Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Found property and foundlings

Dealings

My school

These are the main texts as they are, not a comparison.To compare: the disputed masa’il of this chapter

In the four schools’ base texts

Hanafi
Another book
المبسوطal-Sarakhsi · 627 masa’il
  1. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ اللَّقِيطِ.

  2. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

  3. : اللَّقِيطُ لُغَةً اسْمٌ لِشَيْءٍ مَوْجُودٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْقَتِيلِ وَالْجَرِيحِ بِمَعْنَى الْمَقْتُولِ وَالْمَجْرُوحِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِحَيٍّ مَوْلُودٍ طَرَحَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنْ الْعَيْلَةِ أَوْ فِرَارًا مِنْ تُهْمَةِ الرِّيبَةِ، مُضَيِّعُهُ آثِمٌ، وَمُحْرِزُهُ غَانِمٌ لِمَا فِي إحْرَازِهِ مِنْ إحْيَاءِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ، وَإِحْيَاءُ الْحَيِّ بِدَفْعِ سَبَبِ الْهَلَاكِ عَنْهُ

  4. قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} ، وَلِهَذَا كَانَ رَفْعُهُ أَفْضَلَ مِنْ تَرْكِهِ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ تَرْكِ التَّرَحُّمِ عَلَى الصِّغَارِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرًا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرًا فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَفِي رَفْعِهِ إظْهَارُ الشَّفَقَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى مَا قِيلَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكِتَابُ.

  5. وَرَوَاهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَتَى بِهِ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ هُوَ حُرٌّ، وَلَأَنْ أَكُونَ وَلِيتُ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلَ الَّذِي وَلِيتَ مِنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذَا

  6. وَكَذَا فَقَدْ اسْتَحَبَّ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُلْتَقِطُ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رَفْعَهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.

  7. (فَإِنْ قِيلَ) : مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ بِوِلَايَةِ الْإِمَامَةِ؟ (قُلْنَا) : نَعَمْ، وَلَكِنْ إحْيَاؤُهُ كَانَ فِي الْتِقَاطِهِ حِينَ كَانَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ،

  8. وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَخْذِ مِنْهُ بَعْدَمَا ظَهَرَ لَهُ حَافِظٌ وَمُتَعَهِّدٌ فَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ إلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ إمَّا بِاعْتِبَارِ الدَّارِ لِأَنَّ الدَّارَ حُرِّيَّةٌ، وَإِسْلَامٌ فَمَنْ كَانَ فِيهَا فَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ يَسْكُنُ دَارَ الْإِسْلَامِ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَالنَّاسُ أَوْلَادُ آدَمَ، وَحَوَّاءَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -، وَكَانَا حُرَّيْنِ

  9. فَلِهَذَا كَانَ اللَّقِيطُ حُرًّا، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَضَ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ، وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِلصَّرْفِ إلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَلَاؤُهُ وَعَقْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّ عَقْلَ جِنَايَتِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا كَانَ مَالُهُ مَصْرُوفًا إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِيرَاثًا لِلْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ عَقْلُ جِنَايَتِهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْغُنْمَ مُقَابَلٌ بِالْغُرْمِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا، قَالَ: اللَّقِيطُ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ، وَعَقْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا عَلَى بَابِي فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا هُوَ حُرٌّ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْنَا، وَمَعْنَى الْمَنْبُوذِ الْمَطْرُوحُ قَالَ تَعَالَى {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} ، وَهُوَ الِاسْمُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمَوْجُودِ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ لَقِيطًا بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ، وَتَفَاؤُلًا لِاسْتِصْلَاحِ حَالِهِ فَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا مَثَلٌ مَعْرُوفٌ لِمَا يَكُونُ بَاطِنُهُ

  10. بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ الزَّبَّاءُ الْمَلِكَةُ حِينَ رَأَتْ الصَّنَادِيقَ فِيهَا الرِّجَالُ، وَقَدْ أُخْبِرَتْ أَنَّ فِيهَا الْأَمْوَالَ فَلَمَّا أَحَسَّتْ بِذَلِكَ أَنْشَأَتْ تَقُولُ

  11. مَا لِلْجَمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدًا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدَا

  12. أَمْ صَرَفَانًا بَارِدًا شَدِيدَا ... أَمْ الرِّجَالُ جُثَّمًا قُعُودَا

  13. ثُمَّ قَالَتْ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا فَطَارَ كَلَامُهَا مَثَلًا، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ظَنَّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ جَاءَ إلَيْهِ بِوَلَدِهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نَفَقَتَهُ فَلِهَذَا ذُكِرَ هَذَا الْمِثْلُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِاللَّقِيطِ إلَى الْإِمَامِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ نَفَقَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ حُرًّا كَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَفَقَتُهُ عَلَيْنَا، وَهُوَ حُرٌّ،

  14. وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ فِي نَفَقَتِهِ مُتَطَوِّعٌ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى اللَّقِيطِ إذَا كَبِرَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى مَا صَنَعَ شَرْعًا، وَالْمُتَطَوِّعُ مَنْ يَكُونُ مُخَيَّرًا غَيْرَ مُجْبَرٍ عَلَى إيجَادِ شَيْءٍ شَرْعًا.

  15. وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى وَلَدٍ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ إذْنِ أَبِيهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا أَنْفَقَ عَلَى اللَّقِيطِ، وَهَذَا لِأَنَّ بِالِالْتِقَاطِ يَثْبُتُ لَهُ مِنْ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ اللَّقِيطُ، وَهُوَ الْحِفْظُ وَالتَّرْبِيَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ إلْزَامِ شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ مُثْبِتٌ لِلْوِلَايَةِ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ أَنَّهُمْ بِمِثْلِ هَذَا يَتَبَرَّعُونَ، وَفِي الرُّجُوعِ لَا يَطْمَعُونَ، وَمُطْلَقُ الْفِعْلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ فَإِنْ أَمَرَهُ

  16. الْقَاضِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَصَبَ نَاظِرًا، وَمَعْنَى النَّظَرِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، وَأَبَى الْمُلْتَقِطُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ فَتَمَامُ النَّظَرِ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بِدُونِ النَّفَقَةِ عَادَةً، وَلِلْقَاضِي عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ لِأَنَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ يَثْبُتُ وِلَايَتُهُ بِحَقِّ الدَّيْنِ،

  17. وَمِنْ وَجْهِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ فَوْقَ الْوِلَايَةِ الثَّابِتَةِ بِالْأُبُوَّةِ فَلِهَذَا اُعْتُبِرَ أَمْرُهُ فِي إلْزَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُجَرَّدُ أَمْرِ الْقَاضِي بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ يَكْفِي،

  18. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي نَافِذٌ عَلَيْهِ كَأَمْرِهِ بِنَفْسِهِ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ.

  19. وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَانَ مَا يُنْفِقُ دَيْنًا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ الْقَاضِي بِهِ،

  20. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَأْمُرَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ مُحْتَمَلٌ قَدْ يَكُونُ لِلْحَثِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ التَّبَرُّعِ فَإِنَّمَا يَزُولُ هَذَا الِاحْتِمَالُ إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فَلِهَذَا قُيِّدَ الْأَمْرُ بِهِ فَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَذَا، وَصَدَّقَهُ اللَّقِيطُ فِي ذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ،

  21. وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَمِينٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ أَمِينًا فِيمَا يَنْفِي بِهِ الضَّمَانَ عَنْ نَفْسِهِ فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ مَا يَدَّعِيهِ بِالْبَيِّنَةِ.

  22. وَشَهَادَةُ اللَّقِيطِ بَعْدَمَا أَدْرَكَ

  23. جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إذَا ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الزِّنَا لِأَنَّهُ فِي النَّاسِ مُتَّهَمٌ بِأَنَّهُ وَلَدُ الزِّنَا فَيُعَيَّرُ بِذَلِكَ فَرُبَّمَا يَقْصِدُ بِشَهَادَتِهِ إلْحَاقَ عَارِ الزِّنَا بِغَيْرِهِ لِيُسَوِّيَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ الزَّانِيَ بَعْدَ ظُهُورِ تَوْبَتِهِ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا، وَالسَّارِقُ كَذَلِكَ ثَمَّ تُهْمَةُ الْكَذِبِ كَمَا تُنْفَى عَنْهُ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ بِتَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ عِنْدَ ظُهُورِ عَدَالَتِهِ فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا.

  24. وَجِنَايَتُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَحُدُودُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ كَمَا قَرَّرْنَا رَجُلٌ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ صَدَّقْته اسْتِحْسَانًا، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِي الْتَقَطَ لَوْ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْفَصْلَيْنِ أَمَّا الْمُلْتَقِطُ إذَا ادَّعَاهُ فِي الْقِيَاسِ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ فِي كَلَامِهِ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَقِيطٌ فِي يَدِهِ، وَابْنُهُ لَا يَكُونُ لَقِيطًا فِي يَدِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ النِّسْبَةُ إلَيْهِ إذَا بَلَغَ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ يَقُولُهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ لِيَتَشَرَّفَ بِهِ، وَيَنْدَفِعَ الْعَارُ عَنْهُ فَهُوَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ يَكْتَسِبُ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ، وَبِالِالْتِقَاطِ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمِقْدَارُ يُوَضِّحُهُ

  25. أَنَّهُ يَلْتَزِمُ حِفْظَهُ، وَنَفَقَتَهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَهَذَا الِالْتِزَامُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَهُ هَذِهِ الْوِلَايَةُ ثُمَّ التَّنَاقُضُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِالدَّعْوَةِ كَالْمُلَاعِنِ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ سَبَبُهُ خَفِيٌّ فَرُبَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الِابْتِدَاءِ فَظَنَّ أَنَّهُ لَقِيطٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ وَلَدُهُ.

  26. وَإِنْ ادَّعَاهُ غَيْرُ الْمُلْتَقِطِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَهَذَا قِيَاسٌ آخَرُ سِوَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ، وَحَقُّ الْحِفْظِ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُلْتَقِطِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فَلَا يُقْبَلُ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ فِي إبْطَالِ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهُ.

  27. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ اللَّقِيطَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ فَهُوَ فِي دَعْوَةِ النَّسَبِ يُقِرُّ لَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ، وَيَلْتَزِمُ حَقًّا لَهُ فَكَانَ دَعْوَاهُ كَدَعْوَى الْمُلْتَقِطِ لِنَسَبِهِ ثُمَّ يَتَرَجَّحُ هُوَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ فِي الْحِفْظِ حُكْمًا لِثُبُوتِ نَسَبِهِ، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمًا،

  28. وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إثْبَاتِهِ قَصْدًا كَمَا أَنَّ النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ حُكْمًا،

  29. وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ الْمَالُ بِشَهَادَتِهَا قَصْدًا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَخْذَ اللَّقِيطِ مِنْ يَدِهِ فَإِنَّمَا مُنَازَعَتُهُ فِي عَيْنِ مَا بَاشَرَهُ الْأَوَّلُ فَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِالسَّبْقِ،

  30. وَأَمَّا إذَا ادَّعَى نَسَبَهُ فَمُنَازَعَتُهُ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ بَاشَرَهُ الْمُلْتَقِطُ فَصَحَّتْ دَعْوَتُهُ لِمُصَادِفَتِهَا مَحَلَّهَا،

  31. وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ مِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ النَّسَبِ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَحَقَّ بِحِفْظِ وَلَدِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ.

  32. وَإِذَا أَبَى الْمُلْتَقِطُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى اللَّقِيطِ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ فَلِلْقَاضِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى إنَّهُ لَقِيطٌ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَقُولُ فَلَعَلَّهُ وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَاحْتَالَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ لِيُسْقِطَ نَفَقَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَلِهَذَا لَا يُصَدِّقُهُ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَقِيطٌ قَبِلَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حَاضِرٍ إمَّا لِأَنَّهَا تَقُومُ لِكَشْفِ الْحَالِ، وَالْبَيِّنَةُ لِكَشْفِ الْحَالِ مَسْمُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ أَوْ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُلْزِمَةٍ، وَاشْتِرَاطُ حُضُورِ الْخَصْمِ لِمَعْنَى الْإِلْزَامِ ثُمَّ الْقَاضِي مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَبَضَهُ مِنْهُ،

  33. وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَكِنْ يُوَلِّيهِ مَا تَوَلَّى فَيَقُولُ لَهُ قَدْ الْتَزَمْتَ حِفْظَهُ فَأَنْتَ وَمَا الْتَزَمْتَ، وَلَيْسَ لَك أَنْ تُلْزِمَنِي مَا الْتَزَمْتَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْبِضَهُ إذَا عَلِمَ بِعَجْزِهِ عَنْ حِفْظِهِ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ فِي يَدِهِ تَعْرِيضُهُ لِلْهَلَاكِ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ الْآنَ مِنْ بَابِ النَّظَرِ، وَالْقَاضِي مَنْصُوبٌ لِذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَهُ، وَوَضَعَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى اللَّقِيطِ ثُمَّ إنَّ الَّذِي الْتَقَطَهُ سَأَلَ الْقَاضِيَ إنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَيْهِ،

  34. وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرُدَّ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ مَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ فَحَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَحَالِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ فِي طَلَبِ الرَّدِّ.

  35. رَجُلٌ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ فَاخْتَصَمَا فِيهِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ يَدَهُ سَبَقَتْ إلَيْهِ فَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ

  36. ثُمَّ الثَّانِي بِالْأَخْذِ فَوَّتَ عَلَيْهِ يَدًا مُحَقَّةً فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَذَ مَا هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى أَخْذِهِ، وَالثَّانِي أَخَذَ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِهِ لِحَقِّ الْأَوَّلِ فَلَا تَكُونُ يَدُهُ مُعَارِضَةً لِيَدِ الْأَوَّلِ، وَلَا نَاسِخَةً لَهَا.

  37. كَبُرَ اللَّقِيطُ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ

  38. وَإِذَا كَبُرَ اللَّقِيطُ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ فَذَلِكَ إلَى اللَّقِيطِ لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلَهُ قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ إذَا كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ مِنْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يُقِرُّ لَهُ بِالنَّسَبِ مِنْ وَجْهٍ، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ النِّسْبَةُ إلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ كَلَامِهِ فِي حَقِّهِ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ دَعْوَى كَانَ أَوْ إقْرَارٌ،

  39. وَإِذَا صَدَّقَهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تُكَذِّبُهُمَا، وَجِنَايَةُ اللَّقِيطِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ وَلَاءَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ مَطْلُوبٌ لِمَعْنَى التَّنَاصُرِ وَالتَّقَوِّي بِهِ،

  40. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مَوْلًى مُعَيَّنٌ فَتَنَاصُرُهُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّى بِهِمْ فَإِذَا كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُمْ كَانَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِمْ يُؤَدَّى مَنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مَالُهُمْ، وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ دُونَ الَّذِي الْتَقَطَهُ وَرَبَّاهُ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ بِالْقَرَابَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ وَلَاءٍ، وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (فَإِنْ قِيلَ) هُوَ بِالِالْتِقَاطِ وَالتَّرْبِيَةِ قَدْ أَحْيَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ كَمَا يَثْبُتُ لِلْمُعْتَقِ بِالْإِعْتَاقِ الَّذِي هُوَ إحْيَاءٌ حُكْمًا (قُلْنَا) هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّقِيقَ فِي صِفَةِ مَالِكِيَّةِ الْمَالِ هَالِكٌ، وَالْمُعْتِقُ مُحْدِثٌ فِيهِ لِهَذَا الْوَصْفِ، وَاللَّقِيطُ كَانَ حَيًّا حَقِيقَةً،

  41. وَمِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ حُكْمًا فَالْمُلْتَقِطُ لَا يَكُونُ مُحْيِيًا لَهُ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا فَلَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ مَا لَمْ يُعَاقِدْهُ عَقْدَ الْوَلَاءِ بِالْبُلُوغِ.

  42. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِلْمُلْتَقِطِ مِنْهُ كَانَ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ فَيَرِثُهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يُوضَعُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.

  43. وَإِنْ وَالَى رَجُلًا بَعْدَمَا أَدْرَكَ جَازَ كَمَا لَوْ وَالَى الْمُلْتَقِطُ لِأَنَّ وَلَاءَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَتَأَكَّدْ بَعْدُ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ

  44. بِخِلَافِ مَا إذَا جَنِيَ جِنَايَةً، وَعَقْلُهُ بَيْتُ الْمَالِ فَإِنَّ هُنَاكَ قَدْ تَأَكَّدَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ حِينَ عَقَلُوا جِنَايَتَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ ذَلِكَ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ مَعَ أَحَدٍ كَاَلَّذِي أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يَجْنِيَ جِنَايَةً، وَيَعْقِلُهُ بَيْتُ الْمَالِ،

  45. وَلَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ عَلَى اللَّقِيطِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى عَقْدُ النِّكَاحِ،

  46. وَلَا بَيْعٌ، وَلَا شِرَاءٌ لِأَنَّ نُفُوذَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الْغَيْرِ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةُ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ،

  47. وَلَا وِلَايَةَ لِلْمُلْتَقِطِ عَلَى اللَّقِيطِ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْحِفْظِ وَالتَّرْبِيَةِ لِكَوْنِهِ مَنْفَعَةً مَحْضَةً فِي حَقِّهِ، وَبِهَذَا السَّبَبِ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ.

  48. وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّقِيطَ عَبْدُهُ لَمْ يُصَدَّقْ بَعْدَ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلِأَنَّ يَدَهُ يَدُ حِفْظٍ فَلَا

  49. يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَوِّلَ يَدَهُ يَدَ مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، وَهَذَا

  50. بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِلَّقِيطِ بِمَا يَنْفَعُهُ، وَهَذَا دَعْوَى عَلَيْهِ بِمَا يَضُرُّهُ، وَهُوَ تَبْدِيلُ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ.

  51. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ لَقِيطًا مَعَهُ مَالٌ فَوَضَعَهُ الْقَاضِي عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ أَنْفِقْ عَلَيْهِ مِنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لِلَّقِيطِ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ مَعَهُ فَكَانَتْ يَدُهُ أَسْبَقَ إلَيْهِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ وَاضِعَهُ وَضَعَ ذَلِكَ الْمَالَ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ جَائِزٌ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُخْبِرُ بِمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُنْكِرُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَنْ دَفَعَ إلَى إنْسَانٍ مَالًا، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِمْ، وَمَا اشْتَرَى مِنْ طَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا أَمَرَهُ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ عَلَيْهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَلِلْقَاضِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فَكَذَلِكَ مَا يَمْلِكُهُ الْمُلْتَقِطُ بِأَمْرِ الْقَاضِي.

  52. وَإِذَا مَاتَ اللَّقِيطُ وَتَرَكَ مِيرَاثًا أَوْ لَمْ يَتْرُكْ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّ نَسَبَهُ لَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّ حُكْمَ النَّسَبِ وُجُوبُ الِانْتِسَابِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ الشَّرَفُ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الدَّعْوَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهُوَ بِالْمَوْتِ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ فَبَقِيَ كَلَامُهُ دَعْوَى الْمِيرَاثِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ.

  53. وَإِذَا أَدْرَكَ اللَّقِيطُ كَافِرًا، وَقَدْ وُجِدَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ حُبِسَ، وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ حُكِمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ فَإِنَّهُ مَكَانُ الْمُسْلِمِينَ،

  54. وَمَنْ حُكِمَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ إذَا أَدْرَكَ كَافِرًا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ،

  55. وَلَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا كَالْمَوْلُودِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا. وَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ إنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ فَيُقْتَلُ عَلَى الرِّدَّةِ كَمَا لَوْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ تَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ بِالْقَلْبِ، وَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ انْعَدَمَ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَصِيرُ هَذَا شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ لَهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ كَانَ لِتَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْقَتْلِ مَعْنَى تَوْفِيرِ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا نَقُولُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا أَسْلَمَ يَحْسُنُ إسْلَامُهُ ثُمَّ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا يُحْبَسُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ،

  56. وَلَا يُقْتَلُ فَإِنْ مَاتَ هَذَا اللَّقِيطُ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ صَلَّيْت عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلْمَكَانِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ كَالصَّبِيِّ إذَا سُبِيَ وَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ.

  57. (قَالَ) وَلَوْ كَانَ وُجِدَ فِي بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ لَيْسَ

  58. فِيهَا إلَّا مُشْرِكٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا بَلَغَ كَافِرًا وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَهُمْ كُفَّارٌ كُلُّهُمْ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فِي الْحَاصِلِ أَحَدُهَا أَنْ يَجِدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ فَيَكُونَ مَحْكُومًا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَالثَّانِي أَنْ يَجِدَهُ كَافِرٌ فِي مَكَانِ أَهْلِ الْكُفْرِ كَالْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ فَيَكُونَ مَحْكُومًا بِالْكُفْرِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَجِدَهُ كَافِرٌ فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَجِدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَكَانِ الْكُفَّارِ فَفِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فَفِي كِتَابِ اللَّقِيطِ يَقُولُ الْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْعِبْرَةُ لِلْوَاجِدِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ أَيُّهُمَا كَانَ مُوجِبًا لِلْإِسْلَامِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ يُحَكَّمُ زِيُّهُ، وَعَلَامَتُهُ، وَجْهُ رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الْمَكَانَ إلَيْهِ أَسْبَقُ مِنْ يَدِ الْوَاجِدِ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ السَّابِقُ، وَالظَّاهِرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَضَعُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي الْبَيْعَةِ عَادَةً،

  59. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يَضَعُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ عَادَةً فَيُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.

  60. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ يَدَ الْوَاجِدِ أَقْوَى لِأَنَّهُ إحْرَازٌ لَهُ، وَالْمُبَاحُ بِالْإِحْرَازِ يَظْهَرُ حُكْمُهُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ تَبَعِيَّةُ الْمَكَانِ عِنْدَ عَدَمِ يَدٍ مُعْتَبَرَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ سُبِيَ، وَمَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ فَكَذَلِكَ مَعَ يَدِ الْوَاجِدِ لَا مُعْتَبَرَ بِالْمَكَانِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَ الْوَاجِدِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ اعْتِبَارَ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ الْإِسْلَامَ، وَاعْتِبَارَ الْآخَرِ يُوجِبُ الْكُفْرَ فَيَتَرَجَّحُ الْمُوجِبُ لِلْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْمَوْلُودِ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الزِّيُّ.

  61. قَالَ: عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ اعْتِبَارُ الزِّيِّ وَالْعَلَامَةِ أَصْلٌ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ يُعْتَبَرُ الزِّيُّ، وَالْعَلَامَةُ لِلْفَصْلِ،

  62. وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ إذَا فَتَحُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَوَجَدُوا شَيْخًا عَلَيْهِ سِيمَا الْمُسْلِمِينَ يُعَلِّمُ صِبْيَانًا حَوْلَهُ الْقُرْآنَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ،

  63. وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لِاعْتِبَارِ الزِّيِّ، وَالْعَلَامَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} فَهَذَا اللَّقِيطُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ الْمُسْلِمِينَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا،

  64. وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ الْكُفَّارِ بِأَنْ كَانَ فِي عُنُقِهِ صَلِيبٌ أَوْ عَلَيْهِ ثَوْبُ دِيبَاجٍ أَوْ هُوَ مَحْرُوزٌ وَسَطَ الرَّأْسِ فَاَلَّذِي يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ فَيُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَإِنْ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ، وَكُفَّارٌ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ اسْتِحْسَانًا، وَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ يُعْتَبَرُ الْمَكَانُ.

  65. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الدَّلِيلَانِ، وَتَسَاوَيَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَوْتَى الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ إذَا اخْتَلَطُوا، وَاسْتَوَوْا لَمْ يُصَلَّ

  66. عَلَيْهِمْ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي التَّحَرِّي، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمَّا تَعَارَضَتْ فِي حَقِّ الْمَكَانِ يَتَرَجَّحُ الْإِسْلَامُ بِاعْتِبَارِ الْوَاجِدِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ عُلُوِّ حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا مَاتَ.

  67. وَإِذَا وُجِدَ اللَّقِيطُ عَلَى دَابَّةٍ فَالدَّابَّةُ لَهُ لِسَبْقِ يَدِهِ إلَيْهَا فَإِنَّ الْمَرْكُوبَ تَبَعٌ لِرَاكِبِهِ، وَهُوَ كَمَالٌ آخَرُ يُوجَدُ مَعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ وَضَعَ مَعَهُ الْمَالَ فَإِنَّمَا وَضَعَ لِيُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَكَذَلِكَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا لِيُنْفَقَ عَلَيْهِ مَالِيَّةُ تِلْكَ الدَّابَّةِ.

  68. وَإِذَا وُجِدَ اللَّقِيطُ بِالْكُوفَةِ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ ابْنُهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالْإِسْلَامِ فَلَوْ جُعِلَ ابْنُ الْكَافِرِ بِدَعْوَاهُ لَكَانَ تَبَعًا لَهُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بَعْدَمَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَلِأَنَّ تَنْفِيذَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ فِي دَعْوَةِ النَّسَبِ نَوْعُ وِلَايَةٍ،

  69. وَلَا وِلَايَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ بَعْدَمَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَمَنَّ ادَّعَى نَسَبَهُ،

  70. وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ مُقَرٌّ لَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ فَيَكُونُ إقْرَارُهُ صَحِيحًا، وَمُوجَبُ كَلَامِهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ نَسَبِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَنْفَعُهُ، وَالْآخَرُ كُفْرُهُ، وَذَلِكَ يَضُرُّهُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ امْتِنَاعِ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ امْتِنَاعُهُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّ النَّسَبَ يَنْفَصِلُ عَنْ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْكَافِرِ مِنْ امْرَأَةِ مُسْلِمَةٍ يَكُونُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الْكَافِرِ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا فَهَذَا مِثْلُهُ.

