وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ
Its commentaries
مسألة: (فهذه المواقِيتُ لأهْلِها، ولمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن سَلَكْ طَرِيقًا فيها مِيقاتٌ، فهو مِيقاتُه إن أرادَ الحَجَّ أو العُمْرَةَ،
فإذا حَجَّ الشّامِىُّ مِن المَدِينَةِ فمَرَّ بذِى الحُلَيْفَةِ، فهى مِيقاتُه،
وإن حَجَّ مِن اليَمَنِ، فمِيقاتُه يَلَمْلَمُ،
وإن حَجَّ مِن العِراقِ فمِيقاتُه ذاتُ عِرْقٍ. وهكذا كلُّ مَن مَرَّ على مِيقاتٍ غيرِ مِيقاتِ بَلَدِه صار مِيقاتًا له. سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تعالى، عن الشّامِىِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ، مِن أين يُهِلُّ؟ قال: مِن ذِى الحُلَيْفَةِ.
قِيلَ: فإنَّ بَعْضَ النّاسِ يَقُولُ : يُهِلُّ مِن مِيقاتِه، مِن الجُحْفَةِ. فقالَ: سبحان اللهِ! أليس يَرْوِى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ». وهذا قولُ الشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وقال أبو ثَوْرٍ في الشّامِىِّ يُحْرِمُ بالمَدِينَةِ: له أن يُحْرِمَ مِن الجُحْفَةِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. وكانَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، إذا أرادَتِ الحَجَّ أحْرَمَتْ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ،
وإذا أرادَتِ العُمْرَةَ أحْرَمَتْ مِن الجُحْفَةِ . ولَعَلَّهُم يَحْتَجُّون بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ». ولأنَّه مِيقاتٌ، فلم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرام لمَن يُريدُ النُّسُكَ، كسائِرِ المَواقِيتِ. وخَبَرُهم أُرِيدَ به مَن لم يَمُرَّ على مِيقاتٍ آخَرَ، بدَلِيلِ ما لو مَرَّ بمِيقاتٍ غيرِ ذِى الحُلَيْفَةِ، لم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرامٍ، بغيرِ خِلافٍ.
وقد روَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَّتَ لمَن ساحَلَ مِن أهْلِ الشّامِ الجُحْفَةَ. والحَجُّ والعُمْرَةُ سَواءٌ في هذا؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَهُنّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أوْ عُمْرَةً».
فصل: فإن مَرَّ مِن غيرِ طَرِيقِ ذِى الحُلَيْفَةِ، فمِيقاتُه الجُحْفَةُ، سَواءٌ كان شامِيًّا أو مَدَنِيًّا؛ لِما روَى أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِع جابِرًا يُسْألُ عن المُهَلِّ، فقالَ: سَمِعْتُه، أحْسَبُه رَفع إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ:«مُهَلُّ أهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذى الحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الجُحْفَةِ». رَواه مسلمٌ . ولأنَّهَ مَرَّ على أحَدِ المَواقِيتِ دُونَ غيرِه، فلم يَلْزَمْه الإِحْرامُ قبلَه، كسائِرِ المَواقِيتِ. ولَعَلَّ أبا قَتادَةَ حينَ أحْرَمَ أصحابُه دُونَه - في قِصَّةِ صَيْدِ الحِمارِ الوَحْشِىِّ - إنَّما تَرَك الإِحْرامَ؛
لأنَّه لم يَمُرَّ على ذِى الحُلَيْفَةِ، فأخَّرَ إحْرامَه إلى الجُحْفَةِ. ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائِشَةَ في تَأْخِيرِها إحْرامَ العُمْرَةِ إلى الجُحْفَةِ على هذا، وأنَّها لا تَمُرُّ في طَرِيقِها على ذِى الحُلَيْفَةِ، لِئَلَّا يَكُونَ فِعْلُها مُخالِفًا لقَولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
١١٤٩ -
(وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا) كَمَا سَلَفَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ) كَالشَّامِيِّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: يُهِلُّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنَ الْجُحْفَةِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ،
فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَعَطَاءً، وَأَبَا ثَوْرٍ قَالُوا: يُحْرِمُ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيَتَوَجَّهُ إِلَى مِثْلِهِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "
بَابُ الْمَوَاقِيتِ وَمِيقَاتُ أهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ.
