وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا
Its commentaries
مسألة: (ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَميعِ الأحْداثِ، وللنَّجاسَةِ على جُرْحٍ تَضُرُّه إزالتُها) يجُوزُ التَّيَمُّمُ للحَدَثِ الأصْغَرِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، إذا وُجِدَتِ الشَّرائِطُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ.
ويَجُوزُ للجَنابَةِ، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وعَمْرُو بنُ العاصِ، وأبو موسى الأشْعَرِيُّ، وعَمّارٌ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي. وكان ابنُ مسعودٍ لا يَرَى التَّيَمُّمَ للجُنُبِ، ورُوِيَ نَحْوُه عن عُمَرَ ، رَضِي اللهُ عنهما. والدَّلِيلُ على إباحَتِه ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا مُعْتَزِلًا، لم يُصَلِّ مع القَوْمِ، فقال:«يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ»؟
فقال: أصابَتْنِي جَنابَةٌ، ولا ماءَ. فقال:«عَلَيكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». مُتَّفَقٌ عليه . وحَدِيثُ أبي ذَرٍّ ، وعَمْرِو بنِ العاصِ ، وحديث صاحِبِ الشَّجَّةِ ، ولأنَّه حَدَثٌ أشْبَهَ الحَدَثَ الأصْغَرَ. وحُكْمُ الحائِضِ إذا انْقَطع دَمُها حُكْمُ الجُنُبِ.
فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ على بَدَنِه إذا عَجَز عن غَسْلِها؛ لخَوْفِ الضَّرَرِ، أو لعَدَمِ الماءِ، قال أحمدُ: هو بمنزِلَةِ الجُنُبِ، يَتَيَمَّمُ. رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ.
وقال الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُها بالتُّرابِ ويُصَلِّي، لأنَّ طهارةَ النَّجاسَةِ إنَّما تكُونُ في مَحَلِّ النَّجاسةِ دُونَ غيره.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا يَتَيَمَّمُ للنَّجاسَةِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَد بالتَّيَمُّمِ للحَدَثِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ ليس في مَعْناه؛ لأنَّ الغَسْلَ إنَّما يكونُ في مَحَلِّ النَّجاسَةِ دُون غيرِه، ولأنَّ مَقْصُودَ الغَسْلِ إزالةُ النَّجاسَةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّيَمُّمِ. ووجْهُ الأوَّلِ، قَوْلُه عليه السَّلامُ:«الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ». وقَوْلُه:«جُعِلَتْ لِيَ الْأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». ولأنَّها طهارةٌ في البَدَنِ تُرادُ للصلاةِ، فجاز لها التَّيَمُّمُ قِياسًا على الحَدَثِ. ويُفارِقُ الغَسْلُ التَّيَمُّمَ؛ فإنَّه في طهارةِ الحَدَثِ يُؤْتَى به في غيرِ مَحَلِّه، فيما إذا تَيَمَّمَ لجُرْحٍ في رِجْلِه،
بخِلافِ الغَسْلِ. قَوْلُهم: لم يَرِدْ به الشَّرْعُ. قُلْنا: هو داخِلٌ في عُمُومِ الأخْبارِ. إذا ثَبَت هذا، فتَيَمَّمَ وصَلَّى، فهل تَلْزَمُهْ الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا تجِبُ عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به. والثانيةُ، تجبُ عليه؛ لأنَّه صلَّى مع النَّجاسَةِ، أشْبَهَ إذا لم يَتَيَمَّمْ. واخْتارَ أبو الخَطّابِ وُجوب الإِعادةِ فِيما إذا تَيَمَّمَ لعَدَمِ الماءِ،
بخِلافِ ما إذا كانتِ النَّجاسَةُ على جُرْحٍ؛ لأنَّه خائِفٌ للضَّرَرِ باسْتِعْمالِ الماءِ، أشْبَهَ المَرِيضَ.
وقال أصحابُنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ فيهما؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ:«التُّرَابُ كَافيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ». وقِياسًا على طهارةِ الحَدَثِ، وكما لو تَيَمَّمَ للنَّجاسَةِ على الجُرْحِ عندَ أبي الخَطّابِ.
فأمّا إن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، لو يَتَيَمَّمْ لها؛ لأنَّ التَيّمَّمَ طهارةٌ في البَدَنِ، فلا تَنُوبُ عن غيرِ البَدَنِ، كالغَسْلِ.
فصل: إذا ثبت أنه تيمم للنجاسة، فقال القاضي: يحتمل أن لا يحتاج إلى نِيَّةٍ، لأنَّ غَسْلَها لا يَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ، كذلك التَّيَمُّمُ لها، وقِياسًا على الاسْتِجْمارِ. قال ابنُ عَقِيل: ويَحْتَمِلُ أنْ يُشْتَرَطَ، لقَوْلِه عليه السَّلامُ:«وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ حُكْمِيَّةٌ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ بالماءِ طهارةٌ عَينِيَّةٌ، فجاز أن تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ في الحُكْمِيَّةِ دُونَ العَينِيَّةِ؛ لِما بَينَهما مِن الاخْتِلافِ.
