Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 2المقنعHanbalivol. 1, p. 22vol. 1, p. 22

وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَاءٌ طَهُورٌ وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ كَالطُّحْلُبِ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

[باب المياه] (وهي ثلاثة أقسام؛ ماءٌ طَهُورٌ) وهو الطّاهِرُ في نفسِه، الذي يجوز رَفْعُ الأحْداثِ والنَّجاساتِ به، والطُّهور، بضَمِّ الطّاء، المصدرُ، قاله اليَزِيدِيُّ ، وبالفَتْح ما ذَكَرْناه، وهو من الأسماء المُتَعَدِّيَةِ، مثل الغَسُولِ.

1

وقال بعضُ الحنفيَّة: هو لازِمٌ، بمعنى الطاهر؛ لأنَّ العَرَبَ لا تُفَرِّق بين الفاعل والفَعُول في اللُّزُوم والتَّعَدِّى، بدليلِ قاعِد وقَعُود. وهذا إن أُرِيدَ به أن الماءَ مُخْتَصٌّ بالطَّهوريَّة،؛ سيأتي في مَوْضِعِه، إن شاء اللهُ، وإلَّا فالنِّزاع في هذه المسألة لَفْظِيٌّ، والْأشْبَهُ قولُ أصحابِنا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي؛ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». مُتَّفَقٌ عليه .

2

ولو أراد به الطّاهِرَ لم يَكُنْ له مَزِيَّةٌ على غيره؛ لأنَّه طاهِر في حَقِّ غيرِه.

note

ولمَّا سُئل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن الوُضُوءِ بماءِ البحر، قال:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ».

3

ولو لم يكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا، بمعنى المُطَهِّر، لم يَكُنْ ذلك جوابًا للقَوْمِ، حيثُ سألوه عن التَّعَدِّي، إذ ليس كلُّ طاهرٍ مُطَهِّرًا، والعربُ قد فرَّقتْ بين فاعلٍ وفَعُول، قالت فاعل لمن وُجِدَ منه مَرَّةً، وفَعُولٌ لمن تكرَّر منه، فَيَنْبَغِي أَن يُفَرَّقَ بينهما هاهنا، وليس إلا مِن حيثُ التَّعَدِّى واللُّزُوم.

١ - مسألة؛ قال: (وهو الباقي على أصْلِ خِلْقَته) وجملة ذلك، أن كلَّ صِفَةٍ خَلَق اللهُ عليها الماءَ؛ من حرارةٍ، أو برودةٍ، أو عُذوبةٍ، أو مُلوحةٍ، أو غيرها، سواءٌ نَزَل من السماءِ، أو نَبَع من الأرضِ، وبَقِي على أصلِ خِلْقَتِه، فهو طَهُورٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَيُنَزِّلُ عَلَيكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}. وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِى بالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ». رَوَاه مسلمٌ . وَرَوَى جابرٌ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه

4

قال في البَحر:«هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ». رَواه الإِمامُ أحمد .

وقولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ». وهذا قولُ أهلِ العِلْم من الصحابة،

5

ومَن بَعْدَهم، إلَّا أنَّه رُوىَ عن ابن عمرو، أنَّه

6

قال في ماءِ البحر: لا يُجْزِئُ من الوضوءِ، ولا من الجنابةِ، والتَّيّمُّمُ أعجَبُ إليَّ منه. ورُويَ ذلك عن عبد الله بن عمر، والأوَّل أوْلَى؛ لقولِ الله تِعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}. وهذا واجدٌ للماءِ، فلا يجوز له التَّيَمُّمُ، ولحديثِ جابرٍ الذي ذكرْناه في البحرِ، ورُوىَ عن عمرَ أنَّه قال: مَن لم يُطَهِّرْه ماءُ البحرِ، فلا طَهَّرَه الله . ولأنَّه ماءٌ بَقِى على أصل خِلْقَتِه، أشْبَهَ العَذْبَ. ٢ - مسألة؛ قال: (وما تَغَيَّر بمُكْثِه) الماءُ المُتَغَيِّرُ بطُولِ المُكْثِ باقٍ على إطْلاقِه.

قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْم، على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ المُتَغَيِّرِ الآجن مِن غير نجاسةٍ حَلَّتْ فيه جائزٌ، سِوَى ابنِ سِيرينَ ، فإِنَّه كَرِه ذلك. ولَنا، أنَّه تَغَيَّرَ مِن غيرِ مُخالطةٍ، أَشْبَهَ التَّغَيُّر عن مُجاوَرةٍ، وقد رُوىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه تَوَضَّأ مِن بِئْرٍ كأنَّ ماءَه نُقاعَةُ الحِنّاءِ . ٣ - مسألة؛ قال: (أو بطاهِرٍ لا يمكن صونُه عنه كالطُّحْلُب وورق الشَّجرِ) وجُمْلَتُه أنَّ الماءَ المُتَغيِّر بِالطُّحْلُبِ ووَرَقِ الشجر والخَزِّ وسائرِ ما ينْبُت في الماءِ، أو يَجْرِي عليه الماءُ، أو تَحْمِله الرِّيحُ أو السُّيُولُ من التِّبْنِ والعِيدانِ، أو ما يَمُرُّ عليه الماءُ من الكِبْرِيت والْقارِ ونحوه، أو كان في الأرضِ التيِ يَقِفُ فيها الماءُ،

7

وكذلك ما يتغيَّرُ في آنيةِ الأَدَمِ والنُّحاس ونحوه، يُعْفى عن ذلك كلِّه، ولا يخْرُجُ به الماءُ عن إطْلاقِه؛ لأنَّه يشُقُّ التَّحَرُّزُ منه.

8

فإن أُخِذَ شيءٌ من ذلك، وأُلْقِىَ في الماء، كان حكمُه حكمَ ما أمْكَن التَّحَرُّزُ منه، على ما يأتي،

9

وكذلك ما تغيَّر بالسَّمَكِ ونحوه من دَوابِّ البحرِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه، فأَشْبَهَ ما ذكرْناه.

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

بَابُ الْمِيَاهِ] [أَقْسَامُ الْمِيَاهِ] [الْمَاءُ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ] بَابُ الْمِيَاهِ الْبَابُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّنْفِ، وَهُوَ مَا يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. الْمِيَاهُ: جَمْعُ مَاءٍ، وَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ هَاءٍ فَأَصْلُهُ مَوَهَ، وَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَمْوَاهٌ،

36

وَفِي الْكَثْرَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِيَاهٌ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مِيَاهٌ جَمْعُ قِلَّةٍ أَيْضًا، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَإِنَّمَا جُمِعَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (وَهِيَ) أَيِ: الْمِيَاهُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ) لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو

37

إِمَّا أَنْ يَجُوزَ الْوُضُوءُ بِهِ أَوْ لَا،

38

فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّهُورُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَلَا يَخْلُو

39

إِمَّا أَنْ يَجُوزَ شُرْبُهُ أَوْ لَا،

40

فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّاهِرُ، وَإِلَّا فَهُوَ النَّجِسُ،

41

أَوْ نَقُولُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي اسْتِعْمَالِهِ أَوْ لَا. الثَّانِي: النَّجِسُ،

42

وَالْأَوَّلُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الطَّهُورُ،

43

وَالثَّانِي: الطَّاهِرُ، وَطَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " أَنَّ الْمَاءَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: طَاهِرٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، وَطَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ، وَنَجِسٍ.

وَطَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طَاهِرٍ وَنَجِسٍ،

44

وَقَالَ: إِثْبَاتُ قِسْمٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَزَادَ:" الْمَشْكُوكُ فِيهِ "، (مَاءٌ طَهُورٌ) قَدَّمَهُ عَلَى قِسْمَيْهِ لِمَزِيَّتِهِ بِالصِّفَتَيْنِ، وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمَصْدَرُ،

45

وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: وَبِفَتْحِهَا: هُوَ الطَّاهِرُ فِي ذَاتِهِ، الْمُطَهِّرُ غَيْرَهُ، مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ وِفَاقًا لِمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.