  71. ادَّعَى مُسْلِمٌ أَنَّ اللَّقِيطَ عَبْدُهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ

  72. فَإِذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ أَنَّ اللَّقِيطَ عَبْدُهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ دَعْوَاهُ بِالْحُجَّةِ، وَثُبُوتُ حُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَالظَّاهِرُ لَا يُعَارِضُ الْبَيِّنَةَ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ،

  73. وَلَا خَصْمَ عَنْ اللَّقِيطِ لِأَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَيْسَ بِوَلِيٍّ فَلَا يَكُونُ خَصْمًا عَنْهُ فِيمَا يَضُرُّهُ (قُلْنَا) الْمُلْتَقِطُ خَصْمٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِحِفْظِهِ لِأَنَّهُ لَقِيطٌ فَلَا يَتَوَصَّلُ الْمُدَّعِي إلَى اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى رِقِّهِ فَلِهَذَا كَانَ خَصْمًا عَنْهُ فَإِنْ أَقَامَ الذِّمِّيُّ الْبَيِّنَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهُ ابْنُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

  74. قِيلَ مُرَادُهُ أَنَّهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى رِقِّهِ،

  75. وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَارَضَةُ بِهَذِهِ لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ الْمُسْلِمِ،

  76. وَالْأَصَحُّ أَنَّ مُرَادَهُ إذَا ادَّعَى الذِّمِّيُّ ابْتِدَاءَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ مِنْهُ بِالدَّعْوَةِ، وَلَكِنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ،

  77. وَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ فِي حُكْمِ الدِّينِ إنَّمَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ شُهُودُهُ مُسْلِمِينَ قَضَيْتُ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ نَسَبَهُ مِنْهُ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فَيَصِيرُ تَبَعًا لَهُ فِي الدِّينِ،

  78. وَلَا يَأْخُذُهُ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا

  79. فِيمَا فَعَلَ.

  80. وَإِذَا وَجَدَ اللَّقِيطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَتَنَازَعَا فِي كَوْنِهِ عَبْدَ أَحَدِهِمَا قُضِيَ بِهِ لِلْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ الْمُسْلِمُ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُعَلِّمُهُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، وَالْكَافِرُ يُعَلِّمُهُ أَحْكَامَ الْكُفْرِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ، وَكَوْنُهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ أَنْفَعَ لَهُ حَتَّى يَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّقِيطُ يَعْرِفُ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ.

  81. ادَّعَتْ امْرَأَةٌ اللَّقِيطَ أَنَّهُ ابْنُهَا

  82. وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ اللَّقِيطَ أَنَّهُ ابْنُهَا لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا بِشُهُودٍ

  83. بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَاهُ رَجُلٌ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْفِرَاشِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ صَاحِبِ الْفِرَاشِ أَوَّلًا، وَهُوَ الرَّجُلُ فَالْمَرْأَةُ بِالدَّعْوَةِ تَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهَا، وَهُوَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ حَتَّى إذَا ثَبَتَ مِنْهُ يَثْبُتُ مِنْهَا، وَقَوْلُهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْغَيْرِ، وَالرَّجُلُ يَدَّعِي النَّسَبَ لِنَفْسِهِ ابْتِدَاءً، وَيُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الرَّجُلِ خَفِيٌّ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْوَطْءُ فَيُقْبَلُ فِيهِ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ، وَسَبَبُ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْوِلَادَةُ، وَذَلِكَ يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، وَهُوَ الْقَابِلَةُ فَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ قَوْلِهَا فِيهِ حَجَّةً فَإِنْ أَقَامَتْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهَا لِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ.

  84. وَإِنْ ادَّعَتْهُ امْرَأَتَانِ، وَأَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ امْرَأَةً أَنَّهُ ابْنُهَا فَهُوَ ابْنُهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

  85. وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَكُونُ ابْنَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.

  86. وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ حُجَّةٌ تَامَّةٌ فِي إثْبَاتِ الْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فَكَانَ إقَامَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا امْرَأَةً وَاحِدَةً بِمَنْزِلَةِ إقَامَتِهَا رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ.

  87. وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا تَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُزَاحَمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَتْ إحْدَاهُمَا رَجُلَيْنِ، وَالْأُخْرَى امْرَأَةً وَاحِدَةً لَمْ تَكُنْ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ حُجَّةً فِي مُعَارَضَةِ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُقِيمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَثْبُتُ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ كِتَابِ الدَّعْوَى مَعَ أُخْتِهَا، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فَإِنْ أَقَامَتْ إحْدَاهُمَا رَجُلَيْنِ، وَالْأُخْرَى امْرَأَتَيْنِ جَعَلَتْهُ ابْنَ الَّتِي شَهِدَ لَهَا الرَّجُلَانِ؛

  88. لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلَيْنِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ، وَشَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالضَّعِيفُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ.

  89. وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ الذِّمِّيُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ لَقِيطًا فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّهُ لَمَّا عُلِمَ أَنَّهُ لَقِيطٌ

  90. فَقَدْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ أَوْ الْأَصْلِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِصِفَةِ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ ذَلِكَ.

  91. وُجِدَ اللَّقِيطُ قَتِيلًا فِي مَكَان غَيْرِ مِلْكِ الْمُلْتَقِطِ

  92. وَإِذَا وُجِدَ اللَّقِيطُ قَتِيلًا فِي مَكَان غَيْرِ مِلْكِ الْمُلْتَقِطِ فَالْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَتِلْكَ الْمَحَلَّةُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُحْتَرَمٌ فَإِنَّهُ لَمَّا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَحُرِّيَّتِهِ كَانَتْ لِنَفْسِهِ مِنْ الْحُرْمَةِ وَالتَّقَوُّمِ مَا لِسَائِرِ نُفُوسِ الْأَحْرَارِ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ وَالْقَسَامَةِ لِصِيَانَةِ النُّفُوسِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الْإِهْدَارِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُتْرَكُ فِي الْإِسْلَامِ دَمٌ مُفْرَجٌ» أَيْ مُهْدَرٌ ثُمَّ بَدَلُ النَّفْسِ مِيرَاثٌ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ.

  93. وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ لَقِيطًا فَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، وَقَالَ الْمَوْلَى كَذَبْت بَلْ هُوَ عَبْدِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَا هُوَ قَابِضٌ لَهُ بَلْ يَدُهُ يَدُ مَوْلَاهُ فَكَأَنَّهُ فِي يَدِ مَوْلَاهُ وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ لِأَنَّ لَهُ يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي كَسْبِهِ فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ فَكُّ الْحَجْرِ، وَإِطْلَاقُ الْيَدِ فِي الْكَسْبِ،

  94. وَمَنْ لَهُ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي شَيْءٍ فَقَوْلُهُ فِيهِ مَسْمُوعٌ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْعَبْدَ بِقَوْلِهِ هَذَا لَقِيطٌ فِي يَدِي يُخْبِرُ بِسُقُوطِ حَقِّ مَوْلَاهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَالْمَحْجُورُ لَا قَوْلَ لَهُ فِيمَا فِي يَدِهِ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالدَّيْنِ لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ مَوْلَاهُ عَمَّا فِي يَدِهِ

  95. بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ فَقَوْلُهُ فِيمَا يَدُهُ مَقْبُولٌ فِي إسْقَاطِ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْ أَخْذِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى نَفْسِهِ.

  96. وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ لَقِيطًا فَأَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ قَتَلَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ خَطَأً فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ لِبَيْتِ الْمَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ} ، وَاللَّقِيطُ حُرٌّ مُؤْمِنٌ فَيَجِبُ عَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إذَا كَانَ خَطَأً، وَالْمُلْتَقِطُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ،

  97. وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ بِهِ،

  98. وَإِنْ شَاءَ صَالَحَهُ عَلَى الدِّيَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ،

  99. وَلَا أَقْتُلُهُ بِهِ، وَالْحَرْبِيُّ إذَا أَسْلَمَ، وَخَرَجَ إلَى دَارِنَا ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا فَعَلَى قَاتِلِهِ الْقِصَاصُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ لِلَّقِيطِ، وَلِيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَصَبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ بَعُدَ إلَّا أَنَّا لَا نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَحَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ يَكُونُ إلَى الْوَلِيِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً مَانِعَةً لِلْإِمَامِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ،

  100. وَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِشُبْهَةٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ نَقُولُ فِي الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ

  101. يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ أَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِيَشْفِيَ الْغَيْظَ وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ لِلْأَوْلِيَاءِ،

  102. وَلَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِيفَاءِ مَا هُوَ حَقٌّ لَهُمْ، وَحَقُّهُمْ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ، وَهُوَ الدِّيَةُ لِأَنَّهُ مَالٌ مَصْرُوفٌ إلَى مَصَالِحِهِمْ فَلِهَذَا أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ.

  103. وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَاللَّقِيطُ سَوَاءٌ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْعُمُومَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ} ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ وَلِيٌّ فَالْإِمَامُ وَلِيُّهُ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» ،

  104. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السُّلْطَانَ هُوَ الْوَلِيُّ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ، وَالْمُرَادُ سُلْطَانُ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَافِ فِي الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} ، وَهَذَا يَتَّضِحُ فِي الَّذِي أَسْلَمَ،

  105. وَكَذَلِكَ فِي اللَّقِيطِ لِأَنَّ مَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَلِأَنَّ وَلِيَّهُ لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الِاسْتِيفَاءِ نَابَ الْإِمَامُ مَنَابَهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هُنَا شُبْهَةُ عَفْوٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلِيَّ غَيْرُ مَعْلُومٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ الْعَفْوُ مِنْهُ، وَحَدِيثُ الْهُرْمُزَانِ حُجَّةٌ لَهُمَا أَيْضًا فَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَمَّا قَتَلَهُ بِتُهْمَةِ دَمِ أَبِيهِ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طَلَبَ مِنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فَقَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَبُوهُ بِالْأَمْسِ فَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَقْتُلَهُ الْيَوْمَ،

  106. وَإِنَّ الْهُرْمُزَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَنَا وَلِيُّهُ أَعْفُو عَنْهُ، وَأُؤَدِّي الدِّيَةَ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ ثُمَّ الْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ لِحِكْمَةِ الْحَيَاةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} الْآيَةَ، وَذَلِكَ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ حَتَّى ضُرَّ إذَا تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ غَيْرَهُ قُتِلَ بِهِ انْزَجَرَ عَنْ قَتْلِهِ فَيَكُونُ حَيَاةً لَهُمَا جَمِيعًا وَلِهَذَا قِيلَ الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي اللَّقِيطِ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ كَتَحَقُّقِهِ فِي غَيْرِهِمَا فَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ صَالَحَ عَلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ وَلَهُ أَنْ يَمِيلَ بِاجْتِهَادِهِ إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالدِّيَةِ وَلِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَرُبَّمَا يَكُونُ اسْتِيفَاءُ الدِّيَةِ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بِغَيْرِ مَالٍ لِأَنَّهُ نُصِّبَ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَا لِإِبْطَالِهِ.

  107. قَاذِفُ اللَّقِيطِ

  108. وَيُحَدُّ قَاذِفُ اللَّقِيطِ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ فِي أُمِّهِ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ فَإِنَّهُ عَفِيفٌ عَنْ الزِّنَا أَوَّلًا مُعْتَبَرٌ بِالنَّسَبِ فِي إحْصَانِ الْقَذْفِ فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا أُمُّهُ لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ بَلْ هِيَ فِي صُورَةِ الزَّانِيَاتِ لِأَنَّ لَهَا وَلَدٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ وَالِدٌ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ فِي أُمِّهِ، وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ

  109. وَالْقِصَاصِ اللَّقِيطُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْرَارِ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ الْكَامِلُ إذَا ارْتَكَبَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لَهُ فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَمَا أَدْرَكَ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ، وَادَّعَاهُ فُلَانٌ كَانَ عَبْدًا لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ فِي قَبُولِ إقْرَارِهِ إبْطَالُ حَقٍّ ثَابِتٍ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الرِّقِّ مُحْتَمِلًا وَلَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ تَتَأَكَّدْ حُرِّيَّتُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِمَا لَا يَقْضِي بِهِ إلَّا عَلَى الْحُرِّ كَالْحَدِّ الْكَامِلِ، وَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ فَأَمَّا إذَا اتَّصَلَتْ حُرِّيَّتُهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِإِقْرَارِهِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إبْطَالِ الْحُكْمِ وَلِأَنَّهُ مُكَذَّبٌ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ شَرْعًا وَلَوْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ كَانَ حُرًّا فَإِذَا كَذَّبَهُ الشَّرْعُ أَوْلَى،

  110. وَمَتَى ثَبَتَ الرِّقُّ بِإِقْرَارِهِ فَأَحْكَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْجِنَايَاتِ، وَالْحُدُودِ كَأَحْكَامِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ صَارَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالرَّقِّ.

  111. وَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ امْرَأَةً فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لِرَجُلٍ، وَادَّعَى ذَلِكَ الرَّجُلُ كَانَتْ أَمَةً لَهُ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِمَا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَحْتَ زَوْجٍ لَا تُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ النِّكَاحِ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ الزَّوْجِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِرِقِّهَا انْتِفَاءُ النِّكَاحِ لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً

  112. بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَبِي زَوْجِهَا، وَصَدَّقَهَا الْأَبُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ،

  113. وَيَبْطُلُ النِّكَاحُ لِتَحَقُّقِ الْمُنَافِي فَإِنَّ الْأُخْتِيَّةَ تُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَلَوْ أَعْتَقَهَا الْمُقَرُّ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ أَيْضًا لِأَنَّ إقْرَارَهَا بِالرِّقِّ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَلِأَنَّهُ تَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ فِي أَنْ تُقِرَّ لَهُ بِالرِّقِّ ثُمَّ يُعْتِقَهَا فَتَخْتَارَ نَفْسَهَا لِتَخْلُصَ مِنْ الزَّوْجِ فَلِهَذَا لَا تُصَدَّقُ فِي حَقِّهِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ حُكْمٍ لَحِقَ الزَّوْجَ فِيهِ ضَرَرٌ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَفِي كُلِّ مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ تَكُونُ مُصَدَّقَةً فِي حَقِّهِ حَتَّى إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ صَارَ طَلَاقُهَا اثْنَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ بِمُرَاجَعَتِهَا، وَإِمْسَاكِهَا بِحُكْمِ التَّطْلِيقَةِ الثَّانِيَةِ.

  114. وَلَوْ كَانَ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا طَلَاقَهَا اثْنَتَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا لَحِقَ الزَّوْجَ ضَرَرٌ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا نُصَدِّقُهَا فِي ذَلِكَ،

  115. وَكَذَا حُكْمُ الْعِدَّةِ إنْ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ بَعْدَ مُضِيِّ حَيْضَتَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ.

  116. وَإِنْ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ بَعْدَ مُضِيِّ حَيْضَةٍ فَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ لِمَا قُلْنَا.

  117. وَلَوْ قَذَفَهَا زَوْجُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّ الرِّقَّ ثَبَتَ فِي حَقِّهَا بِإِقْرَارِهَا، وَالْمَمْلُوكَةُ لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً فَلَا يَجِبُ بِقَذْفِهَا حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ

  118. وَلَوْ كَانَتْ دَبَّرَتْ عَبْدًا

  119. أَوْ أَمَةً ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لَمْ تُصَدَّقْ عَلَى إبْطَالِهِ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ اسْتَحَقَّ حَقَّ الْعِتْقِ بِالتَّدْبِيرِ.

  120. وَلَوْ اسْتَحَقَّ حَقِيقَةَ الْعِتْقِ بِأَنْ أَعْتَقَتْهُ لَمْ تَصَدَّقْ عَلَى إبْطَالِهِ لِكَوْنِهَا مُتَّهَمَةً فِي حَقِّهِ فَكَذَلِكَ فِي التَّدْبِيرِ فَإِذَا مَاتَتْ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهَا، وَسَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهَا لِأَنَّ السِّعَايَةَ حَقُّهَا، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّ كَسْبَهَا لِمَوْلَاهَا، وَإِقْرَارُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا صَحِيحٌ.

  121. وَلَوْ أَنَّ مَوْلَاهَا أَعْتَقَهَا كَانَ الْمُدَبَّرُ عَلَى حَالِهِ غَيْرَ أَنَّ خِدْمَتَهُ لِلْمَوْلَى، وَسِعَايَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا لَهُ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِقْرَارُهَا بِذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا ثُمَّ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى إيَّاهَا لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ عَنْ كَسْبِهَا الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلِهَذَا كَانَتْ خِدْمَةُ مُدَبَّرِهَا، وَسِعَايَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا لِمَوْلَاهَا.

  122. وَإِذَا أَدْرَكَ اللَّقِيطُ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ وَلِامْرَأَتِهِ عَلَيْهِ صَدَاقٌ فَصَدَاقُهَا لَازِمٌ لَهُ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ سَبَبِهِ فَكَانَ هُوَ مُتَّهَمًا فِي قَرَارِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِهِ.

  123. وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَدَانَ دَيْنًا أَوْ بَاعَ إنْسَانًا أَوْ كَفَلَ بِكَفَالَةٍ أَوْ وَهَبَ هِبَةً أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، وَسَلَّمَهَا أَوْ كَاتَبَ عَبْدًا أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ لَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِحَسَبِ الْحُجَّةِ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّهِمْ فَوُجُودُ إقْرَارِهِ فِي ذَلِكَ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآب

  1. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ السَّرَخْسِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَالْمُتَفَلْسِفَة يَقُولُونَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ شَرْعًا، فَكَمَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَالَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ كَانَ يَقُولُ: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ؛

  2. لِأَنَّ صَاحِبَهَا إنَّمَا يَطْلُبُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَتْ مِنْهُ،

  3. فَإِذَا تَرَكَهَا وَجَدَهَا صَاحِبُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا بَعْدَ مَا يَرْفَعُهَا فَكَانَ فِي رَفْعِهَا مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلْفِتْنَةِ،

  4. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ رَفْعَهَا أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَصِلَ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ فَيَكْتُمَهَا عَنْ مَالِكِهَا،

  5. فَإِذَا أَخَذَهَا هُوَ عَرَّفَهَا حَتَّى يُوَصِّلَهَا إلَى مَالِكِهَا، وَلِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْأَمَانَةَ فِي رَفْعِهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا وَيُعَرِّفُهَا، وَالْتِزَامُ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ يُفْرَضُ بِمَنْزِلَةِ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَى أَدَاءِ مَا يَلْتَزِمُهُ مِنْ الْأَمَانَةِ، فَإِنَّهُ يَمْتَثِلُ فِيهِ الْأَمْرَ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا} وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ سَبَبٌ لِنَيْلِ الثَّوَابِ،

  6. ثُمَّ مَا يَجِدُهُ نَوْعَانِ:

  7. (أَحَدُهُمَا) مَا يَعْلَمُ أَنَّ مَالِكَهُ لَا يَطْلُبُهُ كَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَالنَّوَى.

  8. (وَالثَّانِي) مَا يَعْلَمُ أَنَّ مَالِكَهُ يَطْلُبُهُ. فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَهُ إذَا وَجَدَهُ فِي يَدِهِ بَعْدَ مَا جَمَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْوَاحِدِ وَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا مِنْ غَيْرِهِ،

  9. فَإِنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ، وَمِلْكُ الْمُبِيحِ لَا يَزُولُ بِالْإِبَاحَةِ وَلَكِنْ لِلْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الْمُبِيحِ،

  10. فَإِذَا وَجَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَدْ وَجَدَ عَيْنَ مِلْكِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَالِكَ مَا أَلْقَاهُ بَعْدَ مَا جَمَعَهُ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي، وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ مَنْ أَلْقَى شَاةً مَيِّتَةً لَهُ فَجَاءَ آخَرُ وَجَزَّ صُوفَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَلَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُ

  11. الشَّاةِ فِي يَدِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ،

  12. وَلَوْ سَلَخَهَا وَدَبَغَ جِلْدَهَا كَانَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْجِلْدَ مِنْهُ بَعْدَ مَا يُعْطِيهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالْإِلْقَاءِ، وَالصُّوفُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالِ شَيْءٍ آخَرَ بِهِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مَجَّانًا،

  13. فَأَمَّا الْجِلْدُ لَا يَصِيرُ مَالًا مُتَقَوِّمًا إلَّا بِالدِّبَاغِ،

  14. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ.

  15. فَأَمَّا (النَّوْعُ الثَّانِي) وَهُوَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَطْلُبُهُ فَمَنْ يَرْفَعُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهُ وَيُعَرِّفَهُ لِيُوَصِّلَهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَبَدَأَ الْكِتَابُ بِهِ وَرَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ فِي اللُّقَطَةِ: يُعَرِّفُهَا حَوْلًا،

  16. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا،

  17. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَنْفَذَ الصَّدَقَةَ،

  18. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَمَا ذُكِرَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ لَا يَرَى تَقْلِيدَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ يَقُولُ هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ، وَلَكِنْ ظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّ إبْرَاهِيمَ فِيمَا كَانَ يُفْتَى بِهِ يَعْتَمِدُ قَوْلَ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -،

  19. فَإِنَّ فِقْهَ أَهْلِ الْكُوفَةِ دَارَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ أَعْرَفَ النَّاسِ بِقَوْلِهِمَا فَمَا صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ كَالْمَنْقُولِ عَنْهُمَا، فَلِهَذَا حَشَا الْكِتَابَ مِنْ أَقَاوِيلِ إبْرَاهِيمَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَرِّفَ اللُّقَطَةَ، وَالتَّقْدِيرُ بِالْحَوْلِ لَيْسَ بِعَامٍّ لَازِمٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَتَوَهَّمُ أَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ حَتَّى قَالُوا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا: يُعَرِّفُهَا حَوْلًا؛

  20. لِأَنَّ هَذَا مَالٌ خَطِيرٌ يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ وَيُتَمَلَّكُ بِهِ مَا لَهُ خَطَرٌ، وَالتَّعْرِيفُ لِإِيلَاءِ الْعُذْرِ وَالْحَوْلُ الْكَامِلُ لِذَلِكَ حَسَنٌ قَالَ الْقَائِلُ:

  21. إلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ...

  22. وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدْ اعْتَذَرَ

  23. وَفِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إلَى ثَلَاثَةٍ يُعَرِّفُهَا شَهْرًا، وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ إلَى الدِّرْهَمِ يُعَرِّفُهَا جُمُعَةً، وَفِي دُونِ الدِّرْهَمِ يُعَرَّفُ يَوْمًا، وَفِي فَلْسٍ أَوْ نَحْوِهِ يَنْظُرُ يَمْنَةً وَيَسْرَة ثُمَّ يَضَعْهُ فِي كَفِّ فَقِيرٍ، وَشَيْءٌ مِنْ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ وَلَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ،

  24. وَلَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ مُدَّةِ طَلَبِهِ حَقِيقَةً فَيُبْنَى عَلَى غَالِبِ رَأْيِهِ، وَيُعَرِّفُ الْقَلِيلَ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ،

  25. فَإِذَا لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ تَصَدَّقَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهَا عَلَى مَالِكِهَا، وَذَلِكَ بِاتِّصَالِ عَيْنِهَا إلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا فَبِاتِّصَالِ ثَوَابِهَا إلَيْهِ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ التَّصَدُّقُ بِهَا.

  26. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ،

  27. وَإِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الصَّدَقَةَ فَيَكُونُ ثَوَابُهَا لَهُ وَإِجَازَتُهُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ،

  28. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضْمَنُهَا لَهُ، وَقَدْ تَصَدَّقَ بِهَا بِإِذْنِ الشَّرْعِ قُلْنَا:

  29. الشَّرْعُ أَبَاحَ لَهُ التَّصَدُّقَ بِهَا وَمَا أَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا الْإِذْنِ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ عَنْهُ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِحَقٍّ مُحْتَرَمٍ لِلْغَيْرِ، كَالْإِذْنِ فِي الرَّمْي إلَى الصَّيْدِ، وَالْإِذْنِ فِي الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَحَقُّ صَاحِبِ هَذَا الْمَالِ مَرْعِيٌّ مُحْتَرَمٌ،

  30. فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ عَنْ هَذَا الْعَيْنِ بِهَذَا الْإِذْنِ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إنْ شَاءَ، وَالْإِذْنُ هُنَا دُونَ الْإِذْنِ لِمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ فِي تَنَاوَلْ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلضَّمَانِ الْوَاجِبِ لِحَقِّ صَاحِبِ الْمَالِ. وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ اشْتَرَى جَارِيَةً بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَذَهَبَ صَاحِبُهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَخَرَجَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالثَّمَنِ فِي صُرَّةٍ فَجَعَلَ يَتَصَدَّقُ بِهَا وَيَقُولُ لِصَاحِبِهَا،

  31. فَإِنْ أَبَى فَلَنَا وَعَلَيْنَا الثَّمَنُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَكَذَا يُصْنَعُ بِاللُّقَطَةِ وَفِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بَعْد التَّعْرِيفِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهَا لِصَاحِبِهَا إنْ أَجَازَ،

  32. وَإِنْ أَبَى فَلَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ، وَلَيْسَ مُرَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ هَذَا أَنَّ حُكْمَ الثَّمَنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ وَمَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ خَالِصُ مِلْكِهِ،

  33. فَأَمَّا عَيْنُ اللُّقَطَةِ فَمَمْلُوكَةٌ لِصَاحِبِهَا وَالْمُلْتَقِطُ أَمِينٌ فِيهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى اللُّقَطَةِ،

  34. وَلَا يُقَالُ: لَعَلَّهُ كَانَ اشْتَرَاهَا بِمَالٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ،

  35. وَلَوْ تَعَيَّنَتْ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ كَاللُّقَطَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَنَّهُ بِالتَّصَدُّقِ مَا قَصَدَ إسْقَاطَ الثَّمَنِ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ قَصَدَ إظْهَارَ الْمُجَامَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَاتِّصَالَ ثَوَابِهَا إلَى صَاحِبِهَا إنْ رَضِيَ بِصَنِيعِهِ وَإِلَّا فَالثَّمَنُ دَيْنٌ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ.

