Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 6739المقنعHanbalivol. 8, p. 134vol. 8, p. 134

وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (وإن نَذَر صيامًا، فعَجَز عنه لكِبَر، أو مَرَض لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أطْعَم عنه لكلِّ يَوْم مِسْكِينًا. ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شَيْءَ عليه) مَن نَذَر طاعَةً لا يُطيقُها، أو كان قادِرًا عليها فعَجَزَ عنها، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين؛ لِما روَى عُقْبةُ بنُ عامِر، قال: نَذَرَتْ أخْتي أن تَمْشِيَ إلى بيتِ اللهِ حافِيَةً، فأمَرَتْنِي أن أسْتَفْتِيِ لها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَفْتَيتُه، فقال:«لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفقٌ عليه . ولأبي داودَ : «وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا».

وللتِّرْمِذِيِّ : «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّام». وعن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين». قال:«وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين». رَواه أبو داودَ ،

37,426

وقال: وَقَفَه مَن رَواه عنِ ابنِ عباس.

37,427

وقال ابنُ عباس: مَن نَذَرَ نَذْرًا لا يُطِيقُه فكَفَّارَتُه كَفَّارَةُ يَمِين،

37,428

ومن نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُه، فَلْيَفِ بما نَذَر .

37,429

فإذا كَفَّرَ، وكان المَنْذُورُ غيرَ الصيامِ، لم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ.

37,430

وإن كان صِيامًا. فعن أحمدَ رِوايَتان؛ إحداهما، يَلْزَمُه لكلِّ يوم إطْعامُ مِسْكِين. قال القاضي: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجابِه عَينًا ،

37,431

فإذا عَجَز عنه، لَزِمَه أن يُطْعِمَ عن كلِّ يوم مِسْكينًا، كصومِ رمضانَ، ولأنَّ المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِي يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلام الله تعالى،

37,432

ولو عَجَز عن الصومِ المَشْرُوعِ، أطْعَمَ عن كلِّ يومٍ مِسْكينًا، كذلك إذا عَجَز عن الصومِ المَنْذُورِ. والثَّانِيَةُ، لا يَلْزَمُه شيء آخَرُ مِن إطْعام ولا غيرِه؛ لقَوْلِه:«مَنْ نَذَرَ نَذرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِين». وهذا يَقْتَضي أن تكونَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ جميعَ كفَّارَتِه، ولأنَّه نَذْرٌ عَجَز عن الوَفاءِ به، فكان الواجبُ فيه كَفّارَةَ يَمِين، كسائرِ النَّذْرٍ، ولأنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ اليَمِينِ، إلَّا مع إمْكانِ الوَفاءِ به إذا كان قُرْبَة،

37,433

ولا يَصِحُّ قياسُه على صومِ رمضانَ؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ رمضانَ يُطْعَمُ عنه عندَ العَجز بالموتِ، فكذلك في الحياةِ، [وهذا بخِلافِه].

37,434

والثَّاني، أنَّ قياسَ المَنْذُورِ على المَنْذُورِ أوْلَى مِن قياسِه على المَفْرُوضِ بأصلِ الشَّرْعِ؛ لأنَّ هذا قد وَجَبَت فيه كفَّارَة، فأجْزَأت عنه،

37,435

بخلافِ المشْروعِ. [وقولُهم: إنَّ المُطْلَقَ مِن كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ. قُلْنا: وليس هذا بمُطْلَقٍ، وإنَّما هو مَنْذُور مُعَيَّن. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَلْزَمَه كفَّارَة في العَجْزِ عنه، كما لو عَجَز عن الواجِبِ بأصْلِ الشرْعِ].

فصل: وإن عَجَز [عن الصومِ] لعارِض يُرْجَى زَوالُه، مِن مَرَض، أو نحوه، انْتَظَر زَواله، ولا تَلْزَمُه كَفَّارَة ولا غيرُها؛ لأنَّه لم يَفُتِ الوقْتُ، فيُشْبِهُ المرِيضَ في شهرِ رمضانَ،

37,436

فإنِ اسْتَمَرَّ عَجْزُه إلى أن صارَ غيرَ مَرْجُوِّ الزَّوالِ، صارَ إلى الكَفَّارَة والفِدْيَةِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخلافِ فيه.

