وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ، جَازَ فَفِي اللَّفْظِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ
Its commentaries
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (واليَمِينُ المَشْرُوعَةُ هى اليَمِينُ باللَّهِ، تَعالى اسْمُه) [وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ اليمينَ المشروعةَ هى اليمينُ باللَّهِ، تعالى اسمُه]، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا أحَبَّ [أَنْ يَحْلِفَ] باللَّهِ الذى لَا إلهَ إلَّا هو،
وإنِ اسْتَحْلفَ [حاكم باللَّهِ، أجْزَأَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهذا أحَبُّ إلىَّ؛ لأَنَّ ابنَ عبَاسٍ رَوَى، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَحْلفَ] رجلًا، فقال:«قُلْ: وَاللَّهِ الَّذى لا إلهَ إلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَىْءٌ». رواه أبو داودَ . وفى حديثِ عمرَ حينَ حَلَف لأُبَىٍّ، قال : واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنَّ النَّخْلَ لنَخْلى وما لأُبىِّ فيها شَىْءٌ .
وقال الشافعىُّ: إن كان المُدَّعَى قِصاصًا، أو عَتاقًا، أو حَدًّا، أو مالًا يَبْلُغُ نِصابًا، غُلِّظَتِ اليَمِينُ، فَيَحْلِفُ باللَّه اِلذى لا إلهَ إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، الرَّحْمنِ الرَّحيمِ، الذى يَعْلمُ مِن السِّرِّ ما يَعْلَمُ مِن العَلَانِيَةِ،
وقال في القَسامَةِ: عالمِ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ. وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ. وذكرَ القاضى أنَّ هذا في أيْمانِ القَسامةِ خاصَّةً، وليس بشَرْطٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}.
وقال تعالى في اللِّعانِ:{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ}.
وقال سبحانه:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}. قال بعضُ المفَسِّرين: مَن أقْسَمَ باللَّهِ فقد أَقْسَمَ باللَّهِ جَهْدَ اليَمِينِ. واسْتَحْلفَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُكانَةَ بنَ عبدِ يَزِيدَ في الطَّلاقِ، فقال:«آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟».
وقال عثمانُ لابنِ عُمَرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه وما به داءٌ تَعْلَمُه . ولأَنَّ [في اللَّهِ] كِفَايَةً، فوجبَ أَنْ يُكْتَفَى باسْمِه في اليَمِينِ، كالمواضِعِ التى سَلَّمُوها.
فأمّا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ [وعُمَرَ]، فإنَّه يدُلُّ على جَوازِ الاسْتِحْلافِ كذلك ، وما ذكَرْناه يدُلُّ على الاكْتِفاءِ باسْمِ اللَّهِ تعالَى وحدَه، وما ذكَرَه الباقونَ تحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا قِياسَ يَقْتَضِيه. إذا ثَبَتَ هذا،
فإنَّ اليَمِينَ في حقِّ المسلمِ والكافرِ جميعًا باللَّهِ تعالى، لا يَحْلِفُ أحدٌ بغيرِه؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}. ولِقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ باللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» .
٥٠٩٥ - مسألة: (وإن رَأَى الحاكِمُ تَغْلِيظَها بلَفْظٍ، أو زَمَنٍ، أو مَكَانٍ، جازَ، ففى اللَّفْظِ يقولُ: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، عالمِ الغَيْبِ والشَّهادةِ، الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الطّالبِ الغالِبِ، الضَّارِّ النافعِ، الذى يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدورُ. واليَهُودِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى أنْزَلَ التَّوْراةَ على مُوسى، وفلَقَ له البَحْرَ، وأنجاهُ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِه. والنَّصْرانِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى أنْزَلَ الإِنْجيلَ على عِيسى، وجعَلَه يُحْيِى المَوْتَى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبرَصَ. والمَجُوسِىُّ يقولُ: واللَّهِ الذى خَلَقَنِى وصَوَّرَنِى ورَزَقَنِى.