  36. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أُسَيْدٍ قَالَ: وَجَدْتُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْحِرَّةِ وَأَنَا مُكَاتَبٌ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: اعْمَلْ بِهَا وَعَرِّفْهَا فَعَمِلْتُ بِهَا حَتَّى أَدَّيْتُ مُكَاتَبَتِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَى خَزَّانِ بَيْتِ الْمَالِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ الْإِقْرَاضِ فِي اللُّقَطَةِ وَالدَّفْعِ مُضَارَبَةً؛

  37. لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اعْمَلْ بِهَا وَعَرِّفْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْمُضَارَبَةِ أَوْ الْإِقْرَاضِ مُضَارَبَةً، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمُضَارَبَةَ حَتَّى لَمْ يَتَبَيَّنْ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ فَكَانَ مُرَادُهُ الْإِقْرَاضُ مِنْهُ، وَفِي هَذَا مَعْنَى النَّظَرِ لِصَاحِبِ الْمَالِ؛

  38. لِأَنَّهُ يَعْرِضُ لِلْهَلَاكِ فَيَهْلَكُ مِنْ صَاحِبِهِ قَبْلَ الْإِقْرَاضِ وَبَعْدَ الْإِقْرَاضِ يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ يُؤْمَنُ فِيهِ الْتَوَى بِالْهَلَاكِ،

  39. وَكَذَلِكَ بِالْجُحُودِ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَكِّدٌ بِعِلْمِ الْقَاضِي؛ وَلِهَذَا كَانَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْإِقْرَاضِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَرُبَمَا يَكُونُ مَعْنَى النَّظَرِ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ مُضَارَبَةً أَوْ إلَى غَيْرِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ.

  40. التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُكَاتَبَ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الْعَمَلِ فِيهَا فَيُؤَدِّي مُكَاتَبَتَهُ مِنْ رِبْحِهَا فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذَلِكَ وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْبِضَ اللُّقَطَةَ مِنْ الْمُلْتَقِطِ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَى خَزَّانِ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ؛

  41. لِأَنَّهُ كَانَ سَبِيلُهَا التَّصَدُّقَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ فَأَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بَيْتُ مَالِ الصَّدَقَةِ لِيَضَعَهَا مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ سَلْمَانِ بْنِ رَبِيعَةَ وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ فَوَجَدْنَا سَوْطًا فَاحْتَمَاهُ الْقَوْمُ وَكَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ، وَكُنْتُ أَحْوَجَهُمْ إلَيْهِ فَأَخَذْتُهُ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَحَدَّثَنِي بِالْمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي وَجَدَهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَجَدْتُ مِائَةَ دِينَارٍ «فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً أُخْرَى فَعَرَفْتُهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً أُخْرَى فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ فَأَخْبَرْتُهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ: اعْرِفْ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَانْتَفِعْ بِهَا، فَإِنَّهَا رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْكَ» .

  42. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَجَدْنَا سَوْطًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا يُكْسَرُ مِنْ السِّيَاطِ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ أَلْقَاهُ فَتَرَكَهُ الْقَوْمُ؛ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إلَيْهِ وَأَخَذَهُ سُوَيْدُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ يُبَاحُ أَخْذُهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَنْ شَاءَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ سَوْطًا هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَطْلُبُهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَاحْتَمَاهُ الْقَوْمُ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ: تَرْكُ اللُّقَطَةِ أَوْلَى مِنْ رَفْعِهَا وَلَكِنَّا نَقُولُ: هَذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛

  43. لِأَنَّ الْغَلَبَةَ كَانَتْ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ،

  44. فَإِذَا تَرَكَهُ وَاحِدٌ يَتْرُكُهُ الْآخَرُ أَيْضًا أَوْ يَأْخُذُهُ لِيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ،

  45. فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَقَدْ غَلَبَ أَهْلُ الشَّرِّ إذَا تَرَكَ الْأَمِينُ يَأْخُذُ الْخَائِنُ فَيَكْتُمُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْرُجْنَ إلَى الْجَمَاعَاتِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ مُنِعْنَ مِنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ صَوَابًا، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَلِيلٌ لِمَا قُلْنَا أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْحَوْلِ فِي التَّعْرِيفِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَكِنَّهُ يُعَرِّفُهَا بِحَسَبِ مَا يَطْلُبُهَا صَاحِبُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِائَةَ دِينَارٍ لَمَّا كَانَتْ مَالًا عَظِيمًا كَيْفَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُعَرِّفَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ،

  46. ثُمَّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ،

  47. وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَّزَ ذَلِكَ لِأُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

  48. وَهُوَ كَانَ غَنِيًّا، وَقَدْ دَلَّ عَلَى غِنَاهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اخْلِطْهَا بِمَالِكَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ لِدُيُونٍ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ وَخَلْطِهَا بِمَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ لِحَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَتْ يَدُهُ إلَيْهِ فَجَعَلَهُ أَحَقَّ بِهِ لِهَذَا.

  49. وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ قَالَ: «رِزْقٌ سَاقَهُ إلَيْكَ اللَّهُ» وَلَكِنْ مَعَ هَذَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَعْرِفَ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا احْتِيَاطًا، حَتَّى إذَا جَاءَ طَالِبٌ لَهَا مُحْتَرَمٌ تَمَكَّنَ مِنْ الْخُرُوجِ مِمَّا عَلَيْهِ يَدْفَعُ مِثْلَهَا إلَيْهِ، وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صُبَاحٍ قَالَ: وَجَدَ رَجُلٌ لُقَطَةً أَيَّامَ الْحَاجِّ فَسَأَلَ عَنْهَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ: عَرِّفْهَا فِي الْمَوْسِمِ،

  50. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تَصَدَّقْ بِهَا،

  51. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الثَّمَنِ يَعْنِي الْقِيمَةَ،

  52. فَإِنْ اخْتَارَ الثَّمَنَ فَادْفَعْ إلَيْهِ،

  53. وَإِنْ اخْتَارَ الْأَجْرَ، فَلَهُ الْأَجْرُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ،

  54. وَأَنْ يُعَرِّفَهَا فِي مَجْمَعِ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالتَّعْرِيفِ فِي الْمَوْسِمِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَذَلِكَ بِالتَّعْرِيفِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا حَتَّى يَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ فَيَصِلُ الْخَبَرُ إلَى صَاحِبِهَا، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: وَجَدْتُ لُقَطَةً حِينَ أَنْفَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّاسَ إلَى صِفِّينَ فَعَرَّفْتُهَا تَعْرِيفًا ضَعِيفًا حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لِي: إنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا خُذْ مِثْلَهَا فَاذْهَبْ حَيْثُ وَجَدْتَهَا،

  55. فَإِنْ وَجَدْتَ صَاحِبَهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَتَصَدَّقْ بِهَا،

  56. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَخَيِّرْهُ إنْ شَاءَ اخْتَارَ الْأَجْرَ،

  57. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَكَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: فَعَرَّفْتُهَا تَعْرِيفًا ضَعِيفًا أَيْ عَرَّفْتُهَا سِرًّا وَمَا أَظْهَرْتُ تَعْرِيفَهَا فِي مَجْمَعِ النَّاسِ فَكَأَنَّهُ طَمِعَ فِي أَنْ تَبْقَى لَهُ، وَعَرَفَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ مَا قَالَ إنَّكَ سَلِيمُ الْقَلْبِ تَطْمَعُ فِي مَالِ الْغَيْرِ، وَهَذَا مِنْ دُعَابَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَدْ كَانَ بِهِ دُعَابَةٌ كَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ذَكَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلْخِلَافَةِ، أَمَا إنَّهُ إنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى مَحَجَّةٍ بَيْضَاءَ لَوْلَا دُعَابَةٌ بِهِ.

  58. وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ سِرًّا لَا يَكْفِي بَلْ يَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُظْهِرَ التَّعْرِيفَ كَمَا أَمَرَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الرَّجُلَ بِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ وَجَدَ لُقَطَةً وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَا بُدَّ مِنْ تَعَرُّفِهَا،

  59. وَلَوْ عَرَّفْتُهَا فِي الْمِصْرِ رُبَّمَا يَظْهَرُ صَاحِبُهَا فَخَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَأْسِ بِئْرٍ فَدَلَّى رَأْسَهُ فِي الْبِئْرِ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَجَدْت كَذَا،

  60. فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ ذَلِكَ فَدَلُّوهُ عَلَيَّ، وَبِجَنْبِ الْبِئْرَ رَجُلٌ يَرْقَعُ شَمْلَةً وَكَانَ صَاحِبَ اللُّقَطَةِ فَتَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى

  61. أَخَذَهَا مِنْهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمَقْدُورَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ،

  62. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ مَا الْتَزَمَهُ شَرْعًا، وَهُوَ إظْهَارُ التَّعْرِيفِ، وَبَعْدَ إظْهَارِ التَّعْرِيفِ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالتَّعْرِيفِ،

  63. وَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا،

  64. وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ هُوَ الْعَزِيمَةُ وَالتَّصَدُّقُ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ حَوْلًا رُخْصَةٌ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْعَزِيمَةِ أَوْ التَّرَخُّصِ بِالرُّخْصَةِ،

  65. فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ الصَّدَقَةَ وَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُهَا وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الضَّمَانَ،

  66. وَإِذَا اخْتَارَ الضَّمَانَ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَضْمِينِ الْمُلْتَقِطِ وَبَيْنَ تَضْمِينِ الْمِسْكِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِ مُكْتَسِبٌ سَبَبَ الضَّمَانِ الْمُلْتَقِطُ بِتَمْلِيكِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْمِسْكِينُ يَقْبِضُهُ لِنَفْسِهِ عَلَى طَرِيقِ التَّمْلِيكِ، وَأَيُّهُمَا ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، أَمَّا الْمِسْكِينُ فَلِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ،

  67. فَلَا يَرْجِعُ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ،

  68. وَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَلِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ قَدْ مَلَكَ وَظَهَرَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ فَلَهُ ثَوَابُهَا،

  69. وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِشَيْءٍ،

  70. وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مُحْتَاجًا فَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ وَاتِّصَالِ ثَوَابِهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِصَرْفِهَا إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا. فَكَانَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى نَفْسِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى.

  71. فَأَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ اللُّقَطَةَ إلَى نَفْسِهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا رَوَيْنَا وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَاشْتَرَى بِهِ طَعَامًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ فَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -،

  72. وَلَوْ كَانَ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُلْتَقِطِ صَرْفُهَا إلَى مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَمَّا أَكَلُوا مِنْ ذَلِكَ،

  73. فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُمْ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِسَبَبِ الِالْتِقَاطِ، وَمَا يَثْبُتُ لَهُ بِسَبَبِ الِالْتِقَاطِ يَسْتَوِي فِيهِ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، كَالْحِفْظِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ مَعْنَى النَّظَرِ لَهُ وَلِصَاحِبِهَا أَظْهَرُ؛

  74. لِأَنَّهُ يَتَوَصَّلُ إلَى مَنْفَعَتِهِ بِبَدَلٍ يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهَا إذَا حَضَرَ، فَكَانَ مَنْفَعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذَا أَظْهَرَ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّصَدُّقِ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اتِّصَالُ ثَوَابِهَا إلَى صَاحِبِهَا، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ بِصَرْفِهَا إلَى نَفْسِهِ إذَا كَانَ غَنِيًّا بَلْ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ فِي الْأَخْذِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ،

  75. وَلَا يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا أَخْذُ اللُّقَطَةِ لِنَفْسِهِ فَكَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَلِكَ

  76. فِي الِانْتِهَاءِ يَلْزَمُهُ التَّحَرُّزُ عَنْ إظْهَارِ هَذَا، وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ حَدِيثِ أُبَيٍّ،

  77. فَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ قِيلَ: مَا وَجَدَهُ لَمْ يَكُنْ لُقَطَةً، وَإِنَّمَا أَلْقَاهَا مَلَكٌ لِيَأْخُذَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ كَانُوا لَمْ يُصِيبُوا طَعَامًا أَيَّامًا وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، فَلِهَذَا تَنَاوَلُوا مِنْهُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُمْ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فَلِهَذَا اسْتَجَازَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشِّرَاءَ بِهَا لِحَاجَتِهِ،

  78. وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ اللُّقَطَةَ وَهِيَ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ فَجَاءَ صَاحِبُهَا وَسَمَّى وَزْنَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَأَصَابَ ذَلِكَ كُلَّهُ،

  79. فَإِنْ شَاءَ الَّذِي فِي يَدِهِ دَفَعَهَا إلَيْهِ.

  80. وَإِنْ شَاءَ أَبَى حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَصَابَ الْعَلَامَاتِ فَالْوَهْمُ الَّذِي سَبَقَ إلَى وَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ أَنَّهُ صَاحِبُهُ وَالِاسْتِحْقَاقُ بِالظَّاهِرِ يَثْبُتُ خُصُوصًا عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ كَمَا يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِذِي الْيَدِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ يَثْبُتُ وَالْمُلْتَقِطُ غَيْرُ مُنَازِعٍ لَهُ؛

  81. لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى صَاحِبِهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ مَا أَشْهَدَ أَحَدًا عِنْدَ سُقُوطِهَا مِنْهُ،

  82. وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ لَمَا سَقَطَتْ مِنْهُ فَسَقَطَ اشْتِرَاطُ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِلتَّعَذُّرِ وَتُقَامُ الْعَلَامَةُ مَقَامَ ذَلِكَ كَمَا يُقَامُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إصَابَةُ الْعَلَامَةِ مُحْتَمَلٌ فِي نَفْسِهِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ جُزَافًا، وَقَدْ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَقَدْ يَسْمَعُ مِنْ مَالِكِهِ يَنْشُدُ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ عَلَامَاتِهِ، وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْإِلْزَامِ.

  83. ثُمَّ الْمُلْتَقِطُ أَمِينٌ وَيَصِيرُ بِالدَّفْعِ إلَى غَيْرِ الْمَالِكِ ضَامِنًا فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ اكْتِسَابِ سَبَبِ الضَّمَانِ بِأَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَيَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُهُ بِحُجَّةٍ حُكْمِيَّةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ،

  84. فَإِنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ أَخَذَ مِنْهُ بِهَا كَفِيلًا نَظَرًا مِنْهُ لِنَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُ يَأْتِي مُسْتَحِقُّهَا فَيُضَمِّنَهَا إيَّاهُ،

  85. وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُخْفِي شَخْصَهُ فَيَحْتَاطُ فِيهَا بِأَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ،

  86. وَإِنْ صَدَّقَهُ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُلْتَقِطَ، أَمَّا بَعْدَ التَّصْدِيقِ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، لَكِنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُعَارَضُ بَيِّنَةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ كَافَّةً فَيَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ بِهَا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ دَفَعَ مِلْكَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَابِضَ بِقَبْضِهِ،

  87. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِطَ بِدَفْعِهِ،

  88. فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِطَ رَجَعَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ،

  89. وَإِنْ صَدَّقَهُ بِإِصَابَتِهِ الْعَلَامَةَ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى الظَّاهِرِ،

  90. وَلَا بَقَاءَ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِخِلَافِهِ، وَالْمُقِرُّ إذَا صَارَ مُكَذِّبًا فِي إقْرَارِهِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ إقْرَارِهِ كَالْمُشْتَرِي إذَا أَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَالرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةٌ فِي وَكِيلِ الْمُودِعِ إذَا جَاءَ إلَى الْمُودَعِ وَقَالَ: أَنَا وَكِيلُهُ

  91. فِي اسْتِرْدَادِ الْوَدِيعَةِ مِنْكَ فَصَدَّقَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،

  92. بِخِلَافِ وَكِيلِ صَاحِبِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ إنَّمَا يَقْضِي الدَّيْنَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ، وَإِقْرَارُهُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ مُلْزِمٌ،

  93. فَأَمَّا الْمُودِعُ يُقِرُّ لَهُ بِحَقِّ الْقَبْضِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَإِقْرَارُهُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، فَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي اللُّقَطَةِ كَذَلِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ وَإِنْ صَدَّقَهُ.

  94. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فَقَالَ: هُنَاكَ الْمِلْكُ لِغَيْرِ الَّذِي حَضَرَ ظَاهِرٌ فِي الْوَدِيعَةِ وَهُنَا لَيْسَ فِي اللُّقَطَةِ مِلْكٌ ظَاهِرٌ لِغَيْرِ الَّذِي حَضَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إقْرَارُ الْمُلْتَقِطِ مُلْزِمًا إيَّاهُ الدَّفْعَ إلَيْهِ،

  95. ثُمَّ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ بَعْدَ مَا صَدَّقَهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ ثُمَّ حَضَرَ الْمُودِعُ وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ وَضَمَّنَ الْمُودَعَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ، وَهُنَا لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ فِي زَعْمِ الْمُودَعِ أَنَّ الْوَكِيلَ عَامِلٌ لِلْمُودِعِ فِي قَبْضِهِ لَهُ بِأَمْرِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ بَلْ الْمُودِعُ ظَالِمٌ فِي تَضْمِينِهِ إيَّاهُ،

  96. وَمَنْ ظُلِمَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، وَهُنَا فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْقَابِضَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ بَعْدَ مَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا ضَمِنَ؛ لِهَذَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ هُنَاكَ الْمُودِعُ مُنْكِرٌ الْوَكَالَةَ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،

  97. فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْمُودَعِ بِالضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ،

  98. فَلَا يَصِيرُ الْمُودَعُ مُكَذَّبًا فِي زَعْمِهِ حُكْمًا، وَهُنَا إنَّمَا يُقْضَى بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ فَيَصِيرُ هُوَ مُكَذَّبًا فِي زَعْمِهِ حُكْمًا،

  99. فَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ مِمَّا لَا يَبْقَى إذَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ عَرَّفَهَا حَتَّى إذَا خَافَ أَنْ تَفْسُدَ تَصَدَّقَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّعْرِيفِ إيصَالُهَا إلَى صَاحِبِهَا، فَتُقَيَّدُ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ بِالْوَقْتِ الَّذِي لَا يَفْسُدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْفَسَادِ لَا فَائِدَةَ لِصَاحِبِهَا فِي إيصَالِهَا إلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِهَا طَرِيقٌ لِحِفْظِهَا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ فَيَصِيرُ إلَى ذَلِكَ إذَا خَافَ أَنْ تَفْسُدُ الْعَيْنُ،

  100. وَإِذَا وَجَدَ شَاةً أَوْ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ حِمَارًا فَحَبَسَهُ، وَعَرَّفَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ،

  101. ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي،

  102. فَأَمَّا أَمْرُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ أَمْرِ صَاحِبِهَا لِمَا لِلْقَاضِي عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ وِلَايَةِ النَّظَرِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ بِنَفْسِهِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْحَيَوَانِ بِدُونِ النَّفَقَةِ عَادَةً،

  103. فَإِنْ رَفَعَهَا إلَى الْقَاضِي، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ الْتَقَطَهَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى، وَقَدْ بَيَّنَّا طَرِيقَ قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ بَعْدَهَا فِي اللَّقِيطِ.

  104. ثُمَّ إنَّمَا يَأْمُرُ بِالْإِنْفَاقِ نَظَرًا مِنْهُ لِصَاحِبِهَا،

  105. فَلَا يَأْمُرُ إلَّا فِي مُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا مَعْنَى النَّظَرِ لَهُ مِنْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ بِالْإِنْفَاقِ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ رُبَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى

  106. قِيمَتِهَا، فَلَا يَكُونُ فِيهَا نَظَرٌ لِصَاحِبِهَا،

  107. فَأَمَّا فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ تَقِلُّ النَّفَقَةُ، وَمَعْنَى النَّظَرِ لِحِفْظِ عَيْنِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ يَحْصُلُ،

  108. فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا بَاعَ الشَّاةَ وَنَحْوَهَا؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ حِفْظُ الْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ،

  109. فَإِذَا تَعَذَّرَ حِفْظُ الْعَيْنِ لِعَوَزِ النَّفَقَةِ صَارَ إلَى حِفْظِ الْمَالِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ،

  110. وَأَمَّا الْغُلَامُ وَالدَّابَّةُ فَنُؤَاجِرُهُ وَنُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِهِ؛ لِأَنَّ بِهَذَا الطَّرِيقِ يُتَوَصَّلُ إلَى حِفْظِ عَيْنِ مِلْكِهِ، وَالْمَنْفَعَةُ لَا تَبْقَى لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِجَارَتُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِمَحْضِ نَظَرٍ لَهُ،

  111. فَإِذَا بَاعَهَا أَعْطَاهُ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَالُ صَاحِبِهَا، وَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ وَاجِبٌ لِلْمُلْتَقِطِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَهُوَ مَعْلُومٌ لِلْقَاضِي فَيَقْضِي دَيْنَهُ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَوْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَكَذَلِكَ الْقَاضِي بِعَيْنِهِ عَلَى ذَلِكَ،

  112. فَإِنْ لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى جَاءَ صَاحِبُهَا، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قَضَى لَهُ بِهَا الْقَاضِي، وَقَضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْمُلْتَقِطِ،

  113. فَإِنْ قَالَ الْمُلْتَقِطُ: لَا أَدْفَعُهَا إلَيْكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي النَّفَقَةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الدَّابَّةِ حَيٌّ، وَبَقِيَ تَمَلُّكُ النَّفَقَةِ فَكَانَتْ تِلْكَ النَّفَقَةُ مُتَعَلِّقَةً بِمَالِيَّةِ الدَّابَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَيَحْبِسُهَا كَمَا يَحْبِسُ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ هَلْ يَأْمُرُ الْقَاضِي بِالْإِنْفَاقِ أَمْ لَا،

  114. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ أَمَرْتُكَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا مَعْنَى النَّظَرِ لَهُمَا،

  115. وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ غَاصِبًا لِلدَّابَّةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ضَمَانِهِ،

  116. وَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى مَالِكِهَا بِالْأَمْرِ لِمَا قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ صَادِقًا فِيهِ.

  117. وَإِذَا الْتَقَطَ الرَّجُلُ لُقَطَةً أَوْ وَجَدَ دَابَّةً ضَالَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا حُرًّا ضَالًّا فَرَدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جُعْلٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِمَنَافِعِهِ فِي الرَّدِّ، وَوُجُوبِ الْجُعْلِ لِرَدِّ الْآبِقِ حُكْمٌ ثَبَتَ نَصًّا،

  118. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالضَّالُّ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْآبِقِ فَالْآبِقُ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ مِنْ الْمَوْلَى حَتَّى يَفُوتَهُ، وَالضَّالُّ لَا يَزَالُ يَقْرُبُ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَجِدَهُ، فَلِهَذَا أَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ،

  119. وَإِنْ عَوَّضَهُ صَاحِبُهُ شَيْئًا فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْسِنُ إلَيْهِ فِي إحْيَاءِ مِلْكِهِ وَرَدِّهِ عَلَيْهِ، وَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ، وَلِأَنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَزَالَتْ إلَيْهِ نِعْمَةٌ فَلْيَشْكُرْهَا» وَذَلِكَ بِالتَّعْوِيضِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ النَّدْبُ،

  120. وَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ بَعِيرًا ضَالًّا أَخَذَهُ يُعَرِّفُهُ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ يَضِيعُ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَرْكُهُ أَوْلَى لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فَقَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» فَلَمَّا «سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ غَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَقَالَ: مَالَكَ

  121. وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَيْ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنَّ الْغَلَبَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ لَا تَصِلُ إلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ إذَا تَرَكَهَا وَاجِدُهَا،

  122. فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا لَا يَأْمَنُ وَاجِدُهَا وُصُولَ يَدٍ خَائِنَةٍ إلَيْهَا بَعْدَهُ فَفِي أَخْذِهَا إحْيَاؤُهَا وَحِفْظُهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِهَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي سَائِرِ اللُّقَطَاتِ،

  123. وَإِذَا بَاعَ اللُّقَطَةَ بِأَمْرِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهَا إذَا حَضَرَ إلَّا الثَّمَنُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا الْقَاضِي بِنَفْسِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ نَفَذَ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَهُوَ كَبَيْعٍ يَنْفُذُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ.

