وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا الْجَبْهَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ويُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخْذَيْهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ
Its commentaries
مسألة: (ولا تَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ منها، إلَّا الجَبْهَةَ على إحْدَى الروايَتَيْن) لا تَجِبُ مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا سَجَد على كَوْرِ العِمامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صَحِيحَة رِوايَةً واحِدَةً. وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايَتَيْن. وممَّن رَخَّصَ في السُّجُودِ على الثَّوْب في الحَرِّ والبَرْدِ عَطاءٌ، وطاوسٌ والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وَأصحابُ الرَّأْيِ. وسَجَد شُرَيْحٌ على بُرْنُسِه . وفيه رِوايَة أخْرَى، أنَّه يَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ.
ذكَرَها أبو الخطَّابِ. وروَى الأثْرَمُ، قال: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن السُّجُودِ على كوْرِ العِمامَةِ؟ فقال: لا تَسْجُدْ على كُورِها، ولكنْ تَحْسُرُ العِمَامَةَ. وهو مذهبُ الشَّافعيّ؛ لِما روَى خَبّابٌ، قال: شَكوْنا إلى رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَر الرَّمْضاءِ في جِباهِنا وأكُفِّنا، فلم يُشْكنا . رَواه البَيْهَقِي ، ورَواه مسلم . وليس فيه، جِباهُنا وأكُفُّنا. وعن عليٌّ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قال: إذا كان أَحَدُكم يُصَلَّى فليَحْسُرِ العِمامَةَ عن جَبْهَتِه.
رَواه البَيْهَقِيُّ . ولأنَّه سَجَد على ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سَجَد على يَدَيْه. ولَنا، ما روَى أنسٌ، قال: كُنّا نُصَلى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَضَعُ أحَدُنا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ في مَكانِ السُّجُودِ. متَّفَق عليه . وعن ثابِتِ بنِ صامِتٍ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى في بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وعليه كِساءٌ مُلْتَفٌ به، يَضَعُ يَدَيْه عليه، يَقِيه بَرْدَ الحَصَى. رَواه ابنُ ماجه .
وقال الحسن: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَسْجُدون وأيْدِيهم في ثِيابِهم، ويَسْجُدُ الرجلُ على عِمامَتِه. رَواه البَيْهَقِيُّ . ولأَنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ، فجاز السُّجُودُ على حائِلِه، كالقَدَمَيْن.
فأمَّا حَدِيثُ خَبّابٍ، فالظّاهِرُ أنَّهم طَلَبُوا منه تَأخِيرَ الصلاةِ، أو تَسْقِيفَ المَسْجِدِ، أو نَحْوَ ذلك، مِمّا يُزِيلُ عنهم الضَّرَرَ الحاصِلَ مِن الحَر،
أمَّا الرُّخْصَةُ في السُّجُودِ على العِمامَةِ والأكْمامِ، فالظّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلك إنَّما طَلَبَه الفُقَرَاءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمائِمُ ولا أكمامْ طِوال يَتقُون بها،
وإنِ احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يَتَعَين؛ لجَوازِ ما ذَكَرْنا، ولذلك لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ. قال أبو إسحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهُما. وقد قِيلَ فيه قَوْلٌ: إنه يَجِبُ.
أمَّا إذا سَجَد على يَدَيْه قائِمًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ السُّجُودَ عليهما يُفْضِي إلى تَداخُلِ أعْضاءِ السُّجُودِ،
بخِلافِ مَسْألتِنا. وقال القاضي في «الجامِع»: لم أجِدْ نَصًّا في هذه المسألةِ،
ويَجِبُ أن تكُونَ مَبْنِيةً على السُّجُودِ على غيرِ الجَبْهَةِ؛ إن قُلْنا: لا يَجِبُ. جاز، كما لو سَجَد على العِمامَةِ.
وإن قُلْنا: يَجبُ. لم يَجُزْ؛ لِيْلا يَتَداخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُه في بعض. والأوْلى مُباشَرَةُ المُصَلِّي بالجَبْهَةِ واليَدَيْنِ، ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ويَأْخُذَ بالعَزِيمَةِ. وذَكَرَ القاضي في كَراهِةِ سَتْرِ اليَدَيْن رِوايَتَيْن. قال أحمدُ، وإسحاق: لا يُعْجِبُنِي إلَّا في الحَر والبَرْدِ. وكان ابنُ عُمَرَ يَكْرهُ السُّجُودَ على كوْرِ العِمامَةِ . ٤١٢ - مسألة: (ويُجافِي عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، وبَطْنَه عن فَخِذيْه، ويَضَعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، ويُفَرقُ بينَ رُكْبَتَيْه) التجافِي في السُّجُودِ للرجلِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أبي حُمَيْدٍ ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد جافَى عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه.
