وتسن عيادة المريض
Its commentaries
كتاب الجنائز] بفتح الجيم، جمع جنازة بالكسر والفتح، لغة: اسم للميت أو للنعش عليه ميت،
فإن لم يكن عليه ميت فلا يقال: نعش ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري. واشتقاقه من جنز: إذا ستر، وذكره هنا لأن أهم ما يفعل بالميت الصلاة،
ويسن الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» وهو بالذال المعجمة،
ويكره الأنين وتمني الموت، ويباح التداوي بمباح وتركه أفضل،
ويحرم بمحرم مأكول وغيره من صوت ملهاة وغيره،
ويجوز ببول إبل فقط، قاله في " المبدع ".
ويكره أن يستطب مسلم ذميا لغير ضرورة،
وأن يأخذ منه دواء لم يبين له مفرداته المباحة. (وتسن عيادة المريض) والسؤال عن حاله للأخبار ويغب بها وتكون بكرة أو عشيا ويأخذ بيده ويقول:«لا بأس، طهورا إن شاء الله تعالى» لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينفس له في أجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد.
فإن ذلك لا يرد شيئا ويدعو له بما ورد.
المبدع . بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنائز أي صفة عيادة المريض وتلقينه، وتغسيل الميت وتكفينه، والصلاة عليه ودفنه، وغير ذلك.
قال ابن القيم: وكان هديه - صلى الله عليه وسلم - في الجنائز أكمل الهدي، مخالفًا لهدي سائر الأمم، مشتملاً على إقامة العبودية لله تعالى على أكمل الأحوال، وعلى الإحسان للميت، ومعاملته بما ينفعه في قبره، ويوم معاده، من عبادة وتلقين، وتطهير، وتجهيز إلى الله تعالى على أحسن أحواله وأفضلها، فيقفون صفوفًا على جنازته، يحمدون الله ويثنون عليه، ويصلون على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز، ثم على قبره يسألون له التثبيت، ثم الزيادة إلى قبره والدعاء له، كما يتعاهد الحي صاحبه في الدنيا، ثم الإحسان إلى أهله وأقاربه وغير ذلك.
يقال نعش، ولا جنازة، بل سرير، قاله الجوهري ولفظه: والنعش سرير الميت، سمي بذلك لارتفاعه،
فإذا لم يكن عليه ميت، فهو سرير.
وقال: الجنازة الميت على السرير،
فإذا لم يكن ميت فهو سرير ونعش عن الأصمعي،
وقال الأزهري: لا يسمى جنازة حتى يشد الميت عليه مكفنًا.
سرير، قاله الجوهري واشتقاقه من جَنَزَ إذا ستر وبابه ضرب، قاله ابن فارس وغيره،
وفي القاموس: جنزه يجنزه ستره وجمعه. قال النووي: والمضارع يجتز بكسر النون،
وقيل لمناسبة موجودة، لأنه إما ساتر أو مستور، فكان معناه لغة الستر.
«أكثروا من ذكر هاذم اللذات» هو بالذال المعجمة رواه الخمسة بأسانيد صحيحة، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وهاذم اللذات هو الموت، فيسن الإكثار من ذكره، والاستعداد له، والتوبة قبل نزوله، والهذم القاطع، وتمام الحديث «فيما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره» أي ما ذكر في قليل الرزق إلا استكثره الإنسان، لاستقلال ما بقي من عمره، وما ذكر في كثير إلا قلله، لأن كثير الدنيا إذا عَلمّ انقطاعَهُ بالموت قلّل ما عنده، وللترمذي وغيره عن ابن مسعود مرفوعًا «استحيوا من الله حق الحياء» قالوا: إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله؛
قال «ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى،
ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا،
ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ولابن ماجه عن أنس مرفوعًا: أنه أبصر جماعة يحفرون قبرًا، فبكى حتى بل الثرى بدموعه،
وقال «لمثل هذا فاستعدوا» وإسنادهما حسن،
وفي الصحيح «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وروي عنه «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت» وسئل: أي الناس أكيس وأحزم؟ قال «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادً، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف، الدنيا والآخرة» رواه ابن ماجه وغيره.