  124. وَإِنْ كَانَ بَاعَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِحُصُولِهِ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ بِغَيْرِ أَمْرٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا،

  125. ثُمَّ إنْ حَضَرَ صَاحِبُهَا وَاللُّقَطَةُ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يُبْطِلَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ عَيْنَ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا حِينَ بَاعَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،

  126. فَإِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْبَائِعَ الْقِيمَةَ لِوُجُودِ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ،

  127. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي بِقَبْضِهِ مِلْكَهُ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ،

  128. فَإِنْ ضَمَّنَ الْبَائِعَ كَانَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى الْقِيمَةِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ فَإِنْ قِيلَ: الضَّمَانُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالتَّسْلِيمِ، وَالْبَيْعُ كَانَ سَابِقًا عَلَيْهِ كَيْف يَنْفُذُ الْبَيْعُ مِنْ جِهَتِهِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ.؟

  129. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ بَلْ كَمَا رَفَعَهُ لِيَبِعْهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي صَارَ ضَامِنًا بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ يَبِيعُ الْوَدِيعَةَ،

  130. ثُمَّ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْفُذُ مِنْ جِهَتِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا رَفَعَهَا إلَى الْبَيْعِ صَارَ ضَامِنًا فَيَسْتَنِدُ مِلْكُهُ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ،

  131. فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ مِنْهُ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ التَّمْلِيكِ،

  132. فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي حَالَةِ بَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،

  133. وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا فِي يَدِهِ، وَقَدْ قَبَضَ الْمُلْتَقِطُ الثَّمَنَ، وَقَدْ هَلَكَ فِي يَدِهِ،

  134. ثُمَّ أَجَازَ الْبَيْعَ نَفَذَ لِقِيَامِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْمُلْتَقِطُ أَمِينًا فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ فِي الِانْتِهَاءِ كَإِذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ.

  135. وَإِذَا أَخَذَ عَبْدًا فَجَاءَ بِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَقَالَ: هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ فَقَدْ وَجَبَ لِي الْجُعْلُ عَلَيْكَ، وَقَالَ مَوْلَى الْعَبْدِ: بَلْ هُوَ الضَّالُّ. أَوْ قَالَ: أَنَا أَرْسَلْتُهُ فِي حَاجَةٍ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الرَّادَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ الْجُعْلَ، وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ مِلْكَهُ تَغَيَّبَ بِالْإِبَاقِ، وَالْمَوْلَى مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ،

  136. وَإِذَا هَلَكَتْ اللُّقَطَةُ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ كَانَ حِينَ أَخَذَهَا قَالَ: أَخَذْتُهَا لِأَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ فَلَا ضَمَانَ

  137. عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي أَخْذِهَا لِلرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ شَرْعًا، فَكَانَ هَذَا الْأَخْذُ نَظِيرَ الْأَخْذِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ،

  138. وَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِهَا فَكَانَ مُتَعَدِّيًا فِي هَذَا الْأَخْذِ فَيَكُونُ ضَامِنًا كَالْغَاصِبِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» أَيْ ضَمَانُ مَا أَخَذَ، وَالْآخِذُ مُطْلَقًا مَنْ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ،

  139. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ عِنْدَ الِالْتِقَاطِ وَلَكِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ وَيَدَّعِي صَاحِبُهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهَا وَالْمُلْتَقِطُ ضَامِنٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ مَعَ يَمِينِهِ لِوَجْهَيْنِ:

  140. (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مُطْلَقَ فِعْلِ الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَحِلُّ شَرْعًا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِي أَخِيكَ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا» وَاَلَّذِي يَحِلُّ لَهُ شَرْعًا الْأَخْذُ لِلرَّدِّ لَا لِنَفْسِهِ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ فِعْلِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ قَائِمٌ مَقَامَ الْإِشْهَادِ مِنْهُ.

  141. (وَالثَّانِي) أَنَّ صَاحِبَهَا يَدَّعِي عَلَيْهِ سَبَبَ الضَّمَانِ وَوُجُوبَ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبَ، وَهُمَا يَقُولَانِ كُلُّ حُرٍّ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ، وَدَلِيلُ كَوْنِهِ عَامِلًا لِغَيْرِهِ الْإِشْهَادُ هُنَا،

  142. فَإِذَا تَرَكَهُ كَانَ آخِذًا لِنَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، هَذَا إذَا وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِشْهَادِ،

  143. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْإِشْهَادِ لِعَدَمِ مَنْ يَشْهَدُ أَوْ لِخَوْفِهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ذَلِكَ ظَالِمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْإِذْنِ شَرْعًا، وَالْإِذْنُ شَرْعًا مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالْإِظْهَارِ،

  144. فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ أَخْذُهُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ شَرْعًا،

  145. فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْمُسْقِطِ بَعْدَ ظُهُورِ سَبَبِ الضَّمَانِ، كَمَنْ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ،

  146. ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ صَاحِبَهُ أَوْدَعَهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ،

  147. وَإِنْ قَالَ: قَدْ الْتَقَطْتُ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً أَوْ قَالَ: عِنْدِي شَيْءٌ فَمَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ، فَلِمَا جَاءَ صَاحِبُهَا قَالَ: قَدْ هَلَكَتْ فَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا بِمَا قَالَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ أَخْذَهَا لِلرَّدِّ فَكَانَ أَمِينًا فِيهَا،

  148. وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يُسَمِّيَ جِنْسَهَا وَلَا صِفَتَهَا فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ الْحِفْظِ عَلَى الْمَالِكِ كَيْ لَا يَسْمَعَ إنْسَانٌ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَدَّعِيَهَا لِنَفْسِهِ وَيُخَاصِمَهُ إلَى قَاضٍ يَرَى الِاسْتِحْقَاقَ لِمُصِيبِ الْعَلَامَةِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي هَذَا اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، وَمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ الْحِفْظِ عَلَى الْمَالِكِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ،

  149. وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ لُقَطَتَيْنِ فَقَالَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ،

  150. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عِنْدِي لُقَطَتَانِ ثُمَّ هَلَكَتَا

  151. عِنْدَهُ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَهُمَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ التَّعْرِيفِ، فَاللُّقَطَةُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَالَ: عِنْدِي لُقَطَةٌ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ،

  152. وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَتِمُّ مِنْهُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،

  153. وَإِذَا أَخَذَ الرَّجُلُ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ،

  154. فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِهَا وَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا صَاحِبُهَا أَوْ اسْتَهْلَكَهَا رَجُلٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا لِلتَّعْرِيفِ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ.

  155. وَكَذَلِكَ رَدُّهَا إلَى مَكَانِهَا؛ لِأَنَّهُ نَسْخٌ لِفِعْلِهِ،

  156. فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ إلَى صَاحِبِهِ، وَلِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ لَا يَصِيرُ مُلْتَزِمًا لِلْحِفْظِ، فَقَدْ يَأْخُذُهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا لَهُ بِأَنْ كَانَ سَقَطَ مِنْهُ مِثْلُهَا،

  157. فَإِذَا تَأَمَّلَهَا وَعَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا، وَقَدْ يَأْخُذُهَا لِيَعْرِفَ صِفَتَهَا حَتَّى إذَا سَمِعَ إنْسَانًا يَطْلُبُهَا دَلَّهُ عَلَيْهَا، وَقَدْ يَأْخُذُهَا لِيَحْفَظَهَا عَلَى الْمَالِكِ وَهُوَ يَطْمَعُ فِي أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا،

  158. فَإِذَا أَحَسَّ بِنَفْسِهِ عَجْزًا أَوْ طَمَعًا فِي ذَلِكَ رَدَّهَا إلَى مَكَانِهَا فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ لَهَا،

  159. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَكَانِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا إنْ هَلَكَتْ،

  160. وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا غَيْرُهُ فَلِصَاحِبِهَا الْخِيَارُ يُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا لِنَفْسِهِ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ مَا وَجَبَ الضَّمَانُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ كَالْغَاصِبِ، وَإِعَادَتُهَا إلَى مَكَانِهَا لَيْسَ بِرَدٍّ عَلَى الْمَالِكِ،

  161. فَلَا يَكُونُ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ،

  162. وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ نَسَخَ فِعْلَهُ بِمَا صَنَعَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذَكَرَهَا فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ قَالَ: إذَا كَانَتْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا ثُمَّ نَزَلَ عَنْهَا، وَتَرَكَهَا فِي مَكَانِهَا فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ ضَامِنٌ لَهَا،

  163. وَكَذَلِكَ لَوْ نَزَعَ الْخَاتِمَ مِنْ أُصْبُعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى أُصْبُعِهِ بَعْدَ مَا انْتَبَهَ ثُمَّ نَامَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَبْرَأُ عَنْ ضَمَانِهِ،

  164. وَلَوْ أَعَادَهُ إلَى أُصْبُعِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ مِنْ تِلْكَ النَّوْمَةِ بَرِئَ بِالِاتِّفَاقِ فَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَوَّى بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَسَخَ فِعْلَهُ حِينَ أَعَادَهُ عَلَى الْحَالِ الَّذِي أَخَذَهُ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَمَّا انْتَبَهَ صَاحِبُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ فِي حَالَةِ الِانْتِبَاهِ،

  165. فَلَا يَكُونُ نَوْمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ

  166. بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ،

  167. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ ثُمَّ نَزَعَهُ وَأَعَادَهُ إلَى مَكَانِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، هَذَا إذَا لَبِسَهُ كَمَا يَلْبَسُ ذَلِكَ الثَّوْبَ عَادَةً،

  168. فَأَمَّا إذَا كَانَ قَمِيصًا فَوَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى مَكَانِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا حِفْظٌ وَلَيْسَ بِاسْتِعْمَالٍ فَلَا يَصِيرُ

  169. بِهِ ضَامِنًا، وَكَذَلِكَ الْخَاتِمُ إنْ لَبِسَهُ فِي الْخِنْصَرِ فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ يَصِيرُ بِهِ ضَامِنًا الْيَدُ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَلْبَسُونَ الْخَاتِمَ فِي الْخِنْصَرِ مِنْ الْيَدِ الْيُمْنَى لِلتَّزَيُّنِ وَالِاسْتِعْمَالِ.

  170. وَإِنْ لَبِسَهُ فِي أُصْبُعٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْحِفْظُ دُونَ التَّزَيُّنِ بِهِ، وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إنْ لَبِسَهُ عَلَى خَاتِمٍ فِي خِنْصَرِهِ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْحِفْظُ دُونَ التَّزَيُّنِ بِهِ قَالَ هِشَامٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَقُلْتُ: لَهُ مِنْ السَّلَاطِينِ مَنْ يَتَخَتَّمُ بِخَاتِمَيْنِ لِلتَّزَيُّنِ فَقَالَ: يَكُونُ أَحَدُهُمَا لِلْخَتْمِ لَا لِتَزَيُّنٍ،

  171. ثُمَّ قَالَ: حَتَّى أَتَأَمَّلَ فِي هَذَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ يَلْبَسُ خَاتِمَيْنِ لِلتَّزَيُّنِ فَهَذَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ حِفْظٌ،

  172. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَيْفًا فَتَقَلَّدَ بِهِ فَهَذَا اسْتِعْمَالٌ،

  173. وَإِنْ كَانَ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُبَارِزَ قَدْ يَتَقَلَّدُ بِسَيْفَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفَيْنِ فَحِينَئِذٍ تَقَلُّدُهُ بِهَذِهِ اللُّقَطَةِ يَكُونُ حِفْظًا وَلَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا فَلَا يَصِيرُ ضَامِنًا لَهَا، قَالَ:

  174. وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ إذَا رَدَّ الدَّابَّةَ إلَى دَارِ صَاحِبِهَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى صَاحِبِهَا

  175. بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ لَهَا،

  176. فَإِذَا رَدَّهَا إلَى دَارِ صَاحِبِهَا فَقَدْ أَتَى بِمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي الرَّدِّ،

  177. فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا شَيْئًا،

  178. فَأَمَّا الْغَاصِبُ ضَامِنٌ لَهَا فَحَاجَتُهُ إلَى رَدٍّ مُسْقِطٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ،

  179. وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى صَاحِبِهَا.

  180. رَجُلٌ جَاءَ إلَى دَابَّةٍ مَرْبُوطَةٍ لِرَجُلٍ فَحَلَّهَا وَلَمْ يَذْهَبْ بِهَا ثُمَّ ذَهَبَتْ الدَّابَّةُ،

  181. فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي حَلَّهَا، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ فَتَحَ بَابَ الْقَفَصِ فَطَارَ الطَّيْرُ أَوْ فَتْحَ بَابَ الْإِصْطَبْلِ فَفَرَّتْ الدَّابَّةُ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الَّذِي حَلَّ الرِّبَاطَ أَوْ فَتَحَ الْبَابَ فِي الْحَقِيقَةِ مُزِيلٌ لِلْمَانِعِ مُوجِدٌ شَرْطَ الذَّهَابِ، إلَّا أَنَّ مَا هُوَ عِلَّةٌ لِلتَّلَفِ هُنَا وَهُوَ فِعْلُ الطَّيْرِ وَالدَّابَّةِ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا، وَفِي مِثْلِهِ يُحَالُ الْإِتْلَافُ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْطِ فَيَصِيرُ ضَامِنًا كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ أَوْجَدَ شَرْطَ السُّقُوطِ بِإِزَالَةِ الْمَسْكَةِ عَنْ الْأَرْضِ،

  182. فَأَمَّا الْعِلَّةُ ثِقَلُ الْمَاشِي فِي نَفْسِهِ وَمَشْيِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ إضَافَةَ الْإِتْلَافِ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ كَانَ مُضَافًا إلَى الْحَافِرِ حَتَّى يَكُونَ ضَامِنًا،

  183. وَكَذَلِكَ مَنْ شَقَّ زِقَّ إنْسَانٍ فَسَالَ مِنْهُ مَائِعٌ كَانَ فِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَعَمَلُهُ إزَالَةُ الْمَانِعِ فَقَطْ،

  184. فَأَمَّا عِلَّةُ السَّيَلَانِ كَوْنُهُ مَائِعًا، وَلَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى مَا هُوَ الْعِلَّةُ كَانَ مُضَافًا إلَى الشَّرْطِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَ حَبْلَ قِنْدِيلٍ فَسَقَطَ فَعَمَلُ الْقَاطِعِ فِي إزَالَةِ الْمَانِعِ فَكَانَ ضَامِنًا لِهَذَا الْمَعْنَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَقُولَانِ: عَمَلُهُ فِي اتِّحَادِ الشَّرْطِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ طَرَأَ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُعْتَبَرٌ حَصَلَ بِهِ التَّلَفُ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَيُحَالُ بِالتَّلَفِ عَلَى هَذَا

  185. الْفِعْلِ الْمُعْتَبَرِ، قَوْلُهُ بِأَنَّ فِعْلَ الدَّابَّةِ هَدَرٌ قُلْنَا: نَعَمْ هُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ، وَلَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي نَسْخِ حُكْمِ الْفِعْلِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَرْسَلَ دَابَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ فَأَصَابَتْ فِي سَيْرِ إرْسَالِهِ مَالًا أَوْ نَفْسًا كَانَ الْمُرْسِلُ ضَامِنًا،

  186. وَلَوْ تَيَامَنَتْ أَوْ تَيَاسَرَتْ ثُمَّ أَصَابَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ الْمُرْسِلُ، وَاعْتُبِرَ فِعْلُهَا فِي نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الْمُرْسَلِ بِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا يُعْتَبَرُ فِعْلُهَا فِي نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الَّذِي حَلَّهَا أَوْ فَتَحَ بَابَ الْإِصْطَبْلِ بِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ حَرْبِيٌّ لَا أَمَانَ لَهُ، وَأَلْقَى فِيهِ غَيْرَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ شَيْئًا، وَفِعْلُ الْحَرْبِيِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ،

  187. ثُمَّ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي نَسْخِ حُكْمِ فِعْلِ الْحَافِرِ بِهِ.

  188. وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الزِّقِّ وَالْحَبْلِ، فَإِنَّهُ مَا طَرَأَ عَلَى فِعْلِهِ مَا يَنْسَخُهُ حَتَّى إذَا كَانَ مَا فِي الزِّقِّ جَامِدًا،

  189. ثُمَّ ذَابَ بِالشَّمْسِ فَسَالَ لَمْ يَضْمَنْ الشَّاقُّ،

  190. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ بِأَنَّ عَمَلَهُ فِي اتِّحَادِ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْعِلَّةِ لَا يَسْبِقُهَا قُلْنَا: هَذَا شَرْطٌ فِي مَعْنَى السَّبَبِ،

  191. فَإِنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَعِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، إلَّا أَنَّ السَّبَبَ يَتَقَدَّمُ، وَالشَّرْطَ يَتَأَخَّرُ، فَهَذَا التَّقَدُّمُ فِي مَعْنَى السَّبَبِ، وَلِكَوْنِهِ مُزِيلًا لِلْمَانِعِ هُوَ شَرْطٌ كَمَا بَيَّنَّا، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ آبِقٍ فَذَهَبَ الْعَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِمَا قُلْنَا، قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَجْنُونًا فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الذَّهَابِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا فَيَبْقَى الْإِتْلَافُ مُضَافًا إلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ بِحَلِّ الْقَيْدِ، وَقَالَ أَيْضًا: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَجْنُونُ مُقَيَّدًا فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ فَحَلَّ إنْسَانٌ قَيْدَهُ وَفَتَحَ آخَرُ الْبَابَ فَذَهَبَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْفَاتِحِ؛

  192. لِأَنَّ حَلَّ الْقَيْدِ لَمْ يَكُنْ إزَالَةً لِلْمَانِعِ قَبْلَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِتْمَامِ ذَلِكَ بِالْفَاتِحِ لِلْبَابِ فَهُوَ الضَّامِنُ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذِهِ الْفُصُولِ إنْ ذَهَبَ فِي فَوْرِ فَتْحِ الْبَابِ أَوْ حَلِّ الرِّبَاطِ فَهُوَ ضَامِنٌ،

  193. وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَذْهَبْ فِي فَوْرِهِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْبَابَ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لَهُ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ بِقَصْدٍ حَدَثَ لَهُ، وَقَصْدُ الدَّابَّةِ عِنْدَهُ مُعْتَبَرٌ،

  194. وَإِذَا ذَهَبَ فِي فَوْرِهِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْبَابَ كَانَ مَانِعًا،

  195. وَمَنْ أَزَالَ هَذَا الْمَانِعَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيمَا صَنَعَ فَيَكُونُ ضَامِنًا،

  196. وَإِذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَوَصَفَهَا فَأَبَى الَّذِي فِي يَدِهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَةُ الْكَافِرِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِ،

  197. وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ كَافِرٍ فَكَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا مِلْكُ الْمُسْلِمِ، وَشَهَادَةُ الْكَافِرِ فِي اسْتِحْقَاقِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَلَكِنْ فِي هَذَا الِاسْتِحْسَانِ يُقْضَى لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ لِاسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَالْمُلْتَقِطُ كَافِرٌ.

  198. وَشَهَادَةُ الْكَافِرِ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ، ثُمَّ كَمَا

  199. يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لِمُسْلِمٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لِكَافِرٍ فَتَقَابَلَ الْمَوْهُومَاتُ مَعَ أَنَّ الْمَوْهُومَ لَا يُعَارِضُ الْمَعْلُومَ،

  200. وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدَيْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْقِيَاسِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ عَلَى الْكَافِرِ مِنْهُمَا فَيَقْضِي لَهُ بِمَا فِي يَدِ الْكَافِرِ لِمَا قُلْنَا،

  201. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُلْتَقِطُ بِلُقَطَةٍ لِرَجُلٍ وَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ قُضِيَتْ بِهَا لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَالْإِقْرَارَ لَيْسَ بِحَجَّةٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، وَالضَّعِيفَ لَا يُعَارِضُ الْقَوِيَّ،

  202. فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا أَوَّلًا، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَاسْتَهْلَكَهَا،

  203. ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ إنْ شَاءَ الدَّافِعَ،

  204. وَإِنْ شَاءَ الْقَابِضَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ مِلْكَهُ بِالْحُجَّةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ فِي حَقِّهِ،

  205. فَإِنْ ضَمَّنَ الدَّافِعَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ الْقَابِضَ أَخَذَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ شَيْئًا، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ،

  206. وَإِنْ ضَمَّنَ الْقَابِضَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الدَّافِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَبْضِ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ،

  207. وَإِنْ دَفَعَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْقَابِضَ إنْ شَاءَ لِمَا قُلْنَا،

  208. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَقَدْ قَالَ مَرَّةً فِي آخَرِ هَذَا الْكِتَابِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ، وَحَيْثُ قَالَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمَا قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَأَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ إذَا قَالَ: هَذَا الْعَيْنُ فِي يَدِي لِفُلَانٍ أَوْدَعَنِيهِ فُلَانٌ لِرَجُلٍ آخَرَ،

  209. فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي ضَمِنَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْوَدِيعَةِ بِالِاتِّفَاقِ،

  210. وَإِنْ دَفَعَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ سَلَّطَ الْقَاضِي عَلَى الْقَضَاءِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ دَلَّ إنْسَانًا عَلَى سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، وَالدَّفْعُ كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي،

  211. فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هُنَا الْمُلْتَقِطُ أَمِينٌ كَالْمُودَعِ،

  212. فَإِذَا دَفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَمْ يَضْمَنْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ شَيْئًا لِمَنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  1. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْلَمْ بِأَنَّ الْإِبَاقَ تَمَرُّدٌ فِي الِانْطِلَاقِ وَهُوَ مِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَرَدَاءَةٌ فِي الْأَعْرَاقِ يُظْهِرُ الْعَبْدُ عَنْ سَيِّدِهِ فِرَارًا لِيَصِيرَ مَالُهُ ضِمَارًا، فَرَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ وَإِعَادَتُهُ إلَى مَثْوَاهُ إحْسَانٌ وَامْتِنَانٌ، وَإِنَّمَا جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ، فَالْكِتَابُ لِبَيَانِ الْجَزَاءِ الْمُسْتَحَقِّ لِلرَّادِّ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى بِإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ وَمَنْعِ الْمُعْتَدِي

  2. عَنْ الْعُدْوَانِ؛ وَلِهَذَا بَدَأَ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا قَدِمَ بِإِبَاقٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجُعْلًا إنْ شَاءَ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ الرَّادَّ مُثَابٌ؛

  3. لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَصَابَ أَجْرًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ عَلَى مَوْلَاهُ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ أَخَذَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وَفِي الْقِيَاسِ لَا جُعْلَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛

  4. لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ فِي رَدِّهِ عَلَى مَوْلَاهُ،

  5. وَلَوْ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ عَلَيْهِ عِوَضًا بِمُقَابَلَتِهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ، وَلِأَنَّ رَدَّ الْآبِقِ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ مُنْكَرٌ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ،

  6. فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِإِقَامَةِ الْفَرْضِ جُعْلًا، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي مَجْلِسِهِ مَا قَالَ، وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَقَدْ عُرِضَ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ لَا مَحَالَةَ.

  7. وَالسُّكُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ إظْهَارِ الْخِلَافِ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ،

  8. فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَثْبُتُ الْإِجْمَاعُ مِنْهُمْ ثُمَّ هُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ الْجُعْلِ،

  9. وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دِينَارٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ فَلَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ،

  10. وَإِنْ أَخَذَهُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُودِ أَصْلِ الْجُعْلِ، وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً، وَالْأَصْلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَتَى اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ فَالْحَقُّ لَا يَعْدُوهُمْ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ أَقَاوِيلِهِمْ بِرَأْيِهِ، وَلَكِنْ يُرَجِّحُ قَوْلَ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، فَنَحْنُ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ فِي إيجَابِ أَصْلِ الْجُعْلِ، وَرَجَّحْنَا قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مِقْدَارِهِ.

  11. (فَإِنْ قِيلَ:) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ بِالْأَقَلِّ فِي الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ. (قُلْنَا:) إنَّمَا لَمْ يُؤْخَذْ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ مُمَكَّنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ أَفْتَى بِالْأَقَلِّ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِمَّا دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ، وَقَوْلُ مَنْ أَفْتَى بِالْأَكْثَرِ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ كَمَا فَسَّرَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،

  12. فَإِنَّ قَوْلَهُ إنْ أَخَذَهُ فِي الْمِصْرِ كِنَايَةً عَمَّا دُونَهُ مَسِيرَةَ سَفَرٍ،

  13. وَإِنْ أَخَذَهُ خَارِجَ الْمِصْرِ كِنَايَةً عَنْ مَسِيرَةِ سَفَرٍ،

  14. وَمَتَى أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ،

  15. ثُمَّ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقُولُونَهُ بِآرَائِهِمْ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا هَذَا بِالرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ نَصْبَ

  16. الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ،

  17. وَلَا طَرِيقَ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ مِنْ الْفَتْوَى إلَّا الرَّأْيُ أَوْ السَّمَاعُ مِمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ،

  18. فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا هُنَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَصَارَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَوَى مَا قَالَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُثْبِتُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى فَلِهَذَا أَخَذْنَا بِالْأَكْثَرِ هَذَا هُوَ النِّهَايَةُ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، وَالْأَخْذُ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَقَدْ قَامَتْ الشَّرِيعَةُ بِفَتْوَاهُمْ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ إلَّا أَحْسَنَ الْوُجُوهِ، وَلَكِنَّهُ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا يَقْطَعُهُ كُلُّ سَابِحٍ،

  19. وَلَا يُصِيبُهُ كُلُّ طَالِبٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْنَى سِوَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَيْ يَرُدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّادَّ يَحْتَاجُ إلَى مُعَالَجَةٍ وَمُؤْنَةٍ فِي رَدِّهِ، وَقَلَّمَا يَرْغَبُ النَّاسُ فِي الْتِزَامِ ذَلِكَ خَشْيَةً، فَفِي إيجَابِ الْجُعْلِ لِلرَّادِّ تَرْغِيبٌ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِظْهَارِهِ الشُّكْرَ فِي الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ لِإِحْسَانِهِ إلَيْهِ، إلَّا أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ،

  20. وَلَا يُوجِبُهُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَرْضَخَ لِلَّذِي يَجِيءُ بِالْآبِقِ، وَلَمْ نَأْخُذْ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِلرَّادِّ دِينَارٌ إذَا أَخَذَهُ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ، وَقَالَ شُرَيْحٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَنَأْخُذُ بِذَلِكَ، وَيُحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَلَى مَا إذَا رَدَّهُ مِمَّا دُونَ مَسِيرَةِ السَّفَرِ، وَيَسْتَقِيمُ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا وَنَحْوِهِ؛

  21. لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَلَّدُوهُ الْقَضَاءَ وَسَوَّغُوا لَهُ الْمُزَاحَمَةَ مَعَهُمْ فِي الْفَتْوَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ خَالَفَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،

  22. وَأَنَّ مَسْرُوقًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي مُوجِبِ النَّذْرِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ، وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلَى قَوْلِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَوْلُهُ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ اسْتَحْسَنَ بِرَأْيِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ وَجْهٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمَوْلَى خَاطَبَ قَوْمًا فَقَالَ: مَنْ رَدَّ مِنْكُمْ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهُ أَحَدُهُمْ اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَهَذَا شَيْءٌ يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ؛

  23. لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الْمَجْهُولِ لَا يَنْعَقِدُ، وَبِدُونِ الْقَبُولِ كَذَلِكَ،

  24. وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الثَّابِتَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - خَيْرٌ مِنْ الِاسْتِحْسَانِ الثَّابِتِ بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،

  25. وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خِطَابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ كَذَا وَلَمْ يُخَاطِبْ بِهِ قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ فَرَدَّهُ أَحَدُهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا،

  26. ثُمَّ هَذَا تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ بِالْخَطَرِ وَهُوَ قِمَارٌ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ فِي شَرِيعَتِنَا، وَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا.

