وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا
Its commentaries
مسألة: (وإن حَفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها) الفِنَاءُ ما كان خارِجَ الدّارِ قَرِيبًا منها. إذا حَفَر في الطَّرِيقِ بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها، سَواءٌ حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ أو بغيرِ إذْنِه، وسَواءٌ كان فيها ضَرَرٌ أو لا.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن حَفَرَها بإذْنِ الإِمامِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ للإِمَام أن يَأْذَنْ في الانْتِفاعِ بما لا ضَرَرَ فيه، بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يَأْذَنَ في القُعُودِ فيه، ويُقْطِعَه لمَن يَبِيعُ فيه. ولَنا، أنَّه تَلِفَ بحَفْرِ حُفْرَةٍ في مَكانٍ مُشْتَرَكٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه لغيرِ مَصْلَحَتِهم، فضَمِنَ, كما لو لم يَأْذَنْ فيه الإِمَامُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ للإِمامِ الإِذْنَ في هذا. وإنَّما جازَ الإِذْنُ في القُعُودِ ؛ لأنَّه لا يَدُومُ، ويُمْكِنُ إزَالتُه في الحالِ، أشْبَهَ القُعُودَ في المَسْجِدِ، ولأنَّ القُعُودَ جائِزٌ مِن غيرِ إذْنِ الإِمَام،
بخِلافِ الحَفْرِ.
٢٣٧٢ -
فصل: ولو شَهَرَ سَيْفًا في وَجْهِ إنْسانٍ، أو دَلَّاهُ مِن شاهِقٍ، فمات مِن رَوْعَتِه، أو ذهب عَقْلُه، فعليه دِيَتُه.
فإن صاحَ بصَبِىٍّ أو مَجْنُونٍ صَيْحةً شديدةً، فخَرَّ مِن سَطْحٍ أو نحوِه، فمات، أو ذهب عَقْلُه، أو تَغَفَّلَ عاقِلًا فصاحَ به، فأصَابَه ذلك، فعليه دِيَتُه، تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
فإن تَعَمَّدَ ذلك، فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإلَّا فهو خَطَأٌ. ووافَقَ الشافعىُّ في الصَّبِىِّ، وله في البالِغِ قَوْلانِ. ولَنا، أنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلافِه، فضَمِنَه، كالصَّبِىِّ .
فصل: وإن قَدَّمَ إنْسانًا إلى هَدَفٍ يَرْمِيه الناسُ، فأصَابَه سَهْمٌ مِن غيرِ تَعَمُّدٍ، فضَمانُه على عاقلةِ الذى قدَّمه؛ لأَنَّ الرَّامِىَ كالحافرِ، والذى قَدَّمَه كالدَّافِعِ، فكان الضَّمانُ على عاقلَتِه.
وإن عَمَدَ الرَّامِى رَمْيَه، فالضَّمانُ عليه؛ لأنَّه باشَرَ، وذاك مُتَسَبِّبٌ، فأَشْبَهَ المُمْسِكَ والقاتِلَ.
وإن لم يُقَدِّمْه أحَدٌ، فالضَّمانُ على الرَّامِى، وتَحْمِلُه عاقِلته إن كان خَطَأً؛ لأنَّه قَتَلَه.
٤١٧٥ - مسألة: وإن حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنفسِه، أو في طَرِيقٍ لغيرِ مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ، أو في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أو وضَع فِى ذَلِكَ حَجَرًا، أو صَبَّ فيه مَاءً، أو رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فَهَلَكَ به إنسانٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِعُدْوَانِه. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ أنَّه ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَر بِئْرًا، فوقَعَ فيها رَجُلٌ فمات. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
٤١٧٦ - مسألة: وإن بالتْ فيها دَابَّتُه، فَزَلَقَ به حَيوانٌ، فماتَ به، فقال أَصْحابُنا: على صاحبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ، إذا كان راكِبًا، أو قَائِدًا، أو سائِقًا؛ لأنَّه تَلَفٌ حصَل مِن جِهةِ دَابَّتِه التى يَدُه عليها، فأَشْبَهَ ما لو جَنَتْ بيَدِها أو فَمِها. وقِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بذلك؛ لأنَّه لا يدَ له على ذلك، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو كما لو أتْلَفَتْ برِجْلِها، ويُفارِقُ ما إذا أَتْلَفَت بِيَدِها أو فَمِها؛
لأنَّه يُمْكِنُه حِفْظُهُما.
