الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً مَقْصُودَةً
Its commentaries
فصل: إذا قال: أجَرْتُكَ دارِي عِشْرِينَ شَهْرا، كلَّ شَهْر بدِرْهَم، جازَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه ؛ لأنَّ المُدةَ مَعْلُومَة والأجْرَ مَعْلُومٌ، وليس لواحِدٍ منهما فَسْخٌ بحالٍ؛ لأنها مُدَّة واحِدَة، فأشْبَهَ ما لو قال: أجَرْتُكَ عِشْرِين شهرًا بعِشْرِين دِرْهمًا.
فإن قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِسَاب ذلك. صَحَّ في الشَّهْرِ الأولِ؛ لأنَّه أفْرَدَه بالعَقْدِ، وبَطَل في الزّائِدِ؛ لأَنَّه مَجْهُول. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ في كل شَهْر تَلَبَّسَ به، كما لو قال: أجَرْتُكَها كلَّ شهر بدِرْهَم؛ لأنَّ مَعْناهُما واحِدٌ.
ولو قال: أجَرْتُكَها هذا الشَّهْرَ بدِرْهَم، وكلَّ شَهْر بعدَ ذلك بدِرْهَم أو بدِرْهَمَين. صَحَّ في الأولِ، وفيما بعدَه وَجْهان؛ لِما ذَكَرْنا. فصل في مَسائِلِ الصُّبْرَةِ: وفيها عَشْرُ مَسائِلَ؛ أحدُها، أن يَقولَ: اسْتَأجَرْتُكَ لحَمْلِ هذه الصُّبْرَةِ إلى مِصْرَ بعَشَرةٍ. فهي صَحِيحَة بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومَة بالمُشاهَدَةِ، فجاز الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِم كَيلَها. الثانيةُ، قال: اسْتَأجَرْتُكَ لتَحْمِلَها، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم. فيَصِحُّ. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ،
ويبطُلُ فيما زادَ. وَمَبْنى الخِلافِ على الخِلافِ في بَيعِها، وقد ذَكَرْناه. الثالثةُ، قال: لتَحْمِلَها لي قَفِيزًا بدِرْهَم، وما زاد فبِحِساب ذلك. فيَجُوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيز بدِرْهَم.
وكذلك كل لَفْظٍ يَدُلُّ على إرادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقَوْلِه: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وسائِرَها -أو- باقِيَها بحِسابِ ذلك. أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ باقِيَها كلَّه، إذا فَهِما ذلك مِن اللَّفْظِ، لدَلالتِه عندَهما عليه، أو لقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه. الرابعةُ، قال: لتَحْمِلَ قَفِيزًا منها بدِرْهَم، وما زادَ فبحِسابِ ذلك. يُرِيدُ مهما حَمَلْتَه مِن باقِيها. فلا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضِي. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُول. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛
لأَنه في مَعْنَى: كلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ. الخامسةُ، قال: لتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيز بدِرْهَمٍ. فهي كالرابعةِ سواءً. السادسةُ، قال: لتَحْمِلَ لي منها قَفِيزًا بدِرْهَم، على أن تَحْمِلَ الباقِيَ بحِسَاب ذلك. فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيعَتَين في بَيعةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه: لتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيز منها بدِرْهَم. السابعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أُخْرَى في البَيتِ بحِسابِ ذلك.
فإن كانا يَعْلَمان الصُّبْرَةَ التي في البَيتِ بالمُشاهَدَةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ.
وإن جَهِلَها أحَدُهما، صَحَّ في الأولَى، وبَطَل في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدان، أحدُهما على مَعْلُوم،
والثاني على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَل في المَجْهُولِ، كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِي الذي في البَيتِ بعَشَرةٍ. الثامنةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ والتي في البَيتِ بعَشَرَةٍ.
فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، صَحَّ فيهما،
وإن جَهِلاها، بَطَل فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ بعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُوم ومَجْهُولٍ،
بخِلافِ التي قبلَها. فإن كانا يَعْلَمان التي في البَيتِ، لكنَّها مَغْصُوبَة، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لمانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَل العَقْدُ فيها،
وفي صِحَّتِه في الأخْرَى وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّها إن كانت قُفْزانُهما مَعْلُومةً، أو قَدْرُ إحْداهما مَعْلُومٌ مِن الأخْرَى، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأجْرِ فيها مَعْلُومٌ،
وإن لم يَكُنْ كذلك، فالأوْلَى بُطْلانُه؛ لِجهالةِ العِوَضِ فيها. التاسعةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهي عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَم،
فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسابِ ذلك. صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومة، ولم يَصِحَّ في الزِّيادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ فيها،
ولا يَجُوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه. العاشرةُ، قال: لتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيز بدِرْهَم،
فإن قَدِمَ لي طَعَامٌ فحَمَلْتَه، فبحِسابِ ذلك. صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَد في الزِّيادَةِ؛ لِما ذَكَرْناه. فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ تعالى: (الثالثُ، أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحةً مَقْصُودَةً، فلا تَجُوزُ الإجارَةُ على الزنَى، والزَّمْرِ، والغِناءِ، ولا إجارَةُ دارٍ لتُجْعَلَ كَنِيسَةً أو بَيتَ نار، أو لبَيعِ الخَمْرِ) أو القِمارِ. وجلةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ الإجارَةِ أن تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً،
فإن كانت مُحَرَّمَةً، كالزنَى، والزَّمْرِ، والنَّوْحِ، والغِناءِ، لم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ لفِعْلِه. وبه قال مالك، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ ، وصاحِباه، وأبو ثَوْرٍ. وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِي، والنَّخَعِي؛ لأنَّه مُحَرَّم، فلم يَجُزْ الاسْتِئْجارُ عليه، كإجارَةِ الأمَةِ للزِّنى. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على إبْطالِ إجارَةِ النائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ.
فصل: ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ ليَكْتُبَ له غِناءً أو نَوْحًا.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ. ولنا، أنَّه انْتِفاع بمُحَرَّم، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا.
ولا يَجُوزُ الاسْتِئْجارُ على كَتْبِ شِعْر مُحَرَّم، ولا بِدْعةٍ، ولا شيءٍ مُحَرم؛ لذلك.
فصل: ولا يَجُوزُ للرَّجُلِ إجارَةُ دارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً أو بِيعةً، أو لبَيعِ الخَمْرِ، أو القِمارِ. وبه قال الجَماعَةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّواد فلا بَأسَ. وخالفَه صاحِبَاه. واخْتَلَفَ أصحابُه في تَأويل قَوْلِه. ولَنا، أنَّه فِعْل مُحَرَّم، فلم تَجُزِ الإجارَةُ عليه، كإجارَةِ عَبْدِه للفُجُورِ.
ولو اكْتَرَى ذِمِّي مِن مُسْلِم دارًا، فأرادَ بَيعَ الخَمْرِ فيها، فلصاحِبِ الدّارِ مَنْعُه. وبذلك قال الثوْرِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيتُكَ في السَّوادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما يَشاءُ. ولَنا، أنَّه مُحَرَّم، جاز المنْعُ منه في المِصْرِ، فجاز في السَّوادِ، كقَتْلِ النفْسِ المُحَرَّمَةِ.
٢١٦٠ -
(الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " كَإِجَارَةِ دَارٍ يَجْعَلُهَا مَسْجِدًا، وَشَجَرٍ لِنَشْرِ ثِيَابِهِ وَقُعُودِهِ بِظِلِّهِ (مَقْصُودَةً) فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَمْعٍ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ وَيَرُدَّهُ، وَطَعَامٍ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ، وَلَا ثَوْبٍ يُوضَعُ عَلَى سَرِيرِ الْمَيِّتِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْصَدُ لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُتَقَوَّمَةً،
فَلَوِ اسْتَأْجَرَ تُفَّاحَةً لِلشَّمِّ لَمْ يَصِحَّ، وَمَمْلُوكَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ،
فَلَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبِ الْمُؤَجِّرِ فَلَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ
Says nothing on this mas’ala.
فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا تجوز الإجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر) .
أما كون الثالث من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة؛ فلأن المنفعة المحرمة مطلوبة العدم، وصحة الإجارة تنافيها لأنها تقضي كثرة إيقاعها.
ولأن المنفعة المحرمة لا يجوز مُقابَلَتُها بالعوض في البيع فكذا في الإجارة.
ولأن ما لا يقصد لا يقابل بالعوض.
وأما كون الإجارة لا تجوز على الزنا ولا على الزمر ولا على الغناء؛ فلأن جميع ذلك محرم.
وأما كون إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر لا يجوز؛ فلأن في ذلك إعانة على المعصية. أشبه الإجارة للزنا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.