  27. (وَإِنْ قَالَ:) اُعْتُبِرَ قَوْلُ الْمَالِكِ لِإِثْبَاتِ أَمْرِهِ بِالرَّدِّ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ ثُمَّ الْمَأْمُورُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ

  28. يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي ذَلِكَ.

  29. (قُلْنَا:) لَوْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَ فِيهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ دُونَ الْمُسَمَّى ثُمَّ الْأَمْرُ هُنَا ثَابِتٌ أَيْضًا بِدُونِ قَوْلِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْهَارِبَ مِنْ مَوْلَاهُ مَا دَامَ بِمَرْأَى الْعَيْنِ مِنْهُ يُنَادِي مَوْلَاهُ عَلَى أَثَرِهِ خُذُوهُ فَعَرَفْنَا بِهَذَا أَنَّهُ أَمْرٌ لِكُلِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَرَدِّهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ الثَّابِتُ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ الثَّابِتِ إفْصَاحًا،

  30. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ أَخَذَ غُلَامًا آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: أَخَذَ مَوْلَى لِلْحَيِّ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ نَحْوَ حَيٍّ فَكَتَبَ إلَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيَجْتَعِلَ لَهُ مِنْهُمْ فَفَعَلَ ذَلِكَ،

  31. ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ فَأَقْبَلَ بِالْعَبْدِ فَأَبَقَ مِنْهُ، فَاخْتَصَمُوا إلَى شُرَيْحٍ فَضَمَّنَهُ إيَّاهُ،

  32. ثُمَّ اخْتَصَمُوا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: يَحْلِفُ الْعَبْدُ الْأَحْمَرُ لِلْعَبْدِ الْأَسْوَدِ بِاَللَّهِ مَا أَبِقَ مِنْهُ،

  33. وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالشَّعْبِيِّ فَنَقُولُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ كَمَا بَيَّنَّا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّادَّ يَسْتَوْجِبُ الْجُعْلَ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا حَتَّى لَمْ يَخَفْ عَلَى مَوَالِيهِمْ حِينَ كَتَبَ الْآخِذُ إلَى مَوْلَاهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيَجْتَعِلَ لَهُ مِنْهُمْ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ تَضْمِينُ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَالْمُسْتَوْجِبُ لِلْجُعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فَلِهَذَا ضَمَّنَهُ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

  34. (وَقَوْلُهُ) يَحْلِفُ الْعَبْدُ الْأَحْمَرُ يُرِيدُ بِهِ الرَّادَّ سَمَّاهُ أَحْمَرَ لِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِ الْآبِقِ، وَسَمَّى الْآبِقَ أَسْوَدَ لِخُبْثِ فِعْلِهِ، وَهُوَ مِنْ دُعَابَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:

  35. وَإِذَا أُتِيَ الرَّجُلُ بِعَبْدٍ آبِقٍ فَأَخَذَهُ السُّلْطَانُ فَحَبَسَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهُ وَلَا وَهِبَتُهُ ثُمَّ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَوَّلًا. نَقُولُ: يَنْبَغِي لِلرَّادِّ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ السُّلْطَانَ

  36. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي اللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا بِنَفْسِهِ،

  37. وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ الْآبِقِ بِنَفْسِهِ عَادَةً فَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ لِهَذَا؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ التَّعْزِيرَ عَلَى إبَاقِهِ فَيَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ لِيُعَزِّرَهُ، وَيَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْهُ لِيَحْبِسَهُ، وَذَلِكَ نَوْعُ تَعْزِيرٍ،

  38. ثُمَّ مَنْ يَدَّعِيهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِدُونِ الْبَيِّنَةِ،

  39. فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ أَثْبَتَ مِلْكَهُ فِيهِ بِالْحُجَّةِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَلَا يَعْرِفُ الشُّهُودُ ذَلِكَ فَيَسْتَحْلِفُهُ عَلَى ذَلِكَ.

  40. (فَإِنْ قِيلَ:) كَيْفَ يَسْتَحْلِفُهُ وَلَيْسَ هُنَا خَصِيمٌ يَدَّعِي ذَلِكَ.؟ (قُلْنَا:) يَسْتَحْلِفُهُ

  41. صِيَانَةً لِقَضَاءِ الْقَاضِي

  42. ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِأَنْ يَصُونَ قَضَاءَهُ عَنْ أَسْبَابِ الْخَطَأِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، أَوْ يَسْتَحِقُّهُ نَظَرًا لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ مَوْهُوبٍ لَهُ، فَإِذَا

  43. حَلَفَ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا،

  44. وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَأْخُذْ أَحَبُّ إلَيَّ، هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا،

  45. وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا وَسِعَهُ ذَلِكَ. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَخْذَ الْكَفِيلِ لِلْمَجْهُولِ كَمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْ الْوَارِثِ، هَذَا شَيْءٌ احْتَاطَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَهُوَ ظُلْمٌ، وَمَا قَالَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلُهُمَا؛

  46. لِأَنَّهُمَا يَجُوزَانِ لِلْقَاضِي أَنْ

  47. يَحْتَاطَ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ صِيَانَةً

  48. لِقَضَاءِ نَفْسِهِ، أَوْ نَظَرًا لِمَنْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ،

  49. وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ، فَرُبَّمَا يَظْهَرُ مُسْتَحِقٌّ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوِلَادَةِ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، أَوْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيَكُونُ مُزَاحِمًا لَهُ، أَوْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا لِهَذَا، وَلَكِنَّهُ مَوْهُومٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَكَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا.

  50. وَمَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ ثَابِتٌ بِمَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ غَيْرِهِ مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومُ لَا يُقَابِلُ الْمَعْلُومَ،

  51. فَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي تَرْكُ الْعَمَلِ إلَّا بِحُجَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، أَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يُعْطِهِ كَفِيلًا. أَوْ لَمْ يَجِدْ كَفِيلًا، أَكَانَ يَمْتَنِعُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِهِ لَهُ، وَقَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا فَهُوَ فِيمَا صَنَعَ مُحْتَاطٌ مُجْتَهِدٌ فَلَا يَكُونُ مُسِيئًا،

  52. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا.

  53. أَمَّا الدَّفْعُ إلَيْهِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ،

  54. وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ كَانَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمَا فِيمَا قَالَا، وَخَبَرُ الْمُخْبِرِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّدْقِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مِثْلُهُ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْقَاضِي،

  55. فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِدُونِ الْكَفِيلِ،

  56. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَالدَّفْعُ هُنَاكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ فِي حَقِّ الْقَاضِي، يُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالرِّقِّ فِي تَعْيِينِ مَالِكِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ، وَأَقَرَّ بِالْمِلْكِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ الثَّابِتَةِ لِلْقَاضِي بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِرِقِّهِ،

  57. فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كَفِيلًا بِحَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى إذَا حَضَرَ مَالِكُهُ وَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْكَفِيلِ لِيُحْضِرَهُ فَيُخَلِّصَهُ مِنْ ذَلِكَ،

  58. فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَقَدْ أَثْبَتَ اسْتِحْقَاقَ الْيَدِ عَلَى الْقَاضِي،

  59. وَلَا يَلْحَقُ الْقَاضِي ضَمَانٌ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ؛ فَلِهَذَا لَا يُحْتَاطُ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ.

  60. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ طَالِبٌ، فَإِذَا

  61. طَالَ ذَلِكَ بَاعَهُ الْإِمَامُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ حَتَّى يَجِيءَ لَهُ طَالِبٌ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَيَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ، وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إمْسَاكُهُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ، وَرُبَّمَا يَأْتِي ثَمَنُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَأْبَقَ مِنْهُ فَكَانَ حِفْظُ ثَمَنِهِ أَيْسَرَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ عَيْنِهِ وَأَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ إذَا حَضَرَ أَنْ يَنْقُضَ بَيْعَ الْإِمَامِ؛

  62. لِأَنَّهُ نَفَذَ بِوِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ إذَا كَانَ مَحْبُوسًا،

  63. وَلَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِأَنْ يَخْرُجَ فَيَكْتَسِبَ فَأَبَقَ ثَانِيًا فَكَانَ النَّظَرُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلنَّوَائِبِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ النَّوَائِبِ،

  64. ثُمَّ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبِهِ إنْ حَضَرَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي نَفَقَةِ الْمُلْتَقَطِ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَكَذَلِكَ فِي نَفَقَةِ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْآبِقِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِنَفْسِهِ،

  65. فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِيهِ شُهُودًا نَصَارَى لَمْ تُجْزَ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْقَاقُ يَدِ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ بِشَهَادَةِ النَّصَارَى،

Show 230 masa’il more
Maliki
Another book
المدونةMalik b. Anas, Sahnun's narration · 1,748 masa’il
  1. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ: إنْ جِئْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ كَذَا

  2. وَكَذَا فَلَكَ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ،

  3. فَإِنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ.

  4. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ وَلَمْ يَقُلْ فِي مَوْضِعِ كَذَا

  5. وَكَذَا وَسَيِّدُهُ لَا يَعْرِفُ مَوْضِعَهُ فَانْتَدَبَ رَجُلًا فَجَاءَ بِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ مَا جَعَلَ لَهُ السَّيِّدُ.

  6. قُلْتُ: وَقَوْلُهُ إنْ جِئْتَنِي بِهِ يَا فُلَانُ أَوْ مَنْ جَاءَ بِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

  7. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ: مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ نِصْفُهُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.

  8. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.

  9. قُلْتُ: لِمَ؟

  10. قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَجِدُهُ أَعْوَرَ أَوْ أَقْطَعَ وَلَا يَدْرِي مَا جُعِلَ لَهُ.

  11. قُلْتُ: وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَسْتَأْجِرَ بِهِ،

  12. وَلَا أَنْ أَجْعَلَهُ لِرَجُلٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجُعْلِ؟

  13. قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: إنْ جِئْتَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ نِصْفُهُ فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ،

  14. ثُمَّ عَلِمَ بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ،

  15. فَإِنْ جَاءَ بِهِ كَانَتْ لَهُ إجَارَةُ مِثْلِهِ،

  16. وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ وَلَا إجَارَةَ وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَجْعَلُ لِلرَّجُلِ عَلَى عَبْدَيْنِ أَبَقَا لَهُ إنْ هُوَ أَتَى بِهِمَا فَلَهُ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ فَأَتَى الَّذِي جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ وَلَمْ يَأْتِ بِالْآخَرِ قَالَ: الْجُعْلُ فَاسِدٌ وَيُنْظَرُ إلَى عَمَلِ مِثْلِهِ عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ وَطَلَبِهِ فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي الَّذِي أَتَى بِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ نِصْفُ الْعَشَرَةِ.

  17. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: لَهُ نِصْفُ الْعَشَرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَجْعَلُ لِلرَّجُلَيْنِ فِي عَبْدِهِ وَقَدْ أَبَقَ مِنْهُ

  18. جُعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِوَاحِدٍ: إنْ أَتَى بِهِ عَشْرَةٌ وَلِلْآخَرِ إنْ أَتَى بِهِ خَمْسَةٌ فَأَتَيَا بِهِ جَمِيعًا؟ قَالَ: تَكُونُ الْعَشَرَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ سَهْمٌ

  19. وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.

  20. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَكُونُ لِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ نِصْفُهَا؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِنِصْفِ الْعَبْدِ، وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ نِصْفُهَا؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِنِصْفِ الْعَبْدِ.

  21. الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا أَوْ جُدَّ نَخْلِي وَلَك نِصْفُهُ

  22. فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا أَوْ جُدَّ نَخْلِي وَلَك نِصْفُهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُلْتُ لِرَجُلٍ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ؛ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

  23. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: جُدَّ نَخْلِي هَذِهِ وَلَك نِصْفُهَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

  24. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: الْتَقِطْ زَيْتُونِي هَذَا فَمَا الْتَقَطْت مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَائِزٍ فِي اللَّقَطِ وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ.

  25. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا أَوْ الْتَقِطْ زَيْتُونِي هَذَا فَمَا لَقَطْتَ أَوْ حَصَدْتَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ فَلَا يَعْمَلَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

  26. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا كُلَّهُ وَلَك نِصْفُهُ فَقَالَ: نَعَمْ أَوْ الْتَقِطْ زَيْتُونِي هَذَا كُلَّهُ وَلَك نِصْفُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ،

  27. ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ يَتْرُكَهُ أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ

  28. وَكَذَلِكَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ.

  29. قُلْتُ: لِمَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ إذَا قَالَ لَهُ: اُحْصُدْهُ كُلَّهُ وَلَكَ نِصْفُهُ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ أَجِيرًا لَهُ بِنِصْفِ هَذَا الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ نِصْفَ هَذَا الزَّرْعِ كَانَ جَائِزًا فَلَمَّا جَعَلَ لَهُ نِصْفَ جَمِيعِ الزَّرْعِ عَلَى حَصَادِهِ جَازَ وَصَارَتْ إجَارَةً،

  30. وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ: مَا حَصَدْتَ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ، فَهَذَا جُعْلٌ وَهُوَ مَتَى مَا شَاءَ خَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ يَعْرِفُهُ؟

  31. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: اُحْصُدْ لِي الْيَوْمَ أَوْ الْتَقِطْ لِي فَمَا حَصَدْتَ أَوْ الْتَقَطْت الْيَوْمَ فَلَكَ نِصْفُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.

  32. قَالَ: فَقُلْتُ: لِمَ؟

  33. قَالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ: لِلرَّجُلِ أَبِيعُكَ مَا أَلْقُطُهُ الْيَوْمَ بِكَذَا

  34. وَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِهِ وَلَا يَجْعَلَهُ لَهُ

  35. جُعْلًا فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لَهُ فِي يَوْمٍ وَلَا تَجُوزُ فِي الْجُعْلِ وَقْتٌ مُوَقَّتٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ: مَتَى مَا شِئْتَ تَرَكْتُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا.

  36. الَّذِي يَقُولُ اُنْفُضْ زَيْتُونِي أَوْ اعْصِرْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ

  37. فِي الَّذِي يَقُولُ: اُنْفُضْ زَيْتُونِي أَوْ اعْصِرْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: اُنْفُضْ زَيْتُونِي هَذَا فَمَا نَفَضْتَ مِنْهُ مَنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهُ.

  38. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَالِكًا لِمَ كَرِهَ النَّفْضَ فِي الزَّيْتُونِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اُنْفُضْ لِي زَيْتُونِي هَذَا فَمَا نَفَضْتَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ؟

  39. قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: حَرِّكْ شَجَرَتِي هَذِهِ فَمَا سَقَطَ مِنْهَا مِنْ ثَمَرِهَا مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ إذَا نَفَضَهَا أَمْ لَا، وَإِنَّمَا النَّفْضُ تَحْرِيكٌ وَهِيَ إجَارَةٌ فَكَأَنَّهُ عَمَلَ بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ وَاللَّقْطُ غَيْرُ هَذَا فَهُوَ كُلَّمَا لَقَطَ شَيْئًا وَجَبَ لَهُ نِصْفُ مَا لَقَطَ.

  40. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اعْصِرْ زَيْتُونِي هَذَا فَمَا عَصَرْتَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ أَوْ قَالَ: اعْصِرْ جُلْجُلَانِي هَذَا فَمَا عَصَرْتَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَلِأَنَّ الْعَصْرَ فِيهِ عَمَلٌ إذَا بَدَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى يَخْرُجَ زَيْتُهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ طَحَنَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ تَرْكَهُ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا فَأَمَّا الْحَصَادُ فَهُوَ حِينَ يَحْصُدُ وَجَبَ لَهُ نِصْفُهُ،

  41. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: اُلْقُطْهُ كُلُّهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَصَارَ بَقِيَّةُ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا، وَالزَّيْتُونُ إذَا لَقَطَهُ صَارَ لَهُ نِصْفُهُ وَلِرَبِّ الزَّيْتُونِ نِصْفُهُ وَاَلَّذِي أَخَذَ الزَّيْتُونَ وَالْجُلْجُلَانَ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ عَمَلٌ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لِصَاحِبِ الْجُعْلِ فِيهِ حَقٌّ،

  42. فَإِذَا وَقَعَ عَمَلُهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتْرُكَهُ،

  43. فَإِنْ عَمِلَ كَانَ يَعْمَلُ بِأَجْرٍ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الزَّيْتُونِ وَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي اللَّقْطِ وَالْحَصَادِ هُوَ كُلُّ مَا عَمِلَ وَجَبَ لَهُ مِنْ جُعْلِهِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ وَهُوَ إذَا شَاءَ تَرَكَ ذَلِكَ.

  44. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جَمَعَ مِنْهُ شَيْئًا قَلِيلًا،

  45. ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا بَقِيَ تَرَكَهُ وَأَخَذَ حَقَّهُ فِيمَا عَمِلَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَرَكَ وَذَلِكَ إنْ طَحَنَ وَلَمْ يَعْصِرْ،

  46. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ بَطَلَ عَمَلُهُ.

  47. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَهُ: اُحْصُدْ زَرْعِي هَذَا أَوْ اُدْرُسْهُ عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ الدِّرَاسِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي كَيْفَ تَخْرُجُ هَذِهِ الْحِنْطَةُ وَلَا كَمْ تُخْرِجُ.

  48. قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِعْنِي هَذِهِ الْحِنْطَةَ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَهُوَ زَرْعٌ قَائِمٌ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.

  49. قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْجُعْلِ وَأَنْتَ قَدْ أَجَزْتَ هَذَا فِي الْبَيْعِ عِنْدَ مَالِكٍ؟

  50. قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْنِي قَمْحَ زَرْعِكَ هَذَا كَذَا

  51. وَكَذَا إرْدَبًّا بِدِينَارٍ أَوْ كَذَا

  52. وَكَذَا قَفِيزًا وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ وَهُوَ سُنْبُلٌ قَائِمٌ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ،

  53. وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ زَرْعِي هَذَا كُلَّهُ وَقَدْ وَجَبَ لَكَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْبَائِعِ حَصَادَهُ وَدَرْسَهُ وَذَرِيهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ قَمْحٌ مَا يَخْرُجُ مِنْ زَرْعِهِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.

  54. قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ الَّذِي بَاعَهُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّهِ حَصَادَهُ وَدِرَاسَهُ وَجَمِيعًا كُلَّهُ جُزَافًا وَبَيْنَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ كُلَّ إرْدَبٍّ بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ يَحْصُدَهُ صَاحِبُهُ وَيَدْرُسَهُ، وَهَذَا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا الْعَمَلُ عَلَى رَبِّ الزَّرْعِ؟

  55. قَالَ: لِأَنَّ هَذَا اشْتَرَى بِكَيْلٍ يَعْلَمُ مَا اشْتَرَى وَهَذَا اشْتَرَى جُزَافًا فَلَا يَعْلَمُ مَا اشْتَرَى، فَكُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ جُزَافًا لَمْ يَصْلُحْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ حَتَّى يُعَايِنَهُ وَهَذَا إنَّمَا يُعَايِنُهُ بَعْدَ دَرْسِهِ، وَكُلُّ مَنْ اشْتَرَى كَيْلًا فَرَآهُ فِي سُنْبُلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛

  56. لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ حِنْطَتِهِ هَذِهِ الَّتِي فِي سُنْبُلِهِ كَيْلًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  57. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَبِيعُك حِنْطَتِي الَّتِي فِي بَيْتِي كُلَّ إرْدَبَّيْنِ بِدِينَارٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَصِفَهُ أَوْ يُرِيَهُ مِنْهَا.

  58. قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي فِي سُنْبُلِهِ؟

  59. قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي فِي سُنْبُلِهِ قَدْ عَايَنَهُ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.

  60. جُعْلِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ

  61. فِي جُعْلِ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُوَكَّلَ الرَّجُلُ بِالْوَكَالَةِ عَلَى أَنْ يُخَاصِمَ لَهُ فَإِنْ أَدْرَكَ فَلَهُ جُعْلُهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُ هَذَا وَلَا يَرَاهُ مِنْ الْجُعْلِ الْجَائِزِ.

  62. قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا فَأُدْرِكَ أَيَكُونُ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ؟

  63. قَالَ: نَعَمْ.

  64. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ

  1. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ مَا جَاءَ فِي الشِّرَاءِ وَكِرَاءِ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ اشْتَرَيْت عَبْدًا وَاشْتَرَطْت عَلَى بَائِعِهِ رُكُوبَ رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ أَخَذْت الْعَبْدَ وَكِرَاءَ الرَّاحِلَةِ جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ أَيَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ وَالْكِرَاءُ،

  2. وَإِنْ لَمْ اشْتَرِطْ إنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ أَبْدَلَهَا لِي؟ قَالَ: الشِّرَاءُ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ إنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ أَبْدَلَهَا وَإِنْ اشْتَرَطَ إنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ أَبْدَلَهَا فَالشِّرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ كِرَاءً مَضْمُونًا فِي أَصْلِ الصَّفْقَةِ،

  3. وَلَا يَكُونُ فِي رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ وَشَرَطَ عَلَى رَبِّهَا إنْ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ خَلَفُهَا إنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ كِرَاءً مَضْمُونًا،

  4. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ فِي رَاحِلَةٍ بِعَيْنِهَا فَإِنْ مَاتَتْ الرَّاحِلَةُ فُسِخَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَمَا يَدُلُّكَ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ اكْتَرَى رَاعِيًا يَرْعَى لَهُ مِائَةَ شَاةٍ بِأَعْيَانِهَا سَنَةً فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّ مَا مَاتَتْ مِنْ الْغَنَمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهَا فَيَرْعَاهَا لَهُ الرَّاعِي فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ؛

  5. لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَتُسَلَّمُ الْغَنَمُ إلَى رَأْسِ السَّنَةِ أَمْ لَا،

  6. وَإِنْ اشْتَرَطَ إنْ مَاتَ الرَّاعِي فَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ خَلْفٌ مِنْ الرَّاعِي فَذَلِكَ فَاسِدٌ.

  7. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَصْلُ هَذَا أَنْ يُنْظَرَ إلَى الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ أَبَدًا،

  8. فَإِذَا مَاتَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ لِمَوْتِهِ وَإِذَا اُسْتُؤْجِرَ لِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ مِثْلِ غَنَمٍ يَرْعَى بِهَا أَوْ دَوَابَّ يَقُومُ عَلَيْهَا فَمَاتَتْ الْغَنَمُ أَوْ الدَّوَابُّ،

  9. فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ.

  10. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لَهُ لِلْأَجِيرِ، وَهِيَ الْغَنَمُ وَالدَّوَابُّ وَإِنَّمَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ لِمَوْتِ الْمُسْتَأْجِرِ نَفْسِهِ وَهُوَ الرَّاعِي فَعَلَى هَذَا تَقِيسُ كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ

  11. بَيْعِ الدَّابَّةِ وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهَا

  12. فِي بَيْعِ الدَّابَّةِ وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهَا.

  13. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت دَابَّةً مَنْ رَجُلٍ وَاسْتَثْنَى عَلَيَّ رُكُوبَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

  14. قُلْتُ: فَإِنْ تَلِفَتْ فِي الْيَوْمَيْنِ؟

  15. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي، قَالَ مَالِكٌ:

  16. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ أَنْ يُسَافِرَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ ثُمَّ تَلِفَتْ فِيهِ كَانَ مُصِيبَتُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي.

  17. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطْتُ أَنْ أُسَافِرَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ الْيَوْمِ؟

  18. قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُحَدِّدُ فِيهِ حَدًّا إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا أُحِبُّ مَا يَتَبَاعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ تَتَغَيَّرُ فِيهِ وَلَا يَدْرِي مُشْتَرِيهَا كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَلَا يُعْجِبُنِي.

  19. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى بَأْسًا فِي الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ.