وفيه: إذا سَجَد فَرَّجَ بينَ فَخذَيْه غيرَ حامِلٍ بَطنه على شيء مِن فَخِذيْه. ولأبى داودَ: ثم سَجَد فأمْكَنَ أنفَه وجَبْهَتَه، ونَحَّى يَدَيْه عن جَنْبَيْه، ووَضَع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه. وعن مَيْمُونَةَ، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد، لو شاءَتَ بَهْمَةٌ أنْ تَمُر بينَ يَدَيْه لمَرَّتْ. رَواه مسلم . وعنِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد جافى حتَّى يُرَى بَياضُ إبْطَيْه.
رَواه الإمام أحمدُ .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ راحَتَيْه على الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْن مَضْمُومَتَى الأصابع، مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ، ويَضَعَهما حَذْوَ مَنْكِبَيْه؛ لِما ذَكَرْنا. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛
ولِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد ضمَّ أصابِعَه. رَواه البَيْهَقِي . وروَى الأثْرَمُ، قال:[رَأيتُ أَبا عبدِ اللهِ] سَجَد ويداه بحِذاءِ أُذُنَيْه. رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فجَعَلَ كَفَّيْه بحِذاءِ أُذُنَيْه. رَواه الأثْرَمُ، وأبو داودَ بمَعْناه. والجَمِيعُ حسنٌ.
فصل: والكَمالُ في السُّجُودِ أن يَضَعَ جَمِيعَ بَطْن كَفِّه وأصابِعِه على الأرْضِ، ويَرْفَعَ مِرْفَقَيْه؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ».
فإنِ اقْتَصَرَ على [بَعْضِ باطِنها أجْزَأه. قال أحمدُ: إن وَضَع مِن اليَدَيْن بقَدْرِ الجَبْهَةِ أجْزَأه.
وإن جَعَل ظُهُورَ كَفيْه إلى الأرض، أو سَجَد على][أَطْرافِ أصَابع يَدَيْه، فظاهِرُ الخَبَرِ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه قد سَجد على يدَيْه، وهكذا لو سَجَد على ظهُورِ قَدَمَيْه، ولأنّه لا يَخْلُو مِن إصَابَةِ بَعْض] أطرافِ قَدَمَيْه الأرْضَ، فيَكونَ ساجِدًا على أطْرافِ القَدَمَيْن، إلَّا أنّه يكُونُ تارِكًا للأفْضَلِ.
فصل: وإذا أراد السّجُودَ، فسَقطَ على وَجْهِه، فماسَّتْ جَبْهَته الأرْضَ، أجْزَأه ذلك، إلَّا أن يَقْطَعَ نِيَّةَ السجُودِ،
[وإن سَقَط على جَنْبه، ثم انْقَلَبَ] فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ، لم يُجْزِئْه ذلك، إلَّا أن يَنْوِيَ السُّجودَ. والفَرْقُ بينَ المَسْألتَيْن، أنَّه هاهُنا خَرَج عن سننِ الصلاةِ وهَيّأتِها، ثم كان انْقِلابُه الثاني عائدًا إلى الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى تجْدِيد النيةِ،
وفي التى قَبْلَها هو على هَيْئَةِ الصلاةِ وسَنَنِها، فاكتفِيَ باسْتِدامَةِ النية. ٤١٣ -
(وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ، لِصِحَّةِ صَلَاةِ لَابِسِ الْخُفَّيْنِ،
وَفِي الرُّكْبَتَيْنِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْعَوْرَةِ أَوْ مِنْهَا، عِنْدَ بَعْضٍ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الْيَدَيْنِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:«جَاءَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا يَدَيْهِ فِي ثَوْبِهِ إِذَا سَجَدَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ (إِلَّا الْجَبْهَةَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِهَا (عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ لِقَوْلِ خَبَّابٍ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَمْ يُشْكِنَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَلَيْسَ فِيهِ جِبَاهُنَا وَأَكُفُّنَا، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْسِرِ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةَ، وَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَائِلٌ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ، وَهِيَ الْأَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ، وَنَصَرَهَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُونَ، وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَعَلَى عَمَائِمِهِمْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ مَا يُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ أَوْ تَسْقِيفِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ، لَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا الرُّخْصَةَ فِي السُّجُودِ عَلَى الْعَمَائِمِ، وَالْأَكْمَامِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فَفِي كَرَاهَةِ حَائِلٍ مُتَّصِلٍ حَتَّى طِينٍ كَثِيرٍ رِوَايَتَانِ،
وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ مَا نَقَلَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا فَرْقَ،
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لِتَرْكِ الْخُشُوعِ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ.
١ - مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ السُّجُودَ عليهَا يُفْضِي إِلَى تَدَاخُلِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِيهَا، وَيُجْزِئُهُ إِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ،
وَإِنْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ، فَلَا، لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ فَلَمْ تَسْتَعْلِ الْأَسَافِلُ بِلَا حَاجَةٍ جَازَ،
وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ، وَقِيلَ: إِنْ كَثُرَ،
وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": التَّنْكِيسُ فِي السُّجُودِ، وَهُوَ اسْتِعْلَاءُ الْأَسَافِلِ وَاجِبٌ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا بَأْسَ بِهِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ التَّنْكِيسَ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ.
١ - (و) يُسَنُّ أَنْ (يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخْذَيْهِ) وَفَخْذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ يَجْنَحُ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إِبِطَيْهِ» وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي " رِسَالَتِهِ ": جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفِدَتْ، وَذَلِكَ لِشَدَّةِ رَفْعِ مَرْفِقَيْهِ، وَعَضُدَيْهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ» (وَيَضَعُ يَدَيْهِ) يَعْنِي رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيِ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: حِذَاءَ أُذُنَيْهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: قَرِيبَةً مِنْ أُذُنَيْهِ
ويضَعُ يَدَيْه حذْوَ مَنْكبَيْه. يعنى، حالةَ السُّجود. والخِلاف في مَحلّ وَضْع يدِه حالةَ السُّجودِ، كالخِلافِ في انْتِهاءِ رَفْع يدَيْه لتكبِيرَة الإحرامِ، على ما تقدّم، لكنْ خيرهُ هنا في «المحَررِ»، وقدَّم هناك؛ إلى مَنْكبَيْه.
قال في «النكَت»: وفيه نظر، أو يكون مُرادُه، ويجْعل يدَيْه حذْوَ منْكبَيه أو أُذُنيه، يعْنِي، على ما تقدم مِنَ الخِلافِ.
قال: (ولا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء منها إلا الجبهة على إحدى الروايتين) .
أما كون المصلي لا يجب عليه مباشرة المصلى بالقدمين؛ فللإجماع على صحة صلاة لابس الخفين.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالركبتين؛ فلأنهما متصلتان بالعورة. وعورةٌ عند قوم فلا يليق كشفهما فضلاً عن وجوبه.
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته باليدين؛ فلما روى ابن ماجة عن ثابت بن صامت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه يقيه من برد الحصى».
وفي لفظ:«فلم يخرج يديه من ثوبيه».
وأما كونه لا يجب عليه مباشرته بالجبهة على روايةٍ؛ فبالقياس على سائر الأعضاء.
فعلى هذا لو سجد على كور عمامته أو كمه أو ذيله صحت صلاته لما تقدم.
وروى أنس قال:«كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود» رواه البخاري.
وقال الحسن:«كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في كمه».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سجد على كَوْر العمامة». رواه ابن أبي حاتم من طرق كلها ضعيفة.
وأما كونه يجب عليه مباشرته بها على روايةٍ؛ فلما روي عن حباب قال:«شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأَكُفِّنا فلم يُشْكِنا». رواه مسلم.
ولأنه سجد على ما هو حامل له أشبه إذا سجد على يديه.
والأولى أصح.
والجواب عن الحديث أنه قيل: إنهم طلبوا تسقيف المسجد فلم يجبهم، أو أنهم طلبوا منه الرخصة لهم في ترك السجود عليها ولذلك لم يعمل به في الأكف.
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويضع يديه حذو منكبيه، ويفرق بين ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً) .
أما كون المصلي يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ويأمر به». قال أحمد في رسالته: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا سجد لو مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفدت». وذلك لشدة مبالغته في رفع عضديه. ورواه أبو داود أيضاً.
وفي حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد جافى عضديه عن جنبيه».
وفي لفظ للبخاري:«فإذا سجد سجد غير مفترش ولا قابضهما».
وأما كونه يضع يديه حذو منكبيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه حذاء منكبيه» رواه أبو داود.
فإن قيل: ما صفة وضعهما؟
قيل: أن يضع راحتيه على الأرض معتمداً عليهما منشورة مضمومة الأصابع.
بخلاف وضع ذلك على الركبتين لوجهين:
الأول: أنه في الركوع بالتفريق يتمكن فيأمن السقوط،
وفي السجود لا يحتاج إلى ذلك.
الثاني: أنه إذا ضمها في السجود استقبل بها القبلة
بخلاف ما لو فرقها، وفي الركوع لا يستقبل بها القبلة فرقها أو ضمها.
وأما كونه يفرق بين ركبتيه؛ فلأن في حديث أبي حميد «كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرج بين فخذيه» رواه أبو داود.
وأما كونه يقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً؛ فلما روى عقبة بن عامر قال:«لما نزل {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: ١] قال -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-: اجعلوها في سجودكم» رواه أبو داود. وروى حذيفة بن اليمان «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات» رواه الأثرم وأبو داود. ولم يقل: ثلاث مرات.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.