37,437

فإن كان العَجْزُ المَرْجُوُّ الزَّوال عن صوم مُعَيَّن فاتَ وَقْتُه، انْتَظَر الإمْكانَ ليَقْضِيَه. وهل تَلْزَمُه لفَواتِ الوقتِ كَفَّارَةٌ؟ علي رِوايَتَين، ذَكَرَهما أبو الخَطَّاب؛ إحداهما، تَجِبُ الكفَّارَةُ؛ لأنَّه أخَلَّ بما نَذَرَه على وَجْهِه، فلَزِمَتْه الكَفَّارَةُ، كما لو نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فعَجَز، ولأنَّ النَّذْرَ كاليَمِينِ،

37,438

ولو حَلَف ليَصُومَنَّ هذا الشهرَ [فأفْطَرَه لعُذْرٍ]، لَزِمَتْه الكفَّارَةُ، كذا ههُنا. والثَّانيةُ، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّه أتَى بصِيام أجْزَأ عن نَذْرِه مِن غيرِ تَفْرِيطِه، فلم تَلْزَمْه كَفَّارَةٌ، كما لو صامَ ما عَيَّنَه.

فصل: فإن نَذَر غيرَ الصيامِ، فعَجَز عنه، كالصَّلاةِ ونحوها، فليس عليهْ إلَّا الكفَّارَةُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَجْعَلْ لذلك بَدَلًا يُصارُ إليه، فوَجَبَت الكَفَّارَةُ؛ لمُخالفَتِه نَذْرَه فقط.

37,439

وإن عَجَز عنه لعارِض، فحُكْمُه حكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناهُ.

37,440

فصل: وإن نَذَر صِيامًا، ولم يُسَمِّ عَدَدًا، ولم يَنْوه، أجْزَأه صومُ يوم، لا خِلافَ فيه؛ لأنَّه ليس في الشَّرْعِ صومٌ مُفْرَدٌ أقلّ مِن يوم، فلَزِمَه؛ لأنَّه اليَقِينُ.

37,441

فإن نَذَر صلاةً مُطْلَقَةً، ففيها رِوايَتان؛ إحداهما، تُجْزِئُه ركعةٌ. نَقَلَها إسماعيلُ بنُ سعيدٍ، لأنَّ أقَلَّ الصلاةِ ركعةٌ،

37,442

فإن الوترَ صلاة مَشْرُوعَةٌ، وهي ركعةٌ واحدة. ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه تَطَوَّعَ بركعةٍ واحدةٍ . والثَّانيةُ، لا يجزِئُه إلَّا ركعتان. ذَكَرَها الْخِرَقِيُّ. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنَّ أقَلَّ صلاةٍ وَجَبَتْ بالشَّرْعِ رَكعتان، فوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عليه،

37,443

وأمَّا الوتْرُ، فهو نَفْلٌ، والنَّذْرُ فَرْضٌ، فحَمْلُه على المَفْرُوضِ أوْلَى، ولأنَّ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِئ في الفَرْضِ، فلا تجْزِئُ في النَّفْلِ، كالسَّجْدَةِ. وللشَّافعيِّ قَوْلان كالرِّوايَتَين.

37,444

فأمَّا إن عَيَّنَ بنَذْرِه عَدَدًا، لَزِمَه، قَلَّ أو كَثُرَ؛ لأنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بقَوْلِه، فكذلك عَدَدُه،

37,445

فإن نَوَى عَدَدًا، فهو كما لو سَمَّاه؛ لأنَّه نَوَى بلَفْظِه ما يَحْتَمِلُه، فلَزِمَه حُكْمُه، كاليَمِينِ.

فصل: وإن نَذَر صومَ الدَّهْرِ، لَزِمَه، ولم يَدْخُلْ في نَذْرِه رمضانُ، ولا أيَّامُ العيدِ والتَّشْريقِ.

37,446

فإن أفْطَرَ لعُذْرٍ أو غيرِه، لم يَقْضِه؛ لأنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرقٌ بالصَّومِ المَنْذُورِ، لكنْ تَلْزَمُه كفَّارَةٌ لتَرْكِه.

37,447

وإن لَزِمَه قَضاء [من رمضانَ]، أو كَفَّارَة، قَدَّمَه على النَّذْرِ؛ لأنَّه واجِبٌ بأصْلِ الشَّرْعِ، فيُقَدَّمُ على ما أوْجَبَه على نَفْسِه، كتَقْدِيمِ حَجَّةِ الإِسْلامِ على المَنْذُورَةِ.

