وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ أَوْ رَآهُ،
Its commentaries
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواءِ، مَمْلُوكًا كان أو لَا؛
أمّا المَمْلُوكُ، فلأَنَّه غيرُ مَقْدُورٍ عليه، وغيرُ المَمْلُوكِ لا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ؛ عَدَمُ القُدْرَةِ، وعَدَمُ المِلْكِ؛ لحَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، قيلَ في تَفْسِيرِه: هو بَيْعُ الطَّيْرِ في الهواء، والسَّمَكِ في الماءِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا, ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الطائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ، أو لا يَأْلَفُه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه الآنَ، وإنَّما يَقْدِرُ إذا عادَ.
فإنْ قيلَ: فالغائِبُ في مَكانٍ بَعيدٍ لا يَقدِرُ على تَسْلِيمِه في الحالِ! قُلْنا: الغائِبُ يَقْدِرُ على اسْتِحْضارِه، والطَّيْرُ لا يَقْدِرُ صاحِبُه على رَدِّه، إلَّا أنْ يَرْجِعَ هو بنَفْسِه، ولا يَسْتَقِلُّ مالِكُه برَدِّه، فيكونُ عاجِزًا عن تَسْلِيمِه، لعَجْزِه عن الواسِطَةِ التى يَحْصُلُ بها تَسْلِيمُه،
بخِلافِ الغائِبِ. وإن باعَهُ الطَّيْرَ في البُرْجِ، نَظرتَ؛
فإن كان البُرْجُ مَفْتُوحًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الطَّيْرَ إذا قَدَرَ على الطَّيَرانِ لم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه،
فإن كان مُغْلَقًا ويُمكِنُ أخْذُه، جازَ بَيْعُه.
وقال القاضِى: إن لم يمكِنْ أخْذُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، لم يَجُزْ بَيْعُه. وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وهو مُلْغًى بالبَعِيدِ الذى لا يُمْكِنُ إِحْضَارُه إلَّا بتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ. وفَرَّقُوا بينهما، بأنَّ البَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ التى يحتاجُ إليها في إحْضارِه بالعادَةِ، وتَأخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُه مَعْلُومَةٌ.
والصَّحِيحُ أنَّ تَفاوُتَ المُدَّةِ في إحْضارِ البَعِيدِ، واخْتِلافَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِن التَّفاوُتِ والاخْتِلافِ في إِمْساكِ طائِرٍ مِن البُرْجِ، والعادَةُ تكونُ في هذا كالعَادَةِ في ذلك،
فإذا صَحَّ في البَعِيدِ مع كَثْرةِ التَّفَاوُتِ وشِدَّةِ اخْتِلافِ المَشَقَّةِ، فهذا أوْلَى.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ في الآجامِ. هذا قولُ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ أنّه نَهَى عنه،
وقال: إنَّه غرَرٌ . وكَرِهَهُ الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، وأبو ثَوْرٍ. ولا نَعْلَمُ لهم مُخالِفًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والمَعْنَى.
فإن باعَه في الماءِ، جازَ بثَلَاثةِ شُروطٍ؛ أحَدُها، أنْ يكونَ مَمْلُوكًا.
وأنْ يكونَ الماءُ رقِيقًا، لا يمنعُ مُشاهَدَتَه ومَعْرِفَتَه.
وأنْ يُمْكِنَ اصْطِيادُه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ يمكنُ تَسْلِيمُه، فجازَ بَيْعُه، كالمَوْضُوعِ في طَسْتٍ في الماءِ.
وإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ ممّا ذَكَرْنا، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لفَواتِ الشَّرْطِ. ورُوِىَ عن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ أبى لَيْلَى، في مَن له أُجْمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فيها، يجُوزُ بَيْعُه؛ لأنَّه يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه ظاهِرًا، أشْبَهَ ما يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في الكَيْلِ أو الوَزْنِ والنَّقْلِ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ: لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الماءِ؛ لأنَّه غَرَرٌ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ، وهذا منه، ولأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بعدَ اصْطِيادِه، أشْبَهَ الطَّيْرَ في الهَواءِ، ولأنَّه مَجْهُولٌ، أشْبَهَ اللَّبَنَ في الضَّرْعِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛
لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَةِ القَبْضِ، وهذا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ ليُمْكِنَ قَبْضُه،
فأمّا إن كانت له بِرْكَةٌ له فيها سَمَكٌ يُمْكِنُ اصْطِيَادُه بغيرِ كُلْفَةٍ، والماءُ رَقِيقٌ لا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ، صَحَّ بَيْعُه، على ما ذَكَرْنا،
وإن لم يُمْكِنْ إلَّا بمشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، وكانت يَسِيرَةً، بمَنْزِلَةِ اصْطِيادِ الطّائِرِ مِن البُرْجِ، فالقَوْلُ فيه كالقَوْلِ في بَيْعِ الطّائِرِ في البرجِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
وإن كانت كَثِيرَةً تَتَطَاوَلُ المُدَّةُ فيه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ للعَجْزِ عن تَسْلِيمِه في الحالِ، والجَهْلِ بإمْكانِ وقْتِ التَّسْلِيمَ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ المَغْصُوبِ؛ لعَدَمِ إمْكانِ تَسْلِيمِه،
فإن باعَه لغاصِبِه أو لقادِرٍ على أخْذِه منه، جازَ؛ لعَدَمِ الغرَرِ فيه، ولإِمْكانِ قَبْضِه.
وكذلك إن باعَ الآبِقَ لقادِرٍ عليه، صَحَّ كذلك،
وإنْ ظَنَّ أَنَّه قادِرٌ على اسْتِنْقاذِه مِمّن هو في يَدِه، صَحَّ البَيْعُ.
فإن عَجَزَ عن اسْتِنْقاذِه، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ؛ لأنَّ العَقْدَ صَحَّ لكَوْنِه مَظْنُونَ القُدْرَةِ على قَبْضِه، وثَبَتَ له الفَسْخُ؛ للعَجْزِ عن القَبْضِ, فهو كما لو باعَهُ فَرَسًا فشَرَدَتْ قبلَ تَسْلِيمِها، أو غَائِبًا بالصِّفةِ، فَعَجَزَ عن تَسْلِيمِه.
فصل: (السادِسُ، أن يكُونَ مَعْلُومًا؛ برُؤْيةٍ، أو صِفَةٍ تحصُلُ بها مَعْرِفَتُه.
فإنِ اشْتَرَى ما لِم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، أو رَآهُ ولم يَعْلَمْ ما هو، أو ذُكِرَ له مِن صِفتِه ما لا يَكْفِى في السَّلَمِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ.
وعنه، يَصِحُّ، وللمُشْتَرِى خيارُ الرُّؤْيَةِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، في بَيْع الغائِبِ الذى لم يُوصَفْ، ولم تَتَقدَّمْ رُؤْيَتُه، فالمَشْهُورُ عنه، أنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالِكٌ، وإسحاقُ. وهذا أحَدُ قَوْلَى الشَّافعىِّ. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، والقَوْلُ الثَّانِى للشافِعِىِّ. واحْتَجَّ مَن أجَازَه بعُمُومِ قولِه تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}. وبما رُوِى عن عثمانَ، وطَلْحَةَ، أنَّهُما تَبَايَعَا دَارَيْهِما؛ إحداهُما بالكُوفَةِ، والأُخْرَى بالمَدِينَةِ، فقيلَ لعُثْمانَ: إنَّكَ قد غُبِنْتَ.
فقال: ما أُبالِى؛ لأنِّى بِعْتُ ما لم أرَهُ.
