وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ
Its commentaries
مسألة: (ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه مع الأذُنَين، وعنه: يُجْزئُ مَسْحُ أكْثَرِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَن أحمدَ في قَدْرِ الواجِبِ؛ فرُوِيَ عنه أنَّه يجبُ مَسْحُ جَمِيعِه في حَقِّ كلِّ أحَدٍ. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لقَوْلِه تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}. الباءُ للإلْصاقِ، فكأنَّه قال: وامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ. وصار كقَوْلِه سبحانه في التَّيَمُّمِ:{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ}. قال ابنُ بَرْهَانٍ : مَن زَعَمَ أنَّ الباءَ للتَّبعِيضِ، فقد جاءَ أهلَ اللُّغَةِ بما لا يَعْرِفُونَه . ولأنَّ الذين وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرُوا أنَّه مَسَح رَأسَه كلَّه، وقد ذَكَرْنا حديثَ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وحديثَ الرُّبَيِّع، وهذا يصْلُحَ أن يكون بيانًا للمَسْحِ المَأْمُورِ به.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِه. نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ. ونُقِلَ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنّه كان يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رأْسِه ، وابنُ عُمَرَ مَسَح اليافُوخَ . ومِمَّن قال بمَسْحِ البَعْضِ الحسنُ، والثَّوْريُّ، والأوْزاعيُّ، والشافيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ. قال شيخُنا: إلَّا أنَّ الظّاهِرَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الرجلِ وُجُوبُ الاسْتِيعابِ،
وأنَّ المرأةَ يُجْزِئُها مَسْحُ مُقدَّمِ رَأْسِها . قال الخَلّالُ: العَمَلُ في مذهبِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّها إن مَسَحَتْ مُقدَّمَ رأسِها أَجْزَأها؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، كانت تمْسَحُ مُقَدَّم رَأْسِها . واحْتَجَّ مَن أجازَ مَسْحَ البعضِ، بما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فمَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامَةِ والخُفَّين. رَواه مسلمٌ . وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأُ وعليه عِمامَةٌ قِطريَّةٌ، فأدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ العِمامَةِ، فمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِه، ولم ينْقُضِ العِمامَةَ.
رَواه أبو داودَ . واحْتجُّوا بأنَّ مَن مَسَح بعضَ الرأسِ، يُقالُ: مَسَح برَأْسِه. كما يقال: مَسَح برأْسِ اليَتِيمِ.
وإذا قُلنا بجَوازِ مَسْحِ البعضِ، فأيَّ مَوْضِعٍ مَسَح أجْزَأه، إلَّا أنَّه لا يُجْزئُ مَسْحُ الأُذُنَين عن الرَّأْسِ، لأنَّهما تَبَعٌ، ولا يُجزئُ مَسْحُهما عن الأصلِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يحْتَمِلُ أن لا يُجزِئَ إلَّا مَسْحُ النّاصِيَةِ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بناصِيَتِه، فوَجَبَ الاقْتِداءُ به. واخْتَلَف العلماءُ في قدرِ البعضِ المُجْزِئَ، فقال القاضي: قدرُ النّاصِيَةِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ. وحَكَى أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ: أنّه لا يُجْزِئُه إلَّا مَسْحُ الأكْثَرِ؛ لأنّه يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الجَمِيع.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه مَسْحُ رُبْعِه. ورُوِيَ عنه، أنَّه لا يُجْزِئُه أقلُّ مِن ثُلُثهِ. وهو قولُ زُفَرَ.
وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه [اسمُ المَسْحِ]. حُكِيَ عنه: ثَلاثُ شَعَراتٍ. وحُكِى عنه: لو مَسَح شَعرَةً، أجْزَأه، لوُقُوع اسمِ البعضِ عليه.