37,448

وإذا لَزِمَتْه كَفَّارَة لتَرْكِه صومَ يوم أو أكثرَ، وكانت كَفَّارَتُه الصِّيامَ، احْتَمَلَ أن لا يَجِبَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بتَرْكِ الصومِ المَنْذُورِ، وتَرْكُه يُوجِبُ كفَّارَةً، فيُفْضِي ذلك إلى التَّسَلْسُلِ، وتَرْكِ المَنْذُورِ بالكُلِّيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ الكَفَّارَةُ،

37,449

ولا يَجِبُ بفِعْلِها كفَّارَةٌ؛ لأنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لعُذْرٍ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، فلا يُفْضِي إلى التَّسَلْسُلِ. واللهُ أعلمُ.

٤٨١٥ - مسألة: (وإن نَذَر المَشْيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، أو مَوْضِع مِن الحَرَمِ، لم يُجْزِئْه إلَّا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فَإن تَرَك المَشْيَ لعَجْزٍ أو غيرِه، فعليه كَفَّارَةُ يَمِين. وعنه، عليه دَمٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن نَذَر المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لَزِمَه الوَفاءُ بنَذْرِه. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِيّ، والشَّافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ».

وقال:«لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَسْجِدِي هذَا، والمَسْجِدِ الأقْصَى». ولا يُجْزِئُه المَشْيُ إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ. وبه يقولُ الشافِعِيُّ. ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّ المشيَ إليه في الشَّرْعِ هو المشيُ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ،

37,450

فإذا أطْلَقَ النَّاذِرُ، حُمِلَ على المَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، ويَلْزَمُه المشيُ لنَذْرِه إيَّاه،

37,451

فإن عَجَز عن المشي، رَكِب، وعليه كَفَّارَةُ يَمِين. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يَلْزَمُه دَم. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ. [وأفْتَى به] عَطاءٌ؛ لِما روَى ابنُ عباس، أنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بنِ عامِر نَذَرَتِ المَشْيَ إلى بيتِ اللهِ الحَرامِ، فأمَرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَرْكَبَ، وتُهْدِيَ هَدْيًا. رَواه أبو داودَ ، وفيه ضعفٌ. [ولأنَّه] أخَلَّ بواجبٍ في الإِحْرام، فلَزِمَه هَدْيٌ، كتاركِ الإِحْرام مِن المِيقاتِ. وعن ابنِ عمرَ، وابن الزُّبَيرِ، قالا: يَحُجُّ مِن قابل، ويَرْكَبُ ما مَشَى ويَمْشِي ما رَكِب .

ونحوَه قال ابنُ عباسٍ ، وزادَ: ويُهْدِي. وعن الحسنِ مثلُ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ. وعن النَّخَعِيِّ رِوايتان؛ إحداهما، كقولِ ابنِ عمرَ. والثَّانيةُ، كقولِ ابنِ عباس. وهذا قولُ مالكٍ.

37,452

وقال أبو حنيفةَ: عليه هَدْيٌ، سَواءٌ عَجَز عن المشْي أو قَدَر عليه، وأقل الهَدْي شاةٌ.

37,453

وقال الشَّافعيُّ: لا تَلْزَمُه مع العَجْزِ كفَّارَة بحالٍ، إلَّا أن يكونَ النَّذْرُ إلى بيتِ اللهِ، فهل يَلْزَمُه هَدْيٌ؟ فيه قَوْلانِ،

37,454

وأمَّا غيرُه، فلا يَلْزَمُ مع العَجْزِ شيءٌ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأخْتِ عُقْبةَ بنِ عامِر، لَمَّا نذَرَتِ المشْيَ إلى بيتِ اللهِ:«لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا». وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ». ولأنَّ المَشْيَ ممَّا لا يُوجِبُه الإِحْرامُ، فلم يَجِبِ الدَّمُ ببرْكِه، كما لو نَذَرَت صلاةَ رَكعتين، فتَرَكَتْهما، وحدِيثُ الهَدْي ضَعِيف، وهذا حُجَّة على الشَّافعيِّ، حيثُ أوْجَب الكفَّارَةَ عليها [مِن غيرِ ذكرِ] العَجْزِ.

37,455

فإن قيلَ: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أوْجَبَ عليها الكفَّارَةَ مِن غيرِ ذِكْرِ العَجْزِ. قُلْنا: يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على حالةِ العَجْزِ؛ لأنَّ المشيَ قُرْبَة، لكَوْنِه مَشْيًا إلى عِبادَةٍ، والمشْيُ إلى العِبادَةِ أفضلُ، ولهذا رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَرْكَبْ في عِيدٍ ولا جِنازَةٍ .