وقيل لطَلْحَةَ، فقال: لِيَ الخِيارُ؛ لأنَّنِى اشْتَرَيْتُ ما لم أرَهُ. فَتَحَاكَمَا إلى جُبَيْرٍ ، فَجَعَلَ الخِيارَ لطَلْحَةَ . وهذا اتِّفاقٌ منهم على صِحَّةِ البَيْعِ. ولأنَّه عقدُ مُعَاوَضَةٍ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّتُه إلِى رُؤْيَةِ المَعْقُودِ عليه، كالنِّكَاحِ. ولَنا، ما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه نهَى عن بَيْعِ الغَرَرِ. رَواهُ مُسْلِمٌ . ولأنَّه باعَ ما لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ النَّوَى في التَّمْرِ، ولأنَّه بَيْعٌ، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ بصِفَةِ المَبِيعِ، كالسَّلَمِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بما ذكَرْناه مِن الأصْلِ.
وأمّا حَدِيثُ عثمانَ وطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهما تَبَايَعَا بالصِّفَةِ، ومع ذلك فهو قَوْلُ صَحابِىٍّ، وقد اخْتُلِفَ في كَوْنِه حُجَّةً، ولا يُعَارَضُ به حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والنِّكاحُ لا يُقْصَدُ منه المُعاوَضَةُ، ولا يَفْسُدُ بفَسَادِ العِوَضِ، ولا بتَركِ ذِكْرِه، ولا يَدْخُلُه شئٌ مِن الخِيارَاتِ، وفى اشْتِراطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ على المُخَدَّرَاتِ، وإضْرَارٌ بهِنَّ، ولأَنَّ الصِّفاتِ التى تُعْلَمُ بالرُّؤْيَةِ ليست هى المَقْصُودَةَ بالنِّكَاحِ، فلا يَضُرُّ الجَهْلُ بها،
بخِلافِ البَيْعِ. فإن قيل: فقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَه، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ». والخِيَارُ لا يَثْبُتُ إلَّا في عَقْدٍ صَحِيحٍ. قُلْنا: هذا يَرْوِيه عمرُ بنُ إبراهيمَ الكُرْدِىُّ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ . ويَحْتَمِلُ أنَّه بالخِيارِ بينَ العَقْدِ عليه وتَرْكِه. فعلى هذا، يُشْتَرطُ رُؤْيَةُ ما هو مَقْصُودٌ بالبَيْعِ، كداخِلِ الثَّوْبِ، وشَعَرِ الجارِيَةِ، ونحوِهما.
فلو باعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أو عَيْنًا حاضِرَةً لا يُشَاهَدُ منها ما يَخْتَلِفُ الثمَنُ لأجْلِهِ، كان كبَيْعِ الغائِبِ.
فإن قُلْنا بصِحَّةِ بَيْعِ الغائِبِ، فللمُشْتَرِى الخيارُ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ. ويَثْبُتُ الخِيارُ عندَ رُؤْيَةِ المَبِيعِ في الفَسْخِ والإِمْضاءِ، ويكونُ على الفَوْرِ،
فإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ انْفَسَخَ العَقْدُ،
وإن لم يَخْتَرْ، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّ الخِيارَ خِيارُ الرُّؤْيَةِ، فوَجَبَ أن يكونَ عندَها.
وقيلَ: يَتَقَيَّدُ بالمَجْلِسِ. وإنِ اخْتَارَ الفَسْخَ قبلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ؛ لأنَّ العَقْدَ غيرُ لازِمٍ في حَقِّه، فملَكَ الفَسْخَ، كحالَةِ الرُّؤْيَةِ.
وإنِ اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، لم يَلْزَمْ؛ لأنَّ الخِيارَ يَتعَلَّقُ بالرُّؤْيَةِ، ولأَنَّه يُؤدِّى إلى إلْزامِ العَقْدِ على المَجْهُولِ، فَيُفْضِى إلى الضَّرَرِ.
وكذلك لو تَبَايَعَا على أن لا يَثْبُتَ الخِيارُ للمُشْتَرِى، لم يَصِحَّ الشرطُ؛ لذلك . وهل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ على وَجْهَيْن، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ.
