وَإِنْ أَعَارَهَا فَتَلِفَتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيْهِ وَضَمَانُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ
Its commentaries
مسألة: (وإن أعَارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمانُ قِيمَتِها عليه، وضَمان الأجْرِة على الغاصِبِ) [إذا أعَار العَينَ المَغْصُوبَةَ فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شَاءَ أجْرَها وقِيمَتَها]،
فإن ضَمَّنَ المُسْتَعِيرَ مع عِلْمِه بالْغَصْبِ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ،
وإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على المُسْتَعِيرِ.
وإن لم يَكُنْ عَلِم بالغَصْبِ فضَمَّنَه، لم يَرْجِعْ بقِيمَةِ العَينِ؛ لأنَّه قَبَضَها على أنَّها مَضْمُونَة عليه.
وفي الرُّجُوعِ بالأجْرِ وجْهان؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّ المَنافِعَ له غيرَ مَضْمُونَةٍ عليه.
والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه انْتَفَعَ بها، فقد اسْتَوْفَى بَدَلَ ما غَرِمَ.
وكذلك الحُكْمُ فيما تَلِفَ مِن الأجْزاءِ بالاسْتِعْمالِ. إذا كانتِ العَينُ وَقْتَ القَبْضِ أكثر قِيمَةً مِن يومِ التَّلَفِ، فضَمِنَ الأكْثَرَ، فيَنْبَغِي أن يَرْجِعَ بما بينَ القِيمَتَين؛ لأنَّه دَخَل على أنَّه لا يَضْمَنُه، ولم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فإن رَدَّها المُسْتَعِيرُ على الغاصِبِ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه فَوَّتَ المِلْكَ على مالِكِه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه. ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ إن حَصَل التَّلَفُ في يَدِه،
وكذلك الحُكْمُ في المُودَع. ٢٣٤٣ -
(وَإِنْ أَعَارَهَا فَتَلِفَتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ) فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا، وَقِيمَتَهَا،
فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ،
وَإِنْ ضَمِنَ الْغَاصِبُ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ فَضَمِنَهُ (اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ (وَضَمَانُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ) لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا فَقَدِ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ،
فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى الْغَاصِبِ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْعَيْنَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ.
تَنْبِيهٌ: جُعِلَ فِي " الشَّرْحِ " الْمُودَعُ كَالْمُسْتَعِيرِ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ مُودَعٌ وَنَحْوُهُ بِقِيمَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، كَمُرْتَهِنٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيَرْجِعُ مُسْتَأْجِرٌ بِقِيمَتِهِ، وَعَكْسُهُ مُشْتَرٍ وَمُسْتَعِيرٌ، وَيَأْخُذُ مُسْتَأْجِرٌ وَمُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ مَا دَفَعَا إِلَيْهِ، وَيَأْخُذُ مُشْتَرٍ نَفَقَتَهُ وَعَمَلَهُ مِنْ بَائِعٍ غَارٍّ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
[اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَهَا أَوْ بَنَى فِيهَا فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً]
وإنْ أعارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمَانُ قِيمَتِها عليه وضمَانُ الأجْرَةِ على الغاصِبِ. إذا اسْتَعارَها مِنَ الغاصِبِ عالِمًا بغَصْبِها، فله تَضْمِينُ الغاصِبِ، والمُسْتَعِيرِ؛
فإنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ، رجَع على المُسْتَعِيرِ،
وإنْ ضمَّنَ المُسْتَعِيرَ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ مُطْلقًا.
وإنْ كان غيرَ عالِم بالغَصْبِ، فضَمَّنَ المُسْتَعِيرَ، لم يَرْجِعْ على الغاصِبِ بقِيمَةِ العَينِ، ويرْجِعُ عليه بضَمانِ المَنْفَعةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وهو قَوْلُ المُصنِّفِ، وضَمان الأجْرَةِ على الغاصِبِ.
وعنه، لا يرْجِعُ بضَمانِ المَنْفَعةِ، إذا تَلِفَت بالاسْتِيفاءِ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ عليه في مُقابَلَةِ الانْتِفاعِ.