  20. قَالَ مَالِكٌ: وَمَا تَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِيهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَمَا تَلِفَتْ فِيهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهُ فَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ وَمَا تَلِفَتْ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ لَهُمَا اشْتِرَاطُهُ مِثْلُ الْمَوْضِعِ الْقَرِيبِ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي.

  21. النَّقْدُ فِي الْكِرَاءِ بِعَيْنِهِ

  22. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ أَيَصْلُحُ لِي النَّقْدُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا كَانَ الرُّكُوبُ إلَى الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ أَوْ الْأَمْرِ الْقَرِيبِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَنْ يُعَجِّلَ الْكِرَاءَ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهُ إلَى الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ أَوْ إلَى الْأَمْرِ الْقَرِيبِ.

  23. قَالَ: فَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَمًا فِي كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  24. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ أَرْكَبَهَا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَيَصْلُحُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ أَنْقُدَهُ؟

  25. قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ ذَلِكَ إلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ نَقَدَهُ.

  26. قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ أَكْتَرِيَ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا وَأَشْتَرِطَ رُكُوبَهَا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  27. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَنْقُدْهُ. .

  28. الْخِيَارُ فِي الْكِرَاءِ بِعَيْنِهِ

  29. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً بِعَيْنِهَا إلَى مَكَّةَ وَنَقَدْته الْكِرَاءَ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟

  30. قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يُنْقَدَ إذَا كُنْتُ بِالْخِيَارِ فِي كِرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَا الْخِيَارَ مَا دُمْتُمَا فِي مَجْلِسِكُمَا قَبْلَ أَنْ تَتَفَرَّقَا.

  31. الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّة بِعَيْنِهَا ثُمَّ يَبِيعُهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمُكْتَرِي

  32. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ بِعَيْنِهَا ثُمَّ يَبِيعُهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمُكْتَرِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا مِنْ رَجُلٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا

  33. وَكَذَا فَبَاعَهَا رَبُّهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ أَنْ أَرْكَبَهَا أَتَجُوزُ هِبَتُهُ أَوْ صَدَقَتُهُ أَوْ بَيْعُهُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ الْهِبَةِ،

  34. وَلَا مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا مِنْ الْبَيْعِ، وَالْكِرَاءُ أَوْلَى مِنْ صَدَقَتِهِ وَبَيْعِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَنْ تَكَارَى عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ دَابَّةً أَوْ ابْتَاعَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَكِلْهُ حَتَّى فَلَّسَ صَاحِبُهُ الَّذِي أَكْرَاهُ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ مَنْ تَكَارَى أَوْ اسْتَأْجَرَ أَوْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ.

  35. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْ رَجُلٍ دَوَابَّ بِأَعْيَانِهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَبَاعَهَا فَذَهَبَ بِهَا الْمُشْتَرِي فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا وَقَدَرْت عَلَى الْمُكْرِي الَّذِي أَكْرَانِي أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ بِشَيْءٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا الْكِرَاءُ الَّذِي أَدَّيْتَهُ إلَيْهِ إنْ كُنْتُ أَعْطَيْتَهُ الْكِرَاءَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

  36. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  37. قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا تُكْرَى فَتَمُوتُ: إنَّهُ يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ إنْ فَاتَتْ الرَّاحِلَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

  38. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَدَرْتُ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَدْ غَابَ الَّذِي أَكْرَانِي أَيَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَ الَّذِي اشْتَرَاهَا خُصُومَةٌ أَمْ لَا؟

  39. قَالَ: إنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ فَأَنْتَ أَوْلَى بِالدَّابَّةِ مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ كَانَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  40. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَيْتُ دَابَّتِي ثُمَّ بِعْتُهَا؟

  41. قَالَ: الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَوْلَى.

  42. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: الْمُشْتَرِي أَنَا أَتْرُكُ الْمُكْتَرِي فِيهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ إجَارَتُهُ ثُمَّ آخُذُهَا وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ بَيْنَنَا أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  43. قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا يَعْنِي إذَا كَانَ الضَّمَانُ مِنْ الْمُشْتَرِي.

  44. الشَّرْطُ فِي كِرَاءِ الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا إنْ مَاتَتْ أَخْلَفَ مَكَانَهَا

  45. قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الرَّاحِلَةَ بِعَيْنِهَا وَلَا يَشْتَرِطُ أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ أَخْلَفَ لَهُ غَيْرَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا إذَا اكْتَرَاهَا الرَّجُلُ وَاشْتَرَطَ أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ أَخْلَفَ لَهُ غَيْرَهَا: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ أَخْلَفَ لَهُ غَيْرَهَا جَازَ ذَلِكَ.

  46. قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْغَنَمِ وَالرَّاحِلَةِ بِعَيْنِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  47. قَالَ: فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الرَّاحِلَةَ وَقَعَ عَلَيْهَا الْكِرَاءُ بِعَيْنِهَا وَهِيَ الَّتِي اُكْتُرِيَتْ،

  48. وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُكْرَى وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الرَّجُلِ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ إنْ اشْتَرَطَ إنْ مَاتَ هَذَا الْأَجِيرُ فَفِي مَالِهِ أَنْ يُؤْتَى بِغَيْرِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَالرَّجُلُ مَوْضِعُ الرَّاحِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْغَنَمُ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ.

  49. الْكِرَاءُ بِالثَّوْبِ أَوْ الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ

  50. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا يَعْمَلُ لِي شَهْرًا أَوْ اكْتَرَيْتُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى حُمُولَةٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَحْمِلَنِي أَنَا نَفْسِي بِثَوْبٍ بِعَيْنِهِ فَلَمَّا وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى هَذَا أَتَانِي لِيَقْبِضَ الثَّوْبَ فَقُلْتُ: لَا أَدْفَعُ إلَيْكَ الثَّوْبَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حُمُولَتِي أَوْ تَعْمَلَ فِي إجَارَتِكَ؟

  51. قَالَ: إنْ كَانَ كِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ بِالنَّقْدِ أُجْبِرَ عَلَى النَّقْدِ.

  52. وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِالنَّقْدِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْكِرَاءُ وَلَا هَذِهِ الْإِجَارَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ نَقْدًا،

  53. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ نَقْدًا فَالْكِرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ يُعْطِيهِ الثَّوْبَ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا.

  54. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ شَاةً بِعَيْنِهَا أَوْ حَيَوَانًا؟

  55. قَالَ: نَعَمْ.

  56. قُلْتُ: وَإِنْ اسْتَأْجَرْتُهُ بِطَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ اكْتَرَيْتُ بِطَعَامٍ بِعَيْنِهِ لِيَحْمِلَ لِي حُمُولَتِي إلَى مَكَّةَ؟

  57. قَالَ: إنْ كَانَ الْكِرَاءُ عِنْدَهُمْ نَقْدًا أُجْبِرَ عَلَى النَّقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ النَّقْدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ وَقَعَ بِالنَّقْدِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ: يَبِيعُ طَعَامًا فِي مَوْضِعٍ غَائِبٍ مِنْ رَجُلٍ وَقَدْ رَآهُ الْمُبْتَاعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَشْتَرِطُ إنْ أَدْرَكَ الطَّعَامَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ ضَاعَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ كَانَ عَلَى الْبَائِعِ مِثْلُهُ؟

  58. قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي عَلَى أَيِّ الطَّعَامَيْنِ وَقَعَ بَيْعُهُ فَالْكِرَاءُ مِثْلُ الْبَيْعِ.

  59. قُلْتُ: وَالْعُرُوضُ وَالطَّعَامُ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ؟

  60. قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّفْقَةُ عَلَى النَّقْدِ فَلَا بَأْسَ بِالْكِرَاءِ.

  61. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ إلَى مَكَّةَ عَلَى حُمُولَةٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اكْتَرَى مِنْهُ دَارِهِ سَنَةً بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ بِعَيْنِهَا أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ بِعَيْنِهَا فَوَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى هَذَا فَأَبَى أَنْ يَنْقُدَهُ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ أَوْ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الَّذِي لَهُ مِنْ كِرَائِهِ وَمِنْ عَمَلِ الْأَجِيرِ وَمِنْ سُكْنَى الدَّارِ؟

  62. قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْكِرَاءُ عِنْدَهُمْ بِالنَّقْدِ دَفَعَ الدَّنَانِيرَ عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ،

  63. وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ عِنْدَهُمْ عَلَى غَيْرِ النَّقْدِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا

  64. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ مِنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ يَقْبِضُهَا بِدَنَانِيرَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِبَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ اشْتَرَطَ فِي بَيْعِهِ إنْ تَلِفَتْ تِلْكَ الدَّنَانِيرُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ دَنَانِيرَ أُخْرَى مِثْلَهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ فَأَرَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ لَيْسَ يُنْقَدُ فِي مِثْلِهِ فَلَا أَرَى الْكِرَاءَ جَائِزًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَتْ الدَّنَانِيرُ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا،

  65. فَإِنْ اشْتَرَطَ هَذَا لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَالطَّعَامُ وَالْعُرُوضُ لَا يَصْلُحُ هَذَا الشَّرْطُ فِيهَا.

  66. وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَشْتَرِطَ إنْ تَلِفَتْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ وَالْعُرُوضَ سِلَعٌ فِي أَيْدِي النَّاسِ وَلِأَنَّ مَالِكًا قَدْ كَرِهَ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ الْغَائِبُ عَلَى أَنَّهُ إنْ تَلِفَ أَعْطَاهُ مِثْلَهُ وَالدَّابَّةُ وَالرَّأْسُ مِثْلُ ذَلِكَ؟

  67. قَالَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: لَا خَيْرَ فِيهِ إذَا بِيعَ بِشَرْطٍ إنْ تَلِفَ أَعْطَاهُ مِثْلَهُ مَكَانَهُ وَالدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ إنَّمَا هِيَ عَيْنٌ عِنْدَ النَّاسِ لَيْسَتْ بِسِلَعٍ وَهِيَ فِي أَيْدِي النَّاسِ أَثْمَانٌ لِلسِّلَعِ فَإِنْ اشْتَرَطَ أَنَّهَا إنْ هَلَكَتْ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ،

  68. فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ اكْتَرَى عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا إلَى أَجَلٍ بَعِيدٍ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَتُسَلَّمُ الدَّنَانِيرُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ أَمْ لَا تُسَلَّمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ فِي الدَّنَانِيرِ: هُوَ جَائِزٌ وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.

  69. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ بِهَذَا الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِهَذِهِ الْعُرُوضِ بِعَيْنِهَا أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ بِعَيْنِهَا وَالْكِرَاءُ فِي مَوْضِعِنَا لَيْسَ بِالنَّقْدِ عِنْدَ النَّاسِ فَقَالَ الْجَمَّالُ: وَقَعَ كِرَاؤُنَا فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ النَّقْدُ وَكِرَاءُ النَّاسِ عِنْدَنَا لَيْسَ بِالنَّقْدِ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي أَنَا أُعَجِّلُ السِّلْعَةَ أَوْ الدَّنَانِيرَ أَوْ الطَّعَامَ وَلَا أَفْسَخُ الْكِرَاءَ، قَالَ: الْكِرَاءُ يُفْسَخُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ رَضِيَ الْمُتَكَارِي أَنْ يُعَجِّلَ السِّلْعَةَ أَوْ الدَّنَانِيرَ أَوْ الطَّعَامَ؛

  70. لِأَنَّ صَفْقَةَ الْكِرَاءِ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فِي رَأْيِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: إلَّا فِي الدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.

  71. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت بِهَذَا الطَّعَامِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِهَذِهِ الثِّيَابِ بِعَيْنِهَا أَوْ بِهَذِهِ الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا أَوْ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ بِعَيْنِهَا وَاشْتَرَطْت عَلَيْهِ أَنْ لَا أَنْقُدَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ مِثْلُ الدَّابَّةِ تَكُونُ يَرْكَبُهَا الرَّجُلُ الْيَوْمَ أَوْ الْيَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  72. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْجَارِيَةُ تَخْدُمُهُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يُحْبَسُ لِرُكُوبٍ وَلَا لِخِدْمَةٍ وَلَا لِلُبْسٍ وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَهُ فِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْبِسُهُ عَلَى وَجْهِ الْوَثِيقَةِ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى الْكِرَاءِ أَوْ يَكْتُبَ كِتَابًا عَلَيْهِ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي حَبْسِهِ مَنْفَعَةٌ إلَّا هَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ؛

  73. لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحْبِسُ سِلْعَتَهُ حَتَّى يَسْتَوْثِقَ.

  74. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا يَحْبِسُهُ لِيَشْهَدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُشْهِدَ وَلَا يَحْبِسُهُ لِلُبْسٍ وَلَا لِرُكُوبٍ وَلَا

  75. لِخِدْمَةٍ؟

  76. قَالَ: فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَشْتَرِطَ حَبْسَهُ وَلَا أُفْسِدُ بِهِ الْبَيْعَ؛ لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ بِالدَّنَانِيرِ الطَّعَامَ مِنْ صُبْرَةٍ بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ إلَى يَوْمَيْنِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  77. قُلْتُ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ جَارِيَةً أَوْ سِلْعَةً إلَى أَيَّامٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لِي: شَرْطُهُمَا بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ نَافِذٌ لَازِمٌ لَهُمَا أَتَى بِهِ أَوْ لَمْ يَأْتِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ دَفْعُهَا وَالْمُشْتَرِيَ أَخْذُهَا وَيُجْبَرُ عَلَى النَّقْدِ فَهَذَا يُشْبِهُ الْكِرَاءَ إذَا اُشْتُرِطَ حَبْسُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛

  78. لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَنَافِعُ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَبْسِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ قَدْ يُحِبُّ أَنْ يُكْفَى مُؤْنَتَهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَقَدْ يُحِبُّ الْمُكْرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ يُؤَخِّرُ سِلْعَتَهُ فِي يَدِهِ لِيَرْكَبَ أَوْ يُحْضِرَ حُمُولَتَهُ فَتَكُونَ وَثِيقَةً فَإِذَا قَرُبَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا أَرَى أَنْ يُفْسَخَ الْكِرَاءُ،

  79. وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْكِرَاءَ عَلَى هَذَا،

  80. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ عَلَى إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَيَّامٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ جَازَ بَيْنَهُمَا وَفُسِخَ الشَّرْطُ وَأَرَى الثِّيَابَ إنْ كَانَتْ مِمَّا تُلْبَسُ إذَا أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَحْبِسَهَا حَتَّى يَسْتَوْثِقَ لِنَفْسِهِ وَهِيَ مِمَّا تُلْبَسُ،

  81. فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهِيَ مِثْلُ مَا فَسَّرْتُ لَكَ فِي الدَّوَابِّ وَالْجَارِيَةِ فَأَمَّا الدَّنَانِيرُ فَلَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ فَيَضَعَهَا رَهْنًا أَوْ يَكُونَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصْلُحْ الْكِرَاءُ عَلَى هَذَا.

  82. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَضُرُّهُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا وَيَضَعْهَا رَهْنًا، أَلَا تَرَى لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ بِأَعْيَانِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ أَنَّ الْبَيْعَ تَامٌّ وَعَلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ عَيْنٌ، وَمَا سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ عُرُوضٌ وَإِنْ تَلِفَتْ الثِّيَابُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهَا الْمُكْتَرِي كَانَ ضَمَانُهَا مِنْهُ وَفُسِخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؛

  83. لِأَنَّهُ مَنْ ابْتَاعَ ثَوْبًا فَحَبَسَهُ الْبَائِعُ لِلثَّمَنِ فَهَلَكَ كَانَ مِنْ بَائِعِهِ وَلِأَنَّهُ مَنْ ابْتَاعَ حَيَوَانًا فَاحْتَبَسَهُ الْبَائِعُ لِلثَّمَنِ فَهَكَذَا كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَالْمُكْتَرِي إذَا اشْتَرَطَ حَبْسَهُ لِلْوَثِيقَةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ فَهَلَكَ كَانَ مِنْ الْكَرْيِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُعْرَفُ لِهَلَاكِهِ وَلَيْسَ مَغِيبُهُ عَلَيْهِ مَعِيبًا وَلِأَنَّ الدَّنَانِيرَ عَيْنٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُشْتَرَطَ تَأْخِيرُهَا إلَّا أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا ضَاعَتْ،

  84. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ ضَمَانُ مَا بَاعَ مِمَّا بِيعَ إلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يَتَكَارَى بِهِ إلَّا فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا وَإِنَّمَا فَسَخْتُ الْكِرَاءَ فِي الثِّيَابِ إنْ احْتَبَسَهَا لِلْوَثِيقَةِ فَهَلَكَتْ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا ابْتَاعَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ إنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى تَلَفِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ائْتِ بِثَوْبٍ مِثْلِهِ وَخُذْ ثَمَنَهُ، وَلِأَنَّ مَنْ سَلَّفَ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا فِي سِلْعَةٍ إلَى أَجَلٍ مِمَّا يَجُوزُ السَّلَفُ فِيهِ فَاخْتَرَمَ الْحَيَوَانُ وَالثِّيَابُ بَطَلَ السَّلَمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ قِيمَةٌ وَلَا غَيْرُهَا؛

  85. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْحَيَوَانِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَرَدَدْتُ عَلَيْهِ فِيمَنْ بَاعَهُ

  86. فَاحْتَبَسَهُ الْبَائِعُ لِلثَّمَنِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَضَاعَ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَلَقَدْ قَالَ لِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا بِبَلَدِنَا لَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَيَوَانُ أَوْ الثِّيَابُ وَمَا كَانَ شِرَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَاشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَدْفَعُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِرُكُوبِ دَابَّةٍ أَوْ لِبَاسِ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُنْقَدَ الثَّمَنُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَرْيَةِ وَأَنَّهُ وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي؛

  87. لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَبَضَهُ وَحَازَهُ وَكَانَ تَلَفُهُ فِي يَدِهِ فَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِكِرَاءِ دَابَّةٍ أَوْ دَارٍ وَشَرَطَ حَبْسَهُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ.

  88. الْكِرَاءِ بِثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ

  89. مَا جَاءَ فِي الْكِرَاءِ بِثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً بِثَوْبٍ مَرْوِيٍّ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَلَمْ أُسَمِّ رُقْعَتَهُ وَلَا طُولَهُ وَلَا جِنْسَهُ وَلَا عَرْضَهُ أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ هَذَا فِي الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ فِي ثَمَنِ الْكِرَاءِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي ثَمَنِ الْبَيْعِ.

  90. الْكِرَاءِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُكْتَرِي الرِّحْلَةَ وَالْعَلَفَ

  91. مَا جَاءَ فِي الْكِرَاءِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُكْتَرِي الرِّحْلَةُ وَالْعَلَفَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً إلَى مَكَّةَ عَلَى أَنَّ رِحْلَتَهَا عَلَيَّ؟

  92. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  93. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا بِعَلَفِهَا أَيَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  94. قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  95. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ إبِلًا مِنْ جَمَّالٍ إلَى مَكَّةَ بِكَذَا

  96. وَكَذَا عَلَى أَنَّ عَلَيَّ طَعَامَ الْجِمَالِ وَعَلَفَ الْإِبِلِ؟

  97. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؟

  98. يَكْتَرِي مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْجَمَّالِ طَعَامَهُ

  99. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْجَمَّالِ طَعَامَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ جَمَّالٍ إلَى مَكَّةَ عَلَى أَنَّ عَلَى الْجَمَّالِ طَعَامِي؟

  100. قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَلَى الرَّجُلِ يَكْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ إلَى الْحَجِّ ذَاهِبًا أَوْ رَاجِعًا وَإِلَى بَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْجَمَّالِ طَعَامَهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قِيلَ لَهُ: أَفَنِصْفُ النَّفَقَةِ فِي طَعَامِهِ؟

  101. قَالَ: لَا.

  102. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجُلَ أَيَحُدُّ لَهَا النَّفَقَةَ؟ قَالَ مَالِكٌ:

  103. فَلَا يَكُونُ بِهَذَا كُلِّهِ بَأْسٌ،

  104. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُسْتَأْجَرُ السَّنَةَ عَلَى أَنَّ عَلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ نَفَقَتَهُ؟

  105. قَالَ: وَكَذَا لَوْ كَانَ حُرًّا.

  106. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ اشْتَرَطَ الْكِسْوَةَ؟

  107. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  108. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِكِسْوَةٍ وَصَفَهَا أَوْ بِطَعَامٍ فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ غَيْرُ ذَلِكَ؟

  109. قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ

  110. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْكِسْوَةِ أَوْ الطَّعَامِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ عُرُوضٌ بِعَيْنِهَا؟

  111. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعُرُوض مُعَجَّلَةً لَا تَكُونُ إلَى الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ إذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا لَا تُبَاعُ إلَى أَجَلٍ فَكَذَلِكَ لَا يَتَكَارَى بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُهَا صَاحِبُهَا إلَّا إلَى أَجَلٍ فَإِنْ كَانَتْ عُرُوضًا بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُؤَخَّرًا إذَا سَمَّى لَهُ أَجَلًا يُرِيدُ كَأَجَلِ السَّلَمِ.

  112. الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ يَرْكَبُهَا شَهْرًا أَوْ يَطْحَنُ عَلَيْهَا

  113. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ يَرْكَبُهَا شَهْرًا أَوْ يَطْحَنُ عَلَيْهَا.

  114. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً شَهْرًا عَلَى أَنْ أَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِي مَتَى مَا شِئْتُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؟

  115. قَالَ: إنْ تَكَارَاهَا شَهْرًا يَرْكَبُهَا فِي حَوَائِجِهِ كَمَا تَرْكَبُ النَّاسُ الدَّوَابَّ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  116. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  117. قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ شَهْرًا؟

  118. قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

  119. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً أَطْحَنُ عَلَيْهَا شَهْرًا بِعَيْنِهِ قَمْحًا وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَطْحَنُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ الْقَمْحِ؟

  120. قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا يُشْبِهُ كِرَاءَ الرَّجُلِ الدَّابَّةَ شَهْرًا يَرْكَبُهَا؛ لِأَنَّ وَجْهَ الطَّحِينِ مَعْرُوفٌ؟

  121. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  122. الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَوَابَّ كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً

  123. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَوَابَّ كَثِيرَةً صَفْقَةً وَاحِدَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَوَابَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ إرْدَبٍّ وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ؟

  124. قَالَ: أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا وَيَحْمِلُ عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ بِقَدْرِ مَا تَقْوَى إذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ.

  125. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ شَتَّى وَكَانَتْ الدَّوَابُّ يَخْتَلِفُ حِمْلُهَا؟

  126. قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْرَى دَابَّتَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ. قُلْتُ: وَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّوَابَّ صَفْقَةً وَاحِدَةً إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ رَبُّ الدَّوَابِّ وَاحِدًا؟

  127. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.

  128. قُلْتُ: أَتَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ لِأُنَاسٍ شَتَّى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ: لَا.

  129. الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ

  130. مَا جَاءَ فِي الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً أُشَيِّعُ عَلَيْهَا رَجُلًا وَلَمْ أُسَمِّ مَوْضِعًا مِنْ الْمَوَاضِعِ؟ قَالَ: الْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ تُسَمِّيَ مَوْضِعًا مَعْرُوفًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ التَّشْيِيعُ أَمْرًا قَدْ عُرِفَ بِالْبَلَدِ كَيْفَ هُوَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

  131. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّتَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً وَاحِدَةٌ إلَى بَرْقَةَ وَالْأُخْرَى إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَمْ أُسَمِّ الَّتِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَا الَّتِي إلَى بَرْقَةَ؟

  132. قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْكِرَاءُ حَتَّى تُسَمِّيَ الَّتِي إلَى بَرْقَةَ وَاَلَّتِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ.

  133. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى إنْ أَدْخَلَنِي مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَإِنْ أَدْخَلَنِي فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا الْكِرَاءُ فَاسِدٌ، إنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ فُسِخَ هَذَا الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ رَكِبَ يُرِيدُ سَفَرَهُ كُلَّهُ أُعْطِيَ كِرَاءً مِثْلَهُ عَلَى سُرْعَةِ السَّيْرِ وَإِبْطَائِهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.

  134. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اكْتَرَى كِرَاءً فَاسِدًا فَاسْتَوْفَى الرُّكُوبَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الرُّكُوبِ.

  135. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ أُسَمِّ مَا أَحْمِلُ عَلَيْهَا أَيَكُونُ الْكِرَاءُ فَاسِدًا أَمْ يَكُونُ الْكِرَاءُ جَائِزًا وَأَحْمِلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا يُحْمَلُ عَلَى مِثْلِهَا؟

  136. قَالَ: الْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا عَرَفُوا مَا يَحْمِلُونَ،

  137. فَإِذَا كَانُوا قَدْ عَرَفُوا الْحُمُولَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ،

  138. فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَهُمْ لَازِمٌ عَلَى مَا قَدْ عَرَفُوا مِنْ الْحُمُولَةِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا كَانَ قَدْ سَمَّى طَعَامًا أَوْ بَزًّا أَوْ عِطْرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ مَا تَحْمِلُ تِلْكَ الدَّابَّةُ،

  139. وَإِنْ قَالَ: أَحْمِلُ عَلَيْهَا قَدْرَ حِمْلِ مِثْلِهَا مِمَّا شِئْتَ مِمَّا تَحْمِلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحُمُولَةِ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالدَّابَّةِ وَأَعْطَبُ لِظُهُورِهَا، وَمِنْهَا مَا لَا يَضُرُّ.