37,456

فلو كانت قادِرَةً على المشي، لأمَرَها به، ولم يَأمُرْها [بالرُّكوبِ والتَّكْفيرِ]، ولأنَّ المشيَ المَقْدُورَ عليه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ واجِبًا أو مُباحًا؛

37,457

فإن كان واجِبًا، لَزِم الوَفاءُ به،

37,458

وإن كان مُباحًا، لم تَجِبِ الكَفَّارَةُ بتَرْكِه عندَ الشَّافعيِّ، وقد أوجَب الكفَّارَةَ ههُنا، وتَرْكُ ذِكْرِه في الحديثِ؛

37,459

إمَّا لِعلمِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بحالِها وعَجْزِها،

37,460

وإمَّا لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِ المرأةِ العَجْزُ عن المَشْي إلى مَكَّةَ. أو يكونُ قد ذُكِر في الخَبَرِ، فتَرَك الرَّاوى ذِكْرَه. وقولُ أصحابِ أبي حنيفةَ: إنَّه أخَلَّ بواجِبٍ في الحَجِّ. قُلْنا المشيُ لم يُوجِبْه الإِحْرامُ، ولا هو مِن مَناسِكِه، فلم يَجِبْ بتَرْكِه هَدْيٌ، كما لو نَذَر صلاةَ ركعتين في الحَجِّ، فلم يُصَلِّهِما.

37,461

فأمَّا إن تَرَك المَشْيَ مع إمْكانِه، فقد أساءَ، وعليه كَفَّارَة لتَرْكِه صِفَةَ النَّذْرِ. وقياسُ المذهبِ أن يَفزَمَه اسْتِئْناف الحَجِّ ماشِيًا؛ لتَرْكِه صِفَةَ المَنْذُورِ، كما لو نَذَر صَوْمًا مُتَتابِعًا فأتى به مُتَفَرِّقًا.

37,462

فإن عَجَز عن المشي بعدَ الحَجِّ، كَفَّر، وأجْزَأه.

37,463

وإن مَشَى بعضَ. الطريقِ ورَكِب بعضًا، فعلى هذا القياسِ، يَحْتَمِلُ أن يكون كقولِ ابنِ عمرَ، وهو أن يَحُجَّ فيَمْشِيَ ما رَكِب، ويَرْكبَ ما مَشَى. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا حَجٌّ يَمْشِي في جميعِه؛ لأنَّ ظاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضي هذا. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، وهو أن لا يَلْزَمَه بتَرْكِ المشي المَقْدُورِ عليه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، أنَّ المشْيَ ليس بمَقْصودٍ في الحجِّ، ولا وَرَد الشَّرْعُ باعْتِبارِه في مَوْضِع، فلم يَلْزَمْه بتَرْكِه أكثرُ مِن كفَّارَةٍ، كما لو نَذَر التَّحَفِّيَ وشِبْهَه، وفارَقَ التَّتابُعَ في الصيامِ؛

فإنَّه صِفَةٌ مَقْصُودَة فيه، اعْتَبرَها الشَّرْعُ في صيامِ كفَّارَتَيِ الظِّهارِ والقَتْلِ.

٤٨١٦ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا، فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ،

23,872

وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا الْإِطْعَامُ فَقَطْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) هَذَا رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ أَنَّها أَقْيَسُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَسَائِرِ النُّذُورِ، وَقِيَاسُ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى، لِأَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ،

23,873

وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ، وَسَبَقَ فِعْلُ الْوَلِيِّ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي،

23,874

وَكَذَا إِنْ نَذَرَهُ عَاجِزًا عَنْهُ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ، وَإِلَّا

23,875

فَلَوْ نَذَرَ مَعْضُوبٌ أَوْ صَحِيحٌ أَلْفَ حَجَّةٍ لَزِمَهُ، وَيُحَجُّ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ لَا يُطِيقُهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ، وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي،

23,876

وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ،

23,877

فَإِنْ كَانَ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَفَاتَ وَقْتُهُ قَضَاهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ [نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ]

الإنصافal-Mardawi

وإنْ نَذَرَ صِيامًا، فعَجَزَ عنه لكِبَر أو مَرَض لا يُرْجَى بُرْؤه، أطْعَمَ عنه عَنْهُ لكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا. وَيَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولَا شَيْءَ عَلَيهِ. لكل يَوْم مِسْكِينًا. يعْنِي، يُطْعِمُ ولا يُكَفِّرُ. وهذا إحْدَى الرِّواياتِ. ويَحْتَمِلُ أن يُكَفِّرَ ولا شيءَ عليه. وذكَرَه ابنُ عَقِيل رِوايةً كغيرِ الصَّوْمِ.