قال في «القواعِدِ»: وإنْ ضُمنَ الغاصِبُ المَنْفَعةَ ابْتِداءً، ففيه طَرِيقان؛ أحدُهما، البِناءُ على الرِّوايتَين.
فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ القابِضُ عليه إذا ضُمِّنَ ابْتِداءً، رجَع الغاصِبُ هنا عليه، والَّا فلا. وهي طَرِيقَةُ أبِي الخَطابِ،
ومَنِ اتَّبَعه، والقاضي؛ وابنِ عَقِيل، في مَوْضِعٍ. والطريق الثاني، لا يَرْجِعُ الغاصِبُ على القابِضِ، قَوْلًا واحِدًا. قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، في مَوْضِع آخَرَ.
فائدة: ذكَر المُصَنِّفُ، رَحِمَه الله تَعالى، فيما إذا انْتقَلَتِ العَينُ مِن يَدِ الغاصِبِ إلى يَدِ غيرِه، ثلاث مَسائل؛ مسْألة الشراءِ، ومَسْأله الهِبَةِ، ومَسْألة العارِيّةِ. وتقدَّم الكلامُ عليها. وقد ذكَر العَلامَةُ ابنُ رَجَبٍ في «قواعِدِه»، أن الأيدِيَ القابِضَةَ مِنَ الغاصِبِ، مع عدَمْ العِلْمِ بالحالِ، عَشَرة؛ منها الثلاثةُ المذْكُورَةُ التي ذكَرَها المُصَنِّفُ، ولكِنْ نُعِيدُ ذِكْرَ يَدِ المُتَّهِبِ؛ لأجْلِ نظَائرِها في اليَدِ التَّاسِعَةِ. فاليَد الثّالثةُ، الغاصِبَةُ مِنَ الغاصِبِ، وحقها أنْ تكونَ أوْلَى؛ لأنها كالأصْل للأيدِي؛
وهو أن اليَدَ الغاصِبَةَ مِنَ الغاصِبِ يتَعَلَّقُ بها الضمانُ، كأصْلِها، ويسْتَقِرُّ عليها مع التَّلَف تحتَها, ولا يُطالبُ بما زادَ على مُدَّتِها. اليَد الرابعَةُ، يدٌ آخِذَة لمصْلَحَةِ الدَّافِعِ؛ كالاسْتِيداعِ، والوَكالةِ بغيرِ جُعْل، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فالصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنّ للمالِكِ تَضْمينَها، ثم يَرْجِعُ بما ضُمنَ على الغاصِبِ؛ لتَغْرِيره. وفيه وَجْهٌ آخَرُ باسْتِقْرارِ الضَّمانِ عليها, ولتَلَفِ المالِ تحتَها مِن غيرِ إذْنٍ. صرح به القاضي في «المُجَرَّدِ»، في بابِ المُضارَبَةِ. قال ابنُ رَجَبٍ: ويتَخَرَّجُ فيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يجوزُ تَضْمِينُها بحال، مِنَ الوَجْهِ المَحْكِيِّ كذلك في المُرْتَهِن ونحوه، وأوْلَى. وخرَّجَه الشيخُ تَقِيُّ الدينِ مِن مُودَعِ المُودِعِ، حيثُ لا يجوزُ له الإيداعُ؛
فإنَّ الضَّمانَ على الأوَّلِ وحدَه. كذلك قال القاضي في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ»، وذكَر أنَّه ظاهِرُ كلامِ أحمدَ،
ومِنَ الأصحابِ مَن منَع ظُهورَه. اليَد الخامسةُ، يَدْ قابِضَة لمصْلَحَتِها، ومَصْلَحَةِ الدافِعِ ؛ كالشريك، والمُضارِبِ، والوَكِيلِ بجُعْل، والمُرْتَهِنِ، فالمَشْهورُ جَوازُ تَضْمِينها أَيضًا، وترْجِعُ بما ضُمِّنَتْ؛ لدُخُولِها على الأمانَةِ. وذكَر القاضي في «المُجَرد»، وابنُ عَقِيل، والمُصَنفُ، في الرَّهْنِ احْتِمالين آخَرَين؛ أحدُهما، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
اسْتِقْرار الضمانِ على القابِضِ. وحَكَوا هذا الوَجْهَ في المُضارِبِ أَيضًا.
