الثَّالِثُ أَنْ يُؤْمَنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ
Its commentaries
فصل: وإذا اشْتَرَكَ جماعةٌ في قَتْلِ واحدٍ، فعُفِىَ عنهم إلى الدِّيةِ، فعليهم دِيَةٌ واحدةٌ.
وإن عُفِىَ عن بعضِهم، فعلى المَعْفُوِّ عنه قِسْطُه مِن الدِّيةِ؛ لأَنَّ الدِّيةَ بَدَلُ المَحَلِّ، وهو واحِد، فتكونُ دِيَتُه واحدةً، سواءٌ أتْلَفَه واحدٌ أو جماعةٌ.
وقال ابنُ أبى موسى: فيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ على كلِّ واحدٍ دِيَةً كاملةً؛ لأَنَّ له قَتْلَ كل واحدٍ منهم، فكان على كلِّ واحدٍ منهم دِيَةُ نَفْسٍ كاملةٌ، كما لو قَلَع الأعْوَرُ عينَ صحيحٍ، فإنَّه يجبُ عليه دِيَةُ عَيْنِه، وهو دِيَةٌ كامِلَةٌ.
والصَّحيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ الواجِبَ بَدَلُ المُتْلَفِ، ولا يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ المُتْلَفِ، ولذلك لو قَتَل عبد قِيمَتُه ألْفان حُرًّا، لم يَمْلِكِ العَفْوَ على أكْثَرَ مِن الدِّيَةِ.
وأمَّا القصاصُ، فهو عُقُوبَة على الفِعْلِ، فيَتَعَدَّدُ بتعَدُّدِه .
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (الثَّالثُ، أن يُؤْمَنَ في الاسْتِيفاءِ التَّعَدِّى إلى غيرِ القاتِلِ، فلو وَجَب القِصاصُ على حاملٍ، أو حَمَلَتْ بعدَ وُجُوبِه، لم تُقْتَلْ حتَّى تَضَعَ الولَدَ وتَسْقِيَه اللِّبَأَ) لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وسَواءٌ كان القِصاصُ في النَّفْسِ أو في الطَّرَفِ،
أمَّا في النَّفْس فلِقَولِ اللَّهِ تعالى:{فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}. وقَتْلُ الحامِلِ قَتْلٌ لغيرِ الحامِلِ، فيكونُ إسْرافًا. ورَوَى ابنُ ماجه بإسنادِه عن عبدِ الرحمنِ ابنِ غَنْمٍ، قال: حَدَّثَنا مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرّاحِ، وعُبادَةُ ابنُ الصامِتِ، وشَدَّادُ بنُ أوْس، قالوا: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«إذا قَتَلتِ المَرْأةُ عَمْدًا، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِى بَطنهَا إنْ كَانَت حَامِلًا، وحَتَّى تُكَفِّلَ وَلَدَهَا، وإن زَنَتْ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِى بَطْنِهَا؛ وحَتَّى تُكَفِّلَ وَلَدَهَا».
وهذا نَصٌّ. ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال للغامِدِيَّةِ المُقِرَّةِ بالزِّنَى:«ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِى بَطْنِكِ». ثم قال لها:«ارْجِعِى حَتَّى تُرْضعِيهِ». ولأنَّ هذا إجْماعٌ مِن أَهْلِ العلمِ لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا.
وأمَّا الاقْتِصاصُ في الطَّرَفِ؛ فلأنَّنا مَنعْنا الاستِيفاءَ فيه خَشْيَةَ السِّرايَةِ إلى الجانى، أو إلى زِيادَةٍ في حَقِّه، [فلأن نَمْنَعَ] منه خَشْيَة السِّرَايةِ إلى غيرِ الجانى، وتَفْويتِ نَفْس مَعْصُومةٍ أوْلَى وأحْرَى. ولأن في القِصاصِ منها قَتْلًا لغيرِ الجانى، وهو حَرامٌ.
وإذا وَضَعَتْ، لم تُقْتَلْ حتَّى تَسْقِىَ الولدَ اللِّبَأَ؛ لأَنَّ الوَلَدَ يَتَضَرَّرُ بتَرْكِه ضَرَرًا كثيرًا .
ثم إن لم يكُنْ للولدِ مَن يُرْضِعُه، لم يَجُزْ قَتْلُها حتَّى يَجِيئَ أوانُ فِطامِه؛ لِما ذكَرْنا مِن الخَبَرَيْن. ولأنَّه لَمَّا أخِّرَ الاسْتِيفاءُ لحِفظِه وهو حَمْل، فلأن يُؤَخَّرَ لحفظِه بعدَ وَضْعِه أوْلَى، إلَّا أن يكونَ القِصاصُ فيما دُونَ النَّفْسِ، ويكونَ الغالِبَ بقاؤها، وعَدَمُ ضَرَرِ الاسْتِيفاءِ منها، فيُسْتَوْفَى.
