وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ أَوِ الِاسْتِجْمَارُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ إِلَّا الرِّيحَ
Its commentaries
٦٣ - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الاسْتِنْجاءُ مِن كل خارِج إلا الرِّيحَ) سَواءٌ كان معْتادًا، كالبَوْلِ والغائِطِ، أو نادِرًا كالحَصَا والدُّودِ والشَّعَرِ، رَطْبًا كان أو يابِسًا،
فلو وَطِئ امْرَأتَه دونَ الفَرْجِ، فدَبَّ مَاؤه إلى فَرْجِها، ثم خَرَجَ منه، فعَلَيها الاسْتِنْجاءُ. هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصَرَّحَ به القاضي وغيرُه.
ولو أدْخَلَ المِيلَ في ذَكَرِه ثم أخْرَجَه، لَزِمَه الاسْتِنْجاءُ؛ لأنّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فأشْبَهَ الغائِطَ المُسْتَحْجِرَ. والقياسُ أن لا يَجبَ الاسْتِنْجاء مِن ناشِفٍ لا ينَجِّسُ المَحَلَّ، وهو قول الشافعيِّ. وهَكذا الحكْم في الطّاهِرِ، وهو المَنِيّ إذا حكَمْنا بطَهارَتِه، لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإزالةِ النَّجاسَةِ، ولا نَجاسَةَ ها هنا، ولأنَّه لم يَرِدْ به نَص، ولا هو في معنى المَنْصوصِ. والقولُ بوجوبِ الاسْتِنْجَاء في الجملةِ قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. وحُكِيَ عن ابنِ سِيرِينَ، في مَن صَلَّى بقَوْم ولم يَسْتَنْجِ: لا أعلمُ به بَأسًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكونَ في مَن لم يَلْزَمْه الاسْتِنْجاءُ، كمَنْ تَوَضَّأ مِن نَوْم أو خُروجِ رِيح، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَرَ وجوبَ الاسْتِنْجاءِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لِقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ». رواه أبو داوُدَ . ولأنَّها نَجاسَةٌ يُجْزِئ المَسْحُ فيها، فلم يَجِبْ إزالتُها كيَسِيرِ الدَّمِ. ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحَدُكُمْ إلى الغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاثةِ أحْجَارٍ، فإنَّها تُجْزِيء عَنْهُ».
رواه أبو داوُدَ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَسْتَنْجِ أحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاثَةِ أحْجَارٍ» روَاه مُسلِمٌ . أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال:«فإنَّها تُجْزِيء عنه». والإجْزاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الواجِبِ، ونَهَى عن الاقْتِصارِ على أقَلَّ مِن ثلاثةِ أَحْجارٍ، والنَّهىُ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ.
وإذا حَرُمَ تَرْكُ بعضِ النَّجاسَةِ، فالجميعُ أوْلَى،
فأمَّا قولُه:«لا حَرَجَ». يَعنى في تَرْكِ الوتْرِ، وقد ذكرْناه.
وأمَّا الاجْتِزاءُ بالمَسْحِ فيه، فلمَشَقَّةِ الغَسْلِ؛ لتَكَرُّرِ النجاسةِ في مَحَل الاسْتِنْجاءِ.
فأمّا الرِّيحُ فلا يَجِبُ لها اسْتِنْجاءٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال أبو عبدِ اللهِ: ليس في الرِّيح اسْتِنْجاء في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رسولِه، وقد رُوى عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَال:«مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيح فَلَيسَ مِنَّا». رواه الطَّبرانِيُّ، في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ». وعن زَيدِ بن أسْلَمَ ، في قولِه تعالى:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}: إذا قُمْتُمْ مِن النَّوْمِ . ولم يأمُرْ بغيرِه، فَدَلَّ على أنَّه لا يَجِبُ، ولأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنى المَنْصُوص.
ولأنَّها ليست نَجِسَةً، ولا تَصْحَبُها نَجاسَةٌ، فلا يَجِبُ غَسْلُ المَحَلِّ مِنها، كسائِرِ المَحالِّ الطّاهِرَةِ.
(وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ أَوِ الِاسْتِجْمَارُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ، إِذِ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الْإِجْزَاءِ فَإِنَّهُ غَالِبًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمُعْتَادِ، كَالْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ، وَالنَّادِرِ كَالدُّودِ، وَالْحَصَى، وَالطَّاهِرِ، وَالنَّجِسِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي طَاهِرٍ، كَمَنِيٍّ، وَدَوَاءٍ تَحَمَّلَتْ بِهِ، إِنْ قِيلَ بِطَهَارَةِ فَرْجِهَا، وَالْمَذْيِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَلِلرَّطْبِ وَالْيَابِسِ، حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ مَيْلًا فِي ذَكَرِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ رَبْطًا لِلْحُكْمِ بِالْمَظِنَّةِ، وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الرُّطُوبَةِ،
وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي يَابِسٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ ذَلِكَ وَجْهًا (إِلَّا الرِّيحَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنِ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " الصَّغِيرِ، قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهَا اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا يَجِبُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا نَجَاسَةَ فِيهَا،
قَالَ فِي " الْمُبْهِجِ ": لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الدُّبُرِ رَائِحَةً مُنْتِنَةً قَائِمَةً بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا،
فَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ أَيْضًا عَرَضًا، لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ،
وَفِي " النِّهَايَةِ " نَجِسَةٌ فَتُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهَا غَيْرُ نَاقِصَةٍ بِنَفْسِهَا، بَلْ بِمَا يَتْبَعُهَا مِنَ النَّجَاسَةِ،
وَيُعْفَى عَنْ خَلْعِ السَّرَاوِيلِ لِلْمَشَقَّةِ،
وَقِيلَ: لَا اسْتِنْجَاءَ مِنْ نَوْمٍ وَرِيحٍ،
وَإِنَّ أَصْحَابَنَا بِالشَّامِ قَالَتْ: الْفَرْجُ يَرْمَصُ كَمَا تَرْمَصُ الْعَيْنُ، وَأَوْجَبَتْ غَسْلَهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ
ويَجِبُ الاستنجاءُ من كلِّ خارِج إلَّا الرِّيحَ. شملَ كلامُه المُلوِّثَ وغيرَه، والطَّاهِرَ والنَّجِسَ؛
أمَّا النَّجس المُلَوثُ، فلا نِزاعَ في وُجوبِ الاسْتِنْجاءِ منه،
وأمَّا النَّجِس غيرُ المُلَوِّثِ والطَّاهِرُ، فالصَّحيحُ مِن المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وُجوبُ الاستِنْجاءِ منه. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، و «الهِداية»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «التَّلْخِيص»، و «البُلْغَةِ». قال الزَّرْكَشِيُّ، وابنُ عُبَيدان، وغيرُهما: بل هو ظاهِرُ قولِ أكثرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
أصحابِنا. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايتين»، و «الحاويَين»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرهم.
قلتُ: وهو ضعيف. وقيل: لا يجبُ الاسْتِنْجاءُ للخارِجِ الطَّاهرِ. وهو ظاهِرُ «المُحَرَّرِ»، و «المُنَوِّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُنْتَخَبِ»؛ فإنَّهم قالوا: وهو واجِبٌ لكلِّ نَجاسةٍ من السَّبيلِ.
[وكذا قيَّدَه المَجْدُ، في «شَرْحِ الهِدايَة». قَال ابنُ عَبْدوسٍ، في «تَذْكِرَتِه»: ويُجْزِيء أحَدُهما لسَبِيلٍ] نَجُسَ بخارِجِه.
قال في «التَّسْهيلِ»: ومُوجِبُه خارجٌ مِن سَبِيلٍ سوَى طاهرٍ.
وقيل: لا يجبُ للخارِجِ الطَّاهرِ، ولا للنَّجِسِ غيرِ المُلَوِّث. قال المُصَنِّفُ، وتَبِعَه الشَّارِحُ: والقِياسُ لا يجبُ الاسْتِنْجاءُ مِن ناشِفٍ لا يُنَجِّسُ المَحَلَّ،
وكذلك إذا كان الخارِجُ طاهِرًا، كالمَنِيِّ إذا حكَمْنا بطهارتِه؛ لأن الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإِزالةِ النجاسةِ، ولا نجاسةَ هنا.
قال في «الفُروعِ»: وهو أظْهَرُ.
