وَإِنْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا عَلَى الْقَتْلِ فَقَتَلَ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا
Its commentaries
مسألة: (وإن أكْرَهَ إنسانًا على القَتْلِ فقَتَلَ، فالقِصاصُ عليهما) وقال أبو حنيفةَ: إنَّما يجبُ القِصاصُ على الآمِرِ دُون المَأْمُورِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ صار بالإِكْراهِ بمَنْزِلَةِ الآلةِ، والقِصاصُ إنَّما يجبُ على مُسْتَعْمِلِ الآلةِ لا على الآلةِ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا يجبُ على واحدٍ منهما؛ لأَنَّ الآمِرَ غيرُ مُباشِرٍ، إنَّما هو مُتَسَبِّبٌ، والقِصاصُ لا يجِبُ على المُتَسُبِّبِ مع المُباشِرِ، دليلُه الدَّافِعُ مع الحافرِ، [والمَأْمُورُ مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ.
وقال زُفَرُ: يجِبُ على المَأْمُورِ ولا يجِبُ على الآمِرِ؛ لأَنَّ المَأْمُورَ مُباشِرٌ، فيَجِبُ عليه وحدَه، كالدّافعِ مع الحافِرِ]. ولَنا، على أبى حنيفةَ، أنَّ المَأْمُورَ قاتِل، فوجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو لم يُؤْمَرْ، والدليلُ على أنَّه قاتلٌ، أنَّه ضَرَب بالسَّيْفِ، ولأَنَّ القَتْلَ جَرْحٌ أو فِعْلٌ يَتَعَقَّبُه الزُّهُوقُ، وهذا كذلك، ولأنَّه يأْثَمُ إثْمَ القاتلِ. قولُهم: إنَّه بمَنْزِلةِ الآلةِ. لا يَصِحُّ، فإنَّه يأْثَمُ والآلةُ لا تَأْثَمُ. قو لُهم: إنَّه مَسْلُوبُ الاخْتِيارِ. لا يَصِحُّ؛
فإنَّه قَصَدَ اسْتِبْقاءَ نَفْسِه بقَتْلِ هذا، وهذا يَدُلُّ على قَصْدِه واخْتِيارِ نَفْسِه، ولا خِلافَ في أنَّه يَأْثَمُ،
ولو سُلِّمَ الاخْتِيارُ لم يَأْثَمْ، كالمجْنُونِ. والدليلُ على أنَّ الآمِرَ قاتِل، أنَّه تَسَبَّبَ إلى قَتْلِه بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فوَجَبَ عليه القِصاصُ، كما لو أنْهَشَه [كَلْبًا أو] حَيَّةً أو أسَدًا، أو رَماه بسَهْمٍ، ولأنَّه ألْجَأهُ إلى الهلاكِ، أشْبَهَ ما لو ألْقاه عليه. ٤٠٥٦ -
(وَإِنْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا) مُكَلَّفًا (عَلَى الْقَتْلِ) أَيْ: عَلَى قَتْلِ مُكَافِئِهِ (فَقَتَلَ فَالْقِصَاصُ) أَوِ الدِّيَةُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " (عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ الْمُكْرَهَ تَسَبَّبَ إِلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً، وَالْمُكْرَهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَجَاعَةِ لِيَأْكُلَهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَيْهِمَا كَالشَّرِيكَيْنِ،
وَفِي " الْمُوجَزِ " إِذَا قُلْنَا: تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمُكْرَهٍ وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ، لَا يُقَالُ: الْمُكْرَهُ مُلْجَأٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالْقَتْلِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمَّا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْقَتْلِ ١ -
وإِنْ أَكْرَهَ إنْسانًا على القَتْلِ، فقَتَلَ، فالقِصاصُ عليهما. هذا المذهبُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «الهادِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. قال فى «القاعِدَةِ السَّابِعَةِ والعِشْرِين بعدَ المِائَةِ»: المذهبُ، اشْتِراكُ المُكرِهِ والمُكْرَهِ فى القَوَدِ والضَّمانِ.
وكذا قال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ. وقدَّمه فى «الفُروعِ»،
وقال: قال فى «المُوجَزِ»: هذا إنْ قُلْنا بقَتْلِ الجماعَةِ بالواحدِ.
وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ عَبْدَهُ الَّذِى لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ، بِالقَتْلِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ.