والثاني، لا يجوزُ تَضْمِينُها بحالٍ؛ لدُخُولِها على الأمانَةِ. قال ابنُ رَجَبٍ: ويَنْبَغِي أنْ يكونَ هو المذهبَ، وأنه لا يجوزُ تَضْمِين القابِضِ ما لم يدْخُلْ على ضَمانِه في جميعِ هذه الأقْسامِ. وحكَى القاضي وغيرُه في المُضارَبَةِ وَجْهًا آخَرَ، أن الضَّمانَ في هذه الأماناتِ يَسْتَقِرُّ على مَن ضُمنَ منهما، فأيّهما ضُمِّن لم يرْجِعْ على الآخَرِ. اليَدُ السادِسةُ، يد قابِضَة عِوَضًا مُسْتَحَقا بغيرِ عَقْدِ البَيعِ، كالصَّداق، وعِوَضِ الخُلْعِ، والعِتْقِ، والصلْحِ عن دَمِ العَمْدِ، إذا كان مُعَينًا له، أو كان القَبْضُ وَفاءٌ لدَينٍ مُسْتَقِر في الذِّمةِ؛
مِن ثَمَنِ مَبِيع، أو غيرِه، أو صَداقٍ، أو قِيمَةِ مُتْلَفٍ، ونحوه،
فإذا تَلِفَتْ هذه الأعْيانُ في يَدِ مَن قَبَضَها، ثم اسْتُحِقَّتْ، فللمُسْتَحِقِّ الرُّجوعُ على القابِضِ ببَدَلِ العَينِ والمَنْفَعَةِ، على ما تَقرَّرَ. قال: ويتَخَرَّجُ وَجْهٌ، أنْ لا مُطالبَةَ له عليه. وهو ظاهِرُ كلامِ ابنِ أبِيِ مُوسى في الصداقِ. والباقي مِثْلُه على القَوْلِ بالتَّضْمِينِ، فَيرْجِعُ على الغاصِبِ بما غرِمَ مِن قِيمَةِ المَنافِعِ؛ لتَغْرِيرِه، إلَّا بما انْتفَعَ به، فإنَّه مُخَرَّجٌ على الرِّوايتَين.
وأما قِيَم الأعْيانِ، فمُقْتَضَى ما ذكَرَه القاضي ومَنِ اتَّبَعه، أنَّه لا يَرْجِعُ بها.
ثم إنْ كان القَبْضُ وَفاءً عن دَين ثابتٍ في الذمةِ، فهو باقٍ بحالهِ،
وإنْ كانَ عِوَضًا مُتَعيِّنًا في العَقْدِ، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ها هنا باسْتِحْقاقِه،
ولو قُلْنا: إنَّ النِّكاحَ على المَغْصُوبِ لا يصِحُّ. لأنَّ القَوْلَ بانْتِفاءِ الصِّحَّةِ مُخْتَصٌّ بحالةِ العِلْمِ. ذكَرَه ابنُ أبِي مُوسى. ويَرْجِعُ على الزَّوْجِ بقِيمَةِ المُسْتَحَقِّ في المَنْصُوصِ. وهو قَوْلُ القاضي في «خِلافِه»،
وقال في «المُجَرَّدِ»: ويجِبُ مَهْر المِثْلِ.