  140. فَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ

  141. وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَى دَابَّةً يَرْكَبُهَا شَهْرًا إلَى أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ، وَالْبُلْدَانُ مِنْهَا الْوَعِرَةُ الشَّدِيدَةُ وَمِنْهَا السَّهْلَةُ،

  142. وَكَذَلِكَ فِي الْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ، فَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ حَتَّى يَتَبَاعَدَ تَبَاعُدًا بَيِّنًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَضَرُّ بِالْجُدُرِ وَمِنْهَا مَا لَا يَضُرُّ فَإِذَا اخْتَلَفَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ الْحُمُولَةِ مَا لَوْ سَمَّى لِنَقْبِهِ لِظَهْرِ الدَّابَّةِ لَمْ يَرْضَ رَبُّ الدَّابَّةِ فِيهِ بِدِينَارٍ وَاحِدٍ وَآخَرَ لِخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ يَكُونُ كِرَاؤُهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يُتَفَاحَشُ.

  143. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُكْرِي دَابَّتَهُ تُرْكَبُ يَوْمًا فِي الْحَضَرِ فَيَكُونُ غَيْرَ كِرَائِهَا تُرْكَبُ يَوْمًا

  144. فِي السَّفَرِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ الْوَعِرَةُ قَلِيلَةَ الْكَلَأِ وَالْأُخْرَى سَهْلَةً كَثِيرَةَ الْكَلَأِ فَيَكُونُ الْكِرَاءُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفًا،

  145. وَأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْمَسْكَنِ بَاعُوا مِنْ مَنَافِعِ الدَّابَّةِ وَمَنَافِعِ الْمَسَاكِنِ مَا لَا يَدْرُونَ مَا بَاعُوا لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ أَكْرِيَةِ النَّاسِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَكْتَرِي لِيَحْمِلَ حِنْطَةً فَيَحْمِلَ مَكَانَهَا شَعِيرًا مِثْلَهُ أَوْ سِمْسِمًا فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا وَلَا يَضْمَنُ إنْ عَطِبَتْ الرَّاحِلَةُ،

  146. وَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَاهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ شَطَوِيًّا فَحَمَلَ عَلَيْهَا بَغْدَادِيًّا أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ مَا يُشْبِهُهُ فِي نَحْوِهِ وَخِفَّتِهِ وَثِقْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ حَمَلَ رَصَاصًا أَوْ حِجَارَةً بِوَزْنِ ذَلِكَ فَعَطِبَتْ ضَمِنَهَا لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ فَخُذْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.

  147. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ مِنْ رَجُلٍ إلَى مَكَّةَ بِمِثْلِ مَا يَتَكَارَى النَّاسُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.

  148. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ إبِلًا إلَى مَكَّةَ بِطَعَامٍ مَضْمُونٍ، وَلَمْ أَذْكُرْ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْقُدُهُ فِيهِ الطَّعَامَ وَلَمْ أَضْرِبْ لِذَلِكَ أَجَلًا وَلَيْسَ لِلنَّاسِ عِنْدَهُمْ فِي الْكِرَاءِ سُنَّةٌ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ.

  149. وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَاهُ بِغُلَامٍ مَضْمُونٍ أَوْ بِثَوْبٍ مَضْمُونٍ وَلَيْسَ لَهُمْ سُنَّةٌ يَحْمِلُونَ عَلَيْهَا فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ ذِي قَبْلٍ عَلَى أَمْرٍ حَلَالٍ فَيَنْفُذُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.

  150. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَى قَوْمٌ مُشَاةٌ إبِلًا إلَى مَكَّةَ لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا أَزْوَادَهُمْ وَشَرَطُوا أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْإِبِلِ؟ قَالَ: هَذَا الْكِرَاءُ فَاسِدٌ.

  151. قُلْتُ أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

  152. قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.

  153. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يُبَلِّغَنِي مَوْضِعَ كَذَا

  154. وَكَذَا إلَى يَوْمِ كَذَا

  155. وَكَذَا وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ لَهُ؟

  156. قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مِنْ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَرَرٌ لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ لَهُ الْكِرَاءُ أَمْ يَذْهَبَ رَأْسًا،

  157. فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ.

  158. إلْزَامِ الْكِرَاءِ

  159. فِي إلْزَامِ الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَابَّةً تَكَارَوْهَا لِيَزِفُّوا عَلَيْهَا عَرُوسًا لَهُمْ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَمْ يَزُفُّوهَا لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ أَيَضْمَنُونَ الْكِرَاءَ أَمْ لَا؟ قَالَ: عَلَيْهِمْ الْكِرَاءُ.

  160. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً أُشَيِّعُ عَلَيْهَا رَجُلًا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا قَبَضْتُ

  161. الدَّابَّةَ أَوْ لَمْ أَقْبِضْهَا بَدَا لِفُلَانٍ فِي الْخُرُوجِ أَيَلْزَمُنِي الْكِرَاءُ أَمْ لَا؟

  162. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،

  163. فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَهُ لَازِمٌ، وَيُكْرِي الدَّابَّةَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ أَحَبَّ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ الَّتِي سَأَلَتْنِي عَنْهَا يَكُونُ الْكِرَاءُ عَلَيْهِ وَيَفْعَلُ فِي الدَّابَّةِ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

  164. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: هَذِهِ الدَّابَّةُ فَاقْبِضْهَا وَارْكَبْهَا فَلَمْ أَقْبِضْهَا، وَلَمْ أَرْكَبْهَا حَتَّى مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ؟

  165. قَالَ: إذَا أَمْكَنَهُ مِنْهَا فَلَمْ يَرْكَبْهَا فَقَدْ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  166. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ فَسَقَطَ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهُ أَوْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ أَوْ كَانَ اكْتَرَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَأَصَابَهُ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  167. قَالَ: لَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ مَاتَ أَيْضًا لَمْ يُفْسَخْ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا، وَيُقَالُ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ: اُكْرُوَا هَذَا الْكِرَاءَ الَّذِي وَجَبَ لَكُمْ وَاغْرَمُوا الْكِرَاءَ الَّذِي عَلَيْكُمْ.

  168. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً إلَى مَكَّةَ فَلَمَّا كُنْتُ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ عَرَضَ لِي غَرِيمٌ فَحَبَسَنِي؟

  169. قَالَ: الْكِرَاءُ لَكَ لَازِمٌ، وَيَقُولُ لَكَ: اكْرِ الدَّابَّةَ مِنْ مِثْلِكَ إلَى مَكَّةَ.

  170. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الدَّابَّةِ حُمُولَةٌ اكْتَرَيْتُهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَّةَ فَعَرَضَ لِي غَرِيمٌ فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ فَأَرَادَ أَخْذَ الْمَتَاعِ؟

  171. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُكْرِي أَوْلَى بِالْمَتَاعِ الَّذِي مَعَهُ عَلَى حُمُولَتِهِ حَتَّى يُقْبِضَهُ حَقَّهُ وَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَكْرُوهُ فِي مِثْلِ مَا حَمَلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكْرَى إلَيْهِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي مَنْ الرَّجُلِ دَارِهِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ يَمُوتُ الَّذِي أَكْرَى وَيَبْقَى الْمُكْتَرِي؟

  172. قَالَ: إنْ تُوُفِّيَ سَيِّدُ الْمَسْكَنِ فَأَرَادَ أَهْلُهُ إخْرَاجَ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعُوهُ فَلَا أَرَى أَنْ يُخْرِجُوهُمْ إلَّا بِرِضًا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ إنْ شَاءُوا بَاعُوا مَسْكَنَهُمْ وَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فَهُوَ فِيهِ عَلَى حَقِّهِ وَشَرْطِهِ فِي إجَارَتِهِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:

  173. وَإِنْ تُوُفِّيَ الْمُسْتَأْجِرُ سَكَنَ ذَلِكَ الْمَسْكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ فَأَرَى أَنْ يَكُونَ أَجْرُ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ فِيمَا تَرَكَ مِنْ الْمَالِ يُؤَدِّيهِ الْوَرَثَةُ بِحِصَصِهِمْ.

  174. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسْكِنُ رَجُلًا عَشْرَ سِنِينَ أَوْ آجَرَهُ ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الدَّارِ؟

  175. قَالَ: الدَّارُ رَاجِعَةٌ إلَى الْوَرَثَةِ وَالسُّكْنَى إلَى حَدِّهَا.

  176. فَسْخِ الْكِرَاءِ

  177. مَا جَاءَ فِي فَسْخِ الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْرًا يَطْحَنُ لِي كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدْتُهُ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا وَاحِدًا؟ قَالَ: لَكَ أَنْ تَرُدَّهُ.

  178. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كُنْتُ قَدْ طَحَنْتُ عَلَيْهِ إرْدَبًّا أَوَّلَ يَوْمٍ كَمْ يَكُونُ لَهُ عَلَيَّ مِنْ الْكِرَاءِ؟

  179. قَالَ: نِصْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى طَحِينِ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَضُوضٌ أَوْ جَمُوحٌ أَوْ لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ أَوْ دَبِرَ تَحْتِي دَبْرَةً فَاحِشَةً يُؤْذِينِي رِيحُهَا أَيَكُونُ هَذَا مِمَّا يُفْسَخُ بِهِ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَنَا أَمْ لَا؟

  180. قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْعَضُوضِ وَالْجَمُوحِ وَاَلَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالرَّاكِبِ يُؤْذِيهِ فَلَهُ أَنْ يُقَاسِمَهُ الْكِرَاءَ إنْ أَحَبَّ، وَالدَّبْرَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ إنْ كَانَتْ مُضِرَّةً بِالرَّاكِبِ تُؤْذِيهِ فَأَرَى أَنْ يُفَاسِخَهُ الْكِرَاءَ إنْ أَحَبَّ.

  181. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  182. قَالَ: هُوَ مِمَّا يُفْسَخُ بِهِ الْكِرَاءُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا عُيُوبٌ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَلْزَمَهَا النَّاسُ فِي كِرَائِهِمْ إلَّا أَنْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ.

  183. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَمَرِضَ أَوْ دَابَّةً لِأَرْكَبَهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا

  184. وَكَذَا فَاعْتَلَّتْ أَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا وَأُنَاقِضُهُ الْإِجَارَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ إنْ صَحَّ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِجَارَةِ عَمِلَ لَكَ مَا صَحَّ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ عَلَيْكَ كِرَاءُ مَا عَمِلَ لَكَ وَيَسْقُطُ عَنْكَ كِرَاءُ مَا مَرِضَ فِيهِ.

  185. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  186. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَالدَّابَّةُ عِنْدِي لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا اعْتَلَّتْ وَقَدْ تَكَارَاهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَلَيْهَا فَهِيَ،

  187. وَإِنْ صَحَّتْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ صَاحِبُهَا الَّذِي تَكَارَاهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّ الَّذِي اكْتَرَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ عَلَيْهَا،

  188. وَإِنْ صَحَّتْ بَعْدَهُ لَمْ تَلْحَقْهُ، وَهِيَ وَإِنْ صَحَّتْ وَلَحِقَتْهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اكْتَرَى غَيْرَهَا،

  189. فَإِنْ لَزِمَهُ هَذَا أَيْضًا فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْخِدْمَةِ.

  190. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُكْتَرِي أَنَا أُقِيمُ عَلَى الدَّابَّةِ حَتَّى تُفِيقَ مِنْ عِلَّتِهَا ثُمَّ أَرْكَبَهَا وَقَالَ رَبُّهَا: لَا تُقِيمُ عَلَيْهَا وَأَنَا أُرِيدُ بَيْعَهَا إذَا صَارَتْ لَا تَحْمِلُ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ عَلَيْهَا وَالنَّفَقَةِ؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ،

  191. فَإِنْ كَانَ مَرَضًا يُرْجَى بَرْؤُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ الْأَمْرِ الْقَرِيبِ لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْرِي، فَهَذَا يُحْبَسُ رَبُّ الدَّابَّةِ عَلَى دَابَّتِهِ حَتَّى يُنْظَرَ إلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ إلَّا بَعْدَ زَمَانٍ

  192. وَيَتَطَاوَلُ أَمْرُهَا وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي إقَامَتِهِ عَلَيْهَا بِبِلَادٍ لَعَلَّ السَّفَرَ فِيهَا يُجْحِفُ بِالْمُكْرِي وَيَقْطَعُهُ عَنْ عِيَالِهِ فَلَا يَصْلُحُ الضَّرَرُ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَيْهِمَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى أَيُّمَا رَجُلٍ تَكَارَى مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا فَهَلَكَ الْبَعِيرُ فَلَيْسَ لِلْمُتَكَارِي عَلَى الْمُكْرِي أَنْ يُقِيمَ لَهُ مَكَانَهُ غَيْرَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْكِرَاءِ ضَمَانٌ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَكَارَى وَشَرَطَ الْبَلَاغَ ثُمَّ قَصَّرَتْ الدَّابَّةُ اسْتَكْرَى عَلَيْهِ بِمَا قَامَ،

  193. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْبَلَاغَ فَمِنْ حَيْثُ قَصَّرَتْ الدَّابَّةُ حَسَبَ لِصَاحِبِهَا بِقَدْرِهِ.

  194. الْمُكْرِي يُرِيدُ أَنْ يُرْدِفَ خَلْفَ الْمُكْتَرِي أَوْ يَجْعَلَ مَتَاعًا

  195. فِي الْمُكْرِي يُرِيدُ أَنْ يُرْدِفَ خَلْفَ الْمُكْتَرِي أَوْ يَجْعَلَ مَتَاعًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَأَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يَحْمِلَ تَحْتِي مَتَاعًا أَوْ يَحْمِلَ مَعِي رَدِيفًا أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟

  196. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَرْكَبُ الدَّابَّةَ يَتَكَارَاهَا فَتَصِيرُ الدَّابَّةُ كُلُّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَارَاهَا بِعَيْنِهَا، فَقَدْ اشْتَرَى رُكُوبَهَا،

  197. وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ يَتَكَارَاهَا الرَّجُلُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ لِلْمُكْتَرِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً بِعَيْنِهَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا

  198. وَكَذَا فَحَمَلَ صَاحِبُهَا فِي مَتَاعِي مَتَاعًا لَهُ بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ أَيَكُونُ لِي كِرَاءُ مَا حَمَلَ فِي مَتَاعِي؟

  199. قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاكَ الدَّابَّةَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَتَاعًا فِي مَتَاعِكَ فَلَكَ كِرَاءُ الْمَتَاعِ الَّذِي حَمَلَ فِي مَتَاعِكَ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاكَ لِيَحْمِلَ لَكَ أَرْطَالًا مُسَمَّاةً فَحَمَلَ لَكَ تِلْكَ الْأَرْطَالَ الْمُسَمَّاةَ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَكَ كِرَاءُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ.

  200. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ أَكْرَاهُ لِيَحْمِلَهُ بِبَدَنِهِ أَوْ يَحْمِلَهُ وَيَحْمِلَ مَتَاعًا مَعَهُ ثُمَّ حَمَلَهُ هُوَ أَوْ حَمَلَهُ وَمَتَاعَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ الْمُكْرِي مَتَاعًا مَعَ مَتَاعِهِ بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ هُوَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ قَدْ وَفَّاهُ شَرْطَهُ وَقَدْ كَانَ لِلْمُتَكَارِي إذَا تَكَارَى الدَّابَّةَ لِيَرْكَبَهَا بِبَدَنِهِ أَنْ يَمْنَعَ رَبَّ الدَّابَّةِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.

  201. الْمُكْتَرِي يُكْرِي مِنْ غَيْرِهِ

  202. فِي الْمُكْتَرِي يُكْرِي مِنْ غَيْرِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا غَيْرِي أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟

  203. قَالَ: لَا ضَمَانَ

  204. عَلَيْهِ إذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْخِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ غَيْرُ مَأْمُونٍ فَأَرَاهُ ضَامِنًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  205. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَعْطَبَتْ الدَّابَّةُ فَادَّعَى غَيْرُ الْمَأْمُونِ تَلَفَهَا وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، فَاَلَّذِي اكْتَرَاهَا ضَامِنٌ لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ لِقِيمَتِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي الثَّانِي ضَمَانٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ أَمْرٌ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ يُتَبَيَّنَ كَذِبُهُ. وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يُكْرِي مَنْ الرَّجُلِ عَلَى حُمُولَةٍ إلَى بَلَدٍ فَيُرِيدُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ وَهُوَ مِثْلُ الْبَلَدِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَالشِّدَّةِ وَالصُّعُوبَةِ قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْمُكْرِي.

  206. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمُكْرِي فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ إلَّا أَنْ يُقِيلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ إقَالَةً صَحِيحَةً ثُمَّ يُكْرِي مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ.

  207. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ رَاحِلَةً لِأَرْكَبَهَا أَنَا نَفْسِي فَأَتَيْتُ بِمَنْ هُوَ مِثْلِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَيْهَا مَكَانِي أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟

  208. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يُكْرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ لِحَالِهِ وَحُسْنِ رُكُوبِهِ، فَأَنْتَ تَجِدُ آخَرَ لَعَلَّهُ أَخَفُّ مِنْهُ وَهُوَ أَخْرَقُ فِي الرُّكُوبِ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَكِنْ إنْ فَعَلَ فَحَمَلَ غَيْرَهُ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ نُظِرَ فِي ذَلِكَ،

  209. فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الثِّقَلِ وَالْحَالِ وَالرُّكُوبِ لَمْ يَضْمَنْ.

  210. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  211. قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

  212. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ هَذَا الَّذِي اكْتَرَى الدَّابَّةَ أَيَكُونُ الْكِرَاءُ لَهُ لَازِمًا وَيَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَيَحْمِلُونَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ؟

  213. قَالَ: نَعَمْ.

  214. قُلْتُ: أَرَاك قَدْ أَجَزْت أَنْ يُحْمَلَ غَيْرُهُ فِي الْمَوْتِ؟

  215. قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ،

  216. وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الدُّورِ وَالْحُمُولَةِ يُكْرِي تِلْكَ الْإِبِلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: وَفِي الْحَيَاةِ أَيْضًا لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ الَّذِي يُعْرَفُ،

  217. وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي لَمْ يَكُنْ يَقِفُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ إنَّ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ مِثْلِهِ فِي حَالِهِ وَخِفَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَقَدْ كَتَبْنَا فِي الْكِتَابِ قَبْلَ هَذَا مَا يَجُوزُ مِنْ الرِّبْحِ فِي الْأَكْرِيَةِ أَكْرِيَةِ الدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَهُ وَأَجَازَهُ.

  218. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً لِأَرْكَبَهَا فَحَمَلْتُ مَعِي عَلَيْهَا رَدِيفًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ؟

  219. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الْبَعِيرَ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ كَذَا

  220. وَكَذَا رَطْلًا فَزَادَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِمَّا يُعْطَبُ بِهَا إذَا زَادَهَا خُيِّرَ رَبُّ الدَّابَّةِ،

  221. فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَكِرَاءُ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ الْبَعِيرِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ،

  222. وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِ مَا حَمَلَ عَلَيْهَا فَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَكِرَاءُ مَا تَعَدَّى فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الرَّدِيفِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إنْ كَانَ رَدِيفًا تَعْطَبُ الدَّابَّةُ فِي مِثْلِهِ إذَا أَرْدَفَ فَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ،

  223. وَإِنْ كَانَ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.

  224. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ كِرَاءِ الْحَاجِّ يَتَكَارَى عَلَى خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ فَيَكُونُ فِي زَامِلَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْحَاجُّ كَغَيْرِهِمْ لَمْ يَزَلْ الْحَاجُّ يَكُونُ لَهُمْ الزِّيَادَاتُ مِنْ السَّفَرِ وَالْأَطْعِمَةِ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفُ الْمُتَكَارِي مَا حَمَلَ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ضَمَانٌ.

  225. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُكْرِي هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ وَرَآهُ وَرَدَدْتُهَا عَلَيْهِ فَثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا.

  226. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ مِصْرَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى رَجُلٍ أَلْقَاهُ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَأُرْدِفُ خَلْفِي مَنْ يُمْسِكُ عَلَيَّ الدَّابَّةَ إذَا دَخَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَوْ لَمْ تَعْطَبْ أَيَكُونُ عَلَيَّ كِرَاءُ هَذَا الرَّدِيفِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  227. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ فَيَعْدِلُ عَنْ طَرِيقِهِ الْمِيلَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

  228. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ ضَامِنًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي أَرْدَفَ،

  229. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ فَأَرَاهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الضَّمَانِ يَكُونُ رَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرًا فِي الْكِرَاءِ أَوْ الضَّمَانِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْمِيلِ الَّذِي عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِهِ إذَا كَانَ الرَّدِيفُ يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ الدَّابَّةَ إنَّمَا عَطِبَتْ مِنْ الرَّدِيفِ.

  230. الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى فَيَحْبِسُهَا

  231. فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى فَيَحْبِسُهَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ مِنْ الرَّجُلِ فَيَحْبِسُهَا عَنْهُ: أَنَّهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ،

  232. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا تَعَدَّى شَيْئًا يَسِيرًا لَمْ يَحْبِسْهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ دَابَّتِهِ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَأَتَى بِهَا عَلَى حَالِهَا، فَقُلْتُ: فَقِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ رَكِبَهَا؟

  233. قَالَ: بَلْ قِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

  234. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى دَابَّةً يَوْمًا فَحَبَسَهَا شَهْرًا مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: عَلَيْهِ كِرَاءُ يَوْمٍ، وَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي التِّسْعِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا إنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَهَا فِيمَا حَبَسَهَا فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَعْمَلَهَا أَوْ حَبْسِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ.

  235. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهَا مِنْ بَعْدِ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمِصْرِ فَهِيَ عَلَيْهِ بِالْكِرَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى حِسَابِ مَا أَكْرَاهُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ حِينَ انْقَضَتْ وَجِيبَتُهُ فَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ وَهُوَ مَعَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا كَأَنَّهُ رَاضٍ بِالْكِرَاءِ الْأَوَّلِ،

  236. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ فَأَتَى بِالدَّابَّةِ عَلَى حَالِهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَكِرَاءَهَا لِلْيَوْمِ أَوْ الْأَكْثَرِ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا فِيمَا حَبَسَهَا إنْ كَانَ كِرَاءُ مِثْلِهَا فِيمَا حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ الْيَوْمِ كَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ مَا حَبَسَهَا عَلَى حِسَابِ كِرَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَكْرَاهَا أَقَلَّ كَانَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ عَمِلَ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَعْمَلْ،

  237. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ حَبَسَهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ كِرَائِهَا إلَّا كِرَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَكْرَاهَا.

  238. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ الدَّابَّةُ؟

  239. قَالَ: وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.

  240. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ حَبَسَهَا الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاؤُهُ وَلَا يَضْمَنُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَكَارَى الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى عَلَيْهَا الْأَمْيَالَ: إنَّهُ يَرُدُّهَا وَلَا يَضْمَنُهَا وَيَكُونُ عَلَيْهَا كِرَاءُ تِلْكَ الْأَمْيَالِ إذَا رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا.

  241. التَّعَدِّي فِي الْكِرَاءِ

  242. مَا جَاءَ فِي التَّعَدِّي فِي الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ بَعِيرًا لِأَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمَلًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ زَامِلَةً؟

  243. قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الزَّامِلَةُ أَثْقَلَ مِنْ الْمَحْمَلِ أَوْ أَكْثَرَ كِرَاءً فَهُوَ ضَامِنٌ إنْ أَعْطَبَ الْبَعِيرُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا زَادَ فَرَبُّ الْبَعِيرِ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ،

  244. فَإِنْ كَانَتْ الزَّامِلَةُ دُونَ الْمَحْمَلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

  245. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  246. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَكَارَى بَعِيرًا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ حِمْلَ كَتَّانٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ حِمْلَ صُوفٍ فَعَطِبَ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ،

  247. فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ هُوَ أَجْفَى عَلَى الْبَعِيرِ وَأَتْعَبُ وَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْئَانِ وَزْنُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَتْعَبُ لِجَفَائِهِ أَوْ لِشِدَّةِ ضَمِّهِ عَلَى جَنْبَيْ الْبَعِيرِ مِثْلِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ،

  248. فَإِنْ كَانَ الَّذِي حَمَلَ

  249. عَلَيْهِ لَيْسَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَلَا تَعَبٌ عَلَى الَّذِي اشْتَرَطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

  250. وَإِنْ كَانَ هُوَ أَتْعَبَ وَأَضَرَّ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ.

  251. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الضَّمَانِ،

  252. فَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ كِرَاءُ فَضْلِ ذَلِكَ الْحِمْلِ عَلَى تَعَبِهِ بِمَا يَسْوَى،

  253. وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ بَعِيرِهِ يَوْمَ حَمَلَهُ وَلَا كِرَاءَ.

  254. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَكَارَيْتُ بَعِيرًا لِأَرْكَبَهُ أَنَا نَفْسِي فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ غَيْرِي؟

  255. قَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَكَ أَوْ دُونَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْكَ.

  256. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  257. قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ هُوَ يُكْرِيهِ فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهُ.

  258. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت رَحًى عَلَى أَنْ لَا أَطْحَنَ فِيهَا إلَّا الْحِنْطَةَ فَجَعَلْتُ أَطْحَنُ فِيهَا الشَّعِيرَ وَالْعَدَسَ وَالْفُولَ وَالْقُطْنِيَّةَ وَالذُّرَةَ وَالدُّخْنَ فَانْكَسَرَتْ الرَّحَى؟ قَالَ: إنْ كَانَ طَحِينُ الشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ وَمَا ذَكَرْتَ لَيْسَ بِأَضَرَّ مِنْ الْحِنْطَةِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا،

  259. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ أَضَرُّ فَهُوَ ضَامِنٌ.