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ الأذُنَين معه، لأنَّهما منه؛ بدليلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرأسِ». ورُوِيَ عن أحمدَ: أنَّه لا يَجِبُ مَسْحُهما. وهو ظاهِرُ المذهبِ. قال الخَلّالُ: كلهم حَكَوْا عن أبي عبد اللهِ في مَن تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيه عامِدًا، أو ساهِيًا، أنَّه يُجْزِئُه. وظاهرُ هذا أنه لا يَجِبُ، سَواءٌ قلنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ أولًا؛ لأنّهما مِن الرّأْسٍ على وَجْهِ التَّبَعِ، ولا يُفْهمُ مِن إطْلاقِ اسمِ الرأسِ دُخُولُهما فيه، ولا يُشْبِهان أجْزاءَ الرَّأس، ولذلك لا يُجْزِئُ مَسْحُهما عنه عندَ مَن اجْتَزَأَ بمَسْحِ البعضِ، وهو اختيارُ شيخِنا .
والأوْلَى مَسْحُهما، [فرَوَى ابنُ عباسِ أنَّ] النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأْسِه وأُذُنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما. رَواه الإِمامُ أحمدُ . ورَوَت الرُّبَيِّعُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ عندَها، فَرَأته مَسَح على رأسِه مُحاذِيَ الشَّعَرِ ما أَقْبَلَ منه وما أَدبَرَ، ومَسَح صُدْغَيه وأُذُنَيه ظاهِرَهُما وباطِنَهُما. رَواهما التِّرْمِذِي وأبو داودَ .
ويُسْتَحَبُّ أن يُدْخِلَ سَبّابَتَيه في صِماخَيْ أُذُنَيه، ويَمْسَحَ ظاهِرَهما بإبْهامَيه، لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حديثِ الرُّبَيِّعِ: فأدْخَلَ أُصبُعَيه في جُحرَى أُذُنَيه. رَواه أبو داودَ .
ولا يَجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر بالغَضارِيفِ، لأنّ الرأْسَ الذي هو الأصلُ لا يجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر منه بالشَّعَرِ، فالأذُنُ أوْلَى. والله أعلمُ.
فصل: ولا يَجِبُ مَسْحُ ما نَزَل عن الرَّأْسِ مِن الشَّعَرِ، ولا يُجْزئ مَسْحُه عن الرأْسِ، سَواءٌ رَدَّه فعَقَدَه فوقَ رَأْسِه، أو لم يَرُدَّه؛ لأنَّ الرأْسَ ما تَرَأَّس وعَلا.
فإنَّ نَزَل الشَّعَرُ عن مَنْبِتِه، ولم يَنْزِلْ عن مَحَلِّ الفَرْضِ فمَسَحَ عليه، أجْزَأه، لأنَّه شَعَرٌ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه القائِمَ على مَحَلِّه. ولأنَّ هذا لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه،
وإن خَضَب رَأْسَه بما يَسْتُرُه، لم يُجْزِئْه المَسْحُ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ في الخِضابِ، لأنَّه لم يَمْسَحْ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أَشْبَه ما لو مَسَح على خِرْقَةٍ فوقَ رَأْسِه.
ولو أَدْخَلَ يَده تحتَ الشَّعَرِ، فمَسَحَ البَشَرَةَ دُونَ الظّاهِرِ، لم يُجْزِئْه، لأنَّ الحكْمَ تَعَلَّق بالشَّعَرِ، فلم يُجْزِئْه مَسْحُ غيرِه، كما لو أوْصَلَ الماءَ إلى باطِنِ اللِّحْيَةِ، ولم يَغْسِلْ ظاهِرَها.
فأمّا إن مَسَح رَأْسَه ثم حَلَقَه، أو غَسَل عُضْوًا، ثم قَطَع منه جُزْءًا أو جِلْدَةً، لم يُؤَثِّرْ في طهارتِه؛ لأنَّه ليس بَدَلًا عَمّا تحتَه.
وإن أحْدَث بعدَ ذلك، غَسَل ما ظَهَر؛ لأنَّه صار ظاهِرًا، فتَعَلَّق الحُكْمُ به،
ولو حَصَل في بعضِ أعْضائِه شَقٌّ أو ثَقْبٌ، لَزِمَه غَسْلُه؛ لأنّه صار ظاهِرًا.