وأمَّا عِوَضُ الخُلْعِ، والعِتْقُ، والصُّلْحُ عن دَمِ العَمْدِ، ففيها وجْهان؛ أحدُهما، يجِبُ الرُّجوعُ فيها بقِيمَةِ العِوَضِ المُسْتَحَقِّ. وهو المَنْصوصُ، وهو قَوْلُ القاضي في أكْثرَ كُتُبِه. وجزَم به صاحِبُ «المُحَررِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني، يجبُ قِيمَةُ المُسْتَحَقِّ في الخُلْعِ، والصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ،
بخِلافِ العِتْقِ، فإنَّ الواجِبَ فيه قِيمَةُ العَبْدِ. وهو قَوْلُ القاضي في البُيوعِ مِن «خِلافِه»، ويُشْبِهُ قَوْلَ الأصحابِ، فيما إذا جعَل عِتْقَ أمَتِه صَداقَها، وقُلْنا: لا ينْعَقِدُ به النِّكاحُ فأبَتْ أنْ تتَزَوَّجَه على ذلك، أنَّ عليها قِيمَةَ نفْسِها لا قِيمَةَ مَهْرِ مِثْلِها. وعلى الوَجْهِ المُخَرَّج في البَيعِ؛ أنَّ المَغْرورَ يرْجِعُ بقِيمَةِ العَينِ، فهُنا كذلك. اليَد السابعةُ، يد قابِضَة بمُعاوَضَةٍ؛ وهي يَد المُسْتَأجِرِ. فقال القاضي والأكْثَرون: إذا ضُّمِّنَتِ المَنْفَعَةَ، لم يَرْجِعْ بها.
ولو زادَتْ أجْرَةُ المِثْلِ على الأجْرَةِ المُسمَّاةِ، ففيه ما مَر مِن زِيادَةِ قِيمَةِ العَينِ على الثمنِ.
وإذا ضُمِّنَتْ قِيمَةَ العَينِ، رَجَعَتْ بها على الغاصِبِ؛ لتَغْرِيرِه.
وفي «تَعْلِيقَةِ المَجْدِ»، يتَخَرَّجُ لأصحابِنا وَجْهان؛ أحدُهما ، أنَّ المُسْتَأجِرَ لا ضَمانَ عليه بحالٍ؛ لقَوْلِ الجُمْهورِ: يضْمَن العَينَ. وهل القَرارُ عليه؛ لنا وَجْهان؛ أحدُهما، عليه.
والثَّاني، علي الغاصِبِ. وهو الذي ذكَرَه القاضي في «خِلافِه». انتهى. اليَد الثامِنَةُ، يد قابِضَة للشَرِكَةِ؛ وهي المُتَصَرِّفَةُ في المالِ بما يُنَمِّيه بجُزْءٍ مِنَ النماءِ؛ كالشَّرِيكِ، والمُضارِبِ، والمُزارِعِ، والمُساقِي، ولهم الأجْرَةُ على الغاصِبِ؛ لعَمَلِهم له بعِوَض [لم يُسْلَمْ.
فأمَّا المُضارِبُ، والمُزارِعُ بالعَينِ المَغْصُوبَةِ، وشَرِيكُ العِنانِ]، فقد دَخَلُوا على أنْ لا ضَمانَ عليهم بحالٍ،
فإذا ضُمِّنُوا على المَشْهورِ، رَجَعُوا بما ضُمِّنُوا، إلَّا حِصَّتهم مِنَ الرِّبْحِ، فلا يَرْجعُون بضَمانِها. ذكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيل، في المُساقِي. والمُزارِعُ نَظِيرُه.
أَمَّا المُضارِبُ، والشرِيكُ، فلا نَبْغِي أنْ يَسْتَقِر عليهم ضَمانُ شيء بدُونِ القِسْمَةِ مُطْلقًا. وحكَى الأصحابُ، في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُضارِبِ بغيرِ إذْنٍ وَجْهًا آخَرَ، أنْه يَرْجِعُ بما ضُمِّنَه؛ بِناءً على الوَجْهِ المذْكُورِ باسْتِقْرارِ الضمانِ على مَن تَلِفَ المالُ بيَدِه. ويتَخَرجُ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَمْلِكُ المالِكُ تَضْمِينَهم بحالٍ، وإنَّما أعادَ حُكْمَ الشَّرِيكِ والمُضارِبِ لذِكْرِ النَّماءِ.
