وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِيٍّ غَيْرِهِمْ وَقَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ
Its commentaries
مسألة: (ولا يُؤْخَذُ ذلك مِن كِتابِىٍّ غيْرِهم. وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم) وجُمْلَتُه، أنَّ سائِرَ أهْلِ الكِتابِ، مِن اليهودِ والنَّصارَى العَرَبِ وغيرِهم، تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ إذا بَذَلُوها، ولا يُؤْخَذُون بما يُؤْخَذُ به نَصارَى بنى تَغْلِبَ. نَصَّ عليه أحمدُ، ورَواه عن الزُّهْرِىِّ. قال: ونَذْهَبُ إلى أن يأْخُذَ مِن مَواشِى بنى تَغْلِبَ خاصَّةً الصَّدَقَةَ، وتُضَعَّفُ عليهم، كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّ حُكْمَ مَن تَنَصَّرَ مِن تَنُوخَ وبَهْرَا، وتَهَوَّدَ مِن كِنانَةَ وحِمْيَرَ، وتَمَجَّسَ مِن تَمِيمٍ، حُكمُ بنِي تَغْلِبَ، سواءٌ.
وذُكِرَ أنَّ الشافعىَّ نَصَّ عليه في تَنُوخَ وبَهْرا؛ لأنَّهم مِن العَرَبِ، فأشْبَهُوا بنى تَغْلِبَ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال:«خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا». وهم عَرَبٌ. وقَبِلَ [الجِزْيَةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، وهم مِن بنِى الحارِثِ بنِ كَعْبٍ. قال الزُّهْرِىُّ: أوَّلُ مَن أعْطَى] الجِزْيَةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، وكانوا نَصارَى. وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن أُكَيْدِر دُومَةَ، وهو عَرَبِىٌّ. ولأنَّ حُكْمَ الجِزْيَةِ ثابِتٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ في كلِّ كتابِىٍّ، عَرَبِيًّا كان أو غيرَ عَرَبِىٍّ، إلَّا ما خُصَّ به بنو تَغْلِبَ؛ لمُصالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهم، [ففى مَن] عَداهم يَبْقَى الحُكْمُ على عُمُومِ الكتابِ وشَواهِدِ السُّنَّةِ، ولم يكُنْ بينَ غيرِ بنى تَغْلِبَ وبينَ أحَدٍ مِن الأئِمَّةِ صُلْحٌ كصُلْحِ بنى تَغْلِبَ، فيما بَلَغَنا،
ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِ بنى تَغْلِبَ عليهم؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ قِياسَ سائِرِ العَرَبِ عليهم يُخالِفُ النُّصُوصَ التى ذَكَرْناها،
ولا يَصِحُّ قياسُ المَنْصُوصِ عليه على ما يَلْزَمُ منه مُخالَفَةُ النَّصِّ. الثانى، أنَّ العِلَّةَ في بنى تَغْلِبَ الصُّلْحُ، ولم يُوجَدْ مع غيرِهم،
ولا يَصِحُّ القِياسُ مع تَخَلُّفِ العِلَّةِ. الثالثُ، أنَّ بنى تَغْلِبَ كانوا ذَوِى قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بالرُّومِ، وخِيفَ منهم الضَّرَرُ إن لم يُصالَحُوا، ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم.
فإن وُجِدَ في غيرِهم، فامْتَنَعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ، أو خِيفَ الضَّرَرُ بتَرْكِ مُصالَحَتِهم، فرأى الإِمامُ مُصالَحَتَهم على أداءِ الجِزْيَةِ باسمِ الصَّدَقَةِ، جازَ، إذا كان المأْخُوذُ منهم بقَدْرِ ما يَجِبُ عليهم مِن الجِزْيَةِ أو زِيادَةً. وذَكَرَ هذا أبو إسْحاقَ ، في كتابِه «المُهَذَّبِ». والحُجَّةُ في هذا قِصَّةُ بنى تَغْلِبَ، وقِياسُهم عليهم. قال علىُّ بنُ سعيدٍ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أهْلُ الكِتابِ ليس عليهم في مَواشِيهم صَدَقَةٌ، ولا في أمْوالِهم، إنَّما تُؤْخَذُ منهم الجِزْيَةُ، إلَّا أن يكُونُوا صُولِحوا على أن تُؤْخَذَ منهم، كما صَنَع عُمَرُ بنَصارَى بنى تَغْلِبَ حينَ أضْعَفَ عليهم الصَّدَقَةَ في صُلْحِه إيّاهم، إذا كانوا في مَعْناهم.
أمَّا قِياسُ مَنْ لم يُصالَحْ عليهم، في جَعْلِ جِزْيَتِهم صَدَقَةً، فلا يَصِحُّ.
١٥٠٨ -
(وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِيٍّ غَيْرِهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ}«وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» ، وَهُمْ عَرَبٌ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا نَصَارَى، وَأَخَذَهَا مِنْ أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَحُكْمُهَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ بَنُو تَغْلِبَ لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ إِيَّاهُمْ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لِأَوْجُهٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ) لِأَنَّهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، أَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ، وَذَكَرَ هُوَ وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخٍ، وَتَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ، وَتَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ سَوَاءٌ.
وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَحَكَاهُ نَصُّ أَحْمَدَ.
فَرْعٌ: لِلْإِمَامِ مُصَالَحَةُ مِثْلِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا خَشِيَ ضَرَرَهُ بِقُوَّةِ شَوْكَةٍ، وَأَبَاهَا إِلَّا بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مُضَعَّفَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.
[مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ]
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.