39,614

قال في «الحاوي»: وهو أصحُّ عندِي. ومال إليه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وجزَم به في «الوَجيزِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ». وعنه، أنَّه يُطْعِمُ لكُل يَوْم مسْكِينًا ويُكَفرُ كفَّارَةَ يمين. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. قال القاضي: وهو أصحُّ.

39,615

قال في «المُحَرَّرِ»: والمَنْصوصُ عنه وُجوبُه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ».

39,616

وقيل: يُجْزِئُ عن كلِّه فقير واحدٌ. ويتَخَرَّجُ أن لا يلْزَمَه كفَّارَة.

39,617

وفي «النَّوادِرِ» احْتِمال، يُصامُ عنه. وسَبَقَ في فِعْلِ الوَلِيِّ عنه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أنَّه ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ».

فائدتان: إحْداهما، مِثْلُ ذلك في الحُكْمِ، لو نذَرَه في حالِ عَجْزِه عنه. قاله الأصحابُ.

39,618

وقيل: لا يصِحُّ نذْرُه. نقَل أبو طالِبٍ، ما كانَ نذْرَ معْصِيَةٍ أو لا يقْدِرُ عليه، ففيه كفَّارَةُ يمين. وتقدَّمَتْ رِوايةُ الشَّالنْجِيِّ.

39,619

قال في «الفُروع»: ومُرادُهم غيرُ الحَجِّ عنه. قال: والمُرادُ، ولا يُطِيقُه ولا شيئًا منه، وإلَّا أتى بما يُطِيقُه منه وكفَّر للباقِي.

39,620

قال: وكذا أطْلَقَ شَيخُنا. يعْنِي به الشَّيخَ تقِيَّ الدِّينِ، رَحِمَه الله، فقال: القادِرُ على فِعْلِ المَنْذُورِ يَلْزَمُه، وإلَّا فله أن يُكَفِّرَ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

39,621

فأمَّا إنْ نذَرَ مَن لا يجِدُ زادًا وراحِلَةً الحَجَّ؛

39,622

فإن وجدَهما بعدَ ذلك، لَزِمَه بالنَّذْرِ السَّابقِ، وإلَّا لم يَلْزَمْه، كالحَجِّ الواجِبِ بأصْلِ الشَّرْعِ. ذكَرَه القاضي في «الخِلافِ» في فِعْلِ الوَلِي عنه.

39,623

وقال في «عُيونِ المَسائلِ» في ضَمانِ المَجْهولِ: أكثرُ ما فيه أن يظْهَرَ مِن الدَّينِ ما يَعْجزُ عن أدائِه، وذلك لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمانِ، كما لو نذَرَ ألفَ حَجَّةٍ والصَّدَقةَ بمِائَةِ أَلْفِ دِينارٍ ولا يَمْلِكُ قِيراطًا، فإنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يصِحُّ؛ لأنَّه وَرطَ نفْسَه في ذلك برِضاه. انتهى.

39,624

وقيل: لا ينْعَقِدُ نَذْرُ العاجِزِ.

الثَّانيةُ، لو نذَرَ غيرَ الصِّيامِ؛ كالصّلاةِ ونحوها، وعَجَزَ عنه، فليسَ عليه إلَّا الكفَّارَةُ.

39,625

وَإنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ، أو مَوْضِع مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلا أن يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ،

39,626

فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أو غَيرِهِ، فَعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِين. وَعَنْهُ، عَلَيهِ دَمٌ.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

قال: (وإن نذر صياماً فعجز عنه لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم عنه لكل يومٍ مسكين. ويحتمل أن يكفّر ولا شيء عليه) .

15,918

أما كون من ذكر يُطعم عنه لكل يوم مسكين على المذهب؛ فلأنه لو عجز عن صوم رمضان كما ذكر لوجب عليه أن يُطعم لكل يوم مسكيناً. فكذلك الصوم المنذور.

15,919

وأما كونه يحتمل أن يكفر ولا شيء عليه؛ فلأن موجب النذر عند الإمام أحمد موجب اليمين إلا مع القدرة على الوفاء بنذر الطاعة.

15,920

ولو حلف ليصومنّ يوماً بعينه فعجز عنه لم يلزمه غير الكفارة فكذلك هاهنا.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.