بابُ المَوَاقِيتِ فوائد؛ الأُولَى، قوله: ومِيقَاتُ أهْلِ المدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، وأهْلِ الشَّامِ ومِصْرَ والمغْرِبِ الجُحْفَةُ، وأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وأهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وأهْلِ المشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ. اعلمْ أنَّ بين ذِى الحُلَيْفَةِ وبين مَكَّةَ عَشَرَة أيَّامٍ أو تِسْعَةً. وهو أبعَدُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . .
المَواقِيتِ. وقيل: أكْثْرُ مِن سَبْعِين فَرْسَخًا.
وقيل: مِائَتا مِيلٍ إلَّا مِيلَيْن، وبينَها وبينَ المَدِينَةِ مِيلٌ. قالَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال الزَّرْكَشِيُّ: سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبْعَةٌ، وبينهما تَبايُنٌ كبيرٌ. والصَّوابُ، أنَّ بينَهما سِتَّةَ أمْيالٍ، ورأَيْتُ مَن وَهَّمَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوْلَ مَن قال: إنَّ بينَهما مِيلًا. ويَلِيه في البُعْدِ، الجُحْفَةُ. وهى على ثَلاثِ مَراحِلَ مِن مَكَّةَ.
وقيل: خَمْسِ مَراحِلَ أو سِتَّةٍ. ووَهِمَ مَن قال: ثَلاثٌ. والثَّلاَثةُ الباقِيَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بينَها وبين مَكَّةَ ليْلَتان. وقيل: أقْرَبُها ذاتُ عِرْقٍ. حكَاه في «الرِّعايَةِ».
وقال الزَّرْكَشِىُّ: قَرْنٌ عن مَكَّةَ يوْمٌ وليْلَةٌ، ويَلَمْلَمُ ليْلَتان. ورأَيْتُ في «شَرْحِ الحافِظِ ابنِ حَجَرٍ»، أنَّ بينَ يَلَمْلَمَ وبينَ مَكَّةَ مَرْحَلتَيْن، ثَلاثُون مِيلًا، وبينَ ذاتِ عِرْقٍ وبينَ مَكَّةَ مَرْحلَتان، والمَسافَةُ اثْنان وأرْبَعُون مِيلًا. فَقَرْنٌ لأهْلِ نَجْدٍ، وهى نَجْدُ اليَمَنِ، ونَجْدُ الحِجَازِ والطَّائفِ. وذاتُ عِرْقٍ للمَشْرِقِ والعِراقِ وخُرَاسَانَ. الثَّانيةُ، هذه المَواقِيتُ كلُّها ثبَتَتْ بالنَّصِّ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وأوْمَأَ أحمدُ أنَّ ذاتَ عِرْقٍ باجْتِهادِ عمرَ.
قال في «الفُروعِ»: والظَّاهِرُ، أنَّه وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
خَفِىَ النَّصُّ فوَافقَه، فإنَّه مُوَفَّقٌ للصَّوابِ. قاله المُصَنِّفُ.
ويجوزُ أنْ يكونَ عمرُ ومَن سأَلَه لم يعْلَمُوا بتَوْقيتِه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، ذاتَ عِرْقٍ، فقال ذلك برَأْيِه، فأَصابَ. فقد كان مُوَفَّقًا للصَّوابِ. انتهى.
قلتُ: يتَعيَّنُ ذلك؛ إِذْ مِنَ المُحالِ أنْ يعْلَمَ أحَدٌ مِن هؤلاءِ بالسُّنَّةِ، ثم يسْأَلُونَه أنْ يُوَقِّتَ لهم. الثَّالثةُ، الأَوْلَى أنْ يُحْرِمَ مِن أوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقاتِ،
فإنْ أحْرَمَ مِن آخِرِه، جازَ. ذكَرَه في «التَّلْخِيصِ» وغيرِه. وهذه المَواقيتُ لأهْلِها، ولِمَن مَرَّ عليها مِن غيرِهم. وهذا المذهَبُ، وعليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابُ. فلو مَرَّ أهْلُ الشَّامِ أو غيرُهم على ذِى الحُلَيْفَةِ، أو مَرَّ غيرُ أهْلِ ميقاتٍ على غيرِه، لم يكُنْ لهم مُجاوزَتُه إلَّا مُحْرِمين. نصَّ عليه.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: وَمَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ.
يجوزُ تأْخِيرُه إلى الجُحْفَةِ إذا كان مِن أهْلِ الشَّامِ. وجعَلَه في «الفُروعِ» توْجيهًا مِن عندِه، وقوَّاه ومالَ اليه، وهو مذهبُ عطاءٍ وأبي ثَوْرٍ ومالكٍ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.