعمال ما توضأ به الصبى الا علي وجه لا يعبأ به وباستعمال ما توضأ به البالغ لصلاة النفل: وعبارة اداء الفرض أوضح وأولى: قال (فروع ثلاثة (الاول) المستعمل في الحدث لا يستعمل في الخبث علي أحسن الوجهين (الثاني) إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قلتين عاد طهورا علي أقيس الوجهين كالماء النجس (الثالث) إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناويا وخرج منه ارتفعت (و) جنابته وصار الماء مستعملا بعد الخروج والانفصال) اعلم انه يتفرع علي القول الجديد مسائل (احداها) المستعمل في الحدث هل يستعمل في الخبث فيه وجهان قال الانماطي وابن خيران نعم لان للماء قوتين ولم يستوف الا أحداهما وقال الا كثرون وهو الاصح لا كما ان المستعمل في الحدث الاصغر لا يستعمل في الا كبر وبالعكس: ولا يقال الماء له قوتان ولم يستوف الا احداهما: ويجرى الوجهان في المستعمل في الخبث هل يستعمل في الحدث إذا فرعنا علي ان المستعمل في الخبث طاهر غير طهور وهو المذهب على ما سيأتي: ولك أن تقول إذا كان المستعمل في الخبث بحيث لا نحكم بنجاسته كان باقيا على أوصاف خلقته وهو غير طهور على الظاهر فيكون مستثني مع المستعمل في الحدث عن الماء الباقي على أوصاف الخلقة فكيف ساغ للامام رضى الله عنه ان يقول ولا يستثنى عنه الا الماء المستعمل في الحدث (المسألة الثانية) إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قلتين هل يعود طهورا وجهان أصحهما نعم لانه لو لم يعد الي الطهورية لقبل النجاسة وقد قال صلى الله عليه وعلي آله وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ولان الماء النجس المتفرق إذا جمع ولاتغير يعود طهورا فالمستعمل أولى لان النجاسة أقوى من الاستعمال ولانه صار إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لم يتأثر بالاستعمال فإذا عاد الي تلك الحالة يسقط حكم الاستعمال:
والثاني لا يعود طهورا لان قوته صارت مستوفاة بالاستعمال فالتحق بماء الورد وسائر المائعات (الثالثة) إذا انغمس الجنب في ماء قليل ونوى نظر ان نوى بعد تمام انغماسه فيه واتصال الماء بجميع البدن فلاخلاف في انه يرتفع حدثه ويصير الماء مستعملا:
أما ارتفاع الحدث فلوصول الماء الطهور إلى محل الحدث مع النية: وأما الاستعمال فلاداء العبادة المفروضة به: وهل يحكم باستعماله في حق غيره قبل انفصاله عنه فيه وجهان أحدهما لا: وإنما يثبت حكم الاستعمال بعد الانفصال الا ترى ان الماء مادام مترددا علي أعضاء المتطهر لا يحكم باستعماله:
والثاني وهو الاصح نعم وانما لا يحكم بالاستعمال ما دام الماء مترددا جاريا للحاجة إلى انغسال الباقي ولا ضرورة في حق غيره والماء منفصل عنه: فعلى هذا ليس لغيره ان يرفع به الحدث وعلي الاول يجوز:
ولو خاص جنبان فيه ونويا معا بعد تمام الا نغماس ارتفع حدثهما على الوجهين: وان نوى الجنب قبل تمام الانغماس
إما في أولى الملاقاة أو بعد غمس بعض البدن ففيه وجهان قال أبو عبد الله الخضرى لا ترتفع الجنابة الا عن أول الجزء الملاقي مع النية لان الماء يصير مستعملا بملاقاته فلا ترتفع الجنابة عن الباقي
بخلاف ما إذا كان الماء واردا على البدن حيث لا يحكم باستعماله باول الملاقاة لاختصاصه بقوة الورود
