فَعَلَيْهِ أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ
Its commentaries
مسألة: (وليس له أن يَطَأَ مُكاتَبَتَه إلَّا أن يَشْتَرِطَ) وَطْءُ المُكاتَبَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ حَرامٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقيل: له وَطْؤُها في الوَقْتِ الذي لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعيِ عمَّا هي فيه، لأنَّها مِلْكُ يَمينِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ}. ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ أزال مِلْكَ اسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعةِ بُضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، فأزال حِلَّ وَطْئِها، كالبَيعِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فنَقِيسُ عليها مَحَلَّ النِّزاعِ، ولأنَّ المِلْكَ ههُنا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد زال عن مَنافِعِها جُمْلَةً؛ ولهذا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ كان المَهْرُ لها، وتُفارِقُ أُمَّ الوَلَدِ،
فإنَّ مِلْكَه باقٍ عليها؛ وإنَّما يَزُولُ بموتِه، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما امْتَنَعَ البَيعُ؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِتْقَ بموتِه، اسْتِحْقاقًا لازِمًا لا يُمْكِنُ زَوالُه.
فصل: فإن شَرَطَ وَطْأَها فله ذلك. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ.
وقال سائِرُ مَن ذَكَرْنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْلِكُه مَع إطْلاقِ العَقْدِ، فلم يَمْلِكْه بالشَّرْطِ،؛ لو زَوجَها أو أعْتَقَهَا.
وقال الشافعيُّ: إذا شَرَطَ ذلك في عَقْدِ الكِتابَةِ فَسَدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط عِوَضًا فاسِدًا.
وقال مالكٌ: لا يَفْسُدُ العَقْدُ به، لأنَّه لا يُخِلُّ برُكْنِ العَقْدِ ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ، كالصَّحِيحِ. ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ». ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدَامِها. يُحَقِّقُ هذا أنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها ووُجُودِ المُقْتَضِي لحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لحَقِّها،
فإذا اشْتَرَطَه عليها جاز، كالخِدْمَةِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى بعْضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِراطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها.
٣٠٠٦ -
(فَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى السَّيِّدِ (أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا فَاتَهُ مِثْلٌ (أَوْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنَافِعَهُ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهَا كَالْعَبْدِ،
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَرْفَقُهُمَا بِمُكَاتَبِهِ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَهَا، فَكَانَ لَهُ أَنْفَعُهُمَا،
فَإِنْ قَهْرَهُ أَجْنَبِيٌّ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ،
وَإِنْ قَهْرَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، لَمْ يَلْزِمِ السَّيِّدَ إِنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْحَبْسَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ) لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنِ اسْتِخْدَامِهَا، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، فَمُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا كَالْمُعْتَقَةِ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ) فَلَهُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِبَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَرَاهِنٍ يَطَأُ بِشَرْطٍ، ذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالْمُنْتَخَبِ،
وَعَنْهُ: لَا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ،
وَفِي الشَّرْحِ، وَقِيلَ: لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهَا عَنِ الْكَسْبِ
وليس له وَطْءُ مُكاتَبَتِه إلا أَنْ يشْتَرِطَ. إذا أرادَ وَطْأها، فلا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يشْتَرِطَه أوْ لا،
فإنْ لم يشْتَرِطْه، لم يجُزْ وَطْؤُها، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعليه الأصحابُ، وقطَع به أكثرُهم.
وقال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: وقيل: له وَطْؤُها وإنْ لم يشْتَرِطْ، في الوَقْتِ الذي لا يشْغَلُها الوَطْءُ عنِ السَّعْي عمَّا هي فيه. قال الزَّرْكَشِيُّ: وهذا القَوْلُ يحْتَمِلُ أنَّه في المذهبِ، ويحْتَمِلُ أنَّه لبعضِ العُلَماءِ.
وإنْ شرَط وَطْأَها في العَقْدِ، جازَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ المَجْزومُ به عندَ عامَّةِ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وصحَّحَه النَّاظِمُ وغيرُه.
قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والثَّلاثِين»: هذا المذهبُ المَنْصوصُ،
فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهَا، فَلَهَا عَلَيهِ كالرَّاهِنِ يطَأُ بشَرْطٍ. ذكَرَه في «عُيونِ المَسائلِ»، و «المُنْتَخَبِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لا يجوزُ. ذكَرَها أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيل في «المُفْرَداتِ»، وقال: هذا اخْتِيارِي.
قال: (وليس له أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط. فإن وطئها ولم يشترط، أو وطئ أمتها فلها عليه المهر، ويؤدب، ولا يبلغ به الحد. وإن شرط وطئها فلا مهر لها عليه) .
أما كون السيد ليس له أن يطأ مكاتبته مع عدم الاشتراط؛ فلأن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها، ومنع ملك عوض منفعة البضع فيما إذا وطئت بشبهة. فأزال حل وطئها؛ كالبيع.
وأما كونه له ذلك مع الاشتراط؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«المؤمنون على شروطهم».
ولأنه شرط منفعتها فوجب أن يصح؛ كما لو اشترط استخدامها. يحقق هذا أن ملكه باق عليها. وإنما منع من وطئها؛ لحقها.
فإذا اشترطه جاز؛ كالخدمة.
وأما كون السيد عليه المهر إذا وطئ المكاتبة ولم يشترط، أو وطئ أمتها؛ فلأنه عوض شيء مستحق المكاتبة. فكان لها؛ كبقية منافعها.
ولا فرق بين المطاوعة والإكراه: أما مع الإكراه؛ فظاهر.
وأما مع المطاوعة؛ فلأن الحد سقط عن السيد للملك. فوجب لها المهر؛ كما لو وطئ امرأة لشبه عقد. فإنها تستحق المهر مع المطاوعة.
وأما كونه يؤدب؛ فلأن وطئه وطءٌ حرام.
وأما كونه لا يبلغ به الحد؛ فلأن الحد يدرأ بالشبهات، والمكاتب مملوك. بدليل قوله عليه السلام:«المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم».
وأما كونه لا مهر عليه إذا شرط وطئها؛ فلأنه وطء مأذون فيه؛ لما تقدم من صحة اشتراطه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.