وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ
Its commentaries
مسألة: (ولا يَقْضِي وهو غَضبانُ، ولا حاقِنٌ، ولا في شِدَّةِ الجُوعِ، والعَطَش، والهَمِّ، والوَجَعِ، والنُّعَاسِ، والبَرْدِ المُؤْلِمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ.
فإن خالفَ، وحَكَم فوافَقَ الحَقَّ، نَفَذ حُكْمُه.
وقال القاضي: لا يَنْفُذُ. وقِيلَ: إن عَرَض ذلك بعدَ فَهْم الحُكْمِ، جاز، وإلَّا فلا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا، في أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أن يَقْضِيَ وهو غَضْبانُ. كَرِه ذلك شُرَيحٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرَةَ كتبَ إلى ابنِه عبدِ اللهِ وهو قاض بسِجسْتَانَ، لا تَحْكُمْ بينَ اثْنَين وأنت غَضْبان، فإنِّي سَمِعْتُ رِسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:«لَا يَحْكُمْ أحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
مُتَّفق عليه . ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى: إيَّاك والغَضَبَ، والقَلَقَ، والضَّجَرَ، والتَّأذيَ بالناسِ عندَ الخُصُومةِ،
فإذا رَأْيتَ الخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ ، فأوْجِعْ رَأسَه . ولأنَّه إذا غَضِب تَغَيَّرَ عَقْلُه، ولم يَسْتَوْفِ رَأيَه ولا فِكْرَه.
وفي معنى الغضبِ كل ما يَشْغَلُ فِكْرَه؛ مِن الجُوعِ المُفْرِطِ والعَطَشِ الشَّدِيدِ، والوَجَعِ المُزْعِجِ، ومُدافَعةِ أحدِ الأخْبَثَين، وشِدَّةِ النُّعاسِ، والهمِّ، والغمِّ، والحُزْنِ، والفَرَحِ، فهذه كلها تَمْنَعُ الحُكْمَ؛ لأنَّها تَمنَعُ حُضُورَ القلبِ، واسْتِيفاءَ الفِكْرِ، الذي يُتَوَصَّلُ به إلى إصابَةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في مَعْنَى الغَضَبِ المَنْصُوصِ عليه، فتَجْرِي مَجْراه.
فإن خالفَ وحَكَمَ في الغَضَبِ أو ما شاكلَه، فوافَقَ الحقَّ، نَفَذَ قَضاؤه. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ عن القاضي أنَّه لا يَنْفُذُ؛ لأنَّه مَنْهِي عنه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَصَمَ إليه الزُّبَيرُ ورجل مِن الأنْصارِ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للزُّبَيرِ : «اسْقِ [يَا زُبَيرُ]، ثُمَّ أرْسِلْ إلَى جَارِكَ». فقال الأنْصارِي: أن كان ابنَ عَمَّتِك.
فغضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
وقال للزُّبَيرِ:«اسْقِ، ثُم احْبِس الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُع الجَدْرَ». مُتَّفَق عليه . فحَكَمَ في حالِ غضبِه.
وقال بعضُ أهل العلمِ: إنَّما يَمْنَعُ الغَضَبُ الحُكْمَ إذا كان قبلَ أن يَتَّضِحَ حُكْمُ المسألةِ للحاكمِ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن استِيفاءِ النَّظَرِ فيها،
فأمَّا ما حَدَث بعدَ اتِّضاحِ الحُكْمِ، فلا يَمْنَعُه؛ لأنَّ الحق قد اسْتَبانَ قبلَه، كغَضَبِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قِصَّةِ الزُّبَيرِ.
٤٨٥٢ -
(وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ) غَضَبًا كَثِيرًا، لِخَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَقْضِيَنَّ حَاكِمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْجَوْرِ فِي الْحُكْمِ، وَفِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا:«إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
Adds nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
قال: (ولا يقضي وهو غضبان، ولا حاقن، ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج. فإن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه، وقال القاضي: لا ينفذ. وقيل: إن عرض ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا) .
أما كون القاضي لا يقضي وهو غضبان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يحكمُ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان» متفق عليه. ولأن القاضي إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه.
وأما كونه لا يقضي وهو حاقن أو في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المُزعج؛ فلأن الغضب إنما مُنع من القضاء معه؛ لأن ذلك مُذهبٌ للفكر وحسن الرأي، وذلك موجود في الصور المذكورة. فوجب أن يترتب عليها ما ترتب على الغضب؛ لأن الاستواء في العلة يدل على التساوي في المعلول.
وأما كونه إذا حكم مع شيء مما ذكر ينفذ حكمه؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شَراج الحرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال للزبير: اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر».
وأما كونه لا ينفذُ على قول القاضي؛ فلأنه ارتكب النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه إذا عرض الغضبُ أو ما في معناه بعد فهم الحكم معه من اشتغال الفكرة المؤدية إلى عدم الإصابة، وذلك مفقود يمتنع من الحكم فيما إذا عرض بعد فهم الحكم موجود فيما إذا عرض قبله.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.