فصل: ويَمْسَحُ رَأْسَه بماءٍ جَدِيدٍ غيرِ ما فَضَل عن ذِراعَيه. وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قاله التِّرْمِذِيُّ . وجَوَّزَ الحسنُ، وعُرْوَةُ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ مَسْحَه بفَضْلِ ماءِ ذِراعَيه؛ لِمارُوىَ عن عثمانَ، أنّه مَسَح مُقَدَّمَ رَأْسِه بيَدِه مرَّةً واحدةً، ولم يَسْتَأْنِفْ له ماءً جديدًا، حين حَكَى وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه سعيدٌ . ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك إذا قُلنا: إنَّ المُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، لا سِيّما الغَسْلَةُ الثّانيةُ والثالثةُ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى عبدُ اللهِ ابنُ زيدٍ، قال: ومَسَح رَأْسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يَدَيه. رَواه مسلمٌ .
وفي حديثِه المُتَّفَقِ عليه: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فمَسَح برَأْسِه.
وكذلك حُكِيَ عن عليٍّ في روايةِ أبي داودَ . ولأَنَّ البَلَلَ في يَدِه مُسْتَعْمَلٌ، فلا يُجْزِئُ به المَسْحُ، كما لو فَصَلَه في إناءٍ، ثم اسْتَعْمَلَه.
فصل: فإن غَسَل رَأْسَهْ بَدَلَ مَسْحِه، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالمَسْحِ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ الطهارةِ، فلم يُجْزِئْ عن الآخَرِ، كالمَسْحِ عن الغَسْلِ.
والثّاني، يُجْزِئُ، لأنَّه لو كان جُنُبًا فانْغَمَسَ في ماءٍ يَنْوى. الطّهارَتَين، أجْزأه، مع أنَّه لم يَمْسَحْ، فكذلك في الحَدَثِ الأصْغَرِ وَحْدَه. ولأنَّ في صِفَةِ غَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه غَسَل يَدَيه ووَجْهَه، ثم أفْرَغَ على رَأْسِه، ولم يَذْكُرْ مَسْحًا. ولأنَّ الغَسْلَ أبْلَغُ مِن المَسْحِ،
فإذا أتَى به يَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، وهذا فيما إذا لم يُمِرَّ يَدَه عليه.
فأمّا إن أمَرَّ يَدَه على رَأْسِه، مع الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه، لأنَّه قد أتَى بالمَسْحِ، وذلك لِما رُويَ عن المُغِيرةِ ، أنَّه تَوَضَّأ للنّاسِ كما رَأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ، فلَمّا بَلَغ رَأْسَه غَرَف غُرْفَةً من ماءٍ، فتَلَقّاه بشِمالِه، حتى وَضَعَها على وَسَطِ رَأْسِه، حتى قَطرَ الماءُ أو كادَ يَقْطرٌ، ثم مَسَح مِن مُقَدَّمِه إلى مُؤخَّرِه،
ومِن مُؤخَّرِه إلى مُقَدَّمِه. رَواه أبو داودَ .
ولو حَصَل على رَأْسِه ماءُ المَطرَ، أو صَبَّ عليه إنْسانٌ، ثم مَسَح عليه، يَقْصِدُ بذلك الطهارةَ، أو كان قد صَمَد للمَطرَ، أجْزأه.
وإن حَصَل الماءُ على رَأْسِه مِن غيرِ قَصْدٍ، أجْزأه أيضًا؛ لأنَّ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، لم يُؤَثِّرْ في الماءِ، فمتى وَضَع يَدَه على ذلك البَلَلِ ومَسَح به، فقد مَسَح بماءٍ غيرِ مُسْتَعْمَلٍ، فصَحَّتْ طهارتُه، كما لو حَصَل بقَصْدِه. وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ: إذا أصابَ رَأْسَه ماءُ السَّماءِ، فمَسَحَه بيَدِه، لم يُجْزِه؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ مِنه نِيَّةٌ لذلك. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وهذا يَدُلُّ على أنَّه يَشْتَرِطُ أن يَقْصِدَ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه.
قال ابنُ عَقِيلٍ في هذه المسألة: تَحْقِيقُ المذهبِ، أنَّه متى صَمَد للمَطرَ ومَسَح، أجْزأه،
ومتى أصابَه المطرُ مِن غيرِ قَصدٍ ولا نِيَّةٍ، لم يُجْزِئْه.