والزَّمانِ، يُحلِّفُه بعدَ العَصْرِ، وبينَ الأذانَيْن. والمكانِ، يُحلِّفُه بمكَّةَ بينَ الرُّكْنِ والمقَامِ، وفى الصَّخْرَةِ ببَيْتِ المقْدِسِ، وفى سائرِ البُلْدانِ عندَ المِنْبَرِ. ويُحَلِّفُ أَهْلَ الذِّمَّةِ في الْمَوَاضِعِ الَّتِى يُعَظِّمُونَهَا) هذا الذى ذكَره شَيْخُنا اخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، قال: وقد أوْمأَ إليه أحمدُ في رِوايةِ المَيْمُونِىِّ، وذكَرَ التَّغْلِيظَ في حَقِّ المَجُوسِىِّ، قال: قُلْ: واللَّهِ اِلذى خلَقَنى ورزَقَنِى.
وإن كان وثَنِيًّا حَلَّفه باللَّهِ وِحدَه،
وكذلك إن كان لا يَعْبُدُ اللَّهَ؛ لأنَّه لا يجوزُ الحَلِفُ بغيرِ اللَّهِ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». ولأَنَّ هذا إن لم يكُنْ يَعُدُّ هذه يَمِينًا، فإنَّه يَزْدادُ بها إثْمًا وعُقوبةً، ورُبَّما عُجِّلَتْ عُقوبَتُه، فيَتَّعِظُ بذلك، ويَعْتَبِرُ به غيرُه. وهذا كلُّه ليس بشَرْطٍ في اليَمِينِ، وإنَّما للحاكمِ فِعْلُه إذا رأَى. وظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّ اليَمِينَ لا تُغَلَّظُ إلَّا في حَقِّ أهلِ الذِّمَّةِ، ولا تُغلَّظُ في حقِّ المسلمِ.
وبه قال أبو بكرٍ، وذلك لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، رضى اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَعنى لليهودِ-: «نَشَدْتُكْم بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟». روَاه أبو داودَ .
وكذلك قال الخِرَقِىُّ: تُغلَّظُ في المكانِ، فيُحَلَّفُ في المواضعِ التى يُعَظِّمُونَها، ويُتَوَقَّى الكَذِبُ فيها. ولم يَذْكُرِ التَّغْلِيظَ بالزَّمانِ. وممَّن قال: يُسْتَحْلَفُ أهلُ الكتابِ باللَّهِ وحدَه. مَسْرُوقٌ، وأبو عُبَيْدَةَ بنُ عبدِ اللَّهِ ، وعَطاءٌ، وشُرَيْحٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، وكَعْبُ بنُ سُورٍ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وممَّن قال: لا يُشرَعُ التَّغْليظُ بالزَّمانِ والمكانِ في حقِّ مُسْلِمٍ. أبو حنيفةَ وصاحِبَاه.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: تُغلَّظُ. ثم اخْتلَفا؛ فقال مالكٌ: يُحَلَّفُ في المدينةِ على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُحَلَّفُ قائمًا، ولا يُحَلَّفُ قائمًا إلَّا على مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويُسْتَحْلَفون في غيرِ المدينةِ في مساجدِ الجماعاتِ، ولا يُحَلَّفُ عندَ المِنْبَرِ إلَّا على ما يُقْطَعُ فيه الِسَّارِقُ فصاعدًا، وهو ثلاثةُ دراهمَ.
وقال الشافعىُّ: يُسْتَحْلَفُ المسلمُ بينَ الرُّكْنِ والمَقامِ بمكَّةَ، وفى المدينةِ عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفى سائرِ البُلْدانِ في الجوامعِ عندَ المِنْبَرِ، وعندَ الصَّخْرَةِ ببيتِ المَقْدِسِ، وتُغَلَّظُ في الزَّمانِ في الاسْتِحْلافِ بعدَ العَصْرِ، على نحوِ ما ذكَرْناه في صدْرِ المسألةِ، ولا تُغَلَّظُ في المالِ إلَّا في نِصابٍ فصاعِدًا، وتُغَلَّظُ في الطَّلاقِ والعَتاقِ والحدِّ والقِصاصِ.