والاصح انه ترتفع الجنابة ولا يصير الماء مستعملا باول الملاقاة لانا انما لم نحكم بالاستعمال عند ورود الماء على البدن للحاجة إلى رفع الحدث وعسر إفراد كل موضع بماء جديد وهذا المعنى موجود سواء كان الماء واردا أو كان هو واردا على الماء:
وإذا عرفت ذلك نشأ لك البحث والنظر في امور من الفاظ الكتاب في الفرع الثالث: أحدها ان مراده ما إذا نوى بعد تمام الانغماس
اما إذا نوى قبله أم كلتا الحالتين
أما اللفظ فهو شامل لهما والتزويل عليهما صحيح لما ذكر بانه لا خلاف في ارتفاع الجنابة في الحالة الاولى وان الصحيح في الحالة الثانية ايضا الارتفاع لكنه ما أراد الحالة الاولى وحدها لان قوله ارتفعت جنابته معلم بالواو ولا خلاف في ارتفاع الجنابة في تلك الحالة بقى احتمالان ارادة الحالة الثانية وحدها وعلامة الواو إشارة إلى وجه الخضرى واحتمال ارادتهما جميعا
ويصح الاعلام بالواو أيضا لان الصائر إلى النفى في احدى الصورتين يخالف المثبت في الصورتين والاحتمال الثاني أقرب إلى اطلاق اللفظ والاول قضية ايراده في الوسيط (الثاني) انه لم قيد صورة الفرع بالخروج فقال إذا انغمس الجنب في ماء قليل وخرج: اعلم أن ارتفاع الجنابة لا يحتاج الي هذا القيد بل سواء خرج أو لم يخرج ترتفع الجنابة:
وأما صيرورة الماء مستعملا ففى كلام الاصحاب ما يقتضى توقف الحكم بالاستعمال علي خروجه منه وهو مشكل لان المقتضي للاستعمال انه رفع الحدث فإذا ارتفع الحدث وجب أن يصير هو مستعملا سواء انفصل عن البدن أم لا هذا بالاضافة إليه
وأما بالاضافة إلى غيره ففيه ما حكينا من الوجهين * وإذا عرفت ذلك فقد رتب على الانغماس والخروج شيئين ارتفاع الجنابة وصيرورة الماء مستعملا والاول مستغن عن شرط الخروج والثاني بتقدير أن يكون محتاجا إليه: ففى قوله بعد الخروج والانفصال ما يفيد التعرض لهذا الشرط فإذا قوله وخرج ضائع (الثالث) لم جمع بين لفظي الخروج والانفصال ظنى أن هذا مما يجرى به القلم لاعن قصد أو مما يقصد به البسط في العبارة ايضاحا وعلى التقديرين فلا يطلب لكل لفظة
فائدة تخصها وان زعم زاعم أنه إذا لم يبق في الماء الا عضو واحد من المنغمس يسمى خارجا من الماء ولا يسمى منفصلا وحكم الاستعمال انما يثبت بعد الانفصال: قلت له هب انه كذلك لكن هذا وجه الحاجة إلى تعقيب الخروج بالانفصال فما الجواب عن قول القائل لم جمع بينهما وهلا اقتصر على الانفصال: قال (القسم الثاني ما تغير عن وصف خلقته تغيرا يسيرا لايزايله اسم الماء المطلق فهو طهور كالمتغير (و) بيسير الزعفران *
وكذا المتغير بما يجاوره (و) كالعود والكافور الصلب
وكذا المتغير بما لا يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالطين والطحلب
وكذلك المتغير بطول المكث والتراب والزرنيخ والنورة فان كل ذلك لا يسلب عنه اسم الماء المطلق
وكذا المسخن والمشمس وفي المشمس كراهية من جهة الطب إذا شمس في البلاد المفرطة الحرارة في الاواني المنطبعة) ذكرنا أن المتغير عن أوصاف الخلقة قسمان أحدهما المتغير الذى لا يسلب اسم الماء المطلق عنه:
والثاني ما يسلب * أما القسم الاول فقد أدرج فيه أنواعا منها أن يكون التغير يسيرا وان كان المغير خليطا مستغنى عنه كالزعفران والدقيق ونحوهما فظاهر المذهب أنه لا يقدح في الطهورية لانه لا يبطل اسم الماء المطلق وفيه وجه أنه يقدح كالتغير بالنجاسة يسلب الطهارة سواء كان يسيرا أو فاحشا: ومنها أن يتغير بشئ يجاور الماء ولا يخالطه كالعود ونحوه: وهل يؤثر في سلب الطهورية فيه قولان أصحهما وهو الذى ذكره في الكتاب أنه لا يؤثر لان هذا النوع من التغير تروح لا يسلب اطلاق اسم الماء كتغير الماء بجيفة ملقاة علي شط نهر:
والثاني نعم لانه تغير بما يلاقى الماء فأشبه التغير بما يخالط: وفي معنى العود الدهن والشمع وما لا يختلط بالماء * والكافور نوعان أحدهما يذوب في الماء ويختلط به والثاني لا ينماع فيه فالاول كالدقيق والزعفران والثاني كالعود فلذلك قيد الكافور باصلابة: ومنها أن يتغير بما لا يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالطين والطحلب والكبريت والنورة في مقر الماء وممره فهذا التغير لا يسلب الطهورية لوجهين أحدهما أن أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه والثاني عسر الاحتراز عنه:
ومن هذا القبيل المتغير بالتراب الذى يثور وينبث في الماء ويختلط به والمتغير بالزرنيخ * ومنها المتغير بطول المكث وهو علي طهوريته لما روى أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر بضاعة وكان ماؤها كنقاعة الحناء وذلك التغير لا يمكن أن يكون بالنجاسة والا لما توضأ به فبعد ذلك لا يخلو
إما أن يكون بنفسه أو بشئ طاهر آخر ان كان بنفسه صح المدعى وان كان بغيره فكذلك لان تغيره بنفسه أهون من تغيره بغيره فإذا لم يقدح الثاني فأولى ان لا يقدح الاول * ومنها المسخن فهو علي طهوريته لبقاء اطلاق الاسم ولانهم تطهروا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء المسخن ولم ينكر عليهم * ومنها المشمس وهو علي طهوريته كالمسخن وهل في استعماله كراهية أم لا فيه وجهان أحدهما لا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله كماء الحياض والسواقي إذا تأثرت بالشمس وكما أن التسخين لا يؤثر في الكراهية:
والثاني وهو الاصح نعم لما روى عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاها عن التشميس وقال انه يورث البرص * وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضح فلا يلو من الا نفسه * وكره عمر رضي الله عنه المشمس وقال انه يورث البرص فان قلنا بالكراهية ففى محلها اختلاف منشؤه اشارة النقل بعد النهى إلى سببه وهو خوف الوضح فقال قائلون من أصحابنا انما يكره إذا خيف منه هذا المحذور وانما يخاف عند اجتماع شرطين أحدهما أن يجرى التشميس في الاواني المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس لان الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زهومة تعلو الماء ومنها يتولد المحذور:
والثاني أن يتفق في البلاد المفرضة الحرارة دون الباردة والمعتدلة فان تأثير الشمس فيها ضعيف: ولا فرق عند القائلين بهذه الطريقة بين أن يقع ذلك قصدا أو اتفاقا فان المحذور لا يختلف: وأيدوا طريقتهم بالمشمس في الحياض والبرك فانه غير مكروه بالاتفاق وانما كان ذلك لانه لا يخاف منه مكروه:
وقال آخرون لا تتوقف الكراهية علي خوف المحذور لا طلاق النهى والتعرض للمحذور اشارة إلى حكمته فلا يشترط حصولها في كل صورة وهؤلاء طردوا الكراهية في الاواني المنطبعة وغيرها كالخزفية وفى البلاد الحارة وغيرها واعتذروا عن ماء الحياض والبرك بتعذر الاحتراز: والطريقة الاولى أقرب إلى كلام الشافعي رضي الله عنه فانه قال ولا أكره المشمس الا من جهة الطب أي انما اكرهه شرعا حيث يقتضى الطب محذورا فيه.