وإن وُجِد له مُرْضِعَة راتِبَة ، جازَ الاسْتِيفاءُ منها؛ لأنَّه يَسْتَغْنِى عنها بلَبَنِ المُرْضِعَةِ،
وكذلك إن كانت مُتَرَدِّدَةً، أو نِساءً يتَنَاوَبْنَه يُرْضِعْنَه، أَوْ أمْكَنَ أن يُسْقَى مِن لَبَنِ شاةٍ أو نحوِها.
ويُسْتَحَبُّ للوَلِىِّ تَأْخِيرُها؛ لِما على الوَلَدِ مِن الضَّرَرِ في اخْتِلافِ اللَّبَنِ عليه، وشُرْبِ لَبَن البَهِيمَةَ.
٤٠٩٩ -
(الثَّالِثُ أَنْ يُؤْمَنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} ، وَالْقَتْلُ الْمُفْضِي إِلَى التَّعَدِّي، فِيهِ إِسْرَافٌ،
وَفِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ " الْجَانِي، وَهُوَ أَحْسَنُ
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يُؤْمَنَ فِى الِاستِيفَاءِ التَّعَدِّى إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ،
فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. الثَّالِثُ، أن يُؤْمَنَ فى الاسْتِيفاءِ التَّعَدِّى إلى غيرِ القاتِلِ، فلو وجَب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القِصاصُ على حامِلٍ، أو حَمَلَتْ بعدَ وُجُوبِه، لم تُقْتَلْ حتَّى تَضَعَ الوَلَدَ وتَسْقِيَه ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وَإلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِى الطَّرَفِ حَالَ حَمْلِهَا.
اللِّبَأ -بلا خِلافٍ أعْلَمُه- ثم إنْ وُجدَ مَن يُرْضِعُه، وإلا تُرِكَتْ حتَّى تَفْطِمَه. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُحَرَّر»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحاوِى»، و «الهادِى»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «المُغْنِى»، وتَبِعَه الشَّارِحُ: له القَوَدُ إنْ غُذِّىَ بلَبَنِ شاةٍ.
فائدة: مُدَّةُ الرَّضاعِ حَوْلان كامِلان. وذكَر فى «التَّرْغيبِ»، أنَّها تُلْزَمُ بأُجْرَةِ رَضاعِه.
فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يُؤْمن في الاستيفاء التعدي إلى غير القاتل. فلو وجب القصاص على حامل أو حملت بعد وجوبه: لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ. ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه) .
أما كون الثالث من شروط استيفاء القصاص أن يُؤْمن فيه التعدي إلى غير القاتل؛
فإن الله تعالى قال:{فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} والقتل المفضي إلى التعدي [إلى غير القاتل] قتل فيه إسراف.
وأما كون الحامل لا تقتل حتى تضع الولد؛ فلأن في قتلها قبل ذلك تعدياً إلى غير القاتل، وانتفاؤه شرط في جواز الاستيفاء.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا قَتلتِ المرأةُ عمدًا لم تُقتلْ حتى تَضعَ ما في بطنِها إن كانتْ حاملاً ... مختصر». رواه ابن ماجة.
ولأن في ذلك قتل غير القاتل. فوجب أن يمنع منه.
وأما كون من حملت بعد وجوب القصاص [لا تقتل حتى تضع الولد]؛ كمن وجب عليها القصاص وهي حامل؛ فلأنهما سواء في إفضاء قتلها إلى التعدي وقتل من ليس بقاتل.
وأما كونها لا تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ فلأنه لا يعيش غالباً إلا بذلك.
وأما كونها تقتل حينئذ إذا وجد من يرضعه؛ فلأن تأخير قتلها إنما كان للخوف على ولدها وقد زال ذلك.
وأما كونها تترك حتى تفطمه إذا لم يوجد من يرضعه؛ فلأن في حديث ابن ماجة:«لم تُقتلْ حتى تَضعَ وحتى تُكَفِّلَ ولدَها».
ولأن القتل إذا أُخر من أجل حفظ الحمل. فلأن يؤخر من أجل حفظ الولد بطريق الأولى.
فإن قيل: الحديثان مطلقان وكلام المصنف رحمه الله مقيد بأن لا يوجد من يرضعه.
قيل: يجب حملهما على ذلك؛ لأن العلة في كونها لا تقتل لأجل الإفضاء إلى قتل الولد، وفيما إذا وجد من يرضعه لا يوجد ذلك.
بخلاف ما إذا لم يوجد.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.