فصل: ويُعْتَبَرُ لصِحَّةِ العَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِن المُتَعَاقِدَيْنِ،
وإن قُلْنَا بصِحَّةِ البَيْعِ مع عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فَباعَ ما لم يَرَه، فله الخِيارُ عندَ الرُّؤْيَةِ،
وإنْ لم يَرَه المُشْتَرِى، فلِكُلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا خِيارَ للبائِعِ؛ لحَدِيثِ عثمانَ وطَلْحَةَ، ولأَنَّنا لو أَثْبَتْنا له الخِيارَ، لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ، والزِّيَادَةُ في المَبِيعِ لا تثْبِتُ الخِيارَ، بدَلِيل ما لو باع شَيْئًا على أنَّه مَعِيبٍ، فَبَانَ غيرَ مَعِيبٍ، لم يَثْبُتِ الخيارُ له. ولَنا، أنَّه جاهِلٌ بصِفَةِ المَعْقُودِ عليه، فأَشْبَهَ المُشْتَرِىَ.
فأمّا الخَبَرُ فإنَّه قَوْلُ طَلْحَةَ وجُبَيْرٍ، وقد خَالفَهُما عثمانُ، وقَوْلُه أوْلَى؛ لأنَّ البَيْعَ يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَا منهما، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ التى هى مَظِنَّةُ الرِّضَا منهما.
١٥٦٦ - مسألة: (وإن ذَكَرَ لَه مِن صِفَتِه ما يَكْفِى في السَّلَمِ، أو رآه، ثم عَقَدَا بعدَ ذلك بزَمَنٍ لا يَتَغَيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْن. ثم إن وَجَدَه لم يَتَغَيَّرْ، فلا خِيارَ له، وإن وَجَدَه مُتَغَيِّرًا، فله الفَسْخُ، والقوْلُ في ذلك قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه) إذا ذَكَرَ له مِن صِفاتِ المَبِيعِ ما يَكْفِى في صِحَّةِ السَّلَمِ، صَحَّ بَيْعُه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
وعنه، لا يَصِحُّ حتَّى يَرَاهُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُل بها مَعْرِفَةُ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ بها، كالذى لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ بالصِّفَةِ، فَصَحَّ، كالسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّفَةَ لا يَحْصُلُ بها المَعْرِفةُ، فإنَّها تَحْصُلُ بالصِّفاتٍ الظاهِرَةِ التى لا يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ ظَاهِرًا، ولهذا اكْتُفِىَ به في السَّلَمِ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ في الرُّؤْيَةِ الاطِّلاعُ على الصِّفَاتِ الخَفِيَّةِ.
وأَمّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، فإنَّما لم يَصِحَّ بَيْعُه بالصِّفَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بها. إِذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه مَتَى وَجَدَهُ على الصِّفَةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ. وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وأَيُّوبُ، ومالِكٌ، والعَنْبَرِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، أبو حَنِيفَةَ، وأصحابُه: له الخِيارُ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ، ولأنَّ الرُّؤْيَةَ مِن تمامِ هذا العَقْدِ، فأَشْبَهَ غيرَ المَوْصُوفِ. ولأصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ، كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه سَلَّمَ له المَعْقُودَ عليه بصِفاتِه، فلم يَكُنْ له خِيارٌ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ، فلم يكُنْ للعاقِدِ فيه الخِيارُ في جَميعِ الأحْوالِ، كالسَّلَمِ. وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ. لا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ،
فإن ثَبَتَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه يُسَمِّيه مَنْ يَرَى ثُبُوتَ الخِيارِ، فلا يَحْتَجُّ به على غَيْرِه.
فأمّا إن وَجَدَه بخلافِ الصِّفَةِ، فله الخِيارُ، ويُسَمَّى خِيارَ الخُلْفِ في الصِّفَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ المَوْصُوفَ
بخِلافِ الصِّفَةِ، فلم يَلْزَمْه [كالسَّلَمِ].