واستثنى بعضهم من المنطبعات الذهب والفضة لصفاء جوهرهما وبعد انفصال محذور عنهما وإذا عرفت ذلك نعد إلى الفاظ الكتاب: واعلم أن قوله ما تغير عن وصف خلقته تغيرا يسيرا لا يزايله اسم الماء المطلق ليس المراد من اليسير سوى انه بحيث لا يزايله اسم الماء المطلق وتعقيبه به مذكور تفسيرا لليسير وان لم يكن كذلك وجرينا على ظاهر اللفظ لزم اشتراط كون التغير يسيرا لبقاء الطهورية في جميع المسائل المعدودة وليس كذلك بل التغير بطول المكث وما لا يمكن صون الماء عنه وبالمجاور لا يفترق حكمه بين اليسير والفاحش وقوله
وكذا المتغير بطول المكث والتراب والزرنيخ عطفه على المتغير بالطين والطحلب أحسن منه على المتغير بما يجاوره والمتغير بما لا يمكن صون الماء عنه ليكون تعذر الصور نوعا يدخل تحته المتغير بطول المكث وما لا يخلو الماء عنه في المقر والممر فمنه الطين والطحلب ومنه التراب الذى يثور وينتصر فيه *
وأما الماء الذى يطرح فيه قصدا فقد ذكره من بعد: والاختلافات التى ذكرناها في المشمس تقتضي أن يكون لفظ الكراهية في قوله وفي المشمس كراهية معلما بالواو والحاء والميم والالف وهو علامة أحمد رضي الله عنه وأن يكون قوله من جهة الطب معلما بالواو اشارة إلى خلاف من اتبع ظاهر النهى ولم تقف الكراهية على موضع خوف الوضح ولا بأس إأن يعلم قوله في الاواني المنطبعة بذلك أيضا اشارة الي استثناء من استثنى التبزين * قال (القسم الثالث ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغنى الماء عنه حتي زايله اسم الماء المطلق فليس بطهور (ح) وان لم يستجد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير (ح) واجناسهما) * إذا بلغ تغير الماء حدا ينسلب به اسم الماء المطلق عنه خرج عن كونه طهورا ولا فرق بين أن يقع اسم الماء عليه مضافا إلى الخليط المغير كماء الزعفران والدقيق أو لا يقع ويحدث له أسم آخر كالصبغ والمرق والحبر خلافا لا بي حنيفة رضى الله عنه في الحالة الاولي: لنا وجهان احدهما القياس على ماء الباقلاء ونحوه والثاني أن النصوص الواردة في طهورية الماء متعرضة لاسم الماء عريا عن القيود والاضافات والكلام فيما انسلب عنه اسم الماء عريا عن القيود والاضافات فلا يلحق بمورد النص لظهور الفرق في خاصيته الرقة وغيرها:
فان قيل النصوص متناولة للماء وماء الزعفران ماء: قلنا لا نسلمه بل الماء المضاف على ضربين منه ما يصح اطلاق اسم الماء عليه كماء البحر وماء الكوز: ومنه ما لا يصح كماء الورد وماء الباقلى فلم قلتم بأن ماء الزعفران من قبيل الاول لا من قبيل الثاني بل هو من الثاني فان التغير الفاحش يصح قول القائل هذا ليس بماء وانما هو ماء الزعفران ولهذا لو حلف ان لا يشرب ماء فشرب ماء الزعفران لا يحنث وكان اسم الماء عريا عن القيود والاضافات غير موضوع للحقيقة المشتركة بين الماء وماء الزعفران بل كمالا يتفاحش تغير صفاته الاصلية والله أعلم: وهل يعتبر تغير اللون والطعم والرائحة جميعا أم يكفى تغير واحد منها ذكر الموفق بن طاهر في شرح مختصر الجوينى أن صاحب جمع الجوامع حكي فيه قولين اختار ابن سريج الثاني منهما وهو المشهور المتوجه: وحكي قولا آخر عن رواية الربيع أن التغير في اللون وحده وفى الطعم والرائحة معا يمنع الطهورية وفى احدهما لايمنع: وينبغي أن يتنبه من الفاظ الكتاب للاحتراز عن التغيرات التى لا تقدح: فقوله ما تفاحش تغيره يخرج عنه التغير اليسير وان كان بخليط مستغني عنه: وقوله بمخالطة ما يستغني عنه يخرج عنه التغير بالمجاور وبما لا يمكن صون الماء عنه * قال
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.