إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهبه البعض وترك الباقي صح إن لم يكن شرطاه
Its commentaries
باب الصلح] هو لغة: قطع المنازعة، وشرعا معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
والصلح في الأموال قسمان: على إقرار وهو المشار إليه بقوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط) عنه من الدين بعضه (أو وهب) من العين (البعض وترك الباقي) أي: لم يبرأ منه ولم يهبه (صح) ؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه، كما لا يمنع من استيفائه؛ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلم غرماء جابر ليضعوا عنه، ومحل صحة ذلك إن لم يكن بلفظ الصلح،
فإن وقع بلفظه لم يصح؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعض، فهو هضم للحق، ومحله أيضا (إن لم يكن شرطاه) بأن يقول بشرط أن تعطيني كذا، أو على أن تعطيني أو تعوضني كذا ويقبل على ذلك، فلا يصح؛ لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض بعض حقه ببعض واسم " يكن " ضمير الشأن،
وفي بعض النسخ: إن لم يكن شرطا أي: بشرط، ومحله أيضا أن لا يمنعه حقه بدونه، وإلا بطل؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل.
بالبينة . باب الصلح هو لغة قطع المنازعة وفي القاموس: الصلح بالضم السلم بالفتح والكسر، ويقال: التوفيق.
إصلاح بين متخاصمين . والصلح في الأموال قسمان قيده بالأموال لجريان الصلح في خمسة أنواع أجمع العلماء على جوازه فيها، أحدها بين مسلمين وأهل حرب، وتقدم في الجهاد، وبين أهل عدل وبغي، ويأتي في قتال أهل البغي، وبين زوجين خيف الشقاق بينهما، ويأتي في باب عشرة النساء، وبين متخاصمين في غير مال، والخامس ما ذكره، وهو المقصود بالباب، ولا يقع في الغالب إلا عن انحطاط من رتبة إلى ما دونها، على سبيل المداراة لبلوغ بعض الغرض.
متخاصمين . والصلح في الأموال قسمان على إقرار أي صلح على إقرار، وهو القسم الأول، وجوازه ظاهر النص، قال ابن القيم: وهو الصحيح،
والثاني صلح على إنكار، وقيل: وصلح عن السكوت عنهما.
الباقي) أي لم يبرئ منه ولم يهبه (صح) أي أو وهب المقر له للمقر من العين المقر بها البعض، وترك الباقي من الدين فلم يبرئ منه، أو من العين فلم يهبه، صح ذلك، إن لم يكن بشرط بلا نزاع.
إسقاط بعض حقه، كما لا يمنع من استيفائه أي لأن جائز التصرف لا يمنع من إسقاط بعض حقه، بل قال صلى الله عليه وسلم «ضع الشطر» كما لا يمنع من استيفائه بلا نزاع.
صالح عن بعض ماله ببعض، فهو هضم للحق أي ظلم وغصب للحق، وذلك أن لفظ الصلح يقتضي المعاوضة، لأنه يحتاج إلى حرف يتعدى به.
هضم للحق ومحله أيضًا (إن لم يكن شرطاه) أي ومحل صحة الإبراء والهبة أيضًا إن لم يكن شرطاه.
بعض حقه ببعض . واسم "يكن" ضمير الشأْن أي في قول الماتن: إن لم يكن شرطاه.
بعض النسخ: إن لم يكن شرطًا. أي بشرط وضمير الشأن فيهما عني به المبرئ أو الموهوب، ومعنى كونه لا يصح بلفظ الصلح، أو بالشرط المذكور أن رب الحق له المطالبة بجميع الحق بعد وقوع ذلك،
ولا يصح في حقه.
بَابُ الصُّلح «باب الصلح» الصلح مصدر صالح يصالح صلحاً، ويشتق منه ـ أيضاً ـ أصلح يصلح إصلاحاً، وهو في اللغة قطع النزاع.
والصلح عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين، هذا هو الأصل، وله أنواع كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، فكلها يمكن أن يقع فيها الصلح،
وهذا فيما بين الزوجين من حقوق،
وقال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ، وجاز شرعاً أن يكذب الإنسان من أجل السير إلى الصلح والمصالحة بين الناس، وحث الشرع على الإصلاح بين الناس، وثبت عن النبي ﷺ أنه صالح المشركين في غزوة الحديبية ، وهذا فيما يقع بين المسلمين والمشركين من العهود.
ولكن يمتنع الإصلاح في حالة واحدة، وهي ما إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين،
فإن الصلح هنا ممتنع ولا يجوز ما لم يبين لصاحب الحق أن الحق له، ثم يطلب منه الصلح؛ لأنه يوجد قضاة علمهم ضعيف، فكل مسألة ترد عليهم يجعلونها صلحاً، وهذا حرام ولا يجوز. المهم أن الصلح جارٍ في كل شيء، وبين كل متعاقدين، وهو كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول «الصلح جائز بين المسلمين»، أي في كل شيء، وجائز بمعنى نافذ، «إلاَّ صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً»، أي: فإنه لا ينفذ.
والصلح أنواع، فيكون في الحقوق والأموال والأعراض، كل شيء، ولهذا أطلق الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وهنا في هذا الباب، يريد الفقهاء به الصلح في الأموال، ويذكرون الصلح في النزاع بين الزوج وزوجته في باب عِشْرَة النساء،
وفي باب أهل الزكاة في الغارم لإصلاح ذات البين، ففي كل موضع بحسبه، فالذي معنا هنا الصلح في الأموال، وهو على نوعين صلح على إقرار وصلح على إنكار، أي: الصلح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحق، ويكون على شيء أنكره من عليه الحق.
الأول: الصلح على إقرار، وقد بينه المؤلف رحمه الله بقوله:«إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح». إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ فَأسْقَطَ أَوْ وَهَبَ البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ صَحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَاهُ، وَمِمَّنْ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ. «إذا أقر له بدين» بأن
قال: في ذمتي لك ألف ريال.
وقوله:«أو عين» بأن قال: هذا المسجل لك.
وقوله:«فأسقط» يعود على الدين.
وقوله:«أو وهب» يعود على العين، ففيه لف ونشر مرتب، يعني يذكر شيئين ثم يثني بمثل حكمهما مرتباً؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود]، فهذا يسمى لفّاً ونشراً مرتّباً.
وهناك لف ونشر غير مرتب، بأن يُذكر ما يعود على الثاني، ثم ما يعود على الأول، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ، هذا لف ونشر غير مرتب.
وهذه كلها من أساليب البلاغة، ولا بد لكل ما خالف الأصل من
فائدة، وإلا فالأصل أن يكون اللف والنشر مرتبين.
وقوله:«فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح»، بأن قال حينما أقر له بمائة ريال قال: أسقطت عنك خمسين ريالاً صح؛ لأن هذا إبراء محض وإحسان ومطلوب، ولكن قد يقال: أين هذا من الصلح؟ فهل حصل نزاع حتى يحصل صلح؟! الجواب: الفقهاء يقولون: لو وقع هذا بلفظ الصلح لم يصح، وهذا وجه إدخاله في باب الصلح،
فلو أن صاحب الحق قال للمقر: قد صالحتك على بعض الدين، يقولون: لا يصح، لأنه لا يمكن أن يصالحه عن ماله ببعضه، لكن القول الثاني أنه يصح بلفظ الصلح؛ لأن المقصود المعنى.
وكذلك لو أقر له بعين فقال: وهبتك نصفها أو ربعها أو ما أشبه ذلك فإنه جائز، لكن لو قال: صالحتك بنصفها فالفقهاء يقولون: لم يصح؛ وهذا وجه إدخاله في باب الصلح،
والصحيح أنه يجوز ولو وقع بلفظ الصلح ولكن بشروط: «إن لم يكن شرطاه» أي: المتنازعان، أو إن لم يكن شرطاً، أي: بشرط ألا يكون المقر أقر للشخص بهذا الشرط، أي: بأن منعه حقه إلا بأن يسقط أو يهب،
فإن كان كذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه فهذا حرام،
ومن أكل المال بالباطل، ولكن هل لا يجوز للمسقِط أو لا يجوز للمسقَط عنه؟ أيهما الظالم؟
الجواب: الظالم هو المسقَط عنه، إذا قال: أنا أقر لك بهذا الدين بشرط أن تسقط كذا
وكذا، فالظالم المسقَط عنه، إذا كان الدَّين حقيقة ثابتاً، فيشترط ألا يكون شرطاه،
فإن شرطاه فإنه لا يصح، لكن في حق المعتدي منهما؛ لأن العبرة بما في الأمر نفسه. «وممن لا يصح تبرعه» هذه الجملة معطوفة على قوله: «شرطاه» يعني وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه،
أي: ويشترط ـ أيضاً ـ ألا يكون ممن لا يصح تبرعه، أي: بذله المال مجاناً، وهناك فرق بين من يصح تبرعه ومن يصح تصرفه، فالذي يصح تصرفه أوسع من الذي يصح تبرعه، فمثلاً ولي اليتيم يصح تصرفه ولا يصح تبرعه،
وكذلك الوكيل. إذاً يشترط أن يكون الإسقاط أو الهبة ممن يصح تبرعه،
فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
فإذا أسقط ولي اليتيم بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط؛ لأن ولي اليتيم لا يصح تبرعه، ولكن قد يقال: إنه إذا لم يتمكن من الوصول إلى حقه إلاّ بالإسقاط،
فإن الإسقاط جائز؛ لما في ذلك من المصلحة، فمثلاً هذا رجل مماطل وأنا بعت عليه على أنه رجل موفٍ وأنه مليء ثم تبين الأمر بالعكس، ثم صالحته على إسقاط بعض الشيء، فهنا استدراك بعض الشيء خير من فوات الكل، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ وهل يضمن الولي في هذه الحال؟
الجواب: ينظر إن كان مفرطاً ضمن،
وإن كان غير مفرط لم يضمن.
ومن الشروط ـ أيضاً ـ ألا يقع بلفظ الصلح؛ لأنه لا يصح أن يصالح بشيء من ماله على ماله.
مثاله: أن يقول: أقرضتك مائة درهم فصالحني على بعضها، فيقول: صالحتك، فهذا لا يصح. هكذا قالوا رحمهم الله.
ولكن ينبغي أن يقال: إذا فهم من هذه المصالحة أنها إسقاط في دين، أو هبة في عين، فينبغي قَبول ذلك؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ،
فإذا علمنا أن مرادهما بالمصالحة، الهبة في العين، والإسقاط في الدين، فلا مانع. صحيح أن المصالحة لا تكون إلا بعد نزاع، ولا تكون إلا لفض النزاع، وهنا لا نزاع في المسألة؛ لأنه إقرار وهبة، لكن يقال: ما دمنا عرفنا أن المقصود بالمصالحة هنا، الإسقاط في الدين، والهبة في العين،
فإن الألفاظ قوالب في الواقع، والعبرة بالمعاني.
إذاً هذا يسمى الصلح على إقرار،
وشرطه ألا يكون مشروطاً، ومن باب أولى ألا يمنعه حقه بدونه،
فإن منعه حقه بدونه، قال: لا أقر لك إلا أن تسقط، فإنه لا يصح، وهذا معنى قولنا: ألا يكون شرطاً،
والثاني: أن يكون ممن يصح تبرعه.
وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الحَالِّ وَأجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الإسْقَاطُ فَقَطْ.
وَإِنْ صَالَحَ عَنْ المُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالاًّ، أَوْ بِالعَكْسِ، ................
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.