وَعَنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُعْتَمِلَ يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ
Its commentaries
(وعنه، أنَّ الفَقِيرَ يَحْمِلُ مِن العَقْلِ) أكثرُ أَهْلِ العلمِ على أنَّه لا مَدْخَلَ لأحدٍ مِن هؤلاء في تَحَمُّلِ العَقْلِ. قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَع كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أَهلِ العلمِ، على أنَّ المرأةَ، والصَّبِىَّ الذى [لم يَبْلُغْ]، لا يَعْقِلانِ مع العاقلةِ، وأجْمَعُوا على أنَّ الفَقِيرَ لا يَلْزَمُه شئٌ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وحَكَى بعضُ أصْحابِنا عن مالكٍ وأبى حنيفةَ، أنَّ للفقيرِ مَدْخَلًا في التَّحَمُّلِ. وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وحكاها أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه مِن أهلِ النُّصْرَةِ، فكان مِن العاقلةِ كالغَنِىِّ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ تَحَمُّلَ العَقْلِ مُواساةٌ، فلا تَلْزَمُ الفقيرَ كالزَّكاةِ، ولأنَّها وجَبَتْ على العاقلةِ تَخْفِيفًا على القاتلِ، فلا يجوزُ التَّثقِيلُ بها على مَن لا جِنايةَ منه، وفى إيجابِها على الفقيرِ تَثْقِيلٌ عليه، وتَكْلِيفٌ له ما لا يَقْدِرُ عليه، ولأنَّنا أجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَلَّفُ أحَدٌ مِن العاقلةِ ما يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ به، وتَحْمِيلُ الفَقِيرِ شيئًا منها يَثْقُلُ عليه، ويُجْحِفُ بمالِه، وربَّما كان الواجبُ عليه جَمِيعَ مالِه، أو أكثرَ منه، أو لا يكونُ له شئٌ أصْلًا.
وأمَّا الصَّبِىُّ والمجنونُ والمرأةُ، فلا يَحْمِلُونَ منها؛ لأَنَّ فيها مَعْنَى التَّناصُرِ، وليس هم مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ.
وكذلك المُخالِف في الدِّينِ، ليس هو مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ أيضًا. ٤٣٣٢ - مسألة: (ويَحْمِلُ الغائِبُ كما يَحْمِلُ الحاضِرُ) وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: يخْتَصُّ به الحاضِرُ؛ لأَنَّ التَّحَمُّلِ بالنُّصْرَةِ، وإنَّما هى مِن الحاضِرِينَ، ولأَنَّ في قَسْمِه على الجَميعِ مَشَقَّةً. وعن الشَّافعىِّ كالمَذْهَبَيْن. ولَنا، الخَبَرُ، [وأَنَّهم] اسْتَووا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحَمُّلِ العَقْلِ، كالحاضِرِينَ، ولأنَّه مَعْنًى يتَعَلَّقُ بالتَّعْصِيبِ، فاسْتَوَى فيه الحاضِرُ والغائِبُ، كالمِيراثِ والولَايةِ.
فصل: ويَعْقِلُ المريضُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمانةِ، والشَّيْخُ إذا لم يَبْلُغْ حَدَّ الهَرَمِ؛ لأنَّهما مِن أهلِ النُّصْرَةِ والمُواساةِ. وفى الزَّمِنِ والشَّيْخِ الفانِى وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَعْقِلَانِ؛ لأنَّهما ليسا مِن أَهْلِ النُّصْرَةِ، ولهذا لا يجبُ عليهما الجِهادُ، ولا يُقْتَلانِ إذا كانا مِن أَهْلِ الحَرْبِ.
