ومن انكشف بعض عورته وفحش أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس أعاد
Its commentaries
(ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة رجلا كان أو امرأة (وفحش) عرفا وطال الزمن أعاد،
وإن قصر الزمن أو لم يفحش المكشوف ولو طال الزمن لم يعد إن لم يتعمده (أو صلى في ثوب محرم عليه) كمغصوب كله أو بعضه وحرير ومنسوج بذهب أو فضة، إن كان رجلا واحدا غيره وصلى فيه عالما ذاكرا أعاد،
وكذا إذا صلى في مكان غصب (أو) صلى في ثوب (نجس أعاد) ولو لعدم غيره
بعض عورته) في الصلاة رجلا كان أو امرأة أي ظهر وبدا منها البعض في الصلاة، فرضا كانت الصلاة أو نفلا بلا قصد.
يتعمده . (أو صلى في ثوب محرم عليه) أعاد ولو عليه غيره،
وعنه: تصح مع التحريم وفاقا: واختاره الخلال وصاحب الفنون وغيرهما،
وقال الشيخ: منشأ القول بالصحة أن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية، فيجوز أن يثاب من وجه ويعاقب من وجه،
وإن كان المصلي جاهلا بالمكان أو الثوب، أنه حرام فلا إعادة عليه، سواء قلنا إن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد؟ لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة،
وكذا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية، بل يكون طاعة.
في ثوب محرم عليه) كمغضوب كله أو بعضه أو ثمنه المعين حرام، أو بعضه،
ومثله مسروق ونحوه، رجلا كان أو امرأة، لقول ابن عمر: من اشترى ثوبا وفيه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه،
وقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد،
وفي إسناده هاشم، وبقية ولأن لبثه فيه محرم.
أو بعضه . وحرير ومنسوج بذهب أو فضة أو أكثره حرير أو منسوج بذهب أو فضة، أو مطلي أو مكفت أو مطعم بأحدهما،
قال في الرعاية: حرم مطلقا، والصلاة في الحرير من غير حاجة حرام بالنص والإجماع ويأتي قول الشيخ في الطراز ونحوه.
رجلا واجدا غيره، وصلى فيه عالما ذاكرا أعاد أي إن كان من صلى في ثوب حرير أو منسوج بذهب أو فضة رجلا لا امرأة فتصح صلاتها لأنها غير آثمة وكان واجدا غيره وصلى في ذلك الثوب عالما تحريمه ذاكرا أعاد، و (عالما ذاكرا) حالان من فاعل صلى،
وعنه: تصح مع التحريم، اختاره الخلال وغيره وفاقا،
فإن لم يجد غيره، أو لبس الحرير لحاجة، أو صلى فيه جاهلا تحريمه، أو ناسيا لم يعد، ذكره المجد إجماعا، لأنه غير آثم، ولزوال علة الفساد، ولا يبطل الصلاة لبس عمامة أو خاتم منهي عنهما ونحوهما، لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة،
وقال في الاختيارات: ينبغي أن يكون على هذا الخلاف الذي يجرثوبه خيلاء في الصلاة، لأن المذهب أنه حرام
وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير،
ومثله كل ثوب يحرم لبسه.
غصب . (أو) صلى في ثوب (نجس أعاد) لأنه قادر على اجتنابه في الجملة، والمراد المتنجس،
أما لو كان نجس العين كجلد ميتة صلى عريانا بلا إعادة، قاله في المبدع.
صلى في ثوب (نجس أعاد) ولو لعدم غيره أو لعجزه عن تطهير في الوقت، ويصلي فيه، لأن السترة آكد من إزالة النجاسة لوجوبها، فقدم الآكد عند التزاحم، ووجبت الإعادة لاستدراك ما حصل من الخلل،
وعنه لا يعيد، اختاره الموفق والشارح وغيرهما، لأن التحرز من النجاسة شرط عجز عنه فسقط، والسنة إنما وردت بالإعادة لمن ترك واجبا من واجبات الصلاة، كالمسيء وصاحب