  260. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  261. قَالَ: هُوَ رَأْيِي مِثْلُ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَكْتَرِي الْبَعِيرَ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ بَزٍّ فَيَحْمِلَ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ دُهْنٍ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ الدُّهْنُ أَضَرَّ بِالْبَعِيرِ مِنْ الْبَزِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي إنْ عَطِبَ الْبَعِيرُ.

  262. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا شَعِيرًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ دُهْنًا؟ قَالَ: إذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مَا يَكُونُ مِثْلَ وَزْنِ الَّذِي اكْتَرَاهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا خِلَافَ الَّذِي سَمَّى مِثْلَ أَنْ يَتَكَارَاهَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا كَتَّانًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الْبَزِّ وَزْنَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ الْقُطْنِ وَزْنَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَضَرُّ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ الَّذِي تَكَارَاهَا لَهُ،

  263. وَإِنْ كَانَ بِوَزْنِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ شَيْءٌ أَجْفَى عَلَى الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ أَوْ أَضْغَطُ لِظُهُورِهَا،

  264. وَإِنْ كَانَ الْوَزْنُ وَاحِدًا مِثْلُ الرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوَامِلَ أَثْقَلُ مِنْ جُلِّ الْمَحَامِلِ فِي الْوَزْنِ، وَالزَّوَامِلُ أَرْفَقُ بِالْإِبِلِ،

  265. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اخْتِلَافِ الْمَتَاعِ مَضَرَّةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا خِلَافَ مَا سَمَّى.

  266. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتُ دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا أَحَدَ عَشَرَ قَفِيزًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟

  267. قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَ الْقَفِيزُ إنَّمَا فِيهِ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَفْدَحُ الدَّابَّةَ يُعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا تُعْطَبُ فِيهِ الدَّابَّةُ.

  268. قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَجْرُ هَذَا الْقَفِيزِ الزَّائِدِ؟

  269. قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.

  270. قُلْتُ: وَكَيْفَ يَكُونُ أُجْرَةً أَتَجْعَلُ أَجْرَهُ مِثْلَ قَفِيزٍ مِنْ الْأَقْفِزَةِ أَمْ أُجْرَةً مِثْلَهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ؟

  271. قَالَ: يَنْبَغِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ،

  272. وَلَا يَكُونَ مِثْلَ قَفِيزٍ مِنْ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا كَانَ تَكَارَى إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى عَلَيْهِ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ كِرَاءِ مَا تَعَدَّى، وَلَيْسَ عَلَى قَدْرِ مَا تَكَارَى عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَالْقَفِيزُ الزَّائِدُ وَالتَّعَدِّي سَوَاءٌ.

  273. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ بَيَّنَّا قَوْلَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِثْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

  274. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا فَلَمَّا بَلَغْتُ بَرْقَةَ تَعَدَّيْتُ عَلَيْهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ ثُمَّ رَدَدْتُهَا إلَى مِصْرَ مَا يَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  275. قَالَ: رَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْكِرَاءُ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمِثْلُ كِرَاءِ دَابَّتِهِ مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى بَرْقَةَ فَيَكُونُ لَهُ مِنْ مِصْرَ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا الْكِرَاءُ الَّذِي سَمَّيَا بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لَهُ مِنْ بَرْقَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا قِيمَةُ كِرَائِهَا،

  276. وَإِنْ أَحَبَّ رَبُّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ كِرَاءِ دَابَّتِهِ إلَى بَرْقَةَ ذَاهِبًا وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا بِبَرْقَةَ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي الْكِرَاءِ فِي ذَهَابِهِ بِدَابَّتِهِ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا إلَى مِصْرَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ - فَذَلِكَ لَهُ.

  277. قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لَهُ الْكِرَاءُ فِيمَا بَيْنَ بَرْقَةَ إلَى مِصْرَ فِي رَجْعَتِهِ؟

  278. قَالَ: نَعَمْ إذَا رَضِيَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ دَابَّتِهِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَرْقَةَ إلَى مِصْرَ فِي رَجْعَتِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.

  279. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَدَّ الدَّابَّةَ عَلَى حَالِهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا أَوْ رَدَّهَا وَهِيَ أَسْمَنُ وَأَحْسَنُ حَالًا؟

  280. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الدَّابَّةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَأَخَذَ الْكِرَاءَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ.

  281. قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ قَدْ تَغَيَّرَتْ فَسُوقُ هَذِهِ الدَّابَّةِ قَدْ تَغَيَّرَ وَقَدْ حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي عَنْ أَسْوَاقِهَا وَعَنْ مَنَافِعَ فِيهَا. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ دُهْنٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا خَمْسَمِائَةِ رَطْلٍ مِنْ رَصَاصٍ فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟

  282. قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ،

  283. فَإِنْ كَانَ الرَّصَاصُ هُوَ أَتْعَبُ عَلَيْهَا وَأَضَرُّ بِهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

  284. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا فِيهِ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا غَيْرَ مَا اكْتَرَاهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الَّذِي تَكَارَاهَا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الرَّصَاصُ فِي الْوَزْنِ مِثْلَ وَزْنِ الدُّهْنِ وَلَيْسَ هُوَ أَكْثَرَ مِنْ مَضَرَّةِ الدُّهْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

  285. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْرًا أَطْحَنُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبًّا فَطَحَنْتُ عَلَيْهِ إرْدَبَّيْنِ فَعَطِبَ الثَّوْرُ؟ قَالَ: رَبُّ الثَّوْرِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَ إرْدَبٍّ وَضَمَّنَ الطَّحَّانَ قِيمَةَ ثَوْرِهِ حِينَ رَبَطَهُ فِي طَحِينِ الْإِرْدَبِّ الثَّانِي،

  286. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ كِرَاءَ الْإِرْدَبَّيْنِ جَمِيعًا وَلَا شَيْءَ عَلَى الطَّحَّانِ مِنْ قِيمَةِ الثَّوْرِ.

  287. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَابْنُ وَهْبٍ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَكَارَى دَابَّةً إلَى مَكَان مُسَمًّى ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ثُمَّ تَعَدَّى حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ، فَإِنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنَّ الْكِرَاءَ نِصْفُهُ فِي الْمَسِيرِ وَنِصْفُهُ فِي الرَّجْعَةِ فَتَعَدَّى الْمُتَعَدِّي بِالدَّابَّةِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ،

  288. وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ هَلَكَتْ حِينَ بَلَغَ الْبَلَدَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُسْتَكْرِي ضَمَانٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرِي إلَّا نِصْفُ الْكِرَاءِ،

  289. فَإِنْ تَعَدَّى الْمُكْتَرِي الْمَكَانَ الَّذِي تَكَارَى إلَيْهِ فَرَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَ دَابَّتَهُ الْمُكْتَرِي يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا ضَمَّنَهُ إيَّاهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا وَلَهُ الْكِرَاءُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَعَدَّى مِنْهُ،

  290. وَإِنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مَا تَعَدَّى إلَى الْمُسْتَكْرِي وَيَأْخُذَ دَابَّتَهُ فَذَلِكَ لَهُ،

  291. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أَهْلِ التَّعَدِّي وَالْخِلَافِ لِمَا أَخَذُوا عَلَيْهِ الدَّابَّةَ.

  292. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ اسْتَكْرَى دَابَّةً فَأَجَازَ بِهَا الشَّرْطَ أَيُضَمَّنُ؟

  293. قَالَ: نَعَمْ، وَأَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلَهُ ثُمَّ فَسَّرُوا بِنَحْوٍ مِنْ تَفْسِيرِ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَكِرَاءِ التَّعَدِّي وَضَمَانِ الدَّابَّةِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: زِدْتُ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَكْرَيْتُ إلَيْهِ قَلِيلًا مِيلًا أَوْ أَدْنَى فَمَاتَتْ؟

  294. قَالَ: تَغْرَمُ.

  295. قُلْتُ: لِعَطَاءٍ فَزِدْتُ عَلَى الْحِمْلِ الَّذِي اشْتَرَطْتُ قَلِيلًا فَمَاتَتْ؟

  296. قَالَ: تَغْرَمُ.

  297. قُلْتُ: فَأَكْرَيْتُهُ مِنْ غَيْرِي بِغَيْرِ أَمْرِ سَيِّدِ الظَّهْرِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ شَرْطِي، وَلَمْ يَتَعَدَّ؟

  298. قَالَ: لَا يَغْرَمُ، وَقَالَ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ

  299. وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ مِنْ نُظَرَائِهِمْ أَهْلِ فَضْلٍ وَفِقْهٍ وَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ فَأَخَذَ يَقُولُ أَكْثَرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ رَأْيًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ اسْتَكْرَى دَابَّةً إلَى بَلَدٍ ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ الْبَلَدَ إلَى بَلَدٍ سِوَاهُ،

  300. فَإِنَّ الدَّابَّةَ إنْ سَلِمَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَدَّى كِرَاءَهَا وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى بِهَا،

  301. وَإِنْ تَلِفَتْ فِي تَعَدِّيهِ بِهَا ضَمِنَهَا وَأَدَّى كِرَاءَهَا الَّذِي اسْتَكْرَاهَا بِهِ.

  302. الدَّعْوَى فِي الْكِرَاءِ

  303. مَا جَاءَ فِي الدَّعْوَى فِي الْكِرَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَاخْتَلَفْنَا قَبْلَ الرُّكُوبِ أَنَا وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ فَقَالَ: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةٍ وَقُلْت أَنَا: إنَّمَا أَكْرَيْتُ مِنْكَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ نُقِدَ الْكِرَاءُ أَوْ لَمْ يُنْقَدْ إذَا كَانَ قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ رَكِبَ رُكُوبًا دُونًا لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ فِي رُجُوعِهِمَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا انْتَقَدَ وَكَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِثْلَ مَا لَوْ بَلَغَا إلَى بَرْقَةَ فَاخْتَلَفَا فِيهَا؛

  304. لِأَنَّ النَّقْدَ الْمَقْبُوضَ فُوِّتَ وَصَارَ الْقَابِضُ مُقِرًّا بِمَا عَلَيْهِ وَالْمُكْتَرِي مُدَّعٍ لِلْأَكْثَرِ أَلَا تَرَى لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ الَّتِي قَبَضْتُ مِنْكَ مِائَةَ إرْدَبٍّ إلَى سَنَةٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَا مِائَتَيْ إرْدَبٍّ إلَى سَنَةٍ وَكَانَ مَا قَالَ الْبَائِعُ يُشْبِهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛

  305. لِأَنَّهُ مُقِرٌّ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعٍ.

  306. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَلَغْتُ بَرْقَةَ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: اكْتَرَيْتُكَ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقُلْتُ أَنَا: اكْتَرَيْتَنِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.

  307. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ نَقَدَ الْمُتَكَارِي الْكِرَاءَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْرِي إذَا كَانَ يُشْبِهُ قَوْلَهُ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ النَّاسِ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَعَ يَمِينِهِ.

  308. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ إلَى بَرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟

  309. قَالَ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ وَيُعْطَى رَبُّ الدَّابَّةِ قَدْرَ كِرَائِهِ إلَى بَرْقَةَ وَلَا يَكُونُ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُلْزِمَهُ الْكِرَاءَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ يَمِينِ رَبِّ الدَّابَّةِ.

  310. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي لَمْ يُنْقَدْ، وَكَانَ يُشْبِهُ الْكِرَاءَ مَا قَالَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؟

  311. قَالَ: يَتَحَالَفَانِ وَيُقْسَمُ الْكِرَاءُ عَلَى قَدْرِ الطَّرِيقِ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ مَا يُصِيبُ الطَّرِيقَ إلَى بَرْقَةَ وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّابَّةِ الْكِرَاءُ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ حَلَفَ.

  312. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  313. قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ.

  314. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفْنَا قَبْلَ الرُّكُوبِ بِمِصْرَ فَأَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ جَمِيعًا أَنَا وَرَبُّ الدَّابَّةِ أَوْ لَمَّا بَلَغْنَا بَرْقَةَ اخْتَلَفْنَا فَأَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ أَنَا وَرَبُّ الدَّابَّةِ؟ قَالَ: الْبَيِّنَةُ لِأَعْدَلِهِمَا إلَّا أَنْ تَتَكَافَأَ الْبَيِّنَةُ فِي الْعَدَالَةِ،

  315. فَإِنْ تَكَافَأَتْ فِي الْعَدَالَةِ قَبْلَ الرُّكُوبِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْكِرَاءِ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا تَحَالَفَا وَانْفَسَخَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ أَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الْفَضْلِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ،

  316. وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَاخْتَلَفَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِخَمْسِينَ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ.

  317. فَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِبَيِّنَةِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ لِلْفَضْلِ وَلِأَنَّهَا زَادَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي فَمَسْأَلَةُ الْكِرَاءِ تُشْبِهُ قَوْلَهُ هَذَا.

  318. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَابَّةً مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَنَقَدْتُهُ الْمِائَةَ أَوْ لَمْ أَنْقُدْهُ ثُمَّ رَكِبْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ رَبُّ الدَّابَّةِ: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَقُلْتُ أَنَا: إنَّمَا تَكَارَيْتُهَا إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي قَدْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ دِرْهَمٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فِي الْمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْمَدِينَةِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ؛

  319. لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا حِينَ دَفَعَهَا إلَيْهِ.

  320. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْيَمِينُ بِاَللَّهِ فِي الْمِائَةِ الْأُخْرَى الَّتِي ادَّعَاهَا رَبُّ الدَّابَّةِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمِائَةِ الزَّائِدَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا رَبُّ الدَّابَّةِ فِي الْكِرَاءِ شَيْئًا وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مِثْلُ الْبُيُوعِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهَا مِنْهُ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.

  321. قُلْتُ: فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَيَا مِنْ ذَلِكَ فَتَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ؟

  322. قَالَ: فَهُمَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَتَكَافَأْ الْبَيِّنَتَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَعْدَلِهِمَا بَيِّنَةً قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ قُلْتُ:

  323. فَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْقَدْ الْكِرَاءُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ فَاخْتَلَفَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ؟

  324. قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهِ إلَّا إلَى الْمَدِينَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِي غُرْمِ الْكِرَاءِ فَتُقْسَمُ الْمِائَةُ عَلَى مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ فَمَا أَصَابَ مَا بَيْنَ مِصْرَ إلَى الْمَدِينَةِ كَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَمَا أَصَابَ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ حُطَّ ذَلِكَ عَنْ الْمُكْتَرِي مَعَ أَيْمَانِهِمَا جَمِيعًا،

  325. وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا الْبَيِّنَةُ فَبِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

  326. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا قَالَا جَمِيعًا يُشْبِهُ،

  327. وَإِنْ كَانَ مَا قَالَ الْمُكْرِي أَشْبَهَ وَلَا يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُكْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي.

  328. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا بَيِّنَةً أَجَزْتُ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا كَانَتْ عَدْلَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ لِفَضْلَةٍ أَقَامَ عَلَيْهَا بَيِّنَةً فَأَقْضِي لِلْمُكْرِي بِالْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَأَقْضِي لِلْمُكْتَرِي بِالرُّكُوبِ إلَى مَكَّةَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّهَاتُرِ وَسَوَاءٌ انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِنَا، فَخُذْ هَذَا الْبَابَ وَنَحْوَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا.

  329. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَمَلَ لِي الْمُكْرِي حُمُولَةً حَتَّى بَلَّغَهَا الْمَوْضِعَ الَّذِي شَرَطْت عَلَيْهِ فَاخْتَلَفْنَا فَقَالَ رَبُّ الْمَتَاعِ: قَدْ أَدَّيْت إلَيْك الْكِرَاءَ وَقَالَ الْجَمَّالُ: لَمْ آخُذْ مِنْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ مَا دَامَ الْمَتَاعُ فِي يَدَيْهِ،

  330. وَإِذَا بَلَغَ بِهِ الْمَوْضِعَ فَأَسْلَمَهُ إلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ قَالَ: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَمْرٍ قَرِيبٍ؟

  331. قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْتُ الْقَوْلَ قَوْلَهُ أَيْضًا وَعَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ وَإِلَّا حَلَفَ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ كِرَاءَهُ وَغَرِمَ لَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ الْكِرَاءَ.

  332. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ:

  333. وَكَذَلِكَ الْحَاجُّ حَاجُّ مِصْرَ إذَا بَلَغُوا أَهْلِيهِمْ فَقَامَ الْجَمَّالُ مِنْ بَعْدِ قُدُومِهِمْ بِلَادَهُمْ بِالْأَمْرِ الْقَرِيبِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ فَقَالَ: لَمْ أَنْتَقِدْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَمَّالِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.

  334. قَالَ مَالِكٌ: وَمَا تَطَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَمْ يَقُمْ الْجَمَّالُ بِحِدْثَانِ قُدُومِهِ وَلَمْ يَطْلُبْهُ حَتَّى تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَأَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَالْحَاجِّ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْجَمَّالِ بَيِّنَةٌ.

  335. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْخَيَّاطُ وَالصَّانِعُ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ إلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُمْ ثُمَّ يَأْتُونَ يَطْلُبُونَ حُقُوقَهُمْ فَقَالَ: هُمْ كَذَلِكَ إذَا قَامُوا بِحِدْثَانِ مَا دَفَعُوا الْمَتَاعَ إلَى أَهْلِهِ وَإِنْ قَبَضَهُ أَهْلُهُ وَتَطَاوَلَ فَأَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّ الْمَتَاعِ وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ.

  336. قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجُلٍ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ إبِلًا مَنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ فَلَمَّا بَلَّغَهُ أَيْلَةَ اخْتَلَفَا فِي الْكِرَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ.

Show 1,348 masa’il more
Shafi'i
Another book
منهاج الطالبينal-Nawawi · 63 masa’il
  1. التقاط المنبوذ فرض كفاية

  2. ويجب الإشهاد عليه في الأصح

  3. وإنما تثبت ولاية الالتقاط لمكلف حر مسلم عدل رشيد

  4. ولو التقط عبد بغير إذن سيده انتزع منه

  5. فإن علمه فأقره عنده أو التقط بإذنه فالسيد الملتقط

  6. ولو التقط صبي أو فاسق أو محجور عليه أو كافر مسلما انتزع

  7. ولو ازدحم اثنان على أخذه جعله الحاكم عند من يراه منهما أو من غيرهما

  8. وإن سبق واحد فالتقطه منع الآخر من مزاحمته

  9. وإن التقطاه معا وهما أهل فالأصح انه يقدم غني على فقير

  10. وعدل على مستور

  11. فإن استويا أقرع

  12. وإذا وجد بلدي لقيطا ببلد فليس له نقله إلى بادية

  13. والأصح أن له نقله إلى بلد آخر

  14. وأن للغريب إذا التقط ببلد أن ينقله إلى بلده

  15. وإن وجد ببادية فله نقله إلى بلد

  16. وإن وجده بدوي ببلد فكالحضري

  17. أو ببادية أقر بيده

  18. وقيل: إن كانوا ينتقلون للنجعة لم يقر

  19. ونفقته في ماله العام كوقف على اللقطاء أو الخاص

  20. وهو ما اختص به كثياب ملفوفة عليه ومفروشة تحته وما في جيبه من دراهم وغيرها ومهده ودنانير منثورة فوقه وتحته

  21. وإن وجد في دار فهي له

  22. وليس له مال مدفون تحته

  23. وكذا ثياب وأمتعة موضوعة بقربة في الأصح

  24. فإن لم يعرف له مال فالأظهر أنه ينفق عليه من بيت المال

  25. فإن لم يكن قام المسلمون بكفايته قرضا

  26. وفي قول نفقة

  27. وللملتقط الاستقلال بحفظ ماله في الأصح

  28. ولا ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي قطعا.

  29. فصل

  30. إذا وجد لقيط بدار الإسلام وفيها أهل ذمة أو بدار فتحوها وأقروها بيد كفار صلحا أو بعد ملكها بجزية وفيها مسلم حكم بإسلام اللقيط

  31. وإن وجد بدار كفار فكافر إن لم يسكنها مسلم كأسير وتاجر

  32. وإلا فمسلم في الأصح

  33. ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمي بينة بنسبه لحقه وتبعه في الكفر

  34. وإن اقتصر على الدعوى فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر

  35. ويحكم بإسلام الصبي بجهتين أخريين لا تفرضان في لقيط

  36. إحداهما الولادة فإذا كان أحد أبويه مسلما وقت العلوق فهو مسلم

  37. فإن بلغ ووصف كفرا فمرتد

  38. ولو علق بين كافرين ثم أسلم أحدهما حكم بإسلامه

  39. فإن بلغ ووصف كفرا فمرتد

  40. وفي قول كافر أصلي

  41. الثانية إذا سبى مسلم طفلا تبع السابي في الإسلام إن لم يكن معه احد أبويه

  42. ولو سباه ذمي لم يحكم بإسلامه في الأصح

  43. ولا يصح إسلام صبي مميز استقلالا على الصحيح.

  44. فصل

  45. إذا لم يقر اللقيط برق فهو حر

  46. إلا أن يقيم أحد بينة برقه

  47. وإن أقر به لشخص فصدقه قبل إن لم يسبق إقراره بحرية

  48. والمذهب أنه لا يشترط أن لا يسبق تصرف يقتضي نفوذه حرية كبيع ونكاح بل يقبل إقراره في أصل الرق وأحكامه المستقبلة

  49. لا الماضية المضرة بغيره في الأظهر

  50. فلو لزمه دين فأقر برق وفي يده مال قضى منه

  51. ولو ادعى رقه من ليس في يده بلا بينة لم يقبل

  52. وكذا إن ادعاه الملتقط في الأظهر

  53. ولو رأينا صغيرا مميزا او غيره في يد من يسترقه ولم نعرف استنادها إلى الالتقاط حكم له بالرق

  54. فإن بلغ وقال أنا حر لم يقبل قوله في الأصح إلا ببينة

  55. ومن أقام بينة برقه عمل بها

  56. ويشترط أن تتعرض البينة لسبب الملك

  57. وفي قول يكفي مطلق الملك

  58. ولو استلحق اللقيط حر مسلم لحقه وصار أولى بتربيته

  59. وإن استلحقه عبد لحقه

  60. وفي قول يشترط تصديق سيده

  61. وإن استلحقته امرأة لم يلحقها في الأصح

  62. أو اثنان لم يقدم مسلم وحر على ذمي وعبد

  63. فإن لم تكن بينة عرض على القائف فيلحق من ألحقه به

  64. فإن لم يكن قائف أو تحير أو نفاه عنهما أو ألحقه بهما أمر بالانتساب بعد بلوغه إلى من يميل طبعه إليه منهما

  65. ولو أقام بينتين متعارضتين سقطتا في الأظهر.

Hanbali
Another book
مختصر الخرقيal-Khiraqi · 12 masa’il
  1. ومن وجد لقطة عرفها سنة، في الأسواق، وأبواب المساجد.

  2. فإن جاء ربها وإلا كانت كسائر ماله. وحفظ وكاءها، وعفاصها، وحفظ عددها، وصفتها.

  3. فإن جاء ربها فوصفها دفعت إليه بلا بينة. أو مثلها إن كانت قد استهلكت.

  4. وإن كان الملتقط قد مات فصاحبها غريم بها.

  5. وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما فله أخذه، إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل.

  6. وإن كان الذي وجد اللقطة سفيها أو طفلا قام وليه بتعريفها،

  7. فإن تمت السنة ضمها إلى مال واجدها.

  8. وإذا وجد الشاة بمصر أو بمهلكة فهي لقطة.

  9. ولا يتعرض لبعير، ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه.

  1. واللقيط حر. وينفق عليه من بيت المال، إن لم يوجد معه شيء ينفق عليه منه. وولاؤه لسائر المسلمين.

  2. وإن لم يكن من وجد اللقيط أمينا منع من السفر به.

  3. وإذا ادعى اللقيط مسلم وكافر، أري القافة، فبأيهما ألحقوه لحق.

In the books of comparative fiqh

الإجماعIbn al-Mundhirكتاب الإجارات، كتاب الآبق8 masa’il
التجريدal-Quduriمسألة ٩٢٥، مسألة ٩٢٦، مسألة ٩٢٧25 masa’il
المبسوطal-Sarakhsiكِتَابُ اللَّقِيطِ، كِتَابُ اللَّقِيطَةِ، كِتَابُ الْإِبَاقِ627 masa’il
بداية المجتهدIbn Rushdكِتَابُ اللُّقَطَةِ [الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَرْكَانِ اللُّقَطَةِ]، الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَالْأَرْكَانُ ثَلَاثَةٌ: الِالْتِقَاطُ، وَالْمُلْتَقِطُ، وَاللُّقَطَةُ.، الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ:83 masa’il
المغنيIbn Qudama · on مختصر الخرقيباب اللقطة، كتاب اللقيط831 rows
المجموع شرح المهذبal-Nawawi · on المهذبNothing of it on this topic
الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar · on المقنعبَابُ اللُّقَطَةِ، فَصْلٌ، بَابِ اللَّقِيطِ672 rows
الفقه على المذاهب الأربعةal-JaziriNothing of it on this topic
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميUsama al-Qahtani and othersالفصل الثامن: مسائل الإجماع في اللقيط، الفصل الأول: مسائل الإجماع في عتق المماليك، الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أبواب اللقطة1,080 masa’il
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)under 'Alawi al-Saqqaf٢٢ - اللقطة واللقيط، * المال الضائع على ثلاثة أقسام:، * حكم لقطة الحرم:35 masa’il

What the schools’ books say, not a fatwa.On the map: Found property and foundlings