وكذلك يُخَرَّجُ في الأعْمَى، لأنَّه مِثْلُهما في هذا المَعْنَى. والثانى، يَعْقِلُونَ؛ لأنَّهم مِن أهلِ المُواساةِ، ولهذا تجبُ عليهم الزَّكاةُ. وهذا مُنْتَقِضٌ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ. ومذهبُ الشافعىِّ [في هذا] كمَذْهَبِنَا. ٤٣٣٣ - مسألة: (وخَطأُ الإمام والحاكِمِ في أحْكامِه في بَيْتِ المَالِ. وعنه، على عاقِلَتِه) لأَنَّ خَطَأَه يَكثُرُ في أحْكامِه، فإيجابُ ما يجبُ به على عاقِلَتِه يُجْحِفُ بهم. وبه قال الأوزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، لأَنَّ الإِمامَ والحاكم نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى في أحْكامِه وأفْعالِه، فكان أَرْشُ جِنايَتِه في مال اللَّهِ سبحانَه.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايتَيْن. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يجبُ على عاقِلَتِه؛ لما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ، كان يُدْخَل عليها، فقالت: يا وَيْلَها، مالها ولعمرَ. فأسْقَطَتْ ولدًا، فصاح الصَّبِىُّ صَيْحَتَيْن ثم مات، فاسْتَشارَ عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أصْحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأشارَ بعضُهم أن ليس عليك شئٌ، إنَّما أنت والٍ ومُؤَدِّبٌ. فقال علىٌّ: إن كانوا قالوا برأْيِهم، فقد أخْطَأَ رأْيُهم،
وإن كانوا في هَواكَ، فلم يَنْصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عليك؛ لأنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه. فقال عمرُ: أقْسَمْتُ عليك أن لا تَبْرَحَ حتى تَقْسِمَها على قَوْمِكَ .
٤٣٣٤ -
(وَعَنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُعْتَمِلَ) أَيِ: الْمُحْتَرِفَ (يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ فَكَانَ مِنَ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ وَالشَّيْخَ يَحْمِلَانِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ،
وَفِي: هَرِمٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى وَجْهَانِ،
فَلَوْ عُرِفَ نَسَبُ قَاتِلٍ مِنْ قَتِيلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ بُطُونِهَا لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ (وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُمُ اسْتَوَوْا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ، فَاسْتَوَوْا فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَالْحَاضِرِينَ.
[الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ خَطَؤُهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ] (وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ فَيُجْحِفُ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ، فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ، وَكَخَطَأِ وَكِيلٍ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ عَزْلُ نَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ
وخَطَأُ الإمام والحاكِم فى أَحْكامِه فى بَيْتِ المال. وهو المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ، كخَطَأ الوَكيلِ.
وعنه، على عاقِلَتِهما. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ». المُرادُ، فيما تحْمِلُه العاقِلَةُ. نقَلَه فى «الفُروِع» عن صاحبِ «الرَّوضَةِ»، كخَطَئِهما فى غيرِ الحُكْمِ. وأطْلَقَهما فى «المُذْهَبِ». فعلى المذهبِ، لإِمام عَزلُ نفْسِه. ذكره القاضى وغيرُه.
فائدة: وكذا الحُكْمُ إن زادَ سَوْطًا، كخَطَأ فى حَدٍّ أو تَعْزيرٍ، أو جَهِلَا حمْلًا، أو بانَ من حَكَما بشَهادَتِه غيرَ أهل. [ويأتِى الخطَأُ فى الحدِّ فى كتابِ الحُدودِ]. وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قال: (وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال. وعنه: على عاقلته) .
أما كون الخطأ المذكور في بيت المال على المذهب؛ فلأن الخطأ ممن ذكر يكُن في أحكامه واجتهاده. فإيجاب العقل على عاقلته تجحف بهم.
ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله. فكان أرش جنايته في مال الله.
وأما كونه على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه بعثَ إلى امرأة ذُكرت بسوءٍ. فأجهضتْ جنينَها. فقال عمر لعلي رضي الله عنهما: عزمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك».
ولأنه جان. فكان خطؤه على عاقلته؛ كغيره.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.