وقال الطُّوفِىُّ فى شَرْحِ «مُخْتَصَرِه» فى الأُصولِ: مذهبُ أحمدَ، يجِبُ القِصاصُ على المُكْرَهِ -بفَتْحِ الرَّاءِ- دُونَ المُكْرِهِ -بكَسْرِها- ولعَلَّه مُرادُ صاحبِ «الفُروعِ» بقوْلِه: وخصَّه بعضُهم بمُكْرَهٍ. قال فى «القَواعِدِ»،
وكذا القاضى فى «المُجَردِ»، وابنُ عَقِيلٍ فى بابِ الرَّهْنِ: إنَّ أبا بَكْرٍ ذكَر أنَّ القَوَدَ على المُكْرَهِ المُباشِرِ، ولم يذْكُرْ على المُكْرِهِ قَوَدًا.
قالَا: والمذهبُ وُجوبُه عليهما. وذكَر ابنُ الصَّيْرَفِىِّ، أنَّ أبا بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِى -مِن أصحابِنا- خرَّج وَجْهًا؛ أنَّه لا قَوَدَ على واحدٍ منهما، مِن امْتِناعِ قَتْلِ الجماعَةِ بالواحدِ، وأَوْلَى. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ عكْسُه. يعْنِى أنَّ القَوَدَ يخْتَصُّ المُكْرِهَ -بكَسْرِ الرَّاءِ.
وقال فى «الانْتِصارِ»: لو أُكْرِهَ على القَتْلِ بأَخْذِ المالِ، فالقَوَدُ،
ولو أُكْرِهَ بقَتْلِ النَّفْسِ، فلا.
فائدة: قولُه: وإنْ أَمَر مَن لا يُميِّزُ، أو مَجْنُونًا، أو عَبْدَه الذى لا يَعْلَمُ أَنَّ القَتْلَ مُحَرَّمٌ، بالقَتْل، فقَتَلَ، فالقِصاصُ على الآمِرِ.
وكذا الحُكْمُ لو أمَرَ كبيرًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجْهَلُ تحْرِيمَه. وهذا المذهبُ فى ذلك كلِّه، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ أبا الخَطَّابِ قال فى «الانْتِصارِ»: لو أمَرَ صَبِيًّا بالقَتْلِ، فَقَتل هو وآخَرُ، وجَب القِصاصُ على آمِرِه وشَرِيكِه فى رِوايةٍ،
وإنْ سَلِمَ، فلعَجْزِه غالِبًا.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: وإنْ أمَرَ مَن لا يُمَيِّزُ بالقَتْلِ، فقَتَلَ، [فالقِصاصُ على الآمِرِ. أنَّه لو أمَرَ مَن يُمَيِّزُ بالقَتْلِ، فقَتَل]، أنَّ القِصاصَ على القاتلِ.
ومفْهومُ قولِه: وإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عاقِلًا عالمًا بتَحْرِيمِ القَتْلِ به، فقَتَل، فالقِصاصُ على القاتِلِ. أنَّه لا قِصاصَ على غيرِ الكَبيرِ العاقلِ. فشَمِلَ مَن يُمَيِّزُ. فقال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: لا قِصاصَ عليه، ولا على الآمِرِ؛
أمَّا الأَوَّلُ، فلأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا الثَّانى، فلأَنَّ تَمْيِيزَه يَمْنَعُ أَنْ يكونَ كالآلةِ، فلا قَوَدَ كل واحدٍ منهما.
وقال فى «الفُروعِ»: ومَن أمَرَ صَبِيًّا بالقَتْلِ فقَتَلَ، لَزِمَ الآمِرَ. فظاهِرُه إدْخالُ المُمَيِّزِ وَإِنْ أَمَرَ كَبِيرًا عَاقِلًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِهِ، فَقَتَلَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ.
وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَعَلَى الْآمِرِ.
فى ذلك، ويُؤَيِّدُه أنَّه بعدَ ذلك حكَى ما قالَه ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه».
قال: (وإن أكره إنساناً على القتل فقتل فالقصاص عليهما) .
أما كون القصاص فيما ذكر على المكره؛ فلأنه تسبب إلى قتله بشيء يفضي إليه غالباً. فوجب عليه القصاص؛ كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زُبْية.
وأما كونه على المكره؛ فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه. أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
فإن قيل: المكرَه ملجأ.
قيل: ذلك غير صحيح؛ لأنه متمكن من الامتناع، ولهذا يأثم بالقتل.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
قيل: يحمل ذلك على غير القتل؛ لأن القتل عظيم، ولذلك يأثم به وفاقاً.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.