وِإنِ اخْتَلَفَا في اخْتِلافِ الصِّفَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه مِن الثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه ما لم يُقرَّ به، أو يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ، أو ما يقومُ مَقامَها.
فصل: والبَيْعُ بالصِّفَةِ نَوْعانِ؛ أحَدُهما، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَنّةَ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدِىَ التُّركِىَّ. ويَذْكُرُ صِفاتِه، فهذا يَنْفَسِخُ العَقْدُ عليه برَدِّهِ على البائِع، وتَلَفِه قَبْلَ قَبْضِه؛ لكَوْنِ المَعْقُودِ عليه مُعَيَّنًا، فيَزُولُ العَقْدُ بزَوالِ مَحَلِّه،
ويَجُوزُ التَّفَرُّقُ قبلَ قَبْضِ ثَمَنِه، وقَبْضِه، كبَيْع الحاضِرِ. الثَّانِى، بَيْعُ مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، مثلَ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدًا تركِيًّا. ثم يَسْتَقْصِى صِفاتِ السَّلَمِ، فهذا في مَعْنَى السَّلَمِ، فمتَى سَلَّمَ إليه عَبْدًا على غيرِ ما وَصَفَ، فَرَدَّهُ، أو على ما وَصَفَ، فأبْدَلَه، لم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ على غيرِ هذا، فلم يَنْفَسِخِ العَقْدُ برَدِّهِ، كما لو سَلَّمَ إليه في السَّلَمِ غيرَ ما وَصَفَ له، فرَدَّهُ.
ولا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عن مَجْلِممرر العَقْدِ قبلَ قَبْضِ المَبِيعِ، أو قَبْضِ ثَمَنِه. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ قَبْضِ أَحَدِ العِوَضَيْنِ، كالسَّلَمِ.
وقال القاضى: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعٌ حالٌّ، فجازَ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ, كبَيْعِ العَيْنِ.
فصل: فإن رَأَيا المَبِيعَ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بعد ذلك بزَمَنٍ لا تَتَغَيَّرُ العَيْنُ فيه، جازَ، في قولِ أكثرِ أَهْلِ العِلْمَ. وحُكِىَ عن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، لا يَجُوزُ حتَّى يَرَيَاهَا حالَةَ العَقْدِ. وحُكِىَ ذلك عن الحَكَمِ، وحَمّادٍ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا في صِحَّةِ العَقْدِ، يَجِبُ أنْ يكونَ مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، كالشَّهادَةِ في النِّكَاحِ. ولَنا، أنَّه مَعْلُومٌ عندهما، أشْبَهَ ما لو شاهَدَاه حالَ العَقْدِ، والشَّرْطُ إنَّما هو العِلْمُ، والرُّؤْيَةُ طَرِيقُ العِلْمِ، ولهذا اكْتُفِىَ بالصِّفَةِ المُحَصِّلَةِ للعِلْمِ، والشَّهادَةُ في النِّكاحِ تُرادُ لحِلِّ العَقْدِ والاسْتِيثاقِ عليه، فلهذا اشْتُرِطَتْ حالَ العَقْدِ.
ويُقَرِّرُ ما ذَكَرْنَاهُ ما لو رَأَيَا دَارًا، ووَقَفَا في بيتٍ منها، أو أَرْضًا، ووَقَفَا في طَرَفِها، وتَبَايَعَاهَا، صَحَّ، بلا خِلافٍ، مع عَدَمِ المُشَاهَدَةِ للكُلِّ في الحالِ.
ولو كانتِ الرُّؤْيَةُ المَشْرُوطَةُ للبَيْعِ مَشْرُوطَةً حالَ العَقْدِ لاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَمِيعِه. إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَمَتَى وَجَدَ المَبِيعَ بحالِه لم يَتَغَيَّرْ، لَزِمَهُ البَيْعُ،
وإن كان ناقِصًا ثَبَتَ له الخِيارُ؛ لأنَّ ذلك كحُدُوثِ العَيْبِ.