وكذلك إن كان يَتَوَضَّأ، فصَبَّ إنسانٌ على رَأْسِه ماءً وهو لا يَقْصِدُ، فمَسَحَ رَأْسَه به ، فإنَّه لا يُجْزِئُه،
فأمّا إن حَصَل الماءُ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، ولن يَمْسَحْ بيَدِه، لم يُجْزِئْه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الغَسْلَ يَقُومُ مَقامَ المَسْحِ، أو لا.
وإن قَصَد وجَرَى الماءُ على رَأْسِه أجْزأه، إذا قُلْنا: يُجْزِئُ الغَسْل. وإلَّا فلا.
فصل: فإن مَسَح رَأْسَه بخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ أو خَشَبَةٍ، أجْزأه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ، وقد مَسَح، أشْبَهَ ما لو مَسَح بيَدِه. ولأنَّ مَسْحَه بيدِه غيرُ مُشْتَرَطٍ، بدَلِيلِ ما لو مَسَح بيَدِ غيرِه.
والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه، وقال:«هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ».
وإن وَضَع على رَأْسِه خِرْقَةً مَبْلُولَةً، فابْتَلَّ رَأْسُه بها، أو وَضَع خِرْقةً، ثم بَلَّها حتى ابْتَلَّ شَعَرُه، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ ذلك ليس بمَسْحٍ، ولا غَسْلٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه؛ لأنَّه بَلَّ شَعَرَه قاصِدًا للوُضُوءِ، فأجْزأه، كما لو غَسَلَه.
وإن مَسَحَ بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا مَسَح بهما ما يَجبُ مَسْحُه كلَّه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
ونَقَل بكرُ بنُ محمدٍ ، عن أحمدَ: لا يُجْزِئُه المَسْحُ بأُصْبُعٍ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على الرِّوايَةِ التي تُوجِبُ الاسْتِيعابَ, لأنَّه لا يَحْصُلُ بأُصْبُعٍ واحِدَةٍ.
وإن حَلَق بعضَ رَأْسِه، وقُلْنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ، مَسَح المَحْلُوقَ والشَّعَرَ.
وإن قُلْنا بإجْزاءِ مَسْحِ البعضِ، أجْزأه مَسْحُ أحَدِهِما.
فصل: وهل يُسْتَحَبُّ مَسْحُ العُنُقِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُسْتَحَبُّ، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه مَسَح رَأْسَه حتى بَلَغ القَذَال ، وما يَلِيه مِن مُقَدَّمِ العُنُقِ. رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ»، من رِوايةِ لَيثِ بنِ أبي سُلَيمٍ، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه .
ولِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:«امْسَحُوا أعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الغُلِّ». ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصُولِ». والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأْمُرْ به. ولأنَّ الذين حَكَوْا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عثمانُ، وعليٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، وابنُ عباسٍ، لم يَذْكُرُوه، ولم يَثْبُتْ فيه حديثٌ.
١٠٢ -
(وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ) هَذَا ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَمُخْتَارُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ: أَنَّهُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا إِذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَيْ: إِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ أَيِ: الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا
بِخِلَافِ لَوْ قِيلَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ، ثَمَّ شَيْءٌ مُلْصَقٌ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ،
وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إِذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتِ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ، وَابْنَ عَرَفَةَ عَنِ الْبَاءِ تُبَعِّضُ؛ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ،
وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ،
وَقَوْلُهُ {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: تُرْوَى، وَمَا «رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ، لَكِنِ اسْتَثْنَى فِي " الْمُتَرْجِمِ "، و" الْمُبْهِجِ " الْيَسِيرَ لِلْمَشَقَّةِ (مَعَ الْأُذُنَيْنِ) أَيْ: يَجِبُ مَسْحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا،
وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ، لِأَنَّهُمَا مِنْهُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً، لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَ إِطْلَاقِ لَفْظِهِ يَتَنَاوَلُ مَا عَلَيْهِ الشَّعَرُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا عَنْهُ،
وَإِنْ قُلْنَا بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ قَالَهُ الْجُمْهُورُ
ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه. هذا المذهبُ بلا رَيب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، مُتَقَدِّمُهم ومُتأَخِّرُهم، وعُفِيَ في «المُبْهِج»، و «المتَرْجمِ»، عن يسيرِه للمَشَقَّةِ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. قال الزَّرْكَشيُّ: وظاهرُ كلامِ الأكْثَرين بخِلافِه.