وأما المُساقِي إذا ظهَر الشَّجَرُ مُسْتَحَقًّا بعدَ تَكْمِلَةِ العَملِ، فللعامِلِ أُجْرَةُ المِثْلِ لعَملِه على الغاصِبِ،
وإذا تَلِفَ الثَّمَرُ، فله حالتَان؛ إحْداهما، أنْ يَتْلَف بعدَ القِسمَةِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ كل مِنَ الغاصِبِ والعامِلِ ما قبَضَه، وله أنْ يُضَمِّنَ الكُلَّ للغاصِبِ،
فإذا ضَمَّنَه الكُلَّ رجَع على العامِلِ بما قَبَضَه لنَفْسِه.
وفي «المُغْنِي» احْتِمال، لا يَرْجِعُ عليه. وهل للمالِكِ تَضْمِين العامِلِ جميعَ الثَّمرَةِ؟ ذكَر القاضي فيه احْتِمالين؛ أحدُهما، نعم. ثم يَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بما قبَضَه مِنَ الثَّمَرِ، على المَشْهورِ، وبالكُلِّ على الاحْتِمالِ المذْكُورِ.
والثَّاني، لا. والحالةُ الثَّانيةُ، أنْ يتْلَف الثَّمرُ قبلَ القِسْمَةِ؛
إمَّا على الشَّجَرِ، وإلَا بعدَ جَذِّه. ففي «التَّلْخيصِ»، في مُطالبَةِ العاملِ بالجميع، احْتِمالان.
وكذا لو تَلِفَ بعضُ الشَّجَرِ. قال ابنُ رَجَبٍ: وهو مُلْتَفَتٌ إلى أنَّ يَدَ العاملِ، هل تَثْبُتُ على الشَّجَرِ والثمَرِ، أم لا؟
والأظْهرُ، أنْ لا؛ لأنَّ الضمانَ عندَنا لا ينْتَقِل في الثَّمَرِ المُعَلَّقِ على شَجَرِه بالتَّخْلِيةِ.
ولو اشْتَرَى شَجَرَةً بثَمَرِها، فهل تدْخُل الثَّمرَةُ في ضَمانِه تبَعًا للشَجَرَةِ؟ قال ابنُ عَقِيل في «فُنونِه»: لا تدخُل.
والمذهبُ دُخُولُه تبَعًا. اليدُ التَّاسعةُ، يد قابِضةٌ تَمَلُّكًا لا بعِوَض؛
إمَّا للعَيِن بمَنافِعِها؛ كالهبَةِ والوقْفِ، والصَّدَقَةِ، والوَصيَّةِ، أو للمَنْفَعَةِ؛ كالمُوصَى له بالمنافِعِ.
والمَشْهورُ أنَّها تَرْجِعُ بما ضُمِّنَتْه بكل حالٍ، إلَّا ما يحْصُلُ لها به نَفْعٌ، ففي رُجُوعِها بضَمانِه الروايَتان. ويتَخَرَّجُ وَجْه آخَرُ، أنَّها لا تُضمَّن ابْتِداءً، ما لم يَسْتَقِرَّ ضَمانُها عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وذكَر القاضي، وابنُ عَقِيل رِوايةً، أنَّها لا تَرْجِعُ بما ضُمِّنَتْه بحالٍ. ثم اخْتلَفَ الأصحابُ في مَحَلِّ الرِّوايتَين، في الرُّجوعِ بما انْتفَعَتْ به على طُرُقٍ ثَلاثةٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّ مَحَلَّهما إذا لم يقُلِ الغاصِبُ: هذا مِلْكِي. أو ما يدُلُّ عليه،
فإنْ قال ذلك، فالقَرارُ عليه، بغيرِ خِلافٍ. وهي طَرِيقةُ المُصَنِّفِ في «المُغْنِي».
والطَّريقةُ الثَّانيةُ؛ إنْ ضمَّنَ المالِكُ القابِضَ ابْتِداءً، ففي رُجوعِه على الغاصِبِ الرِّوايتَان مُطْلَقًا.
وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ ابْتِداءً، فإنْ كان القابِضُ قد أقَرَّ له بالمِلْكِيَّةِ، لم يَرْجِعْ على القابضِ. رِوايَةً واحدَةً، وهي طريقةُ القاضي. والطَّريقةُ الثَّالثةُ، الخِلافُ في الكُلِّ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ. وهي طريقةُ أبِي الخَطَّابِ وغيرِه. اليَدُ العاشِرَةُ، يدٌ مُتْلِفة للمالِ نِيابَةً عنِ الغاصِبِ؛ كالذَّابِحِ للحَيوانِ، والطَّابِخِ له، فلا قَرارَ عليها بحالٍ، وإنَّما القَرارُ علي الغاصِبِ. قاله القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، والأصْحابُ. قال ابنُ رَجَبٍ: ويَتَخرَّجُ وَجْهٌ آخَرُ بالقَرارِ عليها فيما أتْلَفَتْه، كالمُوْدَعِ، إذا تَلِفَتْ تحتَ يدِه، وأوْلَى؛
لمُباشَرتِها للإتلافِ. قال: ويتَخَرَّجُ وجْهٌ آخَرُ، لا ضَمانَ عليها بحالٍ مِن نصِّ أحمدَ، في مَن حفَر لرَجُل بِئْرًا في غيرِ مِلْكِه، فوقَعَ فيها إنْسان، فقال الحافِرُ: ظَنَنْتُ أنَّها في مِلْكِه. فلا شيءَ عليه. وبذلك جزَم القاضي، وابنُ عَقِيل، في كتابِ الجِناياتِ.
وأمَّا إذا أتْلَفَتْه على وَجْهٍ مُحَرَّم شَرْعًا، عالِمةً بتَحْريمِه؛ كالقاتِلَةِ للعَبْدِ المَغْصُوبِ، والمُحْرِقَةِ للمال بإذْنِ الغاصِبِ فيهما، ففي «التَّلْخيصِ»، يَسْتَقِرُّ عليها الضَّمانُ؛ لأنَّها عالِمَةٌ بالتَّحْريمِ، فهي كالعالِمةِ بأنه مال الغيرِ، ورَجَّح الحارِثِي دُخولها في قِسْم المَغْرورِ. انتهى كلامُ ابنِ رَجَبٍ في «القواعدِ» مُلَخَّصًا , ولقد أجادَ، فرَحِمَه الله تَعالى.
وَإذَا اشْتَرَى أرْضًا فَغَرَسَهَا أوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، فَقُلِعَ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائعِ بمَا غَرِمَهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي في الْقِسْمَةِ.
قال: (وإن أعارها، فتلفت عند المستعير: استقر ضمان قيمتها عليه، وضمان الأجرة على الغاصب) .
أما كون ضمان القيمة يستقر على المستعير؛ فلأن العارية مضمونة بالقيمة.
وأما كون ضمان الأجرة يستقر على الغاصب؛ فلأن المستعير دخل على أن يستوفي المنافع مجاناً.
ويجب أن لا يكون المستعير هاهنا عالماً بالغصب؛ لأنه إذا كان عالماً به استقر عليه قيمة العين والأجرة. صرح به المصنف في المغني.
وفي قول المصنف رحمه الله : استقر: تنبيهٌ على أن للمالك مطالبة من شاء منهما. وهو صحيح؛ لما تقدم.
فعلى هذا إن ضَمَّن المالك الغاصب قيمة العين رجع بها على المستعير،
وإن ضَمَّنها المستعير لم يرجع بها على الغاصب.
ولو ضمِن الغاصبُ الأجرة لم يرجع بها على المستعير.
ولو ضمِنَها المستعير رجع بها على الغاصب. وهذا هو المعني بالاستقرار.
وحكى المصنف في المغني في المستعير وجهاً: أنه لا يرجع إذا ضمن الأجرة؛ لأنه انتفع ببدلها، وهو نظير المهر وأرش البكارة مما تقدم.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.