هاذم اللذات» هو بالذال المعجمة . ويكره الأنين ما لم يغلبه لأنه يترجم عن الشكوى، بل عليه أن يستحضر ما وعد الله الصابرين، وفإنه قال {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
ويجب الصبر إجماعًا، فإن الثواب في الصائب معلق على الصبر عليها، والصبر حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، والصبر الجميل صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بل مطلوبة شرعًا مندوب إليها اتفاقًا،
وأما الرضا فمنزلة فوق الصبر، فإنه يوجب رضي الله عز وجل،
ومن شكى إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعا، لقوله لجبرائيل «أجدني مغمومًا، أجدني مكروبًا» وقوله «بل أنا وارأساه» وقال له ابن مسعود: إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال «أجل كما يوعك رجلان منكم» متفق عليه، وقول أيوب {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ونحو ذلك مما يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من المصائب، ولا يكون ذلك شكوى.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك،
فإذا حمد الله تعالى، ثم أخبر بعلته، لم يكن شكوى منه، إلا أن أخبر بها تبرمًا وتسخطً، لا للاعتبار والتسلية، كقول خباب: ما لقي أحد ما لقيت. وكقول أبي هريرة عن جوعه وربطه الحجر،
وإذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية، وذكر الشيخ أن عمل القلب من التوكل وغيره واجب باتفاق الأئمة، ويحسن ظنه بالله، فصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله» أي أن يغفر له ويرحمه، ويتدبر ما ورد من الآيات والأحاديث من كرم الله وعفوه ورحمته، وما وعد به أهل توحيده، وما يبدلهم من الرحمة يوم القيامة،
وفي الصحيح «أنا عند ظن عبدي بي» زاد أحمد «إن ظن بي خيرًا فله،
وإن ظن بي شرًا فله» وقال «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرًا» .
بالذال المعجمة . ويكره الأنين . وتمنى الموت أي
ويكره تمني الموت لضر نزل به من مرض، أو ضيق دنيا أو غير ذلك، لحديث «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبله أن يأتيه، إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» رواه مسلم، ولأحمد وغيره «وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، حتى يرزقه الله الإنابة» وعن بعض السلف: إن كان من أهل الجنة فالبقاء خير له،
وإن كان من أهل النار فما يعجله إليها. وعن أنس «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» متفق عليه، ولهما «لا يتمنن أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب»
ولما في التمني المطلق من الاعتراض ومراغمة القدر،
وفي هذه الصورة ونحوها نوع تفويض وتسليم للقضاء، والمرض كفارة له، وموعظة في المستقبل.
وأما تمني الموت لضرر في الدين، أو وقوع في فتنة ونحوها فلا يكره، بل
الأنين . وتمنى الموت . ويباح التداوي بمباح إجماعًا،
ولا يجب عند جمهور العلماء،
ولو ظن نفعه، واختار القاضي وابن عقيل وابن الجوزي وغيرهم فعله، وفاقًا لأكثر الشافعية، وعند الحنفية أنه مؤكد، حتى يدانى به الوجوب، ومذهب مالك أن التداوي وتركه سواء.
وتمنى الموت . ويباح التداوي بمباح وتركه أفضل هذا المشهور في المذهب، لخبر السبعين ألفًا يدخلون الجنة، ولأنه أقرب إلى التوكل، وجاءت الأحاديث بإثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، قال الشيخ: ينبغي أن يعلق الرجاء بالله لا بمخلوق، ولا بقوة العبد ولا عمله،
فإن تعليق الرجاء بغير الله شرك،
وإن كان الله جعل لها أسبابًا، فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والقدح في الأسباب بالكلية قدح في الشرع.
مأكول وغيره . ............................................................ من صوت ملهاة وغيره الملهاة بكسر الميم آلة اللهو، كالعود والطنبور والطبل ونحو ذلك، وغير صوت الملهاة كسماع الغناء المحرم،
وأما السماع الطيب فهو طيب الأنفس، وراحة القلوب، وغذاء الأرواح،
ومن أجل الطب الروحاني، وسبب السرور، ويقوى أفعال القوى، ويدفع أمراضًا ويخصب أبدانًا، ويلائم أصحاب العلل، وأنفعه سماع كتاب الله وأحاديث رسوله - صلى الله عليه وسلم -، مما ثبت عنه في الرقائق، وأبيات موزونة في الزهد،
وقال ابن القيم وغيره: وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه، وصلاحه وتقوية أرواحه وقواه بالصدقة، وفعل الخير والإحسان، والإقبال على الله والدار الآخرة، فليس بطبيب،
ومن أعظم العلاج فهو الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع إلى الله، والتوبة، وتأثيره أعظم من الأدوية، لكن بحسب استعداد النفس وقبولها.
وغيره ويجوز ببول إبل فقط، قاله في المبدع أي
ويجوز التداوي ببول إبل فقط، لا غيره مما أكل لحمه، ونقل جماعة: يجوز ببول ما أكل لحمه، قياسًا على الإبل، وتقدم أمره العرنين أن يشربوا من أبوالها وألبانها.
له مفرداته المباحة . و (تسن عيادة المريض) أي زيادة وافتقاده، من العود وهو الرجع، حكاه النووي وغيره إجماعًا لما في الصحيحين وغيرهما «خمس تجب للمسلم على أخيه» وذكر عيادة المريض،
وفي لفظ «حق المسلم على المسلم» وفي الصحيح «عودوا المريض» وغير ذلك من الأحاديث،
وقال شيخ الإسلام: الذي يقتضيه النص وجوب عيادة المريض، كرد السلام، وأوجبها أبو الفرج وغيره، ولعل المراد مرة، أو على الكفاية، اختاره الشيخ، والسنة تدل على أنها واجبة أو مندوبة مؤكدة، شبيهة بالواجب الذي لا ينبغي تركه، أو في حق بعض دون بعض.
وورد في فضلها آثار كثيرة: منها ما رواه مسلم وغيره «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في مخرفة الجنة» أي يخترف من ثمارها «حتى يرجع» وورد عن نحو عشرة من الصحابة مرفوعًا «من عاد مريضًا خاض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته» وللترمذي أنه قال «من عاد مريضًا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً»
ويسن أكثر من مرة إجماعًا، لقصة سعد،
ومن كل مرض، ولو من وجع ضرس، أو رمد، أو دمل ونحوه، وكان عليه الصلاة والسلام يعود من الرمد، وغيره، رواه أبو داود وغيره،
ولو عدوًا، ومن لا يعرفه،
وكذا ذمي قريب، أو جار ونحوهما، ومن يرجى إسلامه.
(تسن عيادة المريض) . والسؤال عن حاله، للأَخبار نحو: كيف حالك؟، وكيف تجدك؟. وكان عليه الصلاة والسلام يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، ويقول «كيف تجدك؟» ويسأل عما يشتهيه، ويخبره المريض بما يجده، بلا شكوى، الحديث بشر بن الحارث،
ولما بلغ أحمد قال: أجد كذا، أجد كذا.
المريض) . والسؤال عن حاله، للأَخبار ويغب بها أي بالعيادة وروي «أغبوا في عيادة المريض، وأربعوا» يقول: عد يومًا ودع يومًا، أو دع يومين وعد اليوم الثالث، أي لا تعودنَّ في كل يوم، لما يجده من ثقل العواد.
طهور إن شاء الله تعالى. لفعله عليه السلام رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان إذا دخل على من يعوده قال «لا بأس طهور إن شاء الله» وربما قال «كفارة وطهور» .
أَجله، لخبر رواه ابن ماجه عن أبي سعيد ولفظه «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله» ورواه الترمذي وغيره، فيهون عليه مما هو فيه.
«تسنّ عيادة المريض»، السنة عند الفقهاء: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه. فهي من الأمور المرغب فيها، وليست من الأمور الواجبة.
وقول المؤلف:«عيادة المريض» ولم يقل: زيارة؛ لأن الزيارة للصحيح، والعيادة للمريض، وكأنه اختير لفظ العيادة للمريض من أجل أن تكرر؛ لأنها مأخوذة من العود، وهو: الرجوع للشيء مرة بعد أخرى، والمرض قد يطول فيحتاج الإِنسان إلى تكرار العيادة.
وقول المؤلف:«عيادة المريض»(أل) هنا للجنس أي: من أصابه جنس المرض، وهي أيضاً باعتبار المريض عامة، فهي باعتبار المرض للجنس، وباعتبار المريض الذي أصابه المرض للعموم؛ لأنها اسم محلى بأل، والاسم المحلى بأل يفيد العموم، على أن بعض النحويين يقولون: إن أل اسم موصول؛ لأنه إذا كان اسم فاعل أو اسم مفعول مقروناً بأل فإن أل عندهم بمعنى اسم الموصول.
إذاً عندنا عمومان:
الأول: المرض، لأن (أل) للجنس.
الثاني: المصاب بالمرض.
أما المرض فالمراد من مرض مرضاً يحبسه عن الخروج مع الناس،
فأما إذا كان لا يحبسه فإنه لا يحتاج إلى عيادة؛ لأنه يشهد الناس ويشهدونه، إلا إذا علم أن هذا الرجل يخرج إلى السوق أو إلى المسجد بمشقة شديدة، ولم يصادفه حين خروجه، وأنه بعد ذلك يبقى في بيته، فهنا نقول: عيادته مشروعة.
فالمرض بالزكام مرض لا شك،
فإن حبس الإِنسان دخل في هذا،
وإن لم يحبسه كما هو الغالب الكثير فإنه لا يحتاج إلى عيادة، والمريض بوجع الضرس إن حبس في بيته عدناه،
وإن خرج وصار مع الناس لا نعوده، لكن لا مانع أن نسأل عن حاله إذا علمنا أنه مصاب بمرض الضرس، والمريض بوجع العين كذلك ينسحب عليه الحكم، إذا كان المرض قد حبسه فإنه يعاد،
وإن كان يخرج مع الناس لا يعاد، لكن يسأل عن حاله.
وأما المصاب بالمرض فإن كان غير مسلم فلا يعاد، إلا إذا اقتضت المصلحة ذلك بحيث نعوده لنعرض عليه الإِسلام، فهنا تشرع عيادته
إما وجوباً وإما استحباباً، وقد ثبت أنه «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار».
وأما الفاجر من المسلمين أعني الفاسق بكبيرة من الكبائر أو بصغيرة من الصغائر وأصر عليها، ففيه تفصيل أيضاً،
فإذا كنا نعوده من أجل أن نعرض عليه التوبة ونرجو منه التوبة، فعيادته مشروعة
إما وجوباً وإما استحباباً، وإلا فإن الأفضل ألا نعوده، وقد يقال: بل عيادته مشروعة ما دام أنه لم يخرج من وصف الإِيمان أو الإِسلام؛ لقول النبي ﷺ :«حق المسلم على المسلم خمس»،
وفي رواية:«ست». وذكر منها عيادة المريض.
وتشمل عيادة المريض القريب والبعيد، أي: القريبَ لك بصلة قرابة، أو مصاهرة، أو مصادقة، والبعيد للعموم؛ لأن هذا حق مسلم على مسلم لا قريب على قريب، ولكن كلما كانت الصلة أقوى كانت العيادة أشد إلحاحاً وطلباً،
ومن المعلوم أنه إذا مرض أخوك الشقيق فليس كمرض ابن عمك البعيد،
وكذلك إذا مرض من بينك وبينه مصاهرة أي: صلة بالنكاح فليس كمن ليس بينك وبينه مصاهرة،
وكذلك الذي بينك وبينه مصادقة ليس كمن ليس بينك وبينه مصادقة، فالحقوق هذه تختلف باختلاف الناس.
وقوله:«تسنّ» ظاهره أنَّه سنة في حق جميع الناس، ولكن ليس هذا على إطلاقه؛
فإن عيادة المريض إذا تعينت براً أو صلة رحم صارت واجبة لا من أجل المرض، ولكن من أجل القرابة، فلا يمكن أن نقول لشخص مرض أبوه: إن عيادة أبيك سنة، بل واجبة؛ لأنها يتوقف عليها البر،
وكذا عيادة الأخ؛ لأن الوجوب ليس لأجل المرض، ولكن من أجل الصلة في القرابة،
أما من لا يعد ترك عيادته عقوقاً أو قطيعة فإن المؤلف يقول: إنه سنة.
وقال بعض العلماء: إنه واجب كفائي أي: يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي ﷺ جعلها من حق المسلم على المسلم ، وليس من محاسن الإِسلام أن يمرض الواحد منا ولا يعوده أحد، وكأنَّه مَرِضَ في برية،
فلو علمنا أن هذا الرجل لا يعوده أحد فإنه يجب على من علم بحاله وَقَدِرَ أن يعوده.
وعيادةُ المريض مَعَ كونها من أداء الحقوق على المسلم لأخيه ففيها جلب مودة وألفة لا يتصورها إلا من مرض ثم عاده إخوانه، فإنه يجد من المحبة لهؤلاء الذين عادوه شيئاً كثيراً، فتجده يتذوقها، ويتحدث بها كثيراً، ففيها مع الأجر تثبيتُ الألفةِ بين المسلمين. «تسنّ عيادة المريض» ولم يبيِّن المؤلف في أي وقت يعاد المريض، ولم يبيّن هل يتحدث عنده، ويتأخر في المقام، أو لا يتحدث، ويتعجل في الانصراف؟
فنقول: عدم ذكرها أحسن، أما بالنسبة للزمن المناسب فيختلف بحسب ما تقتضيه حالة المريض ومصلحته، ولا نقيدها بأنها بكرة أو عشياً كما قيدها بعض العلماء، بل نقول: إن هذه ترجع إلى أحوال الناس، وهي تختلف بحسب حال المريض،
فإذا قدرنا أن المريض قد جعل له وقتاً يجلس فيه للناس فليس من المناسب أن نعوده في غير هذا الوقت؛ لأن تخصيصه لزمن يعوده فيه الناس، يدل على أنه لا يرغب في غير هذا، وإلا لجعل الباب مفتوحاً.
وأما بالنسبة لكونه يتأخر عند المريض ويتحدث إليه، أو يعوده ثم ينصرف بسرعة فهذه أيضاً ينبغي ألا تقيد،
وإن كان بعض العلماء يقول: الأفضل ألا تتأخر وأن تبادر بالانصراف؛ لأن المريض قد يثقل عليه ذلك،
وكذلك أهل المريض ربما يثقل عليهم البقاء عنده؛ لأنهم يحبون أن يأتوا إلى مريضهم.
ولكن الصحيح في ذلك أنه يرجع إلى ما تقتضيه الحال والمصلحة، فقد يكون هذا المريض يحب من يعوده سواء محبة عامة أو محبة خاصة لشخص معين، ويرغب أن يبقى عنده، ويتحدث إليه، ولا سيما إذا أنس بك المريض، ورأيت أنه يحب أن تتحدث إليه، مثل أن يسألك عن أحوال الناس مثلاً، أو عن أشياء يحب أن يطلع عليها، فهنا ينبغي لك أن تمكث عنده،
أما إذا علمت من حاله أنه يرغب ألا تبقى كثيراً، مثل: أن تراه يتململ،
وأن صدره ضائق فهنا تخرج ولا تبقى؛ لأنك تعلم أنه لا يريد أن تبقى عنده، والناس يختلفون، لا المرضى ولا العائدون.
ولهذا أنا أرى أن إطلاق المؤلف هذا الإِطلاق بدون تقييد بزمن ولا ببقاء من أحسن ما فعل رحمه الله.
مسألة: الاتصال بالهاتف لا يغني عن العيادة؛ لا سيما مع القرابة،
أما إن كان بعيداً يحتاج لسفر فتغني.
وَتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ، وَالْوَصِيَّةَ ............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.