وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ
Its commentaries
مسألة: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ويُحَوِّلُ رِداءَه، ويَجْعَلُ الأيسَرَ على الأيْمَنِ، والأيْمَنَ على الأيْسَرِ، ويَفعَلُ النّاسُ كذلكِ، ويَتْرُكُونَه حَتَّى يَنْزِعُوه مع ثِيابِهم) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ للخَطِيب اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْناءِ الخُطْبَةِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَواه البخارىُّ . وفى لفظٍ: فحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو.
ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ رِداءَه حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه. مُتَّفَقٌ عليه . ولمُسْلِمٍ: فحَوَلَّ رِداءَه حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ، لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ. وسُنَّةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباعِ.
ويُسْتَحَبُّ التَّحْوِيلُ للْمَأْمُومِ ، في قولِ أكْثَرَ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّ التَّحْوِيلَ مُخْتَصٌّ بالإمامْ. وهو قولُ اللَّيْثِ، وأبى يُوسُف، ومحمدٍ، لأنَّه إنَّما نُقِلَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دُونَ أصحابِه. ولَنا، أنَّ ما فَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَثْبُتُ في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ، كيف وقد عُقِلَ المَعْنَى في ذلك، وهو التَّفاؤُلُ بقَلْبِ الرِّداءِ، ليَقْلِبَ اللَّهُ ما بهم مِن الجَدْبِ إلى الخِصْب، وقد جاء ذلك في بَعْضِ الحَدِيثِ.
وروَى الإِمامُ أحمدُ حَدِيثَ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ، وفيه أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ تَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ وحَوَّلَ رِداءَه فقَلَبَه ظَهْرًا لبَطْن، وتَحَوَّلَ النّاسُ معه. إذا ثَبَت. ذلك فصِفَةُ التَّقْلِيبِ أن يَجْعَلَ ما على اليَمِينِ على اليَسارِ، وما على اليسارِ على اليَمِينِ. رُوِىَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، وهِشامِ بنِ إسماعِيلَ، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ومالكٍ. وكان الشافعىُّ يقولُ به، ثم رَجع، فقال: يَجْعَلُ أعْلاه أسْفَلَه؛
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى وعليه خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فأرادَ أن يَجْعَلَ أسْفَلَها أعْلاها، فلَمَّا ثَقُلَتْ جَعَل العِطافَ الذى على الأيْسَرِ على الأيْمَنِ. رَواه أبو داودَ . ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَوَّلَ عِطافَه، وجَعَل عِطافَه الأيْمَنَ على عاتِقِه الأيْسَرِ، وجَعَل عِطافَه الأيْسَرَ على عاتِقِه الأيْمَنِ. رَواه أبو داودَ . وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَلَب رِداءَه، فجَعَلَ الأيْمَنَ على الأيْسَرِ، والأيْسَرَ على الأيْمَنِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه . والزِّيادَةُ التى نَقَلُوها، إن ثَبَتَتْ، فهى ظَنُّ الرّاوِى، لا يُتْرَكُ لها فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد نَقَل التَّحْوِيلَ جَماعَةٌ، لم يَنقُلْ أحَدٌ منهم أنَّه جَعَل أعْلاه أسْفَلَه. ويَبْعُدُ أن يكونَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَرَك ذلك في جَمِيعِ الأوْقاتِ لثِقَلِ الرِّداءِ.
٧١٥ -
(وَ) يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ (يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ) «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: يَسْتَقْبِلُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ".
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا لِلدُّعَاءِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كالخطبة (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِها لما في حديث عبد الله أنه حول رداءه حين استقبل القبلة. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ خَطَبَ، وَدَعَا اللَّهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ اسْتَسْقَى، وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا، فَهِيَ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ (وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ؛
لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى؛ وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ لِيُقْلَبَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ، مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (وَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي "، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ، وصَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ
ويستَقْبِلُ القِبلَةَ فى أثناء الخطْبَةِ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِى»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الوَجيزِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الشَّرْحِ»، وغيرهم.
وقيل: لا يسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ إلَّا بعدَ فَراغِه مِنَ الخُطْبةِ. قال فى «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفائقِ»، وغيرِهما: ويسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ فى أثْناءِ دُعائِه.
وقال فى «الفُروعِ»: ويَسْتَقبِلُ القِبْلَةَ فى أثْناءِ كلامِه، قيل: بعدَ خُطْبَتِه.
وقيل: فيها.
فائدة: قوله: ويُحَوِّلُ رِداءَه. مَحَلَّ التَّحْويلِ، بعدَ اسْتِقْبالِ القِبْلةِ. وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ،
فَيَقُولُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اللَّهُمَّ إِنَّكَ أمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدتَّنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدتَّنَا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنْ سُقُوا، وَإلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا.
وَإنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَروا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوة الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
قال: (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة. ويحول رداءه فيجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوا مع ثيابهم) .
أما كون الإمام يسن له أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة وأن يحول رداءه؛ فلما روى عبدالله بن زيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي. فحوّل إلى الناس ظهره. واستقبل القبلة يدعو. ثم حوّل رداءه» رواه البخاري.
وأما كونه يجعل الأيمن منه على الأيسر والأيسر على الأيمن؛ فلأن في روايةٍ: «حول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، [وجعل عِطافه الأيسر] على عاتقه الأيمن» رواه أبو داود.
قال أبو عبيد: إنما يفعل ذلك لتغير الحال وانتقاله من الجدب إلى الخصب.
وأما كون الناس يفعلون ذلك كالإمام؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
وقال الله تعالى:{واتبعوه لعلكم تهتدون}.
ولأنه روي:«ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه».
ولأن ما ثبت في حقه ثبت في حقنا ما لم يقم دليل على تخصيصه.
وأما كونهم يترك كل واحد منهم رداءه على حاله حتى ينزعوه مع ثيابهم؛ فلأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحداً من الصحابة رد رداءه إلى الحالة التي كان عليها قبل خلع ثيابه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.