فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ وَهِيَ أَصَحُّ لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ
Its commentaries
(والثانيةُ، ليست شَرْطًا) في النِّكاحِ (وهي أصَحُّ) وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ نحوُه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، وابنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، أصحابِ الرَّأْي؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. وقالت عائشةُ: إنَّ أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سالمًا، وأنْكَحَه ابْنَةَ أخِيه هِنْدَ ابنَةَ الوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وهو مَوْلًى لامْرأةٍ مِن الأنْصارِ. أخْرَجَه البُخَارِيُّ .
وأمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاطمةَ بنتَ قَيسٍ أن تَنْكِحَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ مَوْلاه، فنَكَحَها بأمْرِه. مُتَّفَقٌ عليه . وزَوَّجَ أباه زيدَ بنَ حارثَةَ ابْنةَ عَمَّتِه زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ .
وقال ابنُ مسعودٍ لأُخْتِه : أنْشُدُكِ اللهَ أن لا تَتَزَوَّجِي إلَّا مُسْلِمًا،
وإن كان أحْمَرَ رُومِيًّا، أو أسْوَدَ حَبَشِيًّا . ولأنَّ الكَفاءَةَ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها حَقًّا للمرأةِ أو للأوْلِياء، أو لهما، فلم يُشْتَرَطْ وُجودُها، كالسَّلامَةِ مِن العُيُوب. ورُوِيَ أَنَّ أبا هِنْدٍ حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في اليَافُوخِ ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يا بَنِي بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أبَا هِنْدٍ، وأنْكِحُوا إلَيهِ». رَواه أبو داودَ ، إلَّا أن أحمدَ ضَعَّفَه، وأنْكَرَه إنْكارًا شَدِيدًا.
قال شَيخُنا : والصَّحِيحُ أنَّها غيرُ مُشْتَرَطَةٍ، وما رُوِيَ فيها يَدُلُّ على اعْتِبارِها في الجملةِ،
ولا يَلْزَمُ منه اشتِراطُها.
٣١٣١ - مسألة: (لَكِنْ إن لم تَرْضَ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ) لأنَّ للزَّوْجَةِ ولكل واحدٍ مِن الأوْلِياءِ فيها حَقًّا،
ومَن لم يَرْضَ منهم فله الفَسْخُ. ولذلك لمَّا زَوَّجَ رجلٌ ابْنَتَه مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه، جَعَلَ لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ، فاخْتارَتْ ما صَنَعَ أبُوها .
ولو فُقِدَ الشَّرْطُ لم يَكُنْ لها خِيارٌ.
فصل: وإذا قُلْنا: ليست شَرْطًا. فرَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، صَحَّ النِّكاحُ،
وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ العَقْدَ يَقَعُ باطِلًا مِن أصْلِه، لأنَّ الكفاءةَ حَقٌّ لجميعِهم، والعاقِدُ مُتَصرِّفٌ فيها بغيرِ رِضاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وظاهِرُ المذهَبِ أنَّ العَقْدَ يَقَعُ صَحِيحًا، ويَثْبُتُ لمَن لم يَرْضَ الفَسْخ؛ لِما ذَكَرْنا مِنِ حديثِ المرأةِ التي رَفَعَتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أبَاها زَوَّجَها بغيرِ كُفْئِها ، خيَّرها ولم يُبْطِلِ النِّكاحَ مِن أصْلِه. ولأنَّ العَقْدَ وَقَع بالإِذْنِ، والنَّقصُ الموْجُودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيَارَ، كالعَيبِ مِن العُنَّةِ وغيرِها.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَثْبُتُ الفَسْخُ لمَن لم يَرْضَ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلِياءِ، لم يَكُنْ لباقِي الأوْلِياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّرَكاءِ بَعْضَه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصاصِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأوْلِياءِ يُعْتَبَرُ رِضاه، فلم يَسْقُطْ برِضَا غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِيِّ،
فأمَّا القِصاصُ، فلا يَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كامِلًا،
فإذا سَقَط بَعْضُه، تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه، وههنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها، مَلَك الباقُونَ عندَهم الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالِصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى.