وقال ابنُ حَزْمٍ : تُغلَّظُ بالقليلِ والكثيرِ. واحْتَجُّوا [بقولِه تعالى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ}. قيل: أرادَ صلاةَ العَصْرِ. ورُوى عن] النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، [أنَّه قال]: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِى هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . فثَبتَ أنَّه يتَعلَّقُ بذلك تأْكيدُ اليَمِينِ. ورَوَى مالكٌ ، قال: اخْتصمَ زيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ مُطيعٍ في دارٍ كانت بينَهما إلى مَرْوانَ ابنِ الحكمِ، فقال زيدٌ: أحْلِفُ له مَكانِى. فقال مَرْوانُ: لا واللَّهِ، إلَّا عندَ مُنْقطَعِ الحُقوقِ.
قال: فجَعلَ زيدٌ يَحْلِفُ أنَّ حقَّه لحَقٌّ، ويَأْبَى أن يَحْلِفَ عندَ المِنْبَرِ، فجَعلَ مَرْوانُ يَعْجَبُ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}. ولم يَذْكُرْ مَكانًا ولا زَمانًا، ولا زِيادةً في اللَّفْظِ. واسْتَحْلَفَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رُكانَةَ في الطَّلاقِ، فقال:«آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً؟». قال: آللَّهِ مَا أرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً . ولم يُغَلِّظْ يَمِينَه بزَمَنٍ، ولا مَكانٍ، ولا زيادةِ لفظٍ.
وحَلَفَ عمرُ لأُبَىٍّ حينَ تَحاكَما إلى زيدٍ في مَكانِه، وكانا في بيتِ زيدٍ .
وقال عثمانُ لابنِ عمرَ: تحْلِفُ باللَّهِ لقد بِعْتَه ومَا به داءٌ تَعْلَمُه ؟. وفيما ذكَرُوه مِن التَّغْليظِ تَقْيِيدٌ لهذه النُّصوصِ، ومُخالفةٌ للإِجْماعِ.
فإنَّ ما ذُكِرَ عن الخَليفَتَيْن عمرَ وعثمانَ، مع مَن حَضَرهما، لم يُنْكَرْ، وهو في مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، فكان إجْماعًا. وقولُه تعالى:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ}. إنَّما كان في حَقِّ أهلِ الكتابِ، [والوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وهى قَضِيَّةٌ خُولِفَ فيها القِياسُ في مَواضِعَ؛ منها قَبولُ شَهادةِ أهلِ الكتابِ] على المسلمين، ومنها اسْتِحْلافُ الشَّاهِدَيْنِ، ومنها اسْتِحْلافُ خُصومِهما عندَ العُثورِ على اسْتِحْقاقِهما الإِثْمَ، وهم لا يَعْمَلُون بها أصلًا، فكيفَ يحْتَجُّون بها!
ولَمَّا ذَكَرَ أيْمانَ المسلمين أطْلَقَ اليَمِينَ، ولم يُقَيِّدْها، والاحْتِجاجُ بهذا أَوْلَى مِن المَصِيرِ [إلى ما خُولِفَ فيه القِياسُ وتُرِكَ العملُ به.
وأمَّا حديثُهم، فليس فيه دليلٌ على مَشْرُوعِيَّةِ اليَمِينِ عندَ المِنْبَرِ]، إنَّما فيه دليلٌ على تَغْليظِ الإِثْمِ على الحالفِ.
وأمَّا قَضِيَّةُ مَرْوانَ، فمِنَ العَجَبِ احْتِجاجُهم بها، وذَهابُهم إلى قولِ مَرْوانَ في قَضِيَّةٍ خالَفَه زيدٌ فيها، وقولُ زيدٍ، فَقِيهِ الصَّحابة وقارِئِهم وأَفْرَضِهم، أحقُّ أن يُحْتَجَّ به مِن قولِ مَرْوانَ، الذى لو انْفَرَدَ، ما جازَ الاحْتِجاجُ به، فكيفَ يجوزُ مع مُخالَفةِ إجْماعِ الصَّحابةِ، وقولِ أَئِمَّتِهم وفُقَهائِهم، ومُخالفةِ فِعْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإطْلاقِ كتابِ اللَّهِ سبحانه وتعالى! فهذا ممَّا لا يجوزُ. وإنَّما ذكرَ الخِرَقِىُّ التَّغْليظَ بالمكانِ واللَّفْظِ في حقِّ الذِّمِّىِّ ، لاسْتِحْلافِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليهودَ بقولِه:«نَشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِى أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى».
