فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْهُ الْمِائَةُ إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِي عَيْنًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ وَرَقًا مِنْ عَيْنٍ. فَيَصِحُّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ
Its commentaries
(متى قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْه المائةُ) لأَنَّ الاسْتِثْناءَ باطِلٌ على ما بَيَّنًا. ٥١٥١ - مسألة: (إلَّا أن يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، فيَصِحُّ. ذكَره الخِرَقِىُّ. وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ. فإذا قال: له عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينارًا. فهل يَصِحُّ؟ على وجهينِ) اخْتَلَفَ أصحابُنا في صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ مِن الآخَرِ، فذَهَبَ أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَصِحُّ؛ لِما ذكَرْنا. وهو قولُ محمدِ بنِ الحَسَنِ.
وقال ابنُ أبى مُوسى: فيه رِوايتان. واخْتارَ الخِرَقِىُّ صِحَّتَه؛ لأَنَّ قَدْرَ أحَدِهما مَعْلُومٌ مِن الآخَرِ، ويُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ،
فإنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعةَ دَراهِمَ دِينارًا، وآخَرُون يُسَمُّونَ ثمانِيةَ دَراهِمَ دينارًا،
فإذا اسْتَثْنَى أحَدَهما مِن الآخَرِ، عُلِمَ أنَّه أرادَ التَّعْبِيرَ بأحَدِهما عن الآخَرِ،
فإذا قال: له عَلَىَّ دِينارٌ إلَّا ثَلاثةَ دَرَاهِمَ. في مَوْضِعٍ يُعَبَّرُ فيه بالدِّينارِ عن تِسْعةٍ، كان معناه: له عَلَىَّ تِسْعةُ دَراهِمَ إلَّا ثَلاثةً.
ومتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ على وَجْهٍ صَحِيحٍ، لم يَجُزْ إلغاؤُه، وتد أمكنَ بهذا الطَّرِيقِ، فوَجَبَ تَصحِيحُه.
وقال أبو الخَطّابِ: لا فَرْقَ بينَ العَيْنِ والوَرِقِ وبينَ غيرِهما، فيَلْزَمُ مِن صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِهما مِن الآخَرِ صِحّةُ اسْتِثْناءِ الثِّيابِ وغيرِها. وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ، [ويمكنُ الجَمْعُ] بينَ الرِّوايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوايةِ الصِّحَّةِ على ما إذا كان أحَدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قَدْرُه منه، ورِوايةِ البُطْلانِ على ما إذا انْتَفَى ذلك. واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا. لَزِمَتْهُ الْمِائَةُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَدْلُولِ الْمِائَةِ، فَكَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيهِ لَوْلَاهُ ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَنَيْتُ فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ: إِذَا صَرَفْتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَثَنَيْتُ عِنَانَ دَابَّتِي: رَدَدْتُهَا عَنْ وَجْهِهَا الَّذِي كَانَتْ ذَاهِبَةً إِلَيْهِ. وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْجَحْدِ بِمَعْنَى لَكِنْ، وَالْإِقْرَارُ إِثْبَاتٌ.
وَهَذَا: جَوَابُ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} ، {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا} .
وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ (إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِي عَيْنًا مِنْ وَرَقٍ، أَوْ وَرَقًا مِنْ عَيْنٍ. فَيَصِحُّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ، وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ، وَالرَّوْضَةِ ; لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ، لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ، وَيُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَتُعْلَمُ قِيمَتُهُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَا النَّوْعَ الْوَاحِدَ
بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ) وَهُوَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ ; لِاخْتِلَافِ جِنْسِهِمَا. وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ أَوْ جِنْسَانِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَلْزَمُ مِنَ الصِّحَّةِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ ثَوْبٍ مِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى مَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْآخَرِ أَوْ يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْهُ. وَرِوَايَةُ الْبُطْلَانِ: عَلَى مَا إِذَا انْتَفَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ: بَلْ نَوْعٌ مِنْ آخَرَ.
فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا إِلَّا ثَلَاثَةَ آصُعٍ تَمْرًا مَعْقِلِيًّا. فَيَصِحُّ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ مِنَ النَّوْعَيْنِ كَالْوَرَقِ وَالْعَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعَيْنِ وَالْوَرَقِ غَيْرُ ذَلِكَ.
إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِن وَرِقٍ، أو وَرِقًا مِن عَيْنٍ، فيَصِحُّ. ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. وهو إحْدَى الرِّوايتَيْن. اخْتارَها أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، وصاحِبُ «التَّبْصِرَةِ». وقدَّمه فى «الخُلاصةِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِينٍ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقال أبو بَكْرٍ: لا يصِحُّ. وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ. وهو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ. جزَم به فى «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، وغيرِهم. وأَطْلَقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «الكافِى»، و «الزَّرْكَشِىِّ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
تنبيه: قال صاحبُ «الرَّوْضَةِ»: مِنَ الأصحابِ [مَن بَنَى] الرِّوايتَيْن على أنَّهما جِنْسٌ أو جِنْسان. قال فى «القَواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»: وما قالَه غَلَطٌ، إلَّا أَنْ يُريدَ ما قال القاضى فى «العُدَّةِ»، وابنُ عَقِيلٍ فى «الواضِحِ»: إنَّهما كالجِنْسِ الواحدِ فى أَشْياءَ. قاله المُصَنِّفُ فى «المُغْنِى» ومَنْ تَبِعَه: يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الرِّوايتَيْن بحَمْلِ رِوايَةِ الصِّحَّةِ على ما إذا [كانَ أحدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قدْرُه منه، ورِوايَةِ البُطْلانِ على ما إذا ] انْتَفَى ذلك.
فعلى قولِ صاحبِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الرَّوْضَةِ»، و «العُدَّة»، و «الواضِحِ»، يخْتَصُّ الخِلافُ فى النَّقْدَيْن. وعلى ما حَمَلَه المُصَنِّفُ ومَنْ تَبِعَه، ينْتَفِى الخِلافُ.
فائدة: قال فى «النُّكَتِ»: ظاهِرُ كلامِهم، أنَّه لا يصِحُّ اسْتِثْناءُ الفُلوسِ مِن أحَدِ النَّقْدَيْن. قال: ويَنْبَغِى أَنْ يُخَرَّجَ فيها قوْلان آخَران؛ أحدُهما، الجوازُ. والثَّانى، جَوازُه مع نَفاقِها خاصَّةً. انتهى.
قلتُ: ويجئُ، على قولِ أبى الخَطَّابِ، الصِّحَّةُ، بل هى أَوْلَى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.