وإنِ اخْتَلَفَا في التَّغَيُّرِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه يَلْزَمُه الثَّمَنُ، فلا يَلْزَمُه ما لم يَعْتَرِفْ به.
فأمّا إن عُقِدَ البَيْعُ بعد رُؤيةِ المَبِيعِ بمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فيها فسادُ المَبِيعِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه مِمّا لا يَصِحُّ بَيْعُه،
وإن كان يَتَغَيَّرُ فيها, لم يصحَّ بيعُه أَيضًا؛ لأنَّه مَجْهُولٌ،
وكذلك إن كان الظّاهِرُ تَغَيُّرَه،
فأمّا إن كان يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وعَدَمَه، وليس الظاهِرُ تغيّرَه، صَحَّ بَيْعُه؛ لأنَّ الأصْلَ السّلامَة، ولم يُعَارِضْه ظاهِرٌ، فصَحَّ بَيْعُه، كما لو كانتِ الغَيْبَةُ يَسِيرةً. وهذا ظاهرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ.
١٥٦٧ -
(وَإِنْ ذُكِرَ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ مَا يَكْفِي فِي السَّلَمِ) صَحَّ الْبَيْعُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا قُلْنَا. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تُحَصِّلُ الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَالدَّيْنِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (أَوْ رَآهُ، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ ظَاهِرًا، صَحَّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهَدَاهُ حَالَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، إِذِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ كَالْمُقَارَنَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ، رُوِيَ عَنِ الْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا اعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَةَ الْعَقْدِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهَا تُرَادُ لِتَحَمُّلِ الْعَقْدِ، وَالِاسْتِيثَاقِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَا فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ، أَوْ طَرَفِ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ مَعَ عَدَمِ مُشَاهَدَةِ الْكُلِّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الزَّمَنُ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُمَا وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ صَحَّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامُ
وإنْ ذكَر له مِن صِفَتِه ما يكْفِى فى السَّلَم، أو رآه، ثم عقَدا وَجَدَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَا خِيَارَ لَهُ،
وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَالْقَوْلُ فى ذَلِكَ قَولُ الْمُشْتَرِى مَعَ يَمِينِهِ.
بعد ذلك بزَمَنٍ لا يتَغَيَّرُ فيه ظاهِرًا، صَحَّ فى أصَحِّ الرِّوايتَيْن. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يصِحُّ حتَّى يرَاه.
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: أو رآه، ثم عقَدا بعدَ ذلك بزَمَنٍ لا يتَغَيَّرُ فيه ظاهِرًا. أنَّه لو عقَدا عليه بعدَ ذلك بزَمَنٍ يُحْتَمَلُ التَّغَيُّرُ فيه وعدَمُه على السَّواء، أنَّه لا يصِحُّ العَقْدُ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأَصحابِ. وهو ظاهِرُ ما قدَّمَه فى «الفُروعِ»، وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى».
وقيل: يصِحُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وأمَّا إذا عقَداه بعدَ الرُّؤْيَةِ بزَمَنٍ يتَغَيَّرُ ظاهِرًا، لم يصِحَّ البَيْعُ.
فائدة: متى قُلْنا: يصِحُّ البَيْعُ بالصِّفَةِ. صحَّ بَيْعُ الأعْمَى وشِراؤُه. نصَّ عليه، كتَوْكيلِه.
وقال فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»: فإنْ أمْكَنَ معْرِفَةُ المَبِيعِ بالذَّوْقِ. أو بالشَّمِّ، صحَّ بَيْعُ الأعْمَى وشِراؤُه،
وإنْ لم يُمْكِنْ، جازَ بَيْعُه بالصِّفَةِ كالبَصِيرِ، وله خِيارُ الخُلْفِ فى الصِّفَةِ. انتهيا.
وقال فى «الكافِى»: فإنْ عُدِمَتِ الصِّفَةُ وأمْكَنَ مَعْرِفَةُ المَبِيعِ بذَوْقٍ أو شَمٍّ، صحَّ، وإلَّا فلا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.