دون وطء وصيد وتقليم وحلاق.
Its commentaries
(دون) فدية (وطء وصيد وتقليم وحلاق) فتجب مطلقا لأن ذلك إتلاف، فاستوى عمده وسهوه كمال الآدمي،
فإن استدام لبس مخيط أحرم فيه ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه فدى ولا يشقه،
فيه، ولو لحظة، فوق المعتاد من خلعه فدى أي لاستدامت عالمًا ذاكرًا، كابتدائه،
ولو إشارة إلى خلاف أبي حنيفة حيث قيده بيوم.
لحظة، فوق المعتاد من خلعه فدى ولا يشقه أي اللباس، إذا كان مخيطا، بل ينزعه،
وإن غطى رأسه لأن شقه إتلاف مال لم يحتج إليه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعلى بن أمية ولم يأمره بشقه.
«دون وطء»، أي: أنه لا تسقط الفدية إذا وطئ ناسياً،
وكذلك إن وطئ جاهلاً، أو وطئ مكرهاً ، وهذا وما بعده هو القسم الذي لا يسقط بالعذر.
وتعليل ذلك أنه يبعد أن ينسى فيطأ، ولا سيما،
وأن عليه لباس الإحرام، وإذا قدر أنه نسي ذكرته زوجته.
فيقال في الجواب على هذا: إن النسيان وصف مسقط لحكم المحظور،
وإذا كان كذلك فسواء، بَعُد أم لم يَبْعُد.
وكذلك الجهل إذا جامع جاهلاً لزمه ما يلزم العالم؛ لأن الجماع يتضمن إتلافاً حيث تزول به البكارة، والإتلاف يستوي فيه الجاهل والعالم،
فيقال: الجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أنه لا يلزم أن يكون الجماع جماع بكر، فإنه لا فرق بين البكر وغيرها في تحريم الوطء في الإحرام.
الثاني: أن ضمان البكارة حق للآدمي، قالوا وإن كانت الموطوءة ثيباً وجب المهر، والجواب أن المهر حق للموطوءة فهو حق آدمي،
وأما الجماع في الإحرام فهو حق لله تعالى وقد أسقطه عن عباده بالجهل، فكيف نلزم عباد الله بما أسقطه الله عنهم؟!
وكذا الإكراه: فلو أكره الرجل على أن يجامع زوجته لم تسقط الفدية،
فإذا كان قبل التحلل الأول يلزمه خمسة أحكام: البدنة، والقضاء، وفساد النسك، والمضي فيه، والإثم.
وعللوا أن الإكراه على الجماع لا يمكن؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار؛ ولا انتشار مع إكراه، ولكن هذا التعليل عليل، لأن من قال لا انتشار مع الإكراه، فجوابه بالمنع
فلو أجبرته زوجته، وهي شابة،
محبوبة إليه وقالت: إما إن تفعل، وإلا قتلتك، فهو بين أمرين،
إما أن يدعها ويمكن أن تنفذ تهديدها،
وإما أن يجامع في هذه الحال،
وإذا دنا منها مهما كان الأمر سوف ينتشر، فالقول بأنه لا جماع مع إكراه غير صحيح.
فالوطء بلا شك يمكن أن يكون مع الإكراه، ومع ذلك يقولون: لا تسقط الفدية فيه. «وصيد» يعني أن قتل الصيد لا يعذر فيه بالنسيان،
وكذلك لا يعذر فيه بالجهل، ولا بالإكراه قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد وغيره.
فنقول: ـ سبحان الله ـ الحاكم في عباده وبين عباده يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ، ونحن نقول من قتله متعمداً وغير متعمدٍ، فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم، هذا لا يمكن!
و «متعمداً» وصف مناسب للحكم، فوجب أن يكون معتبراً؛ لأن الأوصاف التي علقت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت علة موجبة، يوجد الحكم بوجودها وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف
فائدة. فالآية نص في الموضوع مؤيدة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
والجواب: عن تعليلهم أن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي،
أما ما كان في حق الله عز وجل الذي أسقطه تفضلاً منه وكرماً،
فإذا كان الله قد أسقطه فكيف نلزم العباد به؟
مثال النسيان: محرم رأى الصيد، وكان مشغوفاً بالصيد، فنسي فأخذ البندقية ورمى الصيد، فعلى المذهب عليه الفدية.
مثال الجهل: محرم وقف بعرفة فسمع أن الحج عرفة، فلما كان في صباح العيد قبل أن يرمي وجد صيداً من الطيور أو الظباء أو غيرها فصاده، فهذا جاهل وعليه الجزاء، على المذهب.
مثال المكره: محرم عند سيده، فقال له سيده: انظر الصيد، فقال: أنا محرم،
قال: إما أن تفعل، وإما أن أفعل بك كذا، فأكرهه فصاد، فعليه الجزاء على المذهب.
والصحيح في هذه المسائل كلها أنه لا جزاء عليه. «وتقليم»، أي أن تقليم الأظفار لا يسقط بنسيان،
وكذلك لا بجهل، ولا بإكراه ؛ والعلة أن فيه إتلافاً.
فيقال: ألستم تقولون: إن تقليم الأظفار حرام على المحرم؛ لأنه من باب الترفه، والطيب واللباس ترفه، ومع ذلك لا تعذرونه بالجهل والنسيان والإكراه في التقليم، وتعذرونه بذلك في اللباس والطيب، مع أن الترفه بالطيب أقوى ترفهاً وقد سقطت فديته بالنسيان، فهذا من باب أولى.
قالوا: هناك فرق، والفرق أن تقليم الأظفار فيه إتلاف.
فيقال لهم: وهل هذا إتلاف مطلوب؛ أو محظور في غير الإحرام؟
الجواب: هو مطلوب، إذن لا قيمة له شرعاً، ولا عرفاً، ولا أحد يجمع أظفاره ليبيعها، بل تقليمها إتلاف مشروع لولا الإحرام.
وَحِلاقٍ ................ «وحلاق»، يعني أن فدية الحلق لا تسقط بالنسيان
وكذلك الجهل والإكراه؛ والعلة في ذلك هو أنه إتلاف، ولكن نقول: إنه إتلاف ما لا قيمة له شرعاً ولا عرفاً.
فتبين بهذا ضعف هذا القول، أعني القول بأن فدية الحلق وتقليم الأظفار وقتل الصيد لا تسقط بالنسيان والجهل والإكراه، لأن أعظم الإتلافات إتلاف الصيد، ومع ذلك قيد الله سبحانه وتعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمد.
والراجح أن فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاثة أقسام، والمراد هنا المحظورات التي فيها فدية،
وأما التي ليس فيها فدية كعقد النكاح،
فهذا لا يدخل في هذا التقسيم:
الأول: أن يفعلها بلا عذر شرعي ولا حاجة، فهذا آثم، ويلزمه ما يترتب على المحظور الذي فعله على حسب ما سبق بيانه.
الثاني: أن يفعله لحاجة متعمداً، فعليه ما يترتب على فعل ذلك المحظور، ولكن لا إثم عليه للحاجة، ومنه حلق شعر الرأس لدفع الأذى كما نص الله عليه في القرآن،
ومثله أيضاً لو احتاج المحرم إلى لبس المخيط، لبرد شديد فيلبس الفانيلة أو القميص، وعليه الفدية، وهذا نادر لكن ربما يوجد.
ومن الحاجة، حاجة الجنود إلى اللباس الرسمي فهي حاجة تتعلق بها مصالح الحجيج جميعاً؛ إذ لو عمل الجندي بدون اللباس الرسمي لما أطاعه الناس، وصار في الأمر فوضى، ولكن إذا كان عليه لباسه الرسمي صار له هيبة.
ولكن هل عليه الفدية أو لا؟ أي: أن جواز اللباس، ليس عندنا فيه ـ إن شاء الله ـ إشكال لدعاء الحاجة أو الضرورة إلى ذلك ولكن هل عليه فدية؟
الجواب: قد نقول: لا فدية عليه؛ لأنه يشتغل بمصالح الحجيج، والنبي عليه الصلاة والسلام أسقط المبيت عن الرعاة والمبيت بمنى واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم، لمصلحة الحجاج، ورخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج ، وسقاية الحجاج أدنى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس، فيحتمل أن لا تجب عليه الفدية، ولا سيما أن لبس المخيط، ليس فيه نص على وجوب الفدية فيه،
فينبني عدم إلزامه بالفدية على أمرين:
الأول: عدم القطع في وجوب الفدية في لبس المخيط.
الثاني: القياس على سقوط الواجب عمن يشتغل بمصلحة الحجاج.
لكن لو قلنا: يفدي احتياطاً لكان أحسن، والفدية سهلة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة.
القسم الثالث: أن يكون معذوراً بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فعلى المذهب التفريق بين المحظورات، فبعضها لا تسقط فديته بالنسيان والجهل والإكراه وهو ما كان إتلافاً، أو بمعنى الإتلاف، وبعضها تسقط وهو ما ليس كذلك وسبق تفصيل ذلك.
والصحيح أن جميعها تسقط، وأن المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقاً، لا في الجماع، ولا في الصيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط، ولا في أي شيء، وذكرنا فيما سبق الدليل من القرآن، والسنة، والنظر.
وهكذا في جميع المحظورات في العبادات، لا يترتب عليها الحكم، إذا كانت مع الجهل أو النسيان، أو الإكراه؛ لعموم النصوص، ولأن الجزاء، أو الفدية، أو الكفارة إنما شرعت لفداء النفس من المخالفة أو للتكفير عن الذنب، والجاهل أو الناسي أو المكره لم يتعمد المخالفة، ولهذا لو كان ذاكراً أو عالماً أو مختاراً لم يفعل. فالشرب في رمضان نسياناً ليس فيه قضاء، والدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه :«من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه»،
فمن لم يتعمد المخالفة، فليس عاصياً، ولا فدية عليه.
وكذلك عدي بن حاتم رضي الله عنه :«لما أراد الصيام جعل عقالين أبيض وأسود؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وكانوا يأخذون الأحكام من القرآن مباشرة، فقال له النبي ﷺ : إن وسادك لعريض أن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك»، فلم يأمره بالإعادة للجهل بالحكم.
وكذلك أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما :«أخبرت أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمرهم بالقضاء»، لجهلهم بالحال.
وكذلك في الصلاة، والدليل أن معاوية بن الحكم رضي الله عنه دخل مع النبي ﷺ في الصلاة فعطس رجل، فقال: الحمد لله، قال: يرحمك الله، وهو يصلي، فرماه الناس بأبصارهم، أي ـ نظروا إليه منكرين ـ فقال: واثكل أمياه رضي الله عنه، فزاد الكلام كلاماً آخر، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما سلم دعاه الرسول ﷺ، قال معاوية: بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه، قال ﷺ :«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن»، ولم يأمره بالإعادة؛
لأنه جاهل.
والنصوص الدالة على هذا الأصل، أعني عدم المؤاخذة مع النسيان والجهل والإكراه كثيرة، وهذا من مقتضى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، وقوله في الحديث القدسي:«سبقت رحمتي غضبي».
وأما ترك الواجبات فلا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه متى أمكن تداركه؛ لقول النبي ﷺ :«من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها»، فلم تسقط عنه بالنسيان، ولأن النبي ﷺ لم يسقط الصلاة الحاضرة بالجهل كما في حديث المسيء في صلاته أمره بالإعادة مع أنه جاهل، لأنه ترك مأموراً، والمأمورات أمور إيجابية لا بد أن تكون، والمنهيات أمور عدمية لا بد أن لا تكون.
ثم إن المأمورات يمكن تداركها بفعلها، لكن المنهيات مضت، لكن إذا كان في أثناء المنهي فيجب التدارك بقطعه،
فإن قال قائل: إن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ عام في ترك المأمور وفعل المحظور، فالجواب أن الأمر كذلك، فتارك المأمور جاهلاً أو ناسياً غير مؤاخذ بالترك، لكن عدم فعله إياه يقتضي إلزامه به متى زال العذر إبراء لذمته.
وَكُلُّ هَدْيٍ، أَوْ إِطْعَامٍ فَلِمَسَاكِينِ الحَرَمِ ............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.