قال في «الرِّعايَة الكُبْرى»: وهو أصَحُّ قِياسًا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ، وكيف يُسْتَنْجَى أو يُسْتَجْمَرُ من طاهرٍ! أم كيفَ يحْصُلُ الإِنْقاءُ بالأحْجارِ في الخارجِ غيرِ المُلَوِّثِ! وهل هذا إلا شَبِيهٌ بالعَبَثِ! وهذا مِن أشْكَلِ ما يكونُ. فعلى المذهبِ يُعايىَ بها. وأطْلقَ الوُجوبَ وعدَمَه «ابن تَميمٍ»، و «الفائِقِ». إلَّا الرِّيحَ. يعْني لا يجبُ الاسْتِنْجاءُ له. وهذا المذهبُ. نصَّ عليه الأصحابُ.
وقيل: يجبُ الاستِنْجاءُ له. قاله في «الفائقِ». وأوْجبَهُ حنابِلَةُ الشَّامِ. ذكَرَه ابْنُ الصَّيرَفيِّ.
قال في «الفُروعِ»: وقيل: الاسْتِنْجاءُ مِن نوْمٍ ورِيحٍ،
وإنَّ أصْحابنَا فَإِنْ تَوَضَّأ قَبْلَهُ فَهَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
بالشَّامِ قالت: الفَرْجُ تَرْمَصُ ، كما ترْمَصُ العَينُ. وأوْجبَتْ غسْلَه. ذكرَه أبو الوَقْتِ الدِّينَوَرِيُّ، ذكرَه عنه ابنُ الصيرفيِّ.
قلتُ: لم نَطَّلِعْ على كلامِ أحَدٍ من الأصحابِ بعَينه ممَّن سكَنَ الشَّامَ وبلادَها قال ذلك.
وقوله في «الفُروع»: وقيل: الاسْتِنْجاء. صَوابُه وقيِّدَ بالاسْتِنْجاءِ.
تنبيه: عدَمُ وُجوبِ الاسْتِنْجاءِ منها لمَنْع الشَّارِع منه. قاله في «الانْتِصارِ».
وقال في «المُبْهجِ»: لأنَّها عَرَضٌ بإجْماعِ الأصولِيين.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
وأمَّا حُكْمُها فالصَّحيحُ أنَّها طاهرةٌ.
وقال في «النِّهايةِ»: هي نَجِسَةٌ فتُنَجِّسُ ماءً يسيرًا.
قال في «الفُروعِ»: والمُرادُ على المذهبِ، أو إن تغَيَّر بَها.
وقال في «الانْتِصارِ»: هي طاهرةٌ لا تَنْقُضُ بنَفسِها، بل بما يَتْبَعُها من النجاسةِ، فتُنَجِّسُ ماءً يسيرًا،
ويُعْفَى عن خَلْعِ السَّراويلِ للمَشَقَّةِ.
قال في «الفُروعِ»: كذا قال.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَين»: وفي المذهبِ وَجْهٌ بعيدٌ لا عملَ عليه بتَنْجيسِها.
قال: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح) .
أما كون الاستنجاء يجب من كل خارج سوى الريح فلقوله تعالى:{والرجز فاهجر}؛ لأنه يعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن.
ولقوله عليه السلام:«إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» رواه أبو داود.
أمر. والأمر للوجوب. وقال: إنها تجزئ. ولفظ الإجزاء ظاهر فيما يجب.
وعلى أي صفة حصل الإنقاء أجزأه.
والسنة أن يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى المكان الذي بدأ منه. ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك. ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسربة» رواه الدارقطني.
وقال: إسناده حسن.
والمسربة: مجرى الغائط. مأخوذ من سرب الماء.
وذهب الشريف أبو جعفر إلى أنه يعم بكل حجر جميع المحل وإلا فيكون توقيعًا لا تكرارًا. واختاره ابن عقيل. وحمل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه يبدأ بالصفحة [ثم يعم، ثم بالصفحة] الأخرى، ثم يعم، ثم بالمسربة، ثم يعم.
وأما كونه لا يجب من الريح فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«من استنجى من الريح فليس منا» رواه الطبراني في معجمه الصغير.
ولأن الغسل إنما وجب لإزالة النجاسة ولا نجاسة من الريح.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.