وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا
Its commentaries
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بها) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، رَحِمَهم الله؛ وذلك لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». مُتَّفَقٌ عليه . واخْتَلَفُوا في الِإسْراعِ المُسْتَحَبِّ، فقال القاضى: هو إسْراعٌ لا يَخْرُجُ عن المَشْىِ المُعْتادِ. وهو قولُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْىِ: يَخُبُّ ويَرْمُلُ؛ لِما روَى أبو داودَ ، عن عُيَيْنَةَ ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه. قال: كُنَّا في جنازَةِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، وكُنَّا نَمْشِى مَشْيًا خَفِيفًا؛ فلَحِقَنا أبو بَكْرَةَ ، فرَفَعَ سَوْطَه، فقال: لقد رَأيْتُنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَرْمُلُ رَمَلًا. ولَنا، ما روَى أبو سعيد، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مُرَّ عليه بجِنازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا ، فقالَ:«عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِى جَنَائِزِكُمْ».
رَواه الِإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ». ولأنَّ الِإسْرافَ في الِإسْراعِ يَمْخُضُها، ويُوْذِى حامِلِيها ومُتَّبِعِيها، ولا يُؤْمَنُ على المَيِّتِ.
وقال ابنُ عباس في جِنازَةِ مَيْمُونَةَ: لا تُزَلْزِلُوا، وارْفُقُوا، فإنَّها أمُّكُمْ .
فصل: واتِّباعُ الجَنائِزِ سُنَّةٌ؛ لقَوْلِ البَراءِ: أمَرَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعِ الجَنائِزِ. مُتَّفَقٌ عليه . واتِّبَاعُ الجَنائِزِ على ثَلَاثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أن يُصَلِّىَ عليها ثم يَنْصَرِفَ. قال زيدُ بنُ ثابِتٍ: إذا صَلَّيْتَ فقد قَضَيتَ الذى عليك .
وقال أبو داودَ: - رَأيْتُ أحمدَ مالا أُحْصِى صَلَّى على جَنائِزَ، ولم يَتْبَعْها إلى القَبْرِ، ولم يَسْتأْذِنْ. الثانِى، أن يَتْبَعَها إلى القَبْرِ، ثم يَقِفَ حتى تُدْفَنَ؛ لقَوْلِ رسوَلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصِلِّىَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ: وما القِيرَاطَان؟ قال: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ». مُتَّفَقٌ عليه . الثالثُ، أن يَقِفَ بعدَ الدَّفْنِ، فيَسْتَغْفِرَ له، ويَسْألَ اللهَ له التَّثْبِيتَ، ويَدْعُوَ له بالرَّحْمَةِ، فإنَّه رُوِىَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا دَفَن مَيِّتًا وَقَف، فقالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ ، وَاسْألُوا الله لَهُ التَّثبِيتَ، فإنَّهُ الْآنَ يُسْألُ».
رَواه أبو داودَ .
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يقْرَأُ عندَه عندَ الدَّفْنِ أوَّلَ البَقَرَةِ وخاتِمَتَها.
ويُسْتَحَبُّ لمُتَّبعِ الجنازَةِ أن يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا في مَآلِه مُتَّعِظًا بالمَوْتِ، وبما يَصِيرُ إليه المَيِّتُ، لا يَتَحَدَّثُ بأحَاديثِ الدُّنْيَا، ولا يَضْحَكُ. قال سعدُ بنُ مُعاذٍ: ما تَبِعْتُ جِنازَةً فحَدَّثْتُ نَفْسِى بغيرِ ما هو مَفْعُولٌ بها. ورَأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يَضْحَكُ في جِنازَةٍ، فقالَ: تَضْحَكُ وأنت تَتْبَعُ الجنازَة؟! لا كَلَّمْتُك أبَدًا. ٧٩٣ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ أن (يَكُونَ المُشاةُ أمامَها، والرُّكْبانُ خلفَها) أكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن الفَضِيلَةَ للماشِى أن يَكُونَ أمامَ الجِنَازَةِ، رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وابن عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي قَتادَةَ، وأبي أَسِيدٍ، وشرَيْحٍ، والقَاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال الأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرّأْىِ: المَشْىُ خلفَها أفْضَلُ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تَتْبَعُ، لَيْسَ مِنْها مَنْ تَقَدَّمَهَا» .
وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: فَضْلُ الماشِى خلفَ الجِنازَةِ على الماشِى قُدّامَها، كفَضْل المَكْتُوبَةِ على التَّطَوُّعِ، سَمِعْتُه مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . ولأنَّها مَتْبُوعَةٌ فيَجِبُ أن تُقَدَّمَ كالِإمامِ في الصلاةِ، ولهذا
قال في الحديثِ الصَّحِيحِ:«مَنْ تَبعَ جِنَازَةً». ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ، وعُمَرِ، يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ ، وعن أنَس نَحْوُه، رَواه ابنُ ماجه . قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعُمَرَ، كانُوا يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ.
وقال أبو صالِحٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشُون أمامَ الجِنازَةِ. ولأنَّهم شُفَعاءُ له؛ بدَلِيلِ قَوْلِهِ عليه السّلامُ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُون مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ». رَواه مسلمٌ .
والشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ المَشْفُوعَ له، وحديثُ ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أبو ماجِدٍ، وهو مَجْهُولٌ. قِيلَ ليَحْيىَ: مَن أبو ماجِدٍ هذا؟ قال: طائِرٌ طار. قال التِّرْمِذىُّ: سَمِعْتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحَدِيثَ. والحَدِيثُ الآخَرُ لم يَذْكُرْه أصحابُ السُّنَنِ. وقالُوا: هو ضَعِيفٌ. ثُم نَحْمِلُه على مَن تَقَدَّمَهَا إلى مَوْضِعِ الصلاةِ أو الدَّفْنِ، ولمِ يَكُنْ معها. وقِياسُهم يَبْطُلُ بسُنَّةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ، فإنَّها تابعَةٌ لهما، وَتتَقَدَّمُهما في الوُجُودِ.
فصل: ويُكْرَهُ الرُّكُوبُ في اتِّباعِ الجَنائِزِ؛ لِما روَى ثَوْبانُ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في جنازَةٍ، فرَأى ناسًا رُكْبانًا، فقالَ:«ألَا تَسْتَحْيُونَ أَنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهمْ، وَأنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ . فإن رَكِب، فالسُّنَّةُ أن يَكُونَ خلف الجِنازَةِ. قال الخَطّابِىُّ في الرّاكِبِ: لا أعْلَمُهم اخْتَلَفُوا في أنَّه يَكُونُ خلفها؛ [لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -]: «الرَّاكِبُ يمْشِى خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى يَمشِى خَلْفَهَا وَأمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْها». رَواه أبو داودَ ، التِّرْمِذِىُّ، ولَفْظُه:«الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِى حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أمامَها يُؤْذِى المُشاةَ.
فأمّا الرُّكُوبُ في الرُّجُوعَ مِن الجِنازَةِ فلا بأْسَ به. قال جابِرُ بنُ سَمُرَةَ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّبَعَ جِنازَةَ ابنِ الدّحْداحِ ماشِيًا، ورَجَع على فَرَسٍ. قال التِّرْمِذِىُّ : هذا حديثٌ صحيحٌ.
فصل: ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عندَ الجَنائِزِ، لنَهْىِ النبى - صلى الله عليه وسلم - أن تُتْبَعَ الجَنائِزُ بصَوْتٍ . قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَيْنا بن قَيْسِ بنِ عُبَادٍ ، أنَّه قال: كان أصحابُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَكْرَهُون رَفْعَ الصَّوْتِ عندَ ثَلاثٍ؛ عندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكْرِ، وعندَ القِتالِ . وكَرِه سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وإمامُنا، وإسحاقُ، قول القائِلِ خلفَ الجِنازَةِ: اسْتَغْفِرُوا له.
وقال الأوْزاعِىُّ: بِدْعَةٌ. وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ في مَرَضِه: إيّاىَ وحَادِيهم، هذا الذى يَحْدُو لهم، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَر الله لكم.
وقال فُضَيْلُ بنُ عَمْرِو: بَيْنَا ابنُ عُمَرَ في جِنازَةٍ، إذْ سَمِع قائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا له، غَفَرَ اللهُ لكم. فقال ابنُ عُمَرَ: لا غَفَر اللهُ لك. رَواهما سعيدٌ. قال أحمدُ: ولا يَقُولُ خلفَ الجِنازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك الله. فإنَّه بِدْعَةٌ. ولكنْ يَقُولُ: بسمِ اللهِ، وعلى مِلَّةِ رسولِ اللهِ. ويَذْكُرُ الله إذا تَناوَلَ السَّرِيرَ. ومَسُّ الجِنازَةِ بالأيْدِى والأكْمامِ والمَنادِيل مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، ولا يُؤْمَنُ معه فَسادُ المَيِّتِ، وقد مَنَع العُلَماءُ مَسَّ القَبْرِ، فمَسُّ الجَسَدِ مع احْتِمالِ الأذَى أوْلَى بالمَنْعِ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّبَاعُ المَيِّتِ بِنارٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذلك كلُّ من نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ. رُوىَ عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مُغَفَلٍ، ومًعْقِلِ بنِ يًسارٍ ، وأَبى سعيدٍ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّهم وَصَّوْا أن لا يُتْبَعُوا بنارٍ. وروَى ابنُ ماجه ، أنَّ أبا موسى حينَ حَضَرَه المَوْتُ، قال: لا تَتْبَعُونِى بمِجْمَرٍ. قالُوا له: أوَ سَمِعْتَ فيه شيئًا؟ قال: نعم، مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وروَى أبو داودَ ، بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«لا تُتْبَعُ الْجِنازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ».
فإن دُفِن لَيْلًا فاحْتاجُوا إلى ضَوْءِ، فلا بَأْسَ به، إنَّما كُرِة المَجَامِرُ فيها البَخُورُ. وفى حديثٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه دَخَل قَبْرًا لَيْلًا، فأُسْرِجَ له سِراجٌ . قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
فصل: ويُكْرَهُ اتِّباعُ النِّساءِ الجَنائِزَ؛ لِما رُوِىَ عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: نُهِينا عن اتِّباعِ الجَنائِزِ، ولم يُعْزَمْ علينا. مُتَّفَقٌ عليه . كَرِه ذلك ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأبو أُمَامَةَ، وعائشةُ، ومَسْرُوقٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والأوزاعِىُّ، وإسحاقُ. ورُوِى أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج فإذا نِسوَةٌ جُلُوسٌ، قال:«مَا يُجْلِسُكُنّ؟». قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الجِنازَةَ. قال:. «هَلْ تُغَسِّلنَ؟». قُلْنَ: لا. قال:«هل تَحْمِلْنَ؟». قُلْنَ: لا. قال:«هل تُدْلِينَ فىَ من يُدْلِى؟». قُلْنَ: لا. قال:«فَارْجعْنَ مأْزُورَاتٍ، غَيْرَ مأْجُورَاتٍ».
رَواهُ ابن ماجه ، ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَقِىَ فاطمةَ، قال:«مَا أخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟». قالَتْ: يارسولَ اللهِ أتَيْتُ أهْلَ هذا البَيْتِ، فرَحَّمتُ إليهما مَيِّتَهم، أو عَزَّيْتُهم به. قال لها رسوا اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى». قالت: مَعاذَ اللهِ، وقد سَمِعْتُك تَذكُرُ فيها ما تَذْكُرُ. قال:«لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى».
فذَكَرَ تَشْدِيدًا. رَواه أبو داودَ .
فصل: فإن كان مع الجِنازَةِ مُنْكَرٌ يَراه أو يَسْمَعُه،
فإن قَدَر على إنْكارِه وإزالَتِه أزالَه.
وإن لم يَقْدِرْ على إزالَتِهِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُنْكِرُه، ويَتْبَعُها. فيَسْقُطُ فَرْضُه بالِإنْكارِ، ولا يَتْرُكُ حَقًّا لباطِلٍ. والثانِى، يَرْجِعُ. لأنَّه يُؤدِّى إلى اسْتِماعِ مَحْظُورٍ ورُؤْيَتِه، مع قُدْرَتِه على تَرْكِ ذلك. ٧٩٤ -
(وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَفَوْقَ السَّعْيِ،
وَفِي " الْكَافِي " لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخَضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا،
وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَسْرَعَ (وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ [كَانُوا] يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَرَوَاهُ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ، وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ حَيْثُ شَاءَ،
وَفِي " الْكَافِي " حَيْثُ مَشَى قَرِيبًا مِنْهَا فَحَسَنٌ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَلْفَهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةً (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا،
وَقَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ أَمَامَهَا، وَفِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبٍ أَوْ كَمَاشٍ،
وَأنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ.
وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّابَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُمْنَعْنَ مِنَ اتِّبَاعِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَبَاحَهُ قَوْمٌ لِقَرَابَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ،
وَيَجِبُ طَرْدُهُنَّ، فَإِنْ رَجَعْنَ، وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ بَعْدَ أَنْ يُحْثُوا فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ،
وَكَذَا يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِهَا الضَّحِكُ وَالتَّبَسُّمُ وَالتَّحَدُّثُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا،
وَأَنْ تُوضَعَ عَلَيْهَا الْأَيْدِي، وَأَنْ يُقَالَ حَالَ الْمَشْيِ مَعَهَا: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَيُسَنُّ أَنْ يَسْكُتُوا، أَوْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خُفْيَةً.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَكَعَوْدِهِ، وَتَقَدُّمُهَا إِلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ مَعَهَا مُنْكَرٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ تَبِعَهَا وَأَزَالَهُ،
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْبَعَهَا،
وَعَنْهُ: بَلْ وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ، وَمَنْ كَانَ حُضُورُهُ يُزِيلُ الْمُنْكَرَ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَيُعَايَا بِهَا.
ويُسْتَحَبُّ الإسْرَاعُ بِها. مُرادُه إذا لم يُخَفْ عليه بالإسْراعِ،
فإن خِيفَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه، تأنَّى. قال: وإنْ لم يُخَفْ عليه، فنَصَّ الِإمامُ أحمدُ، أنَّه يسْرِعُ، ويكونُ دُونَ الخَبَبِ. وهو المذهبُ. قال المَجْدُ: يَمْشِى أعْلَى دَرجاتِ المَشْىِ المُعْتادِ.
وقال فى «المُذْهبِ»: يُسْرِعُ فوقَ المَشْىِ ودُونَ الخَببِ.
وقال القاضى: يُسْتَحَبُّ الِإسْراعُ بحيثُ لا يخْرُجُ عنِ المَشْىِ المُعْتادِ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: يُسَنُّ الإسْراعُ بها يسِيرًا. قال فى «الكافِى»: لا يُفْرِطُ فى الِإسْراعِ فَيَمْخُضهَا ويُؤْذِىَ مُتَّبِعِيها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
انتهى. وكلامُهم مُتَقارِبٌ.
فائدة: يرُاعَى بالإسْراعِ الحاجَةُ. نصَّ عليه. وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا [٤١ ظ]،
قال: (ويستحب الإسراع بها. ويكون المشاة أمامها، والركبان خلفها. ولا يجلس من تبعها حتى توضع. وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها) .
أما كون الإسراع بالجنازة يستحب فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة، [فإن تك صالحة] فخيرٌ تُقدمونها إليه. وإن يكن غير ذلك، فشرٌ تَضعونَه عن رِقابكم» متفق عليه.
وأما كون المشاة أمامها فلما روى ابن عمر رضي الله عنه قال:«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» رواه الإمام أحمد [وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة].
وأما كون الركبان خلفها فلما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الراكب خلف الجنازة ... مختصر» رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولأن سير الراكب أمامها يؤذي مُتّبعي الجنازة لأنه موضع المشاة.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «والماشي حيث شاء منها» مشكل لأنه إن حُمل على الجواز لزم أن يكون الراكب لا يجوز له ذلك لأنه عليه السلام فرق بينهما حيث قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»،
وإن حُمل على الفضيلة لزم المساواة بين أمَام الجنازة وخلفها للماشي. قيل: يندفع ذلك بأن يحمل على الجواز الخالي عن الكراهة. وذلك لأن الماشي يجوز له المشي كيف شاء من غير كراهة.
وأما الراكب فيتجه أن يقال يجوز له ذلك لكنه يكره له أن يكون أمامها لما فيه من إيذاء المشاة بدابته.
وأما كون من تبعها لا يجلس حتى توضع فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع» رواه البخاري.
وأما كون الجالس إذا جاءت لا يقوم لها فلقول علي رضي الله عنه:«قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد» رواه مسلم.
وهذا ناسخ لما روى مسلم:«إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.