ورُوِىَ عن كَعْبِ بنِ سُورٍ، في النَّصْرَانِىِّ، قال: اذْهَبُوا بِه إلى المَذْبَحِ، واجْعَلُوا الإِنْجِيلَ في حِجْرِه، والتَّوْراةَ على رَأْسِه .
وقال الشَّعْبِىُّ في نَصْرانِىٍّ: اذْهَبْ به إلى البِيعَةِ، فاسْتَحْلِفْه بما يُسْتَحْلَفُ به مِثْلُه .
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أن يُسْتَحْلَفَ في مكانٍ بعَيْنِه، ولا يَمِينًا يُسْتَحْلَفُ بها غيرَ التى يُسْتَحْلفُ بها المسلمون. وفى الجملةِ، لا خِلافَ بينَ المسلمين في أنَّ التَّغْليظَ بالمكانِ والزَّمانِ والألْفاظِ غيرُ واجبٍ، إلَّا أنَّ ابنَ الصَّبَّاغِ ذكرَ في وُجوبِ التَّغْليظِ بالمكانِ قَوْلَيْن للشافعىِّ. وخالَفَه ابنُ القَاصِّ، فقال: لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ القاضِىَ حيثُ اسْتَحْلَفَ المُدَّعَى عليه في عمَلِه وبلَدِ قَضائِه، جازَ، وإنَّما التَّغْليظُ بالمكانِ اخْتِيار منه.
فيكونُ التَّغْليظُ عندَ مَن رآه اخْتِيارًا واسْتحبابًا.
فصل: قال ابنُ المُنْذِرِ: ولم أجدْ أحدًا يُوجِبُ اليَمِينَ بالمُصْحَف.
وقال الشافعىُّ: رأيتُهم يُؤكِّدُون بالمُصحَفِ، ورأيتُ ابنَ مَازِنٍ، وهو قاضٍ بصنعاءَ، يُغَلِّظُ اليَمِينَ بالمُصحَف. قال أصحابُه: فيُغَلَّظُ عليه بإحضارِ المُصْحَف؛ لأنَّه يَشْتَمِلُ على كلامِ اللَّهِ وأسْمائِه. وهذا زِيادةٌ على ما أَمَرَ به رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في اليَمِينِ، وعلى ما فَعلَه الخُلفاءُ وقُضاتُهم، مِن غيرِ دليل ولا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إليها، ولا يُتْرَكُ فعلُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وفِعلُ أصحابِه لفِعلِ ابنِ مَازِنٍ ولا غيرِه.
٥٠٩٦ -
(وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ، جَازَ) وَلَمْ يُسْتَحَبَّ. ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ أَرْدَعُ لِلْمُنْكِرِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ: فِي غَيْرِ لِعِانٍ وَقَسَامَةٍ.
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ. ذَكَرَهَا فِي التَّبْصِرَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْحُلْوَانِيُّ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.
وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهَا تُغَلَّظُ ; لِأَنَّهَا حُجَّةُ أَحَدِهِمَا فَوَجَبَ مَوْضِعُ الدَّعْوَى كَالْبَيِّنَةِ.
وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ. وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ. (فَفِي اللَّفْظِ، يَقُولُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ النَّافِعِ، الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) . الطَّالِبُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ طَلَبَ الشَّيْءَ أَيْ: قَصَدَهُ. وَالْغَالِبُ: اسْمُ فَاعِلٍ مَنْ غَلَبَ يَغْلِبُ بِمَعْنَى قَهَرَ. وَالضَّارُّ النَّافِعُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى: أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى ضُرِّ مَنْ شَاءَ وَنَفَعِ مَنْ شَاءَ.
وَخَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، فُسِّرَ: بِأَنَّهُ يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا وَيَكُفُّ لِسَانَهُ وَيُومِئُ بِعَيْنِهِ،
فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ سُمِّيَتْ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُصْحَفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ، وَرَأَيْتُ ابْنَ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِهِ. قَالَ أَصْحَابُهُ: فَيُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِإِحْضَارِ الْمُصْحَفِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تُتْرَكُ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ.
١ -
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.