وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ
Its commentaries
مسألة: (ولَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أن يَكُونَ مُطالَبًا به) إنَّما لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ؛ بدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لكلِّ مسلم قَدَر على إخْراجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عمَّن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بقَدْرٍ مِن المالِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه.
فأمَّا عندَ المُطالَبَةِ بالدَّيْنِ، فتَسْقُطُ الفِطْرَةُ، لوُجُوبِ أدائِه عندَها، وتَأَكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ بالإِعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بتَأْخِيرِه.
فصل: وإن مات مَن وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ مِن مالِه،
فإن كان عليه دَيْنٌ وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيا جَمِيعًا،
وإن لم يَفِ بهما، قُسِمَ بينَ الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ. نَصَّ عليه أحمدُ في زَكاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينَهما، فكذا ههُنا.
فإن كان عليه زَكاةُ مالٍ وصَدَقَةُ الفِطْرِ ودَيْنٌ، فزَكاةُ الفِطْرِ والمال كالشئِ الواحِدِ، لاتِّحادِ مَصْرِفِهِما، فيُحاصَّان الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللَّه تعالى وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقا بمَحَلٍّ واحِدٍ، فكانا في الذِّمَّةِ، أو كانا في العَيْنِ، تَساوَيا في الاسْتِيفاءِ.
فصل: وإذا مات المُفْلِسُ ولهَ عَبِيدٌ، فهَلَّ شَوّالٌ قبلَ قِسْمَتِهم بينَ الغُرَماءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ، بل غايَتُه أن يكونَ رَهْنًا بالدَّيْنِ، وفِطْرَةُ الرَّهْنِ على مالِكِه.
فصل: ولو مات عَبِيدُه أو مَن يَمُونُه بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَت في ذِمَّتِه بسَبَبِ عَبْدِه، فلم يَسْقُطْ بمَوْتِه، كما لو اسْتَدانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَب في ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بتَلَفِه ، فالفِطْرَةُ أوْلَى،
فإنَّ زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه. ٩٥٩ -
(وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ) لِتَأَكُّدِهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إِخْرَاجِهَا، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ،
بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) فَيَمْنَعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ،
وَعَنْهُ: يَمْنَعُ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عَكْسَهُ، لِتَأَكُّدِهَا كَالنَّفَقَةِ وَالْخَرَاجِ.
[وَقْتُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
إلَّا أنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّه ذُكورًا، فيُجْزِئُ الذَّكَرُ في الغَنَمِ، وَجْهًا واحِدًا. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وقطَع به كثيرٌ مِنَ الأصحابِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالمُصَنِّفِ. وقيلَ: لا يُجْزِئُ. فعليه، يُجْزِئُ أُنْثَى بقِيمَةِ الذَّكَرِ، فيُقَوَّمُ النِّصابُ مِنَ الأُناثَى، وتُقَوَّمُ فرِيضَتُه، ويُقَوَّمُ نِصابُ الذُّكُورِ، وتُؤْخَذُ أُنْثَى بقِسْطِه. وفى الإِبِلِ والبَقَرِ في أحدِ الوَجْهَين. يعْنِى، يُجْزِئُ إخْراجُ الذَّكَرِ إذا كان النِّصابُ كلُّه ذُكُورًا، في الإِبِلِ والبَقَرِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهب. صحَّحَه في «النَّظْمِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن». وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «العُمْدَةِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ»، وغيرِهم.
والوَجْهُ الثَّانِى، لا يُجْزِئُ فيهما إلَّا أُنْثَى، فتُقَدَّمُ كما تُقَدَّمُ في نِصابِ ذُكورِ الغَنَمِ على الوَجْهِ الثَّانِى. وأطْلَقَهُما في «الهِدايَةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «الحاوِيَيْن».
وقيلَ: يُجْزِئُ عنِ البَقَرِ لا عنِ الإِبِلِ؛ لِئَلَّا يُجْزِئَ ابنُ لَبُونٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِين وعن سِتٍّ وثَلاِثين، فيَتَساوى الفَرْضان.
وقيل: يُجْزِئُ ابنُ وَيُؤْخَذُ مِنَ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ،
وَمِنَ الْمِرَاضِ مَرِيضَةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُؤْخَذُ إِلَّا كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
مَخاضٍ عن خَمْسٍ وعِشْرِين، فيقُومُ الذَّكَرُ مقامَ الأُنْثَى التى في سِنِّهِ كسائر النُّصُبِ. وحَكاه ابنُ تَميمٍ عن القاضى، وأنَّه أصحُّ.
وقال: قال القاضى: يُخْرِجُ عن سِتٍّ وثَلاِثين ابنَ لَبُونٍ زَائِدَ القِيمَةِ على ابنِ مَخاضٍ بقَدْرِ ما بينَ النِّصابَيْن.
وقال في «المُذْهَبِ»: فإنْ كانت كلُّها ذُكورًا، أجْزَأ إخْراجُ الذَّكَرِ في البَقَرِ، قوْلًا واحِدًا،
وفي الإِبِلِ والغَنَمِ وَجْهان. كذا وجَدْتُه في نُسْخَتَين؛ القَطْعَ بالإِجْزاءِ في البَقَرِ، وإطْلاقَ الخِلافِ في الإِبِلِ والغَنَمِ، ولم أرَ هذه الطَّريقَةَ لغيرِه، فلعَلَّه تَصْحِيفٌ مِنَ الكاتِبِ.
ولا يَمْنَعُ الدَّينُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُطالَبًا به. هذا المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قال المَجْدُ فى «شَرْحِه»، وصاحِبُ «الفُروعِ» وغيرُهما: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذا المذهبُ المَجْزُومُ به عندَ الشَّيْخَين وغيرِهما. وجزَم به الخِرَقىُّ، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، وصاحِبُ «الشَّرْحِ»، و «الإِفاداتِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «تَجْرِيدِ العِنايَةِ» وغيرُهم.
وعنه، يَمْنَعُ، سواءٌ كان مُطالَبًا به أوْ لا. وقالَه أبو الخَطَّابِ.
وعنه، لا يَمْنَعُ مُطْلَقًا. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. وجزَم به ابنُ البَنَّا فى «العُقُودِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفائقِ»، وجعَل الأوَّلَ اخْتِيارَ المصَنفِ. وأطْلَقهُنَّ فى «الحاوِيَيْن». وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ،
فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً، أو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ،
وَإنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَجَبَتْ.
قال: (ولا يمنع الدين وجوب الفطرة إلا أن يكون مطالباً به) .
أما كون الدين لا يمنع وجوب الفطرة إذا لم يكن مطالباً به كما يمنع زكاة المال؛ فلأنها آكد بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها. ولأن زكاة المال تجب بالملك والدين يؤثر فيه فأثر فيها.
بخلاف الفطرة فإنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه.
وأما كونه يمنع إذا كان مطالباً به؛ فلوجوب أدائه عند المطالبة وتأكده من حيث أنه حق آدمي لا يسقط بالإعسار بخلاف حق الله.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.