فصل: وإن اجْتَمَعَ عليه نَجاسَةٌ وحَدَثٌ، ومعه ماءٌ يَكْفِي أحَدَهما حَسْبُ، قَدَّمَ غَسْلَ النَّجاسَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوي عن سُفْيانَ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّ التَّيَمُّمَ للحَدَثِ ثابِتٌ بالإِجْماعِ، والتَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ مُخْتَلَفٌ فيه.
وإن كانتِ النَّجاسَةُ على ثَوْبِه، قَدَّمَ غَسْلَها، وتَيَمَّمَ للحَدَثِ. وحُكِي عن أحمدَ، أنَّه يَدَعُ الثَّوْبَ ويَتَوَضَّأُ، لأنَّه واجِدٌ للماءِ، والوُضوءُ أشَدُّ مِن الثَّوْبِ. وحَكاه أبو حنيفةَ، عن حَمّادٍ في الدَّم. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما ذَكَرْنا، ولأنَّه إذا قُدِّمَتْ نَجاسَةُ البَدَنِ مع أنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا، فتَقْدِيمُ طهارةِ الثَّوْبِ وليس له فيها مَدْخَلٌ أوْلَى.
وإنِ اجْتَمَعَ نَجاسَةٌ على الثَّوْبِ، ونجاسةٌ على البَدَنٍ، غَسَل الثَّوْبَ، وتَيَمَّمَ لنَجاسَةِ البدنِ، لأنَّ للتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا. ١٧٥ -
(وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ) ،
أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وَالْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؛ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلَا مَاءَ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْحَائِضُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا كَالْجُنُبِ،
وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» .
وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِلْجُنُبِ جَازَ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَلِلنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ يَضُرُّهُ إِزَالَتُهَا) أَيْ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى بَدَنِهِ إِذَا عَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا، لِخَوْفِ الضَّرَرِ، أَوْ عَدَمِ الْمَاءِ فِي الْمَنْصُوصِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، أَشْبَهَتِ الْحَدَثَ،
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِنَجَاسَةٍ أَصْلًا. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ يَسْرِي مَنْعُهَا، كَمَا لَوِ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ إِلَّا ظُفْرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ،
وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ كَالْمَكَانِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الْبَدَنَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ النَّجَسِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِيهِ،
وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ جَازَ أَسْفَلَ الْخُفِّ،
وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ اسْتِحَاضَةٍ يَتَعَذَّرُ إِزَالَتُهَا، وَلَا لِنَجَاسَةٍ يُعْفَى عَنْهَا.
وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ لَهَا كَغَسْلِهَا، وَكَالِاسْتِجْمَارِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: يَجِبُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ
بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَإِنِ اجْتَمَعَ مَعَهَا حَدَثٌ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَيَمُّمَيْنِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ
ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لجَمِيع الأحْدَاثِ، وللنَّجَاسَةِ عَلَى جُرْحٍ تَضُرُّه إزَالتُها. يجوزُ التَّيَمُّمُ لجميع الأحْداثِ بلا نِزاع،
ويجوزُ التَّيَمُّمُ للنَّجاسَةِ على جُرْحٍ تَضُرُّه إزَالتُها، ولعدَمِ الماءِ، علي الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ فيهما، والله أعلمُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم، وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، لا يجوزُ التَّيَمُّمُ لها.
قال في «الفائقِ»: وفيه وَجْهٌ؛ لا يجِبُ التَّيَمُّمُ لنَجاسَةِ البدَنِ مُطْلقًا، ونصَره شيخُنا، وهو المُخْتارُ. انتهى.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يُشْرَعُ التَّيَمُّمُ لنَجَاسَةِ البَدَنِ لعدَمِ الماءِ. قال ابنُ تَميمٍ: قال بعضُهم: لا يَتَيَمَّمُ لنَجاسَةٍ أصْلًا، بل يُصَلِّي على حسَبِ حالِه.
وَإنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ، إلا عِنْدَ أَبي الْخَطَّابِ.
قال: (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح تضره إزالتها. فإن تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى فلا إعادة عليه إلا عند أبي الخطاب) .
أما كون التيمم لجميع الأحداث يجوز: أما للحدث الأكبر وهو الجنابة؛ فلأن الله تعالى قال:{وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا}. والملامسة الجماع.
ولأن عمران بن حصين روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم. فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» متفق عليه.
وفي حديث عمار «أنه لما أجنب تمعَّك في التراب. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا. ثم ضرب بيديه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفيه».
وأما الحدث الأصغر وهو الوضوء فلما تقدم من قوله:{أو جاء أحد منكم من الغائط}. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» رواه أبو داود.
ولأنه إذا جاز للحدث الأكبر؛ فلأن يجوز للحدث الأصغر بطريق الأولى.
وأما النجاسة على جرح يضره إزالتها؛ فلأنه يمنع من الصلاة معها فجاز أن يتيمم لها عند العجز عن استعمال الماء كالحدث.
ولأن ذلك يدخل في قوله عليه السلام:«الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث صحيح.
وأما كون من تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى لا إعادة عليه عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه وجب عليه طهارة ناب عنها التيمم فلم تجب الإعادة عليه كطهارة الحدث.
وأما كونه عليه الإعادة عند أبي الخطاب؛ فلأن النجاسة عذر نادر غير دائم فوجبت الإعادة معه عليه كعادم الماء والتراب.
ولأنه صلى بالنجاسة فوجبت عليه الإعادة كما لو تيمم.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.