46

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ دَاوُدَ: هُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ سَوَاءً، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ فَاعِلٍ وَفَعُولٍ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ كَقَاعِدٍ وَقَعُودٍ،

47

وَإِذَا كَانَ الطَّاهِرُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَالطَّهُورُ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةً إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ التَّطْهِيرِ كَقَتُولٍ وَضَرُوبٍ، وَجَوَابُهُ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ،

48

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» .

49

وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَرَوَى مَالِكٌ، وَالْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» .

50

وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ، حَيْثُ سَأَلُوهُ عَنِ التَّعَدِّي ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا،

51

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} فَمَعْنَاهُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا،

52

وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ هُنَاكَ إِلَى التَّطْهِيرِ ; إِذْ لَا نَجَاسَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْقَصْدَ وَصْفُهُ بِأَعْلَى الْأَشْرِبَةِ عِنْدَنَا، وَهُوَ الْمَاءُ الْجَامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ،

53

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَرَابًا طَهُورًا أَيْ: مُطَهِّرًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَرَبَ سَوَّتْ بَيْنَهُمَا فِي اللُّزُومِ وَالتَّعَدِّي، قُلْنَا: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَقَالُوا: قَتُولٌ، لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْقَتْلُ، فَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ هُنَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ وَالتَّعَدِّي. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ وَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ،

54

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا تُرْفَعُ النَّجَاسَةُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْمَاءُ يَدْفَعُهُ لِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا،

55

وَقِيلَ: وِفَاقًا لِمَالِكٍ: الطَّهُورُ: مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ، كَالصَّبُورِ، وَالشَّكُورِ لِمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّبْرُ، وَالشُّكْرُ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ الْمَاءِ أَوْ كُلُّ جُزْءٍ ضُمَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ بِفِعْلِ التَّطْهِيرِ،

56

وَلَوْ أُرِيدَ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ بِذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْفِعْلِ. (وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ) عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ بُرُودَةٍ، أَوْ حَرَارَةٍ، أَوْ مُلُوحَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا كَمَاءِ السَّمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} وَذَوْبِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَمَاءُ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» .

وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْوُضُوءَ بِمَاءِ الْبَحْرِ،

57

وَقَالَ: هُوَ نَارٌ، وَمَاءُ الْبِئْرِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ، وَمَاءُ الْعُيُونِ، وَالْأَنْهَارِ، لِأَنَّهُمَا كَمَاءِ الْبِئْرِ،

58

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» .

وَأَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَنْ تَغْسِلَ دَمَ الْحَيْضِ بِالْمَاءِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَ الطَّهَارَةِ أَيْضًا بِكُلِّ مَاءٍ شَرِيفٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ فِي رِوَايَةٍ، وَرَجَّحَهَا الْمَجْدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ:«ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ،

59

وَيُكْرَهُ فِي أُخْرَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّهَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْعَبَّاسَ قَائِمًا عِنْدَ زَمْزَمَ يَقُولُ: أَلَا لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ شَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ قَالَ ذَلِكَ حِينَ احْتَفَرَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ شَرَفَهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ كَالْمَاءِ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَالنِّيلِ، وَالْفُرَاتِ، فَإِنَّهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ الشَّرَابَ، وَكَوْنُهُ مِنْ مَنْبَعٍ شَرِيفٍ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ، كَعَيْنِ سُلْوَانَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَهُ خُصُوصِيَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا، وَهِيَ كَوْنُهُ يُقْتَاتُ بِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ فِي بَدْءِ إِسْلَامِهِ،

60

وَفِي " التَّلْخِيصِ ": أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ تُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ فِي " نِهَايَتِهِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَفِيهَا يَتَخَرَّجُ أَنْ تَقُولَ: لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ،

61

وَفِي جَبَلِ التُّرَابِ الطَّاهِرِ بِهِ، وَرَشِّ الطُّرُقِ وَجْهَانِ. وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ لَوْ سُبِّلَ مَاءٌ لِلشُّرْبِ، هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَمْ يَحْرُمُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ،

62

وَقِيلَ: يُكْرَهُ الْغُسْلُ لَا الْوُضُوءُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ لَا يُكْرَهُ مَا جَرَى عَلَى الْكَعْبَةِ، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ. (وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْآجِنَ الَّذِي تَغَيَّرَ بِطُولِ إِقَامَتِهِ فِي مَقَرِّهِ بَاقٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ بِمَاءٍ آجِنٍ، وَلِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ، أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَفِي " الْمُحَرَّرِ " لَا بَأْسَ بِهِ. (أَوْ) تَغَيَّرَ (بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ) أَيْ: لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (كَالطُّحْلُبِ) يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ اللَّامِ وَفَتْحُهَا، وَهُوَ النَّبْتُ الْأَخْضَرُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ حَتَّى يَعْلُوَهُ،

الإنصافal-Mardawi

[باب المياه] وهي ثَلَاثة أقْسَام. اعلمْ، أنَّ للأصحابِ في تَقْسِيمِ الماءِ أرْبَعَ طُرُقٍ؛ أحدَها، وهي طَريقةُ الجُمْهورِ، أنَّ الماءَ ينْقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقْسام؛ طَهورٍ، وطاهِرٍ، ونَجِسٍ. الطرَّيقَ الثانِي، أنَّه ينْقَسِمُ إلى قِسْميَن؛ طاهِرٍ، ونَجِسٍ. والطاهِرُ قِسْمان؛ طاهِر طَهُورٌ، وطاهرٌ غيرُ طَهُورٍ. وهي طَريقةُ الْخِرَقِيِّ، وصاحبِ «التَّلْخيص»، و «البُلْغة». فيهما، وهي قَرِيبةٌ من الأُولَى. الطرَّيقَ الثالثَ، أنَّه ينْقَسِمُ إلى قِسْمَين؛ طاهِرٍ طَهُورٍ، ونَجِسٍ. وهي طريقةُ الشيخِ تقيِّ الدِّين،

1

فإنَّ عندَه أنَّ كلَّ ماءٍ طاهِرٍ تحْصُلُ الطهارةُ به، وسَواءٌ كان مُطْلَقًا أو مُقَيَّدًا،؛ كماءِ الوَرْدِ ونحوه. نقَلَه في «الفُروع» عنه في بابِ الحَيض. الطرِيقَ الرَّابعَ، أنَّنه أربعةُ أقسْام؛ طَهُورٌ، وطاهِرٌ، ونَجِسٌ، ومَشْكُوكٌ فيه لاشْتِباهِه بغيرِه. وهي طريقةُ ابنِ رَزِينٍ، في «شرحه». وَهُوَ الْباقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِه،

2

تنبيه: يشْمَلُ قولُه: وهو الباقِي على أصْلِ خِلْقَتِه مَسائلَ كثيرةً، يأْتِي بَيانُ حُكْمِ أكْثرِها عندَ قولِه: فهذا كله طاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الأحْداثَ، ويُزِيلُ الأنْجاسَ، غيرُ مَكْروهِ الاسْتِعْمالِ. وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ، وما تَغيَّرَ بِمُكْثِهِ، أو بطاهرٍ لا يمكنُ صَوْنُه عنه. أي صَوْن الماءِ عن السَّاقِطِ. قطَع المصنِّفُ بعدَمِ الكَراهةِ في ذلك، وهو المذهث، صرَّح به جَماعةٌ مِن الأصحابِ، وهو ظاهِرُ كلامِ أكْثَرِهم. وقدَّمه في «الفُروع».

3

وقال في «المُحَرَّر»: لا بأْسَ بما تغَيَّرَ بمقَرِّه، أو بما يشُقُّ صَوْنُه عنه.

4

وقيل: يُكْرَهُ فيهما. أَوْ بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ؛ كَالطُّحْلُبِ، وَوَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ لَا يُخَالِطُهُ، كَالْعُودِ، وَالْكَافُورِ، وَالدُّهْنِ، جزَم به في «الرِّعاية الكبرى».

5

تنبيه: مَفْهُومُ قولِه: لا يُمْكِنُ صَوْنُه عنه. أنَّه لو أمْكَنَ صَوْنُه عنه، أو وُضِعَ قَصْدًا، أنَّه يُؤثِّر فيه. وليس على إطْلاقِه، على ما يأتِى في الفَصْلِ الثاني، فيما إذا تَغَيَّر أَحَدُ أوْصافِه، أو تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا يَسِيرًا.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

كتاب الطهارة] لا بد من تعريف كل واحد من الكتاب والطهارة لأن تعريف المركب موقوف على تعريف كل واحد من مفرداته.

27

أما تعريف الكتاب. فالكتاب: مأخوذ من الجمع. ومنه كتبت البغلة إذا جمعت بين شُفريْها بحلقة. فالكتاب إذًا هو الجامع. وأحكام الطهارة مجموعة فيه فكأنه جمعها. فحسُن لذلك إطلاق لفظ الكتاب عليه.

28

وأما الطهارة ففي اللغة: هي النظافة والنزاهة عن الأقذار.

29

وفي الشرع: عبارة عن استعمال الماء الطهور أو بدله في أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص.

وسنبين ذلك بعد إن شاء الله تعالى.

30

وقيل: عن رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب.

31

فإذا عرف كل واحد من الكتاب والطهارة فمعنى كتاب الطهارة: الجامع لأحكام الطهارة. [باب المياه] المياه جمع ماء.

32

فإن قيل: الماء اسم جنس، وأسماء الأجناس لا تجمع.

قيل: أسماء الأجناس تجمع إذا اختلفت أنواعها. والماء هنا متنوع لانقسامه إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.

قال المصنف رحمه الله: (وهي ثلاثة أقسام: ماء طهور. وهو: الباقي على أصل خلقته، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر، أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن، أو ما أصله الماء كالملح البحري. وما تروح بريح منتنة إلى جانبه أو سُخّن بالشمس أو بطاهر فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروه الاستعمال) .

33

أما كون المياه ثلاثة أقسام فلانقسامها إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.

34

فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟

قيل: الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا.

35

فإن جاز فهو الطاهر غير المطهر وإن لم يجز فهو النجس.

36

وأما قول المصنف رحمه الله: ماء طهور فمعناه أحد الأقسام ماء طهور. وقدمه على قسيميه لرجحانه على الثاني بالطهورية، وعلى الثالث بالطهورية والطاهرية.

والطهور عندنا من الأسماء المتعدية أي اسم لما يتطهر به. قال الله تعالى:{وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقال:{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}.

37

فإن قيل: لا فرق بين الطاهر والطهور لأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم؛ كقاعد وقَعود وضارب وضَروب.

38

وإذا كان كذلك فالطاهر غير متعد فالطهور مثله.

ولأن طهورًا لو كان متعديًا لما وقع هذا الإطلاق حقيقة إلا بعد وجود التطهير؛ كالقتول لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود القتل، والضروب لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود الضرب.

ولأن الطهور لو كان متعديًا لتكرر فعل التطهر به.

قيل: يدل على الفرق بينهما الكتاب والسنة.

39

أما الكتاب فما تقدم.

وأما السنة فما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ماء البحر. قال: هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته» رواه الترمذي.

40

وقال: حديث حسن صحيح.

ولو كان الطهور هو الطاهر لما امتن الله على عباده بماء السماء،

note

ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا عن السؤال؛ لأنهم علموا طاهريته. وإنما سألوا عن طهوريته وتعدي فعله إليهم.

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي -فذكر منهن-: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» رواه البخاري.

وجه الحجة أنه لو تساوى فاعل وفعول لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر فضلية لأن الطهارة ثابتة لسائر الأنبياء. ثم القول بأن لا فرق بينهما عند العرب لا يصح لأن فعولا عندهم آكد. ولم يكن تأكيد الطهور بتكرار فعله فجعل تأكيده بتعدي فعله إلى غيره.

41

وأما القول بأنه لو تعدى لتكرر فعله فعنه جوابان:

أحدهما: أن التعدي صفة لجنس الماء وجنس الماء يتكرر فعله للتطهير،

42

وكذلك الماء الكثير.

والثاني: أن الماء اليسير يتكرر منه فعل التطهر قبل الانفصال لأنه ينتقل من محل إلى آخر.

43

وأما كون الطهور هو الباقي على أصل خلقته ... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.

44

وأما كون الباقي على أصل خلقته كماء السماء وذوب الثلج والبرد وماء البحر والبئر والعيون والأنهار وما أشبه ذلك طهور:

45

أما ماء السماء فلما تقدم من قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، وقوله تعالى:{وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}.

46

وأما ذوب الثلج والبرد فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«اللهم طهرني بالثلج والبرد» رواه مسلم.

47

وأما ماء البحر فلقوله عليه السلام:«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» رواه الترمذي.

48

وقال: حديث حسن صحيح.

وأما ماء البئر فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من بئر بُضاعة» رواه النسائي.

49

وأما ماء العيون والأنهار؛ فلأن مائهما كماء البئر.

50

وأما كون ما تغير بمكثه طهورًا؛ فلأنه تغير في مقره أشبه الجاري على المعادن. و «لأن عليًا رضي الله عنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بماء آجن في دَرَقَته فغسل به وجهه».

وروي «أنه توضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحنا».

ولأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق أشبه الباقي على أصل خلقته.

51

وأما كون ما تغير بطاهر لا يمكن صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر طهورًا؛ فلأنه يشق الاحتراز منه، ولا يسلبه اسم الماء ولا معناه أشبه المتغير بمكثه.

52

وأما كون ما تغير بطاهر لا يخالطه كالعود والكافور والدهن طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة أشبه ما لو تغير بمجاورة جيفة إلى قربة.

53

وأما كون ما تغير بما أصله الماء كالملح البحري طهورًا؛ فلأن المتغير به منعقد من الماء أشبه ذوب الثلج.

54

وأما كون ما تغير بريح منتنة إلى جانبه طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة لا مخالطة.

55

وأما كون ما سخن بالشمس أو بطاهر طهورًا؛ فلأن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برده.

56

أما كون ما ذكر كله طاهرًا مطهرًا يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروهة الاستعمال: أما كونه طاهرًا؛ فلأنه طهور لما تقدم. وكل طهور طاهر.

57

وأما كونه طهورًا فلما تقدم.

58

وأما كونه يرفع الأحداث؛ فلأن ذلك شأن الطهور.

59

وأما كونه يزيل الأنجاس؛ فلأن كل ما رفع الحدث أزال النجس.

و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عُمَيس أن تغسل دم الحيض بالماء».

60

وأما كونه غير مكروه الاستعمال: أما ما عدا المسخن فلا خلاف.

61

وأما المسخن فلما تقدم من أن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برَّده.

و«لأن ابن عباس رضي الله عنهما دخل حمام الجحفة».

ولأن الكراهة تستدعي دليلاً ولم يوجد.

62

فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعائشة رضي الله عنها وقد سخنت ماء في الشمس: لا تفعلي. فإنه يورث البرص» رواه الدارقطني.

وعن أنس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:«لا تغتسلوا بالماء الذي سخن بالشمس فإنه يعدي من البرص» رواه العقيلي.

قيل: الحديثان غير صحيحين.

ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص وأنه لو أثر لما اختلفا بالقصد وعدمه.

note

ولما اختص بتسخينه في الأواني المنطبعة دون غيرها.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.