٣١٣٢ -
(فَلَوْ رَضِيَتِ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ بِغَيْرِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ كُفْءٍ - (لَمْ يَصِحَّ) ; لِفَوَاتِ الشَّرْطِ ; وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ، وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِبَيْعِهِ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِهِ - مَعَ أَنَّ الْمَالَ أَخَفُّ مِنَ النِّكَاحِ ; لِدُخُولِ الْبَدَلِ فِيهِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْمُحَابَاةِ، وَيُحْكَمُ بِالنُّكُولِ فِيهِ - وَبِأَنَّ مَنْعَهَا تَزْوِيجَ نَفْسِهَا كَيْلَا يَضَعَهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ ; لِتَوَهُّمِ الْعَارِ فِيهِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ; وَلِأَنَّ لِلَّهِ فِيهِ نَظَرًا ; وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ يَكُونُ فَاسِقًا. (وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ) لِلصِّحَّةِ، بَلْ لِلِّزُومِ (وَهِيَ أَصَحُّ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهِيَ أَوْلَى ;
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَتَيْهِ مِنْ عُثْمَانَ وَأَبِي الْعَاصِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَسَبَهُ فَوْقَ نَسَبِهِمَا،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ» ،
وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَتَزَوَّجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ،
وَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تَحْتَ بِلَالٍ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا (لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ) ، وَيَكُونُ النِّكَاحُ صَحِيحًا ; لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:«جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ ; لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَ النِّسَاءَ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ فَوْرًا،
وَكَذَا وَتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ لِنَقْصٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَهِيَ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ وَالْمَرْأَةِ، وَلِلْأَبْعَدِ الْفَسْخُ مَعَ رِضَا الْأَقْرَبِ ; لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْعَارِ فِي الْأَشْهَرِ،
لكِنْ إنْ لم تَرْضَ المَرْأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ، فلو
فَلَوْ زَوَّجَ الْأبُ بِغَيرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ. نَصَّ عَلَيهِ.
زوَّجَ الأبُ بغيرِ كُفْءٍ برضاها، فللإخْوَةِ الفَسْخُ. هذا كلُّه مُفَرَّعٌ على الرِّوايَةِ الثَّانيةِ. وهو الصَّحيحُ. نصَّ عليه. جزَم به القاضي في «الجامِعِ الكَبِيرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وناظِمُ «المُفْرَداتِ». وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروعِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا الأشْهَرُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لا يمْلِكُ إلَّا بعدَ الفَسْخِ، مع رِضَا المَرْأةِ والأقْرَبِ. وأطلَقهما في «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «النظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». فعلى الأوَّلِ، له الفَسْخُ في الحالِ ومُتَراخِيًا. ذكَرَه القاضي وغيرُه. قال الشَّيخُ تَقِي الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: يَنْبَغِي أنْ يكونَ على التَّراخِي، في ظاهِرِ المذهبِ؛ لأنَّه خِيارٌ لنَقْصٍ في المَعْقُودِ عليه. فعلى هذا، يسْقُطُ خِيارُها بما يدُلُّ على الرِّضَا مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ،
وأمَّا الأوْلِياءُ، فلا يثْبُتُ إلَّا بالقَوْلِ.
فائدة: قال الزَّرْكَشِي: لو عقَدَه بعضُهم ولم يَرْضَ الباقُون، فهل يقَعُ العَقْدُ باطِلًا مِن أصْلِه، أو صَحِيحًا؟ على رِوايتَين. حَكاهما القاضي في «الجامِعِ الكَبِيرِ»، أشْهَرُهما الصِّحَّةُ.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، مِن قوْلِه: فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ. ولا يكونُ الفَسْخُ إلَّا بعدَ الانْعِقادِ. وهو ظاهِرُ كلامِ غيرِه أيضًا.
وقال الزرْكَشِيُّ، في مَوْضِع آخَرَ: إذا زوَّجَها الأبُ بغيرِ كُفْءٍ، وقُلْنا: الكُفْءُ ليس بشَرْطٍ. ففي بُطْلانِ النِّكاحِ رِوايَتان؛ البُطْلانُ، كنِكاحِ المُحْرِمَةِ والمُعْتَدَّةِ. والصِّحَّةُ، كتَلَقِّي الرُّكْبانِ.
وقيل: إنْ عَلِمَ بفَقْدِ الكَفاءَةِ، لم يصِحَّ، وإلَّا صحَّ.
وقيل: يصِحُّ إنْ كانتِ الزَّوْجَةُ كبيرَةً؛ لاسْتِدْراكِ الضَّرَرِ. قال الشَّيخ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ: طريقَةُ المَجْدِ في «المُحَرَّرِ»، أنَّ الصِّفاتِ الخَمْسَ مُعْتَبَرَةٌ في الكَفاءَةِ، قوْلًا واحدًا، ثم هل يُبْطِلُ النِّكاحَ فَقْدُها، أو لا يُبْطِلُه، لكنْ يُثْبِتُ الفَسْخَ، أو يُبْطِلُه فَقْدُ الدِّينِ والمَنْصِبِ، ويُثْبِتُ الفَسْخَ فَقْدُ الثَّلاثةِ؟ على وَالْكَفَاءَةُ، الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ، ثلاثِ رِواياتٍ. وهي طريقَتُه. انتهى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.