فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ وَهُوَ قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ، وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي
Its commentaries
مسألة: (فمَن اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه، فله الخِيارُ بينَ الرَّدِّ والإِمْسَاكِ مع الأرشِ، وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ والمَعِيبِ مِن الثَّمَنِ) مَن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، أو مُدَلَّسًا، أو مُصَرَّاةً، وهو عالِمٌ فلا خِيارَ له؛ لأَنَّه بذَلَ الثَّمَنَ فيه عالِمًا راضِيًا به عِوَضًا، أشْبَهَ ما لا عَيبَ فيه، لا نَعْلَمُ خِلافَ ذلك.
وإنْ عَلِمَ به عَيبًا لم يكُنْ عالِمًا به، فله الخِيَارُ بينَ الإِمْسَاكِ والفَسْخِ، سَواءٌ كان البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكَتَمَهَ، أو لم يَعْلَمْ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ولأنَّ إثْباتَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيَارَ بالتَّصْرِيَةِ
تَنْبِيهٌ على ثُبُوتِه بالعَيبِ. ولأنَّ مُطْلَقَ العَقْدِ يَقْتَضِي السَّلامَةَ مِن العَيبِ، بدَلِيلِ ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه اشْتَرَى مَمْلُوكًا، فكَتَبَ: «هَذا ما اشْتَرَى محمّدُ بنُ عبدِ الله مِن الْعَدَّاءِ بنِ خالِدٍ، اشْتَرَى منه عَبْدًا -أو أمَةً-[لا دَاءَ به] ولا غائِلَةَ، بَيعَ المُسْلِمِ للمسْلِمِ» . ولأنَّ الأَصْلَ السَّلَامَةُ، والعَيبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ للظاهِرِ، فعنْدَ الإطْلاقِ يُحملُ عليها، فمَتَى فاتَتْ فاتَ بغضُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَلْزَمْه أَخذُه بالعِوَضِ، وكان له الرَّدُّ، وأخْذُ الثَّمَنِ كامِلًا.
فصل: فإنِ اخْتَارَ إمْسَاكَ المَعِيبِ وأَخذَ الأرْشِ، فله ذلك. وبه قال إسحاقُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ: ليس له إلَّا الإِمْسَاكُ، أو الرَّدُّ، ولا أَرشَ له، إلَّا ان يَتَعَذَّرَ رَدُّ المَبِيعِ، ورُوِيَ دْلك عن أحمدَ، حَكاهُ صاحِبُ «المُحَرَّرِ»؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل لمُشْتَرِي المُصَرَّاةِ الخِيَارَ بينَ الإِمْسَاكِ مِن غيرِ أَرْش، أو الرَّدِّ. ولأَنَّه يَمْلِكُ الرَّدَّ، فلم يَمْلِكْ أَخذَ جزءٍ مِن الثَّمَنِ، كالرَّدِّ بالخيارِ. ولَنا، أنّه ظَهَرَ على عَيبٍ لم يَعْلَمْ به، فكان له الأرْيقُ،؛ لو تَعَيَّبَ عندَه. ولأنَّه فاتَ عليه جزءٌ مِنِ المَبِيعِ، فكانت له المُطَالبَةُ بعِوَضِه، كما لو اشْتَرَى عَشَرَةَ أقْفِزَةٍ، فبانتْ تِسْعَةً، أو كما لو أتْلَفَه بعدَ البَيعِ.
فأمّا المُصَرَّاةُ فليس فيها عَيبٌ، وإنَّما مَلَكَ الخِيَارَ بالتَّدْلِيسِ، لا لفَواتِ جُزْءٍ،
وكذلك لا يَسْتَحِقُّ أرْشًا إذا تَعَذَّرَ الرَّدُّ. إذا ثَبَتَ هذا، فمَعْنَى الأرْشِ أنْ يُقَوَّمَ المَبِيعُ صَحِيحًا، ثم يقَوَّمَ مَعِيبًا، فَيُؤخَذُ قِسْطُ ما بَينَهما مِن الثمَنِ. مثالُه أنْ يُقَوَّمَ المَعِيبُ صَحِيحًا بعشَرَةٍ، ومَعِيبًا بتِسْعَةٍ، والثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فقد نَقَصَه العَيبُ عُشْرَ قِيمَتِه، فيُرْجَعُ على البائِعِ بعُشْرِ الثَّمَنِ، وهو دِرْهَمٌ ونِصْفٌ. وعِلَّةُ ذلك أنَّ المَبِيعَ مَضْمُونٌ على المُشْتَرِي بثَمَنِه، فَفَوات جُزْءٍ منه يُسْقِط عنه ضَمانَ ما قابَلَه مِن الثَّمَنِ. ولأنَّنَا لو ضَمَّنَّاه نَقْصَ القِيمَةِ، أَفْضَى إلى اجْتِماعِ الثَّمَنِ والمُثَمَّنِ للمُشْتَرِي، فيما إذا اشْتَرَى شيئًا بعشرَةٍ، وقِيمَتُه عِشْرُون، فوَجَدَ به عَيبًا يُنْقِصُه عَشَرَةً فأخَذَها، حَصَلَ له المَبِيعُ، ورَجَعَ بثَمَنِه.
وهذا لا سبيلَ إليه. وقد نَصَّ أحمدُ على ما ذَكَرْناهُ. وذَكَرَه الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فقال: يَرْجِعُ بقِيمَةِ العَيبِ في الثَّمَنِ يومَ اشْتَراهُ. قال أحمدُ: هذا أحسَنُ ما سَمِعْتُه.
١٦٣٠ - مسألة: (وما كَسَب فهو للمُشْتَرِي، وكذلك نَماؤُه المُنْفَصِلُ. وعنه، لا يَرُدُّه إلَّا معِ نَمائِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أرادَ رَدَّ المَبِيعِ،
فلا يَخْلُو: إمّا أنْ يكون بحالِه، أو أنْ يكونَ قد زادَ أو نَقَصَ،
فإنْ كان بحالِه، رَدَّهُ وأخَذَ الثَّمَنَ.
وإنْ زادَ بعد العَقْدِ، أو حَصَلَت له
فائِدَة، فذلك قِسْمان؛ أحَدُهما، أنْ تكونَ الزِّيادَةُ مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ والكِبَرِ، وتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، والحَمْلِ، والثَّمَرةِ قبلَ الظُّهُورِ، فإنَّه يَرُدُّها بِنَمائِها، فإنَّه يَتْبَعُ في العقودِ والفسوخِ. القِسْمُ الثانِي، أنْ تكونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وهي نوْعَانِ؛ أحَدُهما، أن تكونَ مِن غيرِ المَبِيعِ، كالكَسْبِ والأُجْرَةِ، وما يُوهَبُ له، أو يُوصَى له به، فهو للمُشْتَرى في مُقابَلَةِ ضَمانِه؛ لأنَّ المَبِيعَ لو هَلَك كان مِن مالِ المُشْتَرِي، وهو مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْخَرَاجُ بالضَّمَانِ».
ولا نعلمُ في هذا خِلافًا. وقد رَوَى ابنُ ماجه بإسْنادِه عن عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا، فاسْتَغَلَّه ما شاءَ اللهُ، ثم وجَدَ به عَيبًا، فرَدَّهُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّه اسْتَغَلَّ غُلامِي، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الخَرَاجُ بالضَّمَانِ». رَواه أبو داودَ . وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم. النوعُ الثانِي، أنْ تكونَ الزِّيادَةُ مِن عينِ المَبِيعِ؛ كالوَلَدِ، والثَّمرَةِ، واللَّبَنِ، فهي للمُشْتَرِي أيضًا، ويَرُدُّ الأَصْلَ بدُونِها.
وبهذا قال الشافِعِيُّ. إلَّا أنَّ الوَلَدَ إنْ كان لآدَمِيَّةٍ. لم يَمْلِكْ رَدَّها دُونَه، وسنَذْكُرُ ذلك.
وعنه، ليس له رَدُّه دونَ نمائِه قِياسًا على النَّماءِ المُتَّصِلِ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنَاهُ مِن حَدِيث عائِشَةَ.
وقال مالِكٌ: إنْ كان النَّماءُ ثمَرَةً لم يَرُدَّها،
وإنْ كان وَلَدًا رَدَّه معها ؛ لأنَّ الرَّدَّ حُكْمٌ، فسَرَى إلى الوَلَدِ، كالكِتابَةِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: النَّماءُ الحادِثُ في يَدِ المُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لانَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ الأصْلِ بدُونِه؛ لأنَّه من موجِبِه، فلا يُرْفَعُ العَقْدُ مع بقاءِ موجِبِه، ولا يُمْكِنُ رَدُّه معه؛ لأَنَّه لم يَتَناوَلْه العَقْدُ. ولَنا، أنّه نماءٌ حَدَثَ في مِلْكِ المُشْتَرِي، فلم يمنعِ الرّدَّ، كما لو كان في يَدِ البائِعِ، وكالكَسْبِ. ولأَنَّه نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فجازَ رَدُّ الأَصلِ بدُونِه، كالكَسْبِ، والثَّمَرَةِ عندَ مالِكٍ. وقَوْلُهم: إنَّ النَّماءَ مِن موجِبِ العَقْدِ. لا يَصِحُّ، إنَّما مُوجِبُه المِلْكُ،
ولو كان موجِبًا للعَقْدِ لعادَ إلى البائِعِ بالفَسْخِ. وقولُ مالِكٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الولدَ ليس بمَبِيعٍ، فلا يُمْكِنُ رَدُّه بحُكْمِ رَدِّ الأمِّ.
ويَبْطُلُ ما ذَكَرَه بنَقْلِ المِلْكِ بالهِبَةِ والبَيعِ وغيرِهما، فإنَّه لا يسرِي إلى الوَلَدِ بوُجُودِه في الأمِّ.
فإنِ اشْترَاهَا حامِلًا فوَلَدَتَ عندَ المُشْتَرِي فرَدَّها، رَدَّ وَلَدَها معها؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ المَبِيعِ، والولادَةُ نماءٌ مُتَّصِلٌ.
وإنْ نَقَصَ المَبِيعُ، فَسَيَأتِي حُكْمُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ١٦٣١ -
(فَمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ) ثُمَّ عَلِمَ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ) وَأَخْذِ الثَّمَنِ (وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ مَعَ أَنَّهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لَمْ يَذْكُرَا خِلَافًا
أَمَّا الرَّدُّ، فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، إِذْ مُطْلَقُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ بِدَلِيلِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مَمْلُوكًا فَكَتَبَ: هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا، أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا خِبَثَةَ وَلَا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ» وَإِذًا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِظُهُورِ الْمَبِيعِ مَعِيبًا اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَهُ، وَإِزَالَةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي بَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ نَاقِصًا عَنْ حَقِّهِ،
وَأَمَّا الْإِمْسَاكُ مَعَ الْأَرْشِ فَلِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ، فَكُلُّ جُزْءٍ مِنَ الْعِوَضِ يُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَوَّضِ وَمَعَ الْعَيْبِ فَاتَ جُزْءٌ مِنْهُ فَيَرْجِعُ بِبَدَلِهِ، وَهُوَ الْأَرْشُ،
وَعَنْهُ: لَا أَرْشَ لِمُمْسِكٍ لَهُ الرَّدُّ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حِذَارًا مِنْ أَنْ يَلْزَمَ الْبَائِعُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِخْرَاجِ مِلْكِهِ إِلَّا بِهَذَا الْعِوَضِ، فَإِلْزَامُهُ بِالْأَرْشِ إِلْزَامٌ لَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، يُحَقِّقُهُ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُصَرَّاةَ لَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَإِنَّمَا مَلَكَ الْخِيَارَ فِيهَا بِالتَّدْلِيسِ لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ أَرْشًا
بِخِلَافِ الْمَعِيبِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَهَلْ يَأْخُذُ الْأَرْشُ مِنْ عَيِنِ الثَّمَنِ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ الْبَائِعُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَمُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: لَا فَسْخَ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ كَصُدَاعٍ وَحُمَّى يَسِيرَةٍ وَآيَاتٍ فِي الْمُصْحَفِ لِلْعَادَةِ كَغَبَنٍ يَسِيرٍ،
وَلَوْ مِنْ وَلِيٍّ، وَكَذَا قَالَهُ أَبُو الْوَفَاءِ، وَالْقَاضِي فِي جَامِعِهِ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَادَةً مِنْ ذَلِكَ كَيَسِيرِ التُّرَابِ وَالْعَقْدِ فِي الْبُرِّ وَمَحَلِّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الرِّبَا لِشِرَاءِ فِضَّةٍ بِزِنَتِهَا دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا مَعِيبَةً، أَوْ قَفِيزًا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا بِمِثْلِهِ فَلَهُ الرَّدُّ، أَوِ الْإِمْسَاكُ مَجَّانًا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ لَا خِيَارَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ، وَلَمْ يَرْضَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ (وَهُوَ) أَيِ: الْأَرْشُ (قِسْطٌ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ، وَالْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ، قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا، ثُمَّ مَعِيبًا فَيُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الثَّمَنِ، كَمَا إِذَا قَوَّمَ صَحِيحًا بِعَشَرَةٍ وَمَعِيبًا بِثَمَانِيَةٍ، وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَثَلًا، فَقَدْ نَقَصَهُ الْعَيْبُ خمسة فَيَرْجِعُ بِخُمُسِ الثَّمَنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ؛
لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ، فَفَوَاتُ جُزْءٍ مِنْهُ يُسْقِطُ عَنْهُ ضَمَانَ مَا قَابَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّا لَوْ ضَمِنَّاهُ نَقْصَ الْقِيمَةِ لَأَفْضَى إِلَى اجْتِمَاعِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْمُشْتَرِي فِي صُورَةِ مَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يَنْقُصُهُ النِّصْفُ فَأَخَذَهَا، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. (وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ)
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ، فَلَا يَخْلُو
إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالِهِ أَوْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ،
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ،
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كَالسَّمْنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، وَالْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ ظُهُورِهَا فَيَرُدُّهَا بِنَمَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَلِعَدَمِ تَصَوُّرِ رَدِّهَا بِدُونِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعُ قِيمَتُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ مُعَاوَضَةٌ لَمْ يَلْتَزِمْهَا،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْقِيمَةَ لِحُدُوثِهَا فِي مِلْكِهِ وَكَالصَّدَاقِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ.
والثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً وَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْمَبِيعِ كَالْكَسْبِ وَالْأُجْرَةِ وَمَا يُوهَبُ لَهُ، أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ فَهَذَا لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي، وَحَكَاهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا فِي " الْكَافِي " وَ " الْفُرُوعِ ".
والثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ الْمَجْذُوذَةِ وَاللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا وَيَرُدُّ الْأَصْلَ بِدُونِهَا لِقَوْلِهِ:«الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»
فمَنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيبَه. هكذا عِبارَةُ غالبِ الأصحابِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ»: فمَنِ اشْتَرى مَعِيبًا لم يعْلَمْ عَيبَه، أو كان عالِمًا به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يَرْضَ به. فله الخِيارُ بينَ الرَّدِّ والإمْساكِ مع الأرْشِ. هذا المذهبٌ مطْلَقًا. أعْنِي سواءً تعَذَّرَ رَدُّه أوْ لا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، ليس له الأرْشُ إلَّا إذا تعَذَّرَ رَدُّه. اخْتارَه صاحِبُ «الفائقِ»، والشَّيخُ تَقِي الدِّينِ.
قال: وكذلك يُقالُ في نَظائِرِه، كالصَّفْقَةِ إذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تفَرَّقَتْ. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو الأصحُّ. واخْتارَ شيخُنا في «حَواشِي الفُروعِ»، أنَّه إنْ دَلَّسَ العَيبَ، خُيِّرِ بينَ الرَّدِّ والإمْساكِ مع الأرْشِ،
وإنْ لم يُدَلسِ العَيبَ، خُيِّرَ بينَ الرَّدِّ والإمْساكِ بلا أَرْشٍ.
وعنه، لا رَدَّ ولا أَرشَ لمُشْتَرٍ وهَبَه بائعٌ ثَمَنًا، أو أْبرَأَه منه، كمَهْرٍ في رِوايَةٍ. وأطْلَقَهما في «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والسِّتِّين». قال: واخْتارَ القاضي في «خِلافِه»، أنَّه إذا رَدَّه، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ ممَّا أبْرَأه منه. ويتَخَرَّجُ التَّفْريقُ بينَ الهِبَةِ والإبراءِ، فيَرْجِعُ في الهِبَةِ دُونَ الإبراءِ.
ولو ظهَر هذا المَبِيعُ مَعِيبًا بعدَ أنْ تعَيَّبَ عندَه، فهل له المُطالبَةُ بأرْيقِ العَيبِ؟ فيه طَريقان؛ أحدُهما، تخْريجُه على الخِلافِ في رَدِّه. والطَّريقُ الآخَرُ، تَمْتَنِعُ المُطالبةُ وَجْهًا واحدًا. وهو اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ ويأْتِي في كتابِ الصَّداقِ ما يُشابِهُ هذا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو ظهَر بالمَأجُورِ عَيبٌ، فقال المُصَنِّفُ، والمَجْدُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم: قِياسُ المذهبِ، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَبِيعِ. جزَم به ناظِمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُفْرَداتِ»، وهو منها. والصَّحيحُ مِنَ المذهب، أنَّه لا أرْشَ له. ويأْتِي ذلك في الإِجارَةِ،
عندَ قولِه: وإنْ وجَد العَينَ مَعِيبَةً. بأَتَمَّ مِن هذا. الثَّانيةُ، إذا اخْتارَ الإمْساكَ مع الأرْشِ، فيَحْتَمِلُ أنْ يأْخُذَه مِن غيرِ الثَّمَنِ مع بَقائِه؛ لأنَّه فَسْخٌ أو إسْقاطٌ. وقاله القاضي في مَوْضِعٍ مِن «خِلافِه». ويَحْتَمِلُ أنْ يأْخُذَ مِن حيث شاءَ البائعُ؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ. وقاله القاضي أيضًا في مَوْضِعٍ مِن «خِلافِه».
قلتُ: وهو ظاهرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ. وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِي». قال ابنُ رَجَبٍ في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالخَمْسِين»: واخْتلَفَ الأصحابُ، يعْنِي في أخْذِ أرْشِ العَيبِ، فمنهم مَن يقولُ: هو فَسْخُ العَقْدِ في مِقْدارِ العَيبِ، ورُجوعٌ بقِسْطِه مِنَ الثَّمَنِ. ومنهم مَن يقولُ: هو عِوَضٌ عنِ الجُزْءِ الفائتِ. ومنهم مَن قال: هو إسْقاطُ الجُزْءِ مِنَ الثَّمَنِ في مُقابَلةِ الجُزْءِ الفائتِ الذي تعَذَّرَ تَسْلِيمُه. وكل مِن هذه الأقْوالِ الثَّلاثةِ، قاله القاضي في مَوْضِعٍ مِن «خِلافهِ».
ويَنْبَنِي على الخِلافِ، في أنَّ الأَرْشَ فَسْخٌ. أو إسْقاطُ الجُزْءِ مِنَ الثَّمَنِ، أو مُعاوضَةٌ، أنَّه إنْ كان فَسْخًا، أو إسْقاطًا، لم يَرْجِعْ إلَّا بقَدْرِه مِنَ الثَّمَنِ، ويَسْتَحِقُّ جُزْءًا مِن غيرِ الثَّمَنِ مع بَقائِه،
بخِلافِ ما إذا قُلْنا: إنَّه مُعاوَضَةٌ. انتهى. وقد صرَّح المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، أنَّ الأرْشَ عِوَضٌ عنِ الجُزْءِ الفائتِ في المَبِيعِ.
وقال في القاعِدَةِ المذْكُورَةِ أعْلاه: إذا قُلْنا: هو. وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي،
وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ. وَعَنْهُ، لَا عِوَضٌ عنِ الفائتِ. فهل هو عِوَضٌ عنِ الجُزْءِ نَفْسِه، أو عن قِيمَتِه؟ ذهَب القاضي في «خِلافِه»، إلى أنَّه عِوَضٌ عنِ القِيمَةِ، وذهَب ابنُ عَقِيلٍ في «فُنونِه»، وابنُ المَنِّيِّ، إلى أنَّه عِوَضٌ عنِ العَينِ الفائتَةِ. ويَنْبَنِي على ذلك، جَوازُ المُصالحَةِ عنه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه.
فإنْ قُلْنا: المَضْمُونُ العَينُ. فله المُصالحةُ عنها بما شاءَ،
وإنْ قُلْنا: القِيمَةُ. لم يَجُزْ أنْ يُصالِحَ عنها بأكْثَرَ منها مِن جِنْسِها. انتهى.
فائدة: لو أسْقَطَ المُشْتَرِي خِيارَ الرَّدِّ بعِوَضٍ بذَلَه له البائعُ وقَبِلَه، جازَ على حسَبِ ما يتَّفِقان عليه، وليس مِنَ الأرْشِ في شيءٍ. ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ في الشُّفْعَةِ، ونصَّ أحمدُ على مِثْلِه في خِيارِ المُعْتَقَةِ تحتَ عَبْدٍ. قاله في «القاعِدَةِ التَّاسِعَةِ والخَمْسِين». وهو قِسْطُ ما بينَ قِيمَةِ الصَّحيحِ والمَعِيبِ مِنَ الثَّمَنِ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقَطعُوا به.
وقال في «الرِّعايَةِ»، بعدَ أنْ ذكَر الأوَّلَ: وقيلَ: قَدْرُه مِنَ الثَّمَنِ كنِسْبَةِ ما يُنْقِصُ العَيبُ مِنَ القِيمَةِ إلى تَمامِها لو كان سَلِيمًا يومَ العَقْدِ. وما كسَب، فهو للمُشْتَرِي. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وقطَع يَرُدُّهُ إلا مَعَ نَمَائِهِ.
به كثيرٌ منهم؛ منهم المُصَنِّفُ في «المُغْنِي» و «الشَّرْحِ»،
وقال: لا نعْلَمُ فيه خِلافًا.
وعنه، للبائِعِ. ونَفاها الزَّرْكَشِي. ولا يُلْتفَتُ إلي ما قال عن صاحِبِ «الكافِي» في حِكايةِ الخِلافِ فيه، فقد ذكَر الرِّوايَةَ جماعةٌ.
قال: (وما كسب فهو للمشتري وكذلك نماؤه المنفصل. وعنه: لا يرده إلا مع نمائه) .
أما كون كسب المبيع المعيب المردود لعيبه للمشتري؛ فلأن عائشة روت «أن رجلاً اشترى عبداً فاستغلّه ما شاء ثم وجد به عيباً فردَّه. فقال: يا رسول الله! إنه استَغَلّ غلامي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان» رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون المنفصل كالولد والثمرة المجذوذة واللبن المحلوب كذلك على المذهب؛ فلأنه نماءٌ حدث في ملك المشتري فلم يمنع الرد كالكسب، وكما لو كان في يد البائع.
وأما كونه لا يرد الأصل إلا معه على روايةٍ؛ فلأن النماء موجَب العقد فلا يُرْفَع العقد مع بقاء موجبه.
وهذا الخلاف هو المعنيّ بقول المصنف رحمه الله: وكذلك نماؤه المنفصل.
وعنه: لا يرده إلا مع نمائه. ولا تعود هذه الرواية إلى الكسب لأنه ذكر في المغني أن الكسب زيادة من غير العين. ثم قال: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه. ثم قال: ولا نعلم في هذا خلافاً. وحكى في الكافي في الزيادة من غير العين كالكسب ونحوه روايتين وفيه نظر لما ذكر عن المصنف في المغني.
وحكى صاحب النهاية فيها: الكسب مما أجمع عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.