٤١٧٧ -
(وَإِلَّا فَلَا) ضَمَانَ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ إِفْرَاطٌ وَلَا تَفْرِيطٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ لِأَنَّهَا سِرَايَةُ فِعْلٍ مُبَاحٍ فَلَمْ يُضْمَنْ، كَسِرَايَةِ الْقَوَدِ، وَفَارَقَ مَا إِذَا حَلَّ زِقًّا فَانْدَفَقَ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِحَلِّهِ (وَإِنْ حَفَرَ فِي فِنَائِهِ) وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجَ الدَّارِ قَرِيبًا مِنْهَا (بِئْرًا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ إِلَى إِتْلَافِ غَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَوَاضِعِ السِّكِّينِ، وَسَوَاءٌ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ، فِيهَا ضَرَرٌ أَوْ لَا،
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَهُ حَفْرُهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَعَلَيْهِ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ حَفَرَ فِي مَكَانٍ مُشْتَرَكٍ بِغَيْرِ إِذَنْ أَهْلِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِمْ؛ فَضَمِنَ كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنِ الْإِمَامُ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْإِذْنَ فِيهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ بِيعُ شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِحَاكِمٍ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ لِلْمَصْلَحَةِ
وإنْ حفَر في فِنائِه بِئْرًا لنَفْسِه، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها. هذا المذهبُ، بلا رَيب، نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ. وجوَّزَ بعضُ الأصحابِ حَفْرَ بِئْرٍ لنَفْسِه في فِنائِه بإذْنِ الإِمامِ. ذكَرَه القاضي. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: نَقْلتُه مِن خَطِّه، في مَسْألَةٍ حدَثَتْ في زَمَنِه.
قال في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّمانِين»: وفي «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ»، له التَّصَرُّفُ في فِنائِه بما شاءَ مِن حَفْرٍ وغيرهِ، إذا لم يَضُرَّ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ومَن لم يسُدَّ بِئْرَه سَدًّا يَمْنَعُ مِنَ الضَّرَرِ، ضَمِنَ ما تَلِفَ بها. ويأْتِي ذلك أيضًا في أوَّلِ كتابِ الدِّياتِ.
فائدة: لو حفَر الحُرُّ بِئْرًا بأُجْرَةٍ، أو لا، وثبَتَ عِلْمُه أنَّها في مِلْك غيرِه، نصَّ وَإِنْ حَفَرَهَا في سَابِلَةٍ؛ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَضْمَنْ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
عليه، ضَمِنَ الحافِرُ. قاله القاضي، وابنُ عَقِيل، والمُصَنِّفُ، وغيرُهم مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»،
وقال: ونصُّه، هما. وقدَّمه الحارِثِيُّ،
وقال: هو مُقْتَضَى إيرادِ ابنِ أبِي مُوسى، يَعْنِي، أنَّهما ضامِنان،
وإنْ جَهِلَ، ضَمِنَ الآمِرُ. وقيل: الحافِرُ، ويرْجِعُ على الآمِرِ.
قال: (وإن حفر في فنائه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها. وإن حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين لم يضمن في أصح الروايتين) .
أما كون صاحب الفناء يضمن ما أُتلف بالبئر التي حفرها لنفسه؛ فلأنه متسبب إلى إتلاف غيره. فوجب الضمان عليه؛ كواضع السكين.
وأما كونه لا يضمن إذا حفرها في سابلةٍ لنفع المسلمين في روايةٍ؛ فلأنه غير منسوبٍ إلى عدوان. إذْ قصده نفع المسلمين لا نفع نفسه.
وأما كونه يضمن في روايةٍ؛ فلأنه مأذون له في ذلك بشرط سلامة العاقبة، ولم توجد.
قال: (وإن بسط في مسجد حصيراً، أو علّق فيه قنديلاً: لم يضمن ما تلف به.
وإن جلس في مسجدٍ، أو طريقٍ واسعٍ فعثرَ به حيوان: لم يضمن في أحد الوجهين.
وإن أخرج جناحاً، أو ميزاباً إلى الطريق فسقط على شيء فأتلفه: ضمن).
أما كون من ذُكر لا يَضمن ما تلف بالحصير أو القنديل؛ فلأنه مأذون له في ذلك شرعاً. فلم يضمن ما تولّد منه؛ كسراية القود.
وأما كونه لا يضمن ما تلف بتعثر حيوان في وجهٍ؛ فلأن له أن يجلس في المسجد،
وفي طريقٍ واسعٍ فلم يضمن لعدم تعديه.
وأما كونه يضمن ذلك في وجهٍ؛ فلما ذكر فيما إذا حفر بئراً في سابلةٍ لنفع المسلمين.
وأما كونه يضمن ما تلف بسقوط الجناح والميزاب الخارجَيْن إلى الطريق؛ فلأنه متعدٍ بفعل ذلك. فوجب عليه ضمان ما تولّد منه؛ كما لو جرح إنساناً فتعدى إلى قتله.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.