وعنه، يُجْزِئُ مسْحُ أكْثَره. اخْتاره في «مَجْمَع البَحْرَين» وقال القاضي، في «التَّعْلِيقِ»، وأبو الخَطَّابِ، في «خِلَافِه الصَّغير»: أكْثَرُه الثُّلُثان فصاعِدًا، واليَسيرُ الثُّلثُ فما دُونَه. وأطْلقَ الأْكْثرُ الأكْثرَ، فشَمِلَ أكثرَ مِن النِّصْفِ ولو بيَسِيرٍ.
وعنه، يُجْزِئُ مسْحُ قَدْرِ النَّاصِيَةِ. وأطْلقَ الأوْلَى. وهذا قوْلُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنِ عَقِيل في «التَّذْكِرَة»، والقاضي في «الجامِعِ». فعلَيها، لا تَتَعَيَّنُ النَّاصِيَةُ للمسْحِ على الصَّحيح، بل لو مسَح قدْرَها مِن وَسَطِه، أو مِن أيِّ جانب منه أجْزأ. ذكَره القاضي، وابنُ عَقِيل، عن أحمدَ. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوبَين»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «ابنِ رَزِين»، وغيرهم. قال الزَّكَشِيُّ: قال القاضي، وعامَّةُ مَن بعْدَهم: لا تَتعَيَّنُ النَّاصِيَةُ على المعْروف.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَين»، و «الحاوي»، وابنُ حَمْدان: هذا أصَحُّ الوَجْهَين.
وقال ابنُ عَقِيل: يَحْتَمِلُ أن تَتَعَيَّنَ النَّاصِيَةُ للمَسح. واخْتارَه القاضي في موْضعٍ مِن كلامِه، وأطْلَقَهما في «الفُروعَ»، و «ابنِ تَميمٍ».
تنبيه: النَّاصِيَة مُقدَّمُ الرأْسِ. قاله القاضي. وقدَّمه في «الفُروعِ». وجزَم به . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الرِّعايَةِ». وقيل: هي قُصاصُ الشَّعَر. قدَّمَه ابنُ تَميمٍ،
وقال: ذكَره شيخُنا؛ وعنه، يُجْزِئُ مسْحُ بعضِ الرأس مِن غيرِ تَحْديدٍ. [قال الزَّرْكَشِيُّ: وصرَّح ابنُ أبي موسى بعدَمِ تحْديدِ الرِّوايةِ؛
فقال: وعنه، يجِبُ مسْحُ البعضِ مِن غيرِ تحديدٍ]. وذكَر في الانْتِصارِ احْتِمالًا، يُجْزِئ مسْحُ بعضِه في التَّجْديدِ، دونَ غيرِه.
وقال القاضي فِي «التَّعْلِيقِ»: يُجْزِئُ مسْحُ بعضِه للعُذْرِ. واخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّين، أنَّه يَسْمَحُ معه العِمامَةَ للعُذْرِ، كالنَّزْلَةِ ونحوها، وتكونُ كالجَبِيرَةِ، فلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
توْقِيتَ. وعنه، يُجْزِيء مسْحُ بعضِه للمرْأةِ دُونَ غيرِها. قال الخَلَّالُ، والمُصَنِّفُ: هذه الرِّوايَةُ هي الظَّاهِرَةُ عن أحمدَ. قال الخَلَّالُ: العمَلُ في مذهبِ أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، أنَّها إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رأْسِها أجْزَاها.
فائدتان؛ إحدَاهما، إذا قُلْنا: يُجْزئُ مسْحُ بعضِ الرأْس. لم يَكْفِ مسْحُ الأُذُنَين عنه، على المشْهورِ مِنَ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: ولا يَكْفِي أُذُنَيه في الأشْهرِ. قال الزَّرْكَشيُّ: واتَّفَقَ الجمهورُ أنَّه لا يُجْزئُ مسْح الأذُنَين عن ذلك البعض. وللقاضي في «شَرْحِه الصَّغيرِ» وَجْهُ بالإِجْزاءِ.
قال في «الرِّعَايَةِ»: وهو بعيدٌ. قال ابنُ تَميم: وقطَع غيره بعدَمِ الإِجْزاءِ.
وقال الشيخُ تقيُّ الدِّين: يجوزُ الاقْتِصارُ على البَياضِ الذي فوقَ الأذُنَين دُونَ الشَّعَرِ، إذا قُلْنا؛ يُجْزِيء مسْحُ بعضِ الرَّأس. والثَّانيةُ، لو مسَحَ رأسَه كلَّه دَفْعَة واحدَةً، وقُلْنا: الفَرْضُ منه قَدْرُ النَّاصِيَة. فهل الكُلُّ فَرضٌ أو قدْرُ النَّاصِيَة؟ فيه وَجْهان،
والصَّحيحُ منهما أنَّ الواجِبَ قَدرُ النَّاصِيَةِ.
[قلتُ: ولها نَظائِرُ في الزَّكاةِ والهدي؛ فيما إذا وجَبَتْ عليه شاة في خَمس مِن الابِل، أو دَمٌ في الهَدْي، فأخْرَجَ بعِيرًا]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويجبُ مَسْحُ جَمِيعِه مع الأُذُنَين. إذا قُلْنا: يجِبُ مسْحُ جَميعِه، وأنَّهُما مِن الرأْسِ مَسَحَهما وجوبًا، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
نصَّ عليه. قال الزركَشيُّ: اخْتاره الأكْثَرون. وقدَّمه في «الشَّرحِ» وغيرِه.
وقال، هو والنَّاظِمُ، وغيرُهما: والأوْلَى مَسْحُهما وجزَم بالوُجوبِ في «التلخيصِ»، وغيرِه. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وعنه، لا يجِبُ مَسْحُهما. قال الزَّرْكَشِيُّ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هي الأشْهَرُ نقْلا. قال الشَّارِحُ: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال في «الفائقِ»: هذا أصَحُّ الرِّوايتَين.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَين»: هذا أظْهَرُ الرِّوايتَين. واخْتارَها الخَلَّالُ، والمُصَنِّفُ. وجَزَمَ به في «العمدَةِ». وأطْلَقَهُما في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفُروعِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «ابنِ تَميمٍ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكَى في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَين» الخِلافَ وَجْهَين. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وحكَاه رِوايتَين في «الفُروعِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»، و «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الزَّرْكَشِيِّ». وهو الصَّوابُ.
فائدة: البَياضُ الذي فوقَ الأُذُنَين دُونَ الشَّعَرِ مِن الرَّأْسِ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. اخْتارَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وجماعةٌ. وجَزَم به في «الفُروعِ»، في بابِ الوُضوءِ، وقدَّمه في بابِ مَحْظوراتِ الإِحْرامَ.
قلتُ: وذكَر جماعَةٌ، أنَّه ليس . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِن الرَّأْس إجْماعًا. وتَقَدَّم بعضُ فُروعِ هذه المسْألَة في أواخِرِ بابِ السِّواك، عندَ قولِه: وأخْذُ ماءٍ جديدٍ للأذُنَين .
فائدة: الواجِبُ مسْحُ ظاهِرِ الشَّعَرِ،
فلو مسَحَ البَشَرَةَ لم يُجْزِه، لو غَسَلَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
باطِنَ اللِّحْيَةِ. ولو حَلَقَ البعضَ فنَزَلَ عليه شَعَرُ ما لم يَحْلِقْ، أجْزَأَه المسْحُ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قاله الزَّرْكَشيِّ، وغيرُه.
قال في «الرِّعايَةِ»: فإنْ فقدَ شَعَرَه مسَحَ بشَرَتَه،
وإنْ فقدَ بعضَه مسَحَهُما، وإنِ انْعطَفَ بعضُه على ما علَا منه، أجْزَأ مسْحُ بعضِ شعرِه فقط. انتهى.
قلتُ: ويَحْتَمِلُ عَدَمَ الإِجْزاء. وَلَا يُستَحَبُّ تَكْرَارُهُ وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.