واعتكاف سيما عشر آخره.
Its commentaries
واعتكاف سيما عشر آخره. لحديث ابن عمر.
وإكثار عبادة واعتكاف للاتباع سيما بتشديد الياء وقد يخفف والأفصح جر ما بعدها وتقديم لا عليها.
وما زائدة وهي دالة على أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها.
عشر آخره فيتأكد له إكثار الثلاثة المذكورة للاتباع.
ويسن أن يمكث معتكفا إلى صلاة العيد وأن يعتكف قبل دخول العشر ويتأكد إكثار العبادات المذكورة فيه رجاء مصادفة ليلة القدر أي الحكم والفصل أو الشرف والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي منحصرة عندنا فيه فأرجاها: أو تارة وأرجى أوتاره عند الشافعي: ليلة الحادي أو الثالث والعشرين واختار النووي وغيره انتقالها.
وهي أفضل ليالي السنة وصح [البخاري رقم: ٢٠١٤, مسلم رقم: ٧٦٠] : "من قام ليلة القدر إيمانا" أي تصديقا بأنها حق وطاعة واحتسابا أي طلبا لرضا الله تعالى وثوابه غفر له ما تقدم من ذنبه
وفي رواية: "وما تأخر" .
وروى البيهقي خبر: "من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ينقضي شهر رمضان: فقد أخذ من ليلة القدر بحظ وافر " [الدر المنثور تفسير سورة القدر] .
وروى أيضا: "من شهد العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر". [الدر المنثور تفسير سورة القدر] .
وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان.
تتمة [في بيان حكم الاعتكاف] يسن اعتكاف كل وقت وهو لبث فوق قدر طمأنينة الصلاة ولو مترددا في مسجد أو رحبته التي لم يتيقن حدوثها بعده وأنها غير مسجد بنية اعتكاف.
ولو خرج ولو لخلاء من لم يقدر الاعتكاف المندوب أو المنذور بمدة بلا عزم عود جدد النية وجوبا إن أراده
وكذا إذا عاد بعد الخروج لغير نحو خلاء من قيده بها كيوم
فلو خرج عازما لعود فعاد لم يجب تجديد النية.
ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه كأن نوى اعتكاف أسبوع أو شهر متتابع وخرج لقضاء حاجة ولو بلا شدتها وغسل جنابة وإزالة نجس وإن أمكنهما في المسجد لأنه أصون لمروءته ولحرمة المسجد أكل طعام لأنه يستحيا منه في المسجد وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا له لا الخروج له قصدا ولا لغسل مسنون ولا يضر بعد موضعها إلا أن يكون لذلك موضع أقرب منه أو يفحش البعد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيضر مالم يكن الأقرب غير لائق به ولا يكلف المشي على غير سجيته.
وله صلاة على جنازة إن لم ينتظر ويخرج جوازا في اعتكاف متتابع لما استثناه من غرض دنيوي: كلقاء أمير أو أخروي كوضوء وغسل مسنون وعيادة مريض وتعزية مصاب وزيارة قادم من سفر.
ويبطل بجماع وإن استثناه أو كان في طريق قضاء الحاجة وإنزال مني بمباشرة بشهوة كقبلة.
وللمعتكف الخروج من التطوع لنحو عيادة مريض.
وهل هو أفضل أو تركه أو سواء؟ وجوه والأوجه كما بحث البلقيني أن الخروج لعيادة نحو رحم وجار وصديق أفضل واختار ابن الصلاح الترك لأنه ص كان يعتكف ولم يخرج لذلك.
مهمة قال في الأنوار: يبطل ثواب الاعتكاف بشتم أو غيبة أو أكل حرام.
(قوله: إكثار عبادة) أي وسن - مع التأكيد - إكثار عبادة في رمضان، وذلك لفضل أوقاته وحصول المضاعفة فيه، وكثرة الثواب وتيسير العمل بالخيرات فيه.
أما المضاعفة: فلما ورد أن النافلة في رمضان يعدل ثوابها ثواب الفريضة، والفريضة فيه بسبعين فريضة في غيره.
فمن يسمح بفوات هذا الربح، ويكسل عن اغتنام هذه التجارة التي لا تبور؟
وأما تيسير العمل بالخير فيه: فلأن النفس - الأمارة بالسوء - مسجونة بالجوع والعطش، والشياطين المثبطين عن الخير، المعوقين عنه مصفدون، لا يستطيعون الفساد، ولا يتمكنون منه.
فلم يبق بعد ذلك عن الخيرات مانع، ولا من دونها حاجز، إلا لمن غلب عليه الشقاء، واستولى عليه الخذلان - والعياذ بالله تعالى -.
(فائدة) روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر يوم من شعبان،
فقال:
أيها الناس: قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك فيه ليلة القدر، خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه،
ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة.
وهو شهر المواساة، وهو شهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له عتق رقبة ومغفرة لذنوبه.
قلنا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم.
قال: يعطي الله هذا الثواب من يفطر صائما على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة.
ومن أشبع صائما كان له مغفرة لذنوبه، وسقاه ربه من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ.
وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
ومن خفف عن مملوكه فيه أعتقه الله من النار.
فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما -
أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه.
وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: تسألون ربكم الجنة، تتعوذون به من النار.
(إخواني) هذه بشارة للصوام في شهر رمضان، إذا حموا نفوسهم من الزلل والعصيان، وأخلصوا صيامهم للواحد المنان، فكيف حال المفرط الذي يصوم ويأكل لحوم الإخوان؟ ويصلي وجسمه في مكان وقلبه في مكان؟ ويذكر الله بلسانه وقلبه مشغول بذكر فلان وفلان؟ فيا من أصبح إلى ما يضره متقدما، وأمسى بناء أمله بكف أجله متهدما: ستعلم من يأتي غدا حزينا متندما، ويبكي على تفريطه في شهره بدل الدموع دما أتراك أيها الصائم - أعددت عدة حازم لقبرك؟
أم حصلت عملا ينجيك في حشرك؟ أم حفظت حدود صومك في شهرك؟ أم هتكت حرمة الحمى؟ - كم من صوم فسد فلم يسقط به الفرض؟ وكم من صائم يفضحه الحساب يوم العرض؟ وكم من عاص في هذا الشهر تستغيث منه الأرض وتشكو من أعماله السماء؟ فيا ليت شعري من المقبول ومن المطرود؟
ومن المقرب ومن المبعد المذود؟
ومن الشقي ومن المسعود؟ لقد عاد الأمر مبهما تالله لقد سعد في هذا الشهر بحراسة أيامه من كف جوارحه عن كسب آثامه، ولقد خاب من لم ينله من صيامه إلا الجوع والظمأ.
وما أحسن قول بعضهم فيه: شهر الصيام: لقد علوت مكرما، * * وغدوت من بين الشهور معظما يا صائمي رمضان هذا شهركم * * فيه أبا حكم المهيمن مغنما يا فوز من فيه أطاع إلهه * * متقربا، متجنبا، ما حرما فالويل كل الويل للعاصي الذي * * في شهره أكل الحرام وأجرما فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا ممن حافظ على حدود صيام رمضان، ففاز بالفردوس والجنان، والقصور والحور العين الحسان، بجاه سيد ولد عدنان - - صلى الله عليه وسلم - - وعلى آله في كل آن.
آمين.
(قوله: واعتكاف) أي وسن - مع التأكيد - إكثار اعتكاف.
(قوله: للاتباع) هو ما رواه ابن ماجه والبيهقي، عن ابن عباس: المعتكف يعكف الذنوب، ويجرى له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها.
وما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله.
ثم اعتكف أزواجه من بعده، لأنه أقرب لصون النفس عن ارتكاب ما لا يليق.
(قوله: سيما إلخ) السي: المثل.
(وقوله: والأفصح جر ما بعدها) أي على الإضافة،
ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، أو على أنه مفعول لمحذوف،
وقيل على التمييز، لكن إذا كان نكرة.
(وقوله: وتقديم لا عليها) أي والأفصح تقديم لا النافية للجنس، واسمها سي، وخبرها محذوف.
(قوله: وما: زائدة) وقيل موصولة، والاسم الذي بعدها مرفوع على أنه خبر محذوف، والجملة صلة.
(قوله: وهي دالة إلخ) أي فيقال هنا العشر الأواخر أولى بالثلاثة من غيرها، ولا يستثنى بها - على الأصح.
(قوله: عشر آخره) يقرأ لفظ عشر بالجر على أنه مضاف إليه على الأفصح، ويجوز رفعه ونصبه.
(قوله: فيتأكد له) أي في العشر الأخير.
(وقوله: إكثار الثلاثة) - هي: الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف.
(قوله: للاتباع) هو ما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.
وما صح أنه عليه السلام: كان إذا دخل العشر الأخير أحيا الليل كله وأيقظ أهله، وشد المئزر وهو كناية عن التهيؤ للعبادة، والإقبال عليها بهمة ونشاط.
(قوله: ويتأكد إكثار الخ) مكرر مع قوله أول، فيتأكد له إكثار إلخ، فالأولى إسقاطه، ويكون قوله رجاء الخ علة لقوله
ويسن أن يمكث معتكفا.
(قوله: رجاء مصادفة ليلة القدر) أي طلبا لإدراكها.
(قوله: أي الحكم) تفسير للقدر، فالمراد من ليلة القدر: ليلة الحكم.
وفي حاشية الجمل على الجلالين،
وفي القرطبي، قال مجاهد في ليلة الحكم: وما أدراك ما ليلة القدر؟ قال: ليلة الحكم.
والمعنى ليلة التقدير، سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغير ذلك، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبرائيل - عليهم السلام -.
اه.
تحفة.
وفي تحفة الإخوان للفشني: ومعنى أن الله تعالى يقدر الآجال والأرزاق: أنه يظهر ذلك للملائكة، ويأمرهم بفعل ما هو من سعتهم وضيقهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة، ويعرفهم إياه.
وليس المراد منه أنه يحدثه في تلك الليلة، لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض.
وقيل للحسين بن الفضيل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: بلى قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال سوق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر.
اه.
(قوله: والفصل) بالصاد المهملة، وما يوجد في غالب النسخ من أنه بالضاد المعجمة تحريف من النساخ، وهو بمعنى الحكم، فعطفه عليه مرادف.
(قوله: أو الشرف) عطف على الحكم وهو غيره، فهو تفسير آخر للقدر.
فمعنى ليلة القدر: ليلة الشرف.
وسميت تلك الليلة بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها - من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة. قاله الأزهري وغيره.
ثم إن شرفها يحتمل أن يكون راجعا للفاعل فيها على معنى أن من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف، ويحتمل أن يرجع إلى نفس العمل.
(قوله: والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر) هذا من جملة التعليل، بل هو محطة.
أي وإنما تأكد إكثار العبادات فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه: ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر فتعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر.
وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن إحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد.
وما أحسن قول بعضهم: هي ليلة القدر التي شرفت على * * كل الشهور وسائر الأعوام من قامها يمحو الإله بفضله * * عنه الذنوب وسائر الآثام فيها تجلى الحق جل جلاله * * وقضى القضاء وسائر الأحكام فادعوه واطلب فضله تعط المنى * * وتجاب بالإنعام والإكرام فالله يرزقنا القبول بفضله * * ويجود بالغفران للصوام ويذيقنا فيها حلاوة عفوه * * ويميتنا حقا على الإسلام
(قوله: ليس فيها ليلة القدر) الجملة صفة لألف شهر، أي ألف شهر موصوفة بكونها ليس فيها ليلة القدر، وإنما قيد به ليصح ما ذكره، وإلا بأن دخلت ليلة القدر في ألف الشهر: لزم تفضيل الشئ على نفسه بمراتب.
قال ق ل: ظاهر كلامهم أن ألف الشهر كاملة، وأنها تبدل ليلة القدر بليلة غيرها، ويحتمل نقصها منها.
ولعل المراد بالشهور: العربية، لأنها المنصرف إليها الاسم شرعا وعرفا.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وهي منحصرة إلخ) كالعلة للعلة السابقة.
(وقوله: عندنا) أي معاشر الشافعية - أي جمهورهم، وهو الأصح - وعلى مقابله قيل إنها ليلة تسع عشرة،
وقيل سبع عشرة، وقيل ليلة النصف،
وقيل جمع رمضان.
وادعى المحاملي أنه المذهب، وصح فيه حديث.
وقيل جميع السنة - وعليه جماعة -
وقيل غير ذلك.
اه.
كردي، نقلا عن الإيعاب.
(وقوله: فيه) أي في العشر الأخير لا تنتقل منه إلى غيره، وتلزم ليلة منه بعينها في المذهب.
قال البجيرمي: ومعناه أنها إذا كانت في الواقع ليلة حادي وعشرين مثلا تكون كل عام كذلك، لا تنتقل عن هذه الليلة،
فمن عرفها في سنة عرفها فيما بعدها.
اه.
(قوله: فأرجاها: أوتاره) أي أقرب الأوقات لليلة القدر من العشر الأخير: أوتاره، وهي الحادي والعشرون،
والثالث والعشرون، والخامس والعشرون، وهكذا.
(وقوله: وأرجى أوتاره) أي العشر.
(قوله: واختار النووي وغيره انتقالها) أي من ليلة من العشر إلى ليلة أخرى منه.
وإنما اختار ذلك جمعا بين الأخبار المتعارضة في محلها.
قال الكردي: وكلام الشافعي - رضي الله عنه - في الجمع بين الأخبار يقتضيه، وعليه قال الغزالي وغيره إنها تعلم فيه باليوم الأول من الشهر،
فإن كان أوله يوم الأحد أو يوم الأربعاء: فهي ليلة تسع وعشرين.
أو يوم الاثنين: فهي ليلة إحدى وعشرين.
أو يوم الثلاثاء أو الجمعة: فهي ليلة سبع وعشرين.
أو الخميس: فهي ليلة خمس وعشرين.
أو يوم السبت: فهي ليلة ثلاث وعشرين.
قال الشيخ أبو الحسن: ومنذ بلغت سن الرجال ما فاتتني ليلة القدر بهذه القاعدة المذكورة.
قال الشهاب القليوبي في حاشيته على المحلى شرح المنهاج، وقد نظمتها بقولي: يا سائلي عن ليلة القدر التي * * في عشر رمضان الأخير حلت فإنها في مفردات العشر * * تعرف من يوم ابتداء الشهر فبالأحد والأربعاء: التاسعة، * * وجمعة مع الثلاثا: السابعه وإن بدا الخميس: فالخامسة، * * وإن بدا بالسبت: فالثالثة وإن بدا الاثنين فهي الحادي * * - هذا عن الصوفية الزهاد وقد رأيت قاعدة أخرى تخالف هذه، وقد نظمت فلا حاجة لنا في الإطالة بها.
اه.
قوله وقد رأيت قاعدة أخرى: وقد نظمها بعضهم بقوله: وإنا جميعا إن نصم يوم جمعة * * ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر وإن كان يوم السبت أول صومنا * * فحادي وعشرين اعتمده بلا عذر وإن هل يوم الصوم في أحد فذا * * بسابعة العشرين ما رمت فاستقر وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه * * يوافيك نيل الوصل في تاسع العشري ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد * * على خامس العشرين تحظى بها فادر وفي الأربعا إن هل - يا من يرومها - * * فدونك فاطلب وصلها سابع العشري ويوم الخميس إن بد الشهر فاجتهد * * توافيك بعد العشر في ليلة الوتر وفي التحفة ما نصه: وحكمة إبهامها في العشر: إحياء جميع لياليه، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي يفرق فيها كل أمر حكيم.
وشذ وأغرب من زعمها ليلة النصف من شعبان، وعلامتها أنها معتدلة،
وأن الشمس تطلع صبيحتها، وليس لها كثير شعاع، لعظيم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها، وفائدة ذلك معرفة يومها: إذ يسن الاجتهاد فيه - كليلتها.
اه.
(قوله: وهي) أي ليلة القدر.
(وقوله: أفضل ليالي السنة) لما مر من أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وللحديث الذي ذكره بقوله: وصح الخ.
(قوله: من قام إلخ) (فإن قلت) لفظ قام ليلة القدر، هل يقتضي قيام تمام الليلة، أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام فيها؟
(قلت) يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، حتى قيل بكفاية أداء فرض العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفا أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها.
(فإن قلت) ما معنى القيام فيها: إذ ظاهره غير مراد قطعا؟
(قلت) القيام الطاعة فإنه معهود من قوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * وهو حقيقة شرعية، فيه.
كرماني على البخاري.
اه بجيرمي.
(وقوله: إيمانا) هو وما بعده منصوبان على المفعول لأجله، أو التمييز، أو الحال بتأويل المصدر باسم الفاعل.
(وقوله: أي تصديقا) تفسير لإيمانا، وقوله بأنها: أي ليلة القدر.
(قوله: واحتسابا) معطوف على إيمانا.
(قوله: أي طلبا الخ) تفسير مراد لاحتسابا.
(قوله: غفر له الخ) جواب من.
والنكتة في وقوعه ماضيا مع أن الغفران واقع في المستقبل أنه متيقن الوقوع، فضلا من الله تعالى على عباده.
(وقوله: ما تقدم من ذنبه) أي من الصغائر، أو الأعم، دون التبعات، وهي حقوق الآدميين،
أما هي: فلا يكفرها إلا الاستحلال من مستحقها إن كان موجودا أهلا للاستحلال منها،
فإن لم يكن أهلا، أو لم يكن موجودا، فوارثه.
(قوله: وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان) أي من زعم أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شعبان: فقد شذ، أي خالف الجماعة الثقات.
(قوله: تتمة) أي في بيان حكم الاعتكاف.
وقد أفرده الفقهاء بكتاب مستقل.
وذكره عقب الصوم لمناسبته له من حيث إن المقصود من كل منهما واحد، وهو كف النفس عن شهواتها،
ومن حيث أن الذي يبطل الصوم قد يبطل الاعتكاف، ولأنه يسن للمعتكف الصيام.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * وخبر الصحيحين: أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواخر ولازمه حتى توفاه الله تعالى.
ثم اعتكف أزواجه من بعده.
وأركانه أربعة: لبث، ونية، ومعتكف، ومعتكف فيه.
ويشترط لها شروط.
فشرط اللبث: أن يكون فوق قدر طمأنينة الصلاة، فلا يكفي لبث أقل ما يجزئ من طمأنينة الصلاة كمجرد العبور، لأن كلا منهما لا يسمى اعتكافا.
وشرط النية: المقارنة للبث - كما في الصلاة وغيرها - والتعرض للفرضية إن كان منذورا ليتميز عن النفل، فيقول: نويت فرض الاعتكاف، أو: الاعتكاف المنذور.
ويقع جميعه فرضا، وإن طال مكثه، ونوزع فيه بأن ما يمكن تجزؤه يقع أقل ما ينطلق عليه الاسم فرضا والباقي نفلا - كالركوع ومسح الرأس - فمقتضاه أن يكون هنا كذلك.
وفرق ع ش: بأن القاعدة المذكورة فيما له أقل وأكمل كالركوع،
وأما الاعتكاف فلم يجعلوا له إلا أقل.
اه.
وفرق غيره أيضا بأنا لو قلنا أنه لا يقع جميعه فرضا لاحتاج الزائد إلى نية، ولم يقولوا به، وبخلاف الركوع ومسح الرأس.
وشرط المعتكف الإسلام والتمييز والخلو من الموانع.
فلا يصح من كافر، لتوقفه على النية، وهو ليس من أهلها.
ولا من صبي غير مميز، ومجنون، ومغمى عليه، وسكران - إذ لا نية لهم - ولا من جنب، وحائض، ونفساء، لحرمة مكثهم في المسجد.
وشرط المعتكف فيه أن يكون كله مسجدا، سواء سطحه ورحبته المعدودة منه وصحته، فلا يصح في غيره، ولا فيما وقف جزؤه شائعا مسجدا.
وجميع ما ذكر يعلم من تعريفه الآتي:
(قوله: يسن اعتكاف) وقد يجب بالنذر،
ويحرم على الزوجة والرقيق بلا إذن من الزوج أو السيد - مع الصحة -
ويكره لذات الهيئة - مع الإذن - فتعتريه الأحكام، ما عدا الإباحة.
(وقوله: كل وقت) أي حتى أوقات الكراهة،
وإن تحراها.
ع ش: وتقدم أنه في العشر الأخير من رمضان أفضل - للاتباع.
(قوله: وهو لبث إلخ) هذا معناه شرعا،
وأما لغة: فهو اللبث والحبس والملازمة على الشئ،
وإن كان شرا.
قال تعالى: * (يعكفون على أصنام لهم) * والمراد من اللبث هنا ما يشمل التردد - بدليل الغاية بعده.
(قوله: فوق قدر طمأنينة الصلاة) أي ولو بيسير.
واحترز به عما إذا لم يكن اللبث كذلك، فلا يكفي - كما علمت.
(قوله: ولو مترددا) أي ولو كان اللابث مترددا في المسجد غير ساكن فيه، فلا يشترط السكون والاستقرار فيه، بل الشرط
إما السكون أو والتردد، بخلاف مجرد العبور، فلا يكفي - كما تقدم -.
وفي البجيرمي ما نصه: قال المناوي في أحكام المساجد: ويندب للمار أن ينويه أي الاعتكاف ويقف وقفة تزيد على أقل طمأنينة الصلاة،
فإن نواه ولم يقف، أو وقف قدرها، أو دونها لم يصح على الأصح.
اه. في حاشية السيد الرحماني على التحرير: قال شيخنا ولا بد من إيقاعها حال الاستقرار، فلا يكفي حال المرور حتى يستقر.
اه.
وفي حاشية الكردي نقلا عن ابن حجر في حاشيته على فتح الجواد، ما نصه: هل هو أي التردد اسم للذهاب مع العود، أو لابتداء العود المسبوق بالذهاب؟ والفرق بين هذين أن الأول يجعل مسماه مركبا من الأمرين.
والثاني: يجعله اسما للثاني المسبوق بالأول، فهو شرط لقسيمه الثاني، لا أنه من المسمى.
ويترتب على ذلك أن قولهم الاعتكاف يحصل بالتردد مرادهم به أنه إذا دخل المسجد قاصدا العود نوى من حينئذ على الأول،
ومن حين الأخذ في العود على الثاني،
فإن دخل لا بنية عود بل طرأ له العود عند وصوله لبابه الثاني مثلا فهل يسمى أخذه الآن في العود ترددا، فتكفي النية حينئذ أو لا يتصور هنا تردد لأنه لم ينو العود أولا، وإنما طرأ له في الأثناء، فكان العود كإنشاء دخول آخر، فلا تردد كل محتمل.
الخ.
اه.
(قوله: في مسجد) متعلق بلبث،
ويشترط فيه زيادة على ما مر أن لا تكون أرضه محتكرة.
قال في التحفة: أما ما أرضه محتكرة فلا يصح فيه إلا إن بنى فيه مسطبة أو بلطه، ووقف ذلك مسجدا، لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو.
وعكسه، وهذا منه: اه.
وكتب سم: قوله: أو بلطه: أي أو سمر فيه دكة من خشب أو نحو سجادة.
م ر.
اه.
وقوله: أو سمر: التسمير قيد، لأنه به يصير مثبتا، فهو في حكم وقف العلو دون السفل،
أما إذا لم يسمر فلا يصح وقفه مسجدا.
وفي النهاية في باب الوقف: أما جعل المنقول مسجدا كفرش وثياب فموضع توقف، لأنه لم ينقل عن السلف مثله.
وكتب الأصحاب ساكتة عن تنصيص بجواز أو منع،
وإن فهم من إطلاقهم الجواز، فالأحوط المنع كما جرى عليه بعد شرح الحاوي وما نسب للشيخ من إفتائه بالجواز لم يثبت عنه.
اه.
واعلم أن الجامع وهو ما تقام فيه الجمعة والجماعة أولى بالاعتكاف فيه من غيره، للخروج من خلاف من أوجبه، ولكثرة الجماعة فيه، وللاستغناء عن الخروج للجمعة، وقد يجب الاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها.
ولم يشترط الخروج لها، لأن الخروج لها بلا شرط يقطع التتابع، لتقصيره بعدم شرطه، مع علمه بمجئ الجمعة.
وإذا عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف، تعين، فلا يقوم غيره مقامه.
لتعلق النسك به، وزيادة فضله، والمضاعفة فيه.
وكذا مسجد المدينة، ومسجد الأقصى إذا عينهما الناذر في نذره، تعينا، ولا يجزئ غيرهما، ويقوم المسجد الحرام مقامهما، ولا عكس، لأنهما دونه في الفضل، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى، لأنه أفضل منه، ولا عكس - لما سبق.
(قوله: أو رحبته) أي أو في رحبة المسجد.
(وقوله: التي لم يتيقن إلخ) فإن تيقن حدوثها بعده مع كونها غير مسجد فلا يصح الاعتكاف فيها.
ولنا كلام في نظير هذه العبارة سبق في مبحث الجماعة، فارجع إليه إن شئت.
وعبارة غيره ورحبته المعدودة منه.
وكتب عليها ع ش ما نصه: قوله المعدودة منه صفة كاشفة، ويحتمل أن المراد المتصلة به،
فإن خرج إلى رحبته المنفصلة عنه انقطع اعتكافه - أخذا مما سيأتي في خروج المؤذن الراتب إلى منارة بابها فيه أو في رحبته المتصلة به،
فإن مفهومه أن المنفصلة عنه ينقطع تتابعه بالخروج إلى المنارة التي بابها بالمنفصلة.
اه.
(قوله: بنية اعتكاف) متعلق بلبث.
وتقدم ما يشترط فيها، فلا تغفل.
(قوله: ولو خرج إلخ) حاصل الكلام على ذلك أنه إذا أطلق الاعتكاف بأن لم يقيده بمدة، منذورا كان أو مندوبا كأن
قال في الأول: لله علي أن أعتكف،
وفي الثاني: نويت الاعتكاف، ثم خرج من المسجد بلا عزم على العود عند خروجه لزمه استئناف نية الاعتكاف إذا أراد مطلقا، سواء خرج لقضاء حاجة أم لا، لأن ما مضى عبادة تامة، وهو يريد اعتكافا جديدا.
فإن خرج عازما على العود لم يلزمه استئنافها، لأن عزمه حينئذ قائم مقام النية.
وإذا لم يطلقه بأن قيده بمدة، كيوم أو شهر، ولم يشترط فيها التتابع منذورا كان أو مندوبا أيضا كأن
قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا،
وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا، ثم خرج من المسجد في تلك المدة وعاد إليه،
فإن كان خروجه لغير قضاء حاجة من بول أو غائط، لزمه استئناف نية الاعتكاف أيضا إن أراده، ما لم يعزم على العود عند خروجه، وإلا فلا يلزمه كما في سابقه وإن كان خروجه لقضاء الحاجة لم يلزمه استئنافها،
وإن طال زمن قضاء الحاجة لأنه لا بد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
وإذا شرط التتابع في مدته - منذورا كان أو مندوبا كأن
قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا متتابعا،
وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا متتابعا، ثم خرج لعذر لا يقطع التتابع - كقضاء حاجة، وحيض لا تخلو المدة عنه غالبا - ثم عاد إليه لم ينقطع اعتكافه، فلا يلزمه استئناف النية عند العود، لشمولها جميع المدة.
وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر،
فإن أخر ذاكرا، عالما مختارا، انقطع تتابعه، وتعذر البناء على ما مضى.
وإن خرج لعذر يقطع التتابع - كعيادة مريض، وزيارة قادم انقطع اعتكافه ووجب استئنافه إذا كان منذورا،
ولا يجب إذا كان مندوبا.
(قوله: ولو لخلاء) أي ولو كان خروجه لخلاء أي يقضي فيه حاجته.
ويحتمل أن يكون كناية عن نفس قضائها.
(قوله: من لم يقدر) فاعل خرج.
ويقدر يقرأ بضم الأول وكسر الدال المشددة، بمعنى يخصص.
(وقوله: المندوب) صفة للاعتكاف.
(وقوله: أو المنذور) معطوف على المندوب.
(وقوله: بمدة) متعلق بيقدر.
(وقوله: بلا عزم عود) متعلق بخرج - وسيذكر محترزه.
(قوله: جدد النية) جواب لو.
(قوله: إن أراده) أي الاعتكاف.
(قوله: وكذا عاد الخ) أي
وكذلك يجدد النية إذا أراده من قيد الاعتكاف بمدة ولم يعزم على العود عند الخروج، سواء كان تطوعا أو نذرا كما علمت
(وقوله: لغير نحو خلاء) متعلق بالخروج.
فإن خرج لنحو الخلاء لا يلزمه تجديد النية.
وانظر ما نحو الخلاء؟ ويمكن أن يكون المراد به: محل قضاء الحاجة غير المعد لها.
لكن هذا إن خصص الخلاء بالمعد له.
وعبارة الإرشاد فيها إسقاط لفظ نحو، وهو الأولى.
(قوله: من قيده) فاعل عاد.
(وقوله: بها) أي بمدة.
(وقوله: كيوم) تمثيل للمدة.
(قوله: فلو خرج الخ) محترز قوله بلا عزم عود في الصورتين: صورة من لم يقدر الاعتكاف بمدة، وصورة من قدره بها، والأولى هي ما قبل،
وكذا الثانية هي ما بعده.
(قوله: لم يجب تجديد النية) أي لأن عزمه على العود قائم مقام النية كما مر.
قال في المغنى:(فإن قيل) اقتران النية بأول العبادة شرط، فكيف يكتفي بعزيمة سابقة؟ أجيب بأن نية الزيادة وجدت قبل الخروج، فصار كمن نوى المدتين بنية واحدة.
كما قالوه فيمن نوى ركعتين نفلا مطلقا، ثم نوى قبل السلام زيادة، فإنه يصح.
اه.
وقوله: المدتين: أي مدة ما قبل الخروج، ومدة ما بعد العود.
(قوله: ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه) أي لا يقطع الخروج لهذه الأعذار تتابع الاعتكاف منذورا كان أو مندوبا ومع عدم الضرر: يجب في المنذور قضاء زمن خروجه إلا زمن نحو تبرز، مما لم يطل زمنه عادة كالأكل فلا يجب قضاؤه، لأنه لا بد منه، فكأنه مستثنى،
بخلاف ما يطول زمنه عادة كمرض، وحيض.
(وقوله: نوى تتابعه) يفيد أن نية التتابع توجب التتابع، وهو ما اعتمده جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له.
والذي صححه الشيخان عدم وجوبه بالنية، فلا يجب عندهما، إلا أن صرح به لفظا كأن قال شهرا متتابعا لأنه وصف مقصود.
وعبارة التحفة مع الأصل: والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط،
وإن نواه، لأن مطلق الزمن كأسبوع، أو عشرة أيام صادق بالمتفرق أيضا.
اه.
وفي الكردي: ولو عين مدة كهذا الأسبوع، أو هذه السنة وتعرض للتتابع فيها لفظا وفاته، لزمه التتابع في القضاء.
وإن لم يتعرض للتتابع لفظا، لم يلزمه في القضاء.
ولو نذر اعتكاف شهر، دخلت الليالي مع الأيام.
أو ثلاثين يوما لم تدخل الليالي على الأصح.
اه.
(قوله: كأن نوى اعتكاف إلخ) أي وكأن قال: لله علي اعتكاف أسبوع أو شهر متتابع.
ثم عند دخول المسجد نوى اعتكاف المنذور.
(قوله: وخرج) لا حاجة إليه بعد قوله الخروج، فالصواب حذفه، ويكون قوله بعد لقضاء حاجة متعلقا بقوله الخروج، أي ولا يضر الخروج لقضاء حاجة.
والمراد بالحاجة: البول والغائط.
(قوله: ولو بلا شدتها) أي الحاجة.
وهو غاية لعدم ضرر الخروج للحاجة، فلا تشترط شدتها.
وعبارة الروض وشرحه: ولو بلا شدتها،
ولو كثر خروجه لقضائها لعارض، نظرا إلى جنسه، ولكثرة اتفاقه.
اه.
(قوله: وغسل جنابة) هو وما بعده معطوف على قضاء حاجة، أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل غسل جنابة وإزالة نجس.
(قوله: وإن أمكنهما) فاعل الفعل ضمير مستتر يعود على المعتكف، والضمير البارز يعود على غسل الجنابة وإزالة النجس، وهذا خلاف القياس.
والقياس العكس، بأن يجعل الضمير العائد إليه مفعولا، والعائد إليهما مرفوعا،
بأن يقول: وإن أمكناه، وذلك لأن علامة الفاعل أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المرفوع، وعلامة المفعول أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المنصوب، وهنا لا يصلح أن تقول أمكنت إياهما، ويصلح أن تقول أمكنني هما كما قالوه في أمكن المسافر السفر، من أن المسافر منصوب، والسفر مرفوع، لصحة قولك أمكنني السفر، دون أمكنت السفر انظر الأشموني في آخر باب الفاعل -
ثم أن ما ذكر غاية لعدم ضرر الخروج لغسل الجنابة وإزالة النجاسة،
وإذا أمكناه في المسجد فله فعلهما فيه كأن يكون في المسجد بركة يغطس فيها، وإناء يغسل النجاسة فيه ثم يقذفه خارجه.
فإن قلت كيف يتصور الغسل من الجنابة في المسجد، مع أنه يحرم عليه المكث فيه؟ قلت يصور ذلك في بركة يغطس فيها وهو ماش أو عائم، أو يكون عاجزا عن الخروج.
(قوله: لأنه أصون الخ) علة لعدم ضرر الخروج لذلك مع إمكانه في المسجد، أي وإنما لم يضر الخروج لذلك، لأن الخروج أحفظ لمروءته، وأحفظ لحرمة المسجد.
وعبارة الإرشاد مع فتح الجواد: وله الخروج له - أي للغسل الواجب من حدث أو خبث،
وإن أمكنه فيه، لأنه أصون لمروءته، ولحرمة المسجد.
اه.
(قوله: وأكل طعام) عطف على قضاء حاجة.
أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل أكل طعام.
وخرج بالأكل الشرب إذا وجد الماء في المسجد فلا يخرج لأجله، إذ لا يستحيا منه فيه.
(قوله: لأنه يستحيا منه) أي الأكل.
قال في شرح الروض: ويؤخذ من العلة أن الكلام في مسجد مطروق،
بخلاف المختص، والمهجور، وبه صرح الأذرعي.
اه.
(قوله: وله الوضوء) أي يجوز الوضوء له خارج المسجد.
قال الكردي: وقيد في الإيعاب الوضوء بكونه واجبا.
وقال في النهاية: واجبا كان أو مندوبا.
(وقوله: تبعا له) أي لقضاء الحاجة.
(قوله: لا الخروج له قصدا) أي لا يجوز له الخروج للوضوء استقلالا، بمعنى أنه ينقطع به التتابع.
نعم، إن تعذر في المسجد: جاز.
قال ش ق: ويؤخذ من ذلك أن الوضوء في المسجد جائز،
وإن تقاطر فيه ماؤه، لأنه غير مقصود، فلا يحرم،
ولا يكره.
ولا يشكل بطرح الماء المستعمل فيه، فإنه قيل بحرمته،
وقيل بكراهته وهو المعتمد حيث لا تقذير، لأن طرح ذلك مقصود،
بخلاف المتقاطر من أعضاء الوضوء.
اه.
(قوله: ولا لغسل مسنون) أي ولا يجوز الخروج لغسل مسنون.
(قوله: ولا يضر) أي لا يقطع تتابع الاعتكاف.
(وقوله: بعد موضعها) أي موضع قضاء الحاجة، وغسل الجنابة، وإزالة النجاسة، وأكل الطعام.
فالضمير يعود على الأربعة المذكورة.
(قوله: إلا إن يكون لذلك) أي المعتكف الذي أراد الخروج لقضاء الحاجة وما عطف عليه.
(وقوله: موضع أقرب منه) أي من الموضع الذي قضى فيه الحاجة، أو اغتسل، أو أزال النجاسة، أو أكل.
(قوله: أو يفحش البعد) أي أو لم يكن له موضع أقرب منه، ولكن فحش بعد الموضع الذي فعل فيه ما ذكر، وهكذا يفيد صنيعه.
وفيه أنه إذا لم يكن له موضع أقرب.
فعل ذلك في الأبعد، ولا يضر وعبارة ابن حجر على بأفضل، تدل على أنه مع فحش البعد له موضع أقرب منه.
ونصها: وإذا خرج لداره لقضاء الحاجة أو الأكل،
فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفا،
وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به - وإن كان لصديقه - أو كان له دار إن لم يتفاحش بعدهما وأحدهما أقرب، تعين الأقرب في الصورتين، وإلا انقطع تتابعه.
اه.
وضابط الفحش: أن يذهب أكثر الوقت المنذور في الذهاب إلى الدار - كأن يكون وقت الاعتكاف يوما، فيذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه.
(قوله: ما لم يكن الأقرب غير لائق به) أي أو لم يكن هناك أقرب أصلا - كما علمت فإنه لا يضر حينئذ البعد، وإن تفاحش.
(قوله: ولا يكلف الخ) أي ولا يكلف إذا خرج لما ذكر الإسراع، بل يمشي على سجيته وطبيعته المعهودة،
فإن تأنى أكثر من ذلك بطل تتابعه كما في زيادة الروضة.
(قوله: وله صلاة على جنازة إلخ) يعني له في خروجه لما ذكر صلاة على جنازة، وله أيضا عيادة مريض، وزيارة قادم.
وإن تعدد كل منها ما لم يعدل عن طريقه في الكل، ولم يطل وقوفه في الأخيرين، ولم ينتظر ما في الأولى،
فإن عدل عن طريقه في الكل، أو طال وقوفه في الأخيرين، أو انتظرها في الأولى، ضر.
وفي البجيرمي ما نصه: قوله: ولو عاد مريضا في طريقه الخ: صنيعه يقتضي أن الخروج ابتداء لعيادة المريض يقطع التتابع:
ومثله الخروج للصلاة على الجنازة، وهو كذلك.
(وقوله: إن لم ينتظر) أي صلاة الجنازة،
فإن انتظر ضر كما علمت.
(قوله: ويخرج جوازا إلخ) هذا مفروض في المنذور المتتابع، كما صرح به الفقهاء.
ففاعل يخرج يعود على ناذر الاعتكاف، المعلوم من المقام.
أما غير المنذور فيجوز الخروج منه مطلقا لما استثناه وغيره وإن كان يقطع التتابع كما سيصرح به.
وحاصل الكلام على هذه المسألة: أنه إذا شرط ناذر الاعتكاف متتابعا الخروج من المسجد لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف، صح الشرط،
ثم إن عين شيئا لم يتجاوزه، وإلا جاز له الخروج لكل عرض،
ولو دنيونا مباحا كلقاء أمير
بخلاف ما إذا شرط الخروج لا لعارض، كأن قال إلا إن يبدو لي الخروج، أو شرطه لعارض محرم كسرقة أو غير مقصود كتنزه أو مناف للاعتكاف كجماع فإنه لا يصح شرطه في هذه الأمور الأربعة، بل لا ينعقد نذره أصلا.
نعم، إذا كان المنافي لا يقطع التتابع كحيض، لا تخلو المدة عنه غالبا فيصح شرط الخروج له.
ثم زمن الخروج لما شرطه إن كان في نذر مطلق كشهر: قضاه وجوبا، لتتميم المدة، أو في نذر معين كهذا الشهر فلا يلزمه قضاؤه، لأنه لم ينذره.
(قوله: لما استثناه) متعلق بيخرج.
أي يخرج للشئ الذي استثناه أي في نذره كأن قال: لله علي نذر أن أعتكف شهرا متتابعا، بشرط أنه إذا بدا لي غرض أخرج لأجله.
(وقوله: من غرض) بيان لما،
ويشترط فيه أن يكون مباحا مقصودا غير مناف للاعتكاف كما علمت.
(قوله: كلقاء أمير) أي لحاجة اقتضت خروجه للقائه، لا مجرد التفرج عليه.
اه.
ع ش.
(قوله: أو أخروي) معطوف على دنيوي.
أي أو غرض أخروي.
(قوله: كوضوء) تمثيل للأخروي.
(قوله: وغسل مسنون) قيد به، لأن الواجب يجوز له الخروج من غير استثناء - كما مر.
(قوله: ويبطل) أي الاعتكاف مطلقا، منذورا كان أو مندوبا.
وحاصل ما يبطل به تسعة أشياء، ذكر منها المؤلف شيئين، وهما: الجماع، والإنزال.
وبقي عليه سبعة، وهي: السكر المتعدى به، والردة، والحيض إذا كانت مدة الاعتكاف تخلو عنه غالبا كخمسة عشر يوما فأقل والنفاس، والخروج من غير عذر والخروج لاستيفاء عقوبة ثبتت بإقراره،
وكذا الخروج لاستيفاء حق ماطل به والخروج لعدة باختيارها، كأن علق الطلاق على مشيئتها، فقالت وهي معتكفة: شئت، أو خالعته على مال.
فمتى طرأ واحد من هذه على الاعتكاف المنذور المقيد بالمدة والتتابع، أو المقيد بالمدة دون التتابع، أو المطلق الذي لم يقيد بشئ أصلا، أبطله في الجميع.
لكن معنى البطلان في الأول: أنه يخرج منه،
ويجب عليه الاستئناف، وإن أثيب على ما مضى في غير الردة.
ومعناه في الثاني: أن زمن ذلك لا يحسب من الاعتكاف،
فإذا زال ذلك جدد النية، وبنى على ما مضى. ومعناه في الثالث: أن ينقطع استمراره ودوامه، ولا بناء، ولا تجديد نية، وما مضى معتد به، ويحصل به الاعتكاف.
وقد نظم هذه التسعة م د بقوله:
وطئ وإنزال وسكر رده * * حيض نفاس لاعتكاف مفسده خروجه من مسجد وما عذر * * كذاك لاستيفا عقوبة المقر وبخروجه اعتكافه بطل * * بأخذ حق يا فتى به مطل أفاد ذلك كله البجيرمي.
ومما يبطل به الاعتكاف أيضا غير هذه التسعة: الجنون، والإغماء إن طرآ بسبب تعدى به، لأنهما حينئذ كالسكر،
أما إذا لم يطرآ بسبب تعدى به فلا يقطعانه، إن لم يخرج كل منهما من المسجد، أو أخرج ولم يمكن حفظه فيه، أو أمكن لكن بمشقة،
بخلاف ما إذا أخرج من المسجد وقد أمكن حفظه فيه بلا مشقة - على ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها إذ لا عذر في إخراجه.
(قوله: بجماع) أي من واضح عمدا مع العلم والاختيار.
أما المشكل، فلا يضر وطؤه وإمناؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته.
وكذا الناسي، والجاهل، والمكره كما في الصوم.
(قوله: وإن استثناه) غاية في البطلان.
أي يبطل به، وإن استثناه الناذر في نذره لما مر أنه مناف للعبادة.
(قوله: أو كان) أي الجماع.
وهو عطف على الغاية، فهو غاية أيضا في البطلان.
أي يبطل بالجماع وإن كان وقع في طريق لقضاء الحاجة التي خرج من المسجد لأجلها.
(قوله: وإنزال مني) عطف على جماع.
أي ويبطل أيضا بإنزال مني.
(وقوله: بمباشرة بشهوة) متعلق بإنزال.
أي إنزال بسبب مباشرة حاصلة مع شهوة.
وخرج بالمباشرة: ما إذا نظر أو تفكر فأنزل، فلا يبطل به.
وبشهوة: ما إذا باشر بلا شهوة، كأن قبل بقصد الإكرام أو الشفقة، أو بلا قصد فأنزل، فلا يبطل به.
والاستمناء - وإن لم يكن بمباشرة كالمباشرة بشهوة،
فإن أنزل بطل، وإلا فلا.
واعلم أن الوطئ والمباشرة بشهوة حرام في المسجد مطلقا،
ولو من غير معتكف.
وكذا خارجه في الاعتكاف الواجب دون المستحب لجواز قطعه.
(قوله: كقبلة) أي من غير حائل ومع شهوة، وهو تمثيل للمباشرة بشهوة.
(قوله: وللمعتكف الخروج من التطوع) أي ولو قيده بمدة.
(وقوله: لنحو عيادة مريض) أي كتشييع جنازة.
(قوله: وهل هو) أي الخروج لنحو عيادة مريض.
(وقوله: أفضل) أي من إدامة الاعتكاف.
(وقوله: أو سواء) أي أو هما سواء، لأنهما طاعتان مندوب إليهما.
وعبارة الخطيب: وهل الأفضل للمتطوع بالاعتكاف الخروج لعيادة المريض، أو دوام الاعتكاف؟ قال الأصحاب: هما سواء.
وقال ابن الصلاح: أن الخروج لها مخالف للسنة، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخرج لذلك، وكان اعتكافه تطوعا.
وقال البلقيني: ينبغي أن يكون موضع التسوية في عيادة الأجانب،
أما ذو الرحم والأقارب والأصدقاء والجيران فالظاهر أن الخروج لعيادتهم أفضل، لا سيما إذا علم أنه يشق عليهم.
وعبارة القاضي الحسين مصرحة بذلك.
وهذا هو الظاهر.
اه.
وكتب البجيرمي: قوله: الأجانب أي غير الأصدقاء وغير الجيران، بدليل ما بعده.
وكتب أيضا: قوله: وهذا هو الظاهر وهو المعتمد، فالخروج من الاعتكاف في هذا مندوب، وفيما قبله غير مندوب.
والوجه أن يقال: يراعى ما هو أكثر ثوابا منهما.
ق ل.
اه.
(قوله: واختار ابن الصلاح: الترك) أي ترك الخروج لما ذكر.
(قوله: لانه - صلى الله عليه وسلم - إلخ) تعليل لاختيار ابن الصلاح ما ذكر.
(وقوله: ولم يخرج لذلك) أي لنحو عيادة مريض.
(قوله: يبطل ثواب الاعتكاف) أي
وأما نفس الاعتكاف فلا يبطل.
(قوله: بشتم أو غيبة) أي أو نحوهما من كل محرم - ككذب ونميمة -
أما الكلام المباح، فلا يبطل ثواب الاعتكاف.
نعم.
ينبغي تجنبه، والاشتغال بالذكر، والقراءة، والصلاة على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، لأن الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، نص على ذلك الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة،
وعبارته: قال في المدخل: وينهي الناس عن الجلوس في المسجد للحديث في أمر الدنيا.
وقد ورد: أن الكلام في المسجد بغير ذكر الله تعالى يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وورد أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا أتى الرجل المسجد فأكثر الكلام، تقول الملائكة: اسكت يا ولي الله.
فإن زاد، فتقول: اسكت يا بغيض الله تعالى،
فإن زاد: فتقول اسكت عليك لعنة الله تعالى.
اه.
(خاتمة) نسأل الله حسن الختام.
يسن للمعتكف: الصوم للاتباع، وللخروج من خلاف من أوجبه ولا يضر الفطر، بل يصح اعتكاف الليل وحده، لخبر الصحيحين: أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية.
قال: أوف بنذرك.
فاعتكف ليلة.
ولخبر أنس: ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه.
ولا يضر في الاعتكاف التطيب، والتزين باغتسال، وقص شارب، ولبس ثياب حسنة، ونحو ذلك من دواعي الجماع، لأنه لم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - تركه، ولا أمر بتركه، والأصل بقاؤه على الإباحة، وله أن يتزوج ويزوج.
ولا تكره له الصنائع في المسجد كالخياطة، والكتابة ما لم يكثر منها،
فإن أكثر منها كرهت لحرمته إلا كتابة العلم فلا يكره الإكثار منها، لأنها طاعة، كتنظيم العلم.
وله أن يأكل ويشرب ويغسل يديه فيه إن كانت أرضه ترابية تشرب الماء، وإلا حرم - للتقذير - والأولى أن يأكل في سفره أو نحوها،
وأن يغسل يديه في طشت أو نحوه ليكون أنظف للمسجد.
والله سبحانه وتعالى أعلم. فصل في صوم التطوع أي في بيان حكمه، وهو الاستحباب.
وكان الأنسب ذكره قبل الاعتكاف - كما صنع غيره.
(واعلم) أن صوم التطوع ثلاثة أقسام: قسم يتكرر بتكرر السنة - كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، وتاسوعاء - وقسم يتكرر بتكرر الأسبوع - كالاثنين، والخميس -.
وقسم يتكرر بتكرر الشهور - كالأيام البيض -.
كما يعلم من كلامه.
والتطوع شرعا: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.
والصوم من أبلع الأشياء في رياضة النفس، وكسر الشهوة، واستنارة القلب، وتأديب الجوارح وتقويمها وتنشيطها للعبادة.
وفيه الثواب العظيم، والجزاء الكريم الذي لا نهاية له، و: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه.
و: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
ومن أجل هذا الخلوف ومكانته عند الله، كره الاستياك للصائم بعد الزوال حتى يفطر - كما تقدم.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.