ثُمَّ الْفَجْرُ ووَقْتِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ
Its commentaries
مسألة: (ثم الفَجْرُ، ووَقْتُها مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ وَقْتَ الفَجْرِ يَدْخُلُ بطُلُوعِ الفَجْرِ الثاني إجْماعًا، وقد دَلَّتْ عليه الأخْبارُ التي ذَكَرْناها، وهو البَياضُ المُعْتَرِضُ في المَشْرِقِ، المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ، ويُسَمَّى الفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لأنَّه صَدَقَك عن الصُّبْحِ، والصُّبْحُ ما جَمَع بَياضًا وحُمْرَة ولا ظُلْمَةَ بعدَه،
فأمّا الفَجْرُ الأوَّلُ، فهو البَياضُ المُسْتَدِقُّ المُسْتَطِيلُ صُعُدًا مِن غيرِ اعْتِراضٍ، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. وآخِرُ وَقْتِها طُلُوعُ الشَّمْسِ؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُع الشَّمْسُ» رَواه مسلمٌ .
٢٩٢ - مسألة: (وتَعْجِيلُها أفْضَلُ. وعنه، إن أسْفَرَ المَأمُومُون، فالأفْضَلُ الإسْفارُ) التَّغْلِيسُ بالفَجْرِ أفْضَلُ. رُوِىَ عن أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وأبي موسى، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ما يَدُلُّ على ذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : صَحَّ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، أنَّهم كانوا يُغلِّسُون ، ومُحالٌ أن يَتْرُكوا الأفْضَلَ، وهم النِّهايَةُ في إتْيان الفَضائِلِ.
ورُوِى عن أحمدَ، أنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المَأمُومِين،
فإن أسْفَرُوا فالأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لأنَّ جابِرًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَفْعَلُ ذلك في العِشاءِ ، فيَنْبَغِى أن يكُونَ كذلك في الفجْرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأىِ: الأفْضَلُ الإسْفارُ؛ لِما روَى رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ:«أسْفِرُوا بِالْفَجْرِ؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلأجْرِ». رَواه التِّرمِذِىُّ ،
وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ قال: والصُّبْحُ كان النبيُّ يُصَلِّيها بغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عليه . وفى حديثِ أبى بَرْزَةَ: وكان يَنْفَتِلُ مِن صلاةِ الغداةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجلُ جَلِيسَه. وعن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى الصُّبْحَ، فيَنْصَرِفُ النِّساءُ مُتَلَفّعاتٍ بمُرُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عليهما . وعن أبى مسعودٍ الأنْصَارِيِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غلَّسَ بالصُّبحِ، ثم أسْفَرَ مَرَّةً، ثم لم يَعُدْ إلى الإسْفارِ حتَّى قَبَضَه اللهُ.
رَواه أبو داودَ . فأمّا الإسْفارُ في حَدِيثِهم، فالمُرادُ به أن يَتَبَيَّن ضَوْءُ الصُّبْحِ ويَنْكَشِفَ ويَكْثُرَ، مِن قوْلِهم: أسْفَرَتِ المرأةُ عن وَجْهِها. إذا كَشَفَتْه.
فصل: ولا يَأْثَمْ بتَعْجيلِ الصلاةِ المُسْتَحَبِّ تَأْخِيرُها، ولا [بتَأخِيرِ ما يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُه]، إذا أَخَّرَه عازِمًا على فِعْلِه، ما لم يَضِقِ الوَقْتُ عن فِعْلِ جَمِيع العِبادَةِ؛ لأنَّ جِبْرِيلَ صَلّاها بالنبىِّ في آخِرِ الوَقتِ وأوَّلِه، وصَلَّاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك أيضًا، وقال:«الْوَقتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ». ولأنَّ الوُجُوبَ مُوَسَّعٌ، فهو كالتَّكْفِيرِ مُوسُّعٌ في الأعْيانِ،
فإن أخَّرَها غيرَ عازِمٍ على الفِعْلِ، أو أخَّرَها بحيث يَضِيقُ الوَقتُ عن فِعْلِ جَمِيعِها فيه، أثِمَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ مِن الصلاةِ، فلم يَجُزْ تَأخِيرُها عن الوقتِ، كالأُولَى.
ومتى أخَّرَ الصلاةَ عن أوَّلِ وَقْتِها عازِمًا على الفِعْلِ، فمات قبلَ فِعْلِها، لم يَمُتْ عاصِيًا، لأنَّه فَعَل ما يَجُوزُ له، وليس المَوْتُ مِن فِعْلِه، فلم يَأثَمْ به . واللهُ أعلمُ. ٢٩٣ -
(ثُمَّ الْفَجْرُ) سُمِّيَ بِهِ، لِانْفِجَارِ الصُّبْحِ، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ إِذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ آخِرُ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَدْ أَفْجَرْنَا كَمَا تَقُولُ: قَدْ أَصْبَحْنَا مِنَ الصُّبْحِ، وَهُوَ مُثَلَّثُ الصَّادِ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَا جَمَعَ بَيَاضًا، وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ،
وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِصَلَاةِ الْغَدَاةِ فِي الْأَصَحِّ، وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ (و) أَوَّلُ (وَقْتِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) إِجْمَاعًا، وَيُسَمَّى الصَّادِقَ، لِأَنَّهُ صَدَقَكَ عَنِ الصُّبْحِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ وابن عبدوس: يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بِالْإِسْفَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الْإِدْرَاكِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ،
وَقِيلَ: يَحْرُمُ، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: وَبِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِحَسَبِهِ.
فَائِدَةٌ: وَقْتُ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ مِنَ الصَّيْفِ، وَالْعِشَاءِ عَلَى الْعَكْسِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَفِي الصَّيْفِ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ الْوَقْتِ إِذَا تَيَقَّنَهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (أَفْضَلُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُسْتَوْعِبِ " و" الرِّعَايَةِ " وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَسْفَرَ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَازِمِيُّ: إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَهُمُ النِّهَايَةُ فِي إِتْيَانِ الْفَضَائِلِ
Says nothing on this mas’ala.
قال: (ثم الفجر. ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. والأفضل تعجيلها. وعنه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار) .
أما قول المصنف رحمه الله: ثم الفجر؛ فعلى نحو ما تقدم.
وأما كون أول وقتها من طلوع الفجر؛ فلما روى بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أمر بلالاً فأقام الفجر حين طلع الفجر» .
وفي حديث ابن عباس في حديث جبريل مثله.
وأما كون الفجر هو الفجر الثاني؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يَغُرَّنكم الفجر المستطيل كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير».
والصلاة لا تجوز في وقتٍ يجوز فيه الأكل؛ لأن زيد بن ثابت قال:«تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قمنا إلى الصلاة. قال: قلت كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية».
ولو جاز الأكل بعد ذلك لأخره؛ لأن السحور تأخيره أفضل.
وأما كون آخره طلوع الشمس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح».
وأما كون تعجيلها أفضل على المذهب فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر ويشهد معه نساء من المؤمنات مُتلفعات بمروطهن ثم ينصرفن [إلى بيوتهن] ما يُعرفن من الغلس» متفق عليه.
وأما كونه إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال: إذا كان الشتاء فصل الصبح في أول الوقت. ثم أطل القراءة [قدر ما يطيق الناس ولا تملهم]. وإذا كان في الصيف فأسفر بالصبح. فإن الليل طويل. والناس ينامون» .
ولأنه نوع تأخير فكان مشروعاً لأجل المأموم كانتظار الداخل في الركوع.
ولأن التأخير يفضل لوجود الفضيلة؛ فلأن يفضل لأجل الجماعة -وهي واجبة- بطريق الأولى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.