وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحُ
Its commentaries
فصل: قال، رَضِىَ اللَّه عنه: (ويَجِبُ العُشْرُ فيما سُقِىَ بغَيْرِ مُؤْنَةٍ؛ كالغَيْثِ، والسُّيُوحِ (١) ، وما يَشْرَبُ بعُرُوقِه، ونِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِىَ بكُلْفَةٍ؛ كالدَّوالِى والنَّواضِحِ) وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِىَ بالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». رَواه البخارىُّ . قال أبو عُبَيْدٍ : العَثَرِىُّ ما تَسْقِيه السَّماءُ، وتُسَمِّيه العامَّةُ: العَذْى .
وقال القاضى: هو الماءُ المُسْتَنْقَعُ في بِرْكَةٍ أو نَحْوِها، يَصُبُّ إليه ماءُ المَطَرِ في سَواقٍ تُشَقُّ له،
فإذا اجْتَمَعَ سُقِىَ منه، واشْتِقاقُه مِن العاثُورِ، وهى السّاقِيَةُ التى يَجْرِى فيها الماءُ؛ لأنَّه يَعْثُرُ بها مَن يَمُرُّ بها. والنَّواضِحُ؛ الإِبِلُ يُسْتَقَى عليها لشُرْب الأرْضِ، وهى السَّوانِى أيضًا. وعن مُعاذٍ، قال: بَعَثَنى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَنى أن آخُذَ ممّا سَقَتِ السَّماءُ، أو سُقِىَ بَعْلًا، العُشْرَ، وما سُقِىَ بدالِيَةٍ، نِصْفَ العُشْرِ . قال أبو عُبَيْدٍ : البَعْلُ ما يَشرَبُ بعُرُوقِه مِن غَيْرِ سَقْى. وفى الجُمْلَةِ كلُّ ما سُقِىَ بكُلْفَةٍ أو مُؤْنَةٍ؛
مِن دالِيَةٍ أو سانِيَةٍ أو دُولابٍ أو ناعُورَةٍ أو نَحْوِ ذلك، ففيه نِصْفُ العُشْرِ، وما سُقِىَ بغيرِ مُؤْنَةٍ، ففيه العُشْرُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن النَّصِّ، ولأنَّ للكُلْفَةِ تَأْثِيرًا في إسْقاطِ الزكاةِ بالكُلِّيَّةِ في المَعْلُوفَةِ، ففى تَخْفِيفِها أوْلَى. ولا يُؤثِّرُ حَفْرُ الأنْهارِ والسَّواقِى في نُقْصانِ الزكاةِ؛ لأنَّ المُؤْنَةَ تَقِلُّ نجيه، لكَوْنِها من جُمْلَةِ إحْياءِ الأرْضِ ولا يَتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ،
وكذلك احْتِياجُها إلى مَن يَسْقِيها، ويُحَوِّلُ الماءَ في نَواحِيها؛ لأنَّ ذلك لابدَّ منه في السَّقْىِ بكُلْفَةٍ أيضًا، فهو زِيادَةٌ على المُؤْنَةِ، فجَرَى مَجْرَى حَرْثِ الأرْضِ وتَسْمِيتِها .
وإن كان الماءُ يَجْرِى مِن النَّهْرِ في ساقِيَةٍ إلى الأرْضِ، ويَسْتَقِرُّ في مَكانٍ قَرِيبٍ، مِن وَجْهِها ، إلَّا أنَّه لا يَصِلُ إليها إلَّا بغَرفٍ أو دُولابٍ، فهو مِن الكُلْفَةِ المُسْقِطَةِ لنِصْفِ العُشْرِ، ولأنَّ مِقْدارَ الكُلْفَةِ وقُرْبَ الماءِ وبُعْدَه لا يُعْتَبَرُ، والضّابِطُ لذلك الاحْتِياجُ في تَرْقِيَةِ الماءِ إلى الأرْضِ إلى آلةٍ [مِن غَرْفٍ] أو نَضْحٍ أو دَالِيَةٍ أو نَحْوِ ذلك، وقد وُجِد. ٩٠٠ -
(وَيَجِبُ الْعُشْرُ) وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ إِجْمَاعًا (فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ كَالْغَيْثِ وَالسُّيُوحِ) جَمْعُ سَيْحٍ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْمُرَادُ: الْأَنْهَارُ وَالسَّوَاقِي (وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ) كَالْبَعْلِ (وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ كَالدَّوَالِي) وَاحِدَتُهَا دَالِيَةٌ؛ وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ، وَالنَّاعُورَةُ تُدِيرُهَا الْمَاءُ (وَالنَّوَاضِحُ) جَمْعُ نَاضِحٍ وَنَاضِحَةٍ، وَهُمَا الْبَعِيرُ وَالنَّاقَةُ يُسْتَقَى عَلَيْهِمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا، الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
سُمِّيَ عَثَرِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا،
فَإِذَا صَدَّتْهُ الْمَاءُ يَزَادُ مَدْخَلُ تِلْكَ الْمَجَارِ، فَتَسْقِيهِ؛ وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى، وَلَا تُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ،
وَكَذَا مَنْ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَاقِي؛ لِأَنَّهُ لِحَرْثِ الْأَرْضِ وَتَسْحِيَتِهَا،
فَلَوِ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حُفَيْرَةٍ، وَسَقَى سَيْحًا، فَالْعُشْرُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ لِنُدْرَةٍ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: نِصْفُهُ،
وَكَذَا إِنْ جَمَعَهُ، ثُمَّ سَقَى بِهِ، فَيَجِبُ الْعُشْرُ،
فَإِنْ كَانَ يَجْرِي مِنَ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مَنْ وَجْهِهَا إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَى آلَةٍ مِنْ غَرْفٍ أَوْ دُولَابٍ، فَهُوَ مِنَ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ.
فَرْعٌ: إِذَا سُقِيَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا، وَعَكْسُهُ لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا، وَلَا يَمْنَعْ مِنْ سَقْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَاءِ الْأُخْرَى، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ
ويَجِبُ العُشْرُ فيما سُقِىَ بغيرِ مُؤْنَةٍ، كالغَيْثِ والسُّيوحِ، وما يَشْرَبُ بعُروقِه، ونِصْفُ العُشْرِ فيما سُقِىَ بكُلْفَةٍ؛ كالدَّوَالِىِ والنَّوَاضحِ.
وكذا ما سُقِىَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنَّاعُورَةِ أو السَّانِيَةِ، وما يحْتاجُ فى تَرْقِيَةِ الماءِ إلى الأرْضِ إلى آلةٍ مِن غَرْفٍ أو غيرِه.
وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم المُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ: لا يُؤثِّرُ حَفْرُ الأنْهارِ والسَّواقِى لِقِلَّةِ المُؤْنَةِ؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ إحْياءِ الأرْضِ، ولا يتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ.
وكذا مَن يُحوِّلُ الماءَ فى السَّواقِى؛ لأنَّه كحَرْثِ الأرْضِ.
وقال الشَّيْخُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَقِىُّ الدِّينِ: وما يُدِيرُ الماءَ، مِنَ النَّواعِيرِ ونحوِها، ممَّا يُصْنَعُ مِنَ العامِ إلى العامِ، أو فى أثْنَاءِ العامِ، ولا يحْتاجُ إلى دُولَابٍ تُديرُه الدَّوابُّ، يجِبُ فيه العُشْرُ؛ لأنَّ مُؤْنَتَه خَفِيفَةٌ، فهى كحَرْثِ الأرْضِ، وإصْلاحِ طُرُقِ الماءِ.
فائدتان؛ إحداهما، لو اشْتَرى ماءَ بِرْكَةٍ أو حَفِيرةٍ، وسقَى به سَيْحًا، وجَب عليه العُشْرُ، فى ظاهرِ كلامِ الأصحابِ. قالَه المَجْدُ.
وقال: ويَحْتَمِلُ وُجوبُ فَإِنْ سُقِىَ نِصْفَ السَّنَةَ بِهَذَا، وَنِصْفَهَا بِهَذَا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
وَإِنْ سُقِىَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ اعْتُبِرَ أَكثَرُهُمَا. نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ.
وَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ، وَجَبَ الْعُشْرُ، نِصْفِ العُشْرِ؛ لأنَّه سقَى بمُونَةٍ. وأطْلَقَ ابنُ تَميم فيه وَجْهَيْن. الثَّانيةُ، لو جمَع الماءَ وسقَى به، وجَب العُشْرُ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوجَّهُ تخْريجٌ منه فى الصُّورَتَيْن، وإطْلاقُ غيرِ واحدٍ يَقْتَضِيه؛ كعمَلِ العَيْن. ذكَرَه غيرُ واحدٍ. وذكَر ابنُ تَميمٍ وغيرُه، إنْ كانتِ العَيْنُ أو القَناةُ يكْثُرُ نُضوبُ الماءِ عنها، ويحْتاجُ إلى حَفْرٍ مُتَوالٍ، فذلك مُؤْنَةٌ، فيَجِبُ نِصْفُ العُشْرِ فقط.
فصل [في الخارج من الأرض] قال المصنف رحمه الله: (ويجب العشر فيما سقي بغير [مؤونة] (١) كالغيث والسيوح وما يشرب بعروقه، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح.
فإن سقي نصف السنة بهذا ونصفها بهذا ففيه ثلاثة أرباع العشر،
وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما. نص عليه.
وقال ابن حامد: يؤخذ بالقسط فإن جهل المقدار وجب العشر).
أما كون العشر يجب فيما سقي بغير مؤونة، ونصفه فيما سقي بكلفة فلما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم:«فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» رواه البخاري.
وروي عن معاذ قال:«بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ مما سقت السماء أو سقي بعلاً العشر، وما سقي بدالية نصف العشر».
وأما قول المصنف رحمه الله: أولاً بغير مؤونة وآخراً بكلفة؛ فتنبيه على علة اختلاف الواجب.
وأما قوله: كالغيث والسيوح فتمثيل لمياه يسقى بها لا مؤونة فيها، وتصريح بأن ذلك كله مما يجب العشر فيما سقي به. والمراد بالغيث الماء النازل من السماء، وبالسيوح: الذي يجري على الأرض والعيون، وبما يشرب بعروقه ما على الجداول والماذينات وما أشبه ذلك. وذلك كله داخل فيما تقدم من الحديث لأن قوله عليه السلام:«فيما سقت السماء» يشمل الغيث، وقوله:«والعيون» يشمل السيوح، وقوله:«عثرياً» يشمل السيوح أيضاً على قول ابن قتيبة لأنه قال: العثري هو الذي يأتي بماء السماء إليه وسمي عثرياً لأنهم يجعلون في مجرى الماء عاثوراً فإذا صدمه الماء تراد فدخل تلك المجاري فتسقيه.
والغيث على قول أبي عبيد لأنه قال: هو ما سقته السماء، وقوله: أو سقي بعلاً ما يشرب بعروقه لأن أبا عبيد قال: البعل ما يشرب بعروقه من غير سقي.
وأما الكلفة فالمراد بها المؤونة التي يحتاج إليها من دالية أو دولاب أو ناعورة أو سانية وهي الإبل أو نحو ذلك.
وأما كون ما سقي نصف السنة بغير مؤونة ونصفها بكلفة فيه ثلاثة أرباع العشر فلأنه لو سقي كل السنة سيحاً وجب العشر،
ولو سقي كلها بمؤونة وجب نصف العشر فيجب إذا سقي النصف والنصف نصف العشر ونصف نصفه وذلك ثلاثة أرباع.
وأما كون ما سقي بأحدهما أكثر من الآخر يعتبر على المنصوص فلأن العبرة بالأكثر في كثير من الأحكام فكذلك هنا.
ولأن اعتبار عدد مرات السقي وقدر ما يشرب في كل سقية يشق فاعتبر الأكثر دفعاً للمشقة.
وأما كونه يؤخذ بالقسط على قول ابن حامد فلأنه قد اعتبر ذلك فيما إذا كان نصفين فليكن هاهنا كذلك.
وأما كون ما جهل المقدار فيه يجب فيه العشر فلأنه يحتمل أنه سقي أكثر السنة بغير كلفة فيجب العشر، ويحتمل أنه سقي أقل فيجب نصفه فوجب العشر لأنه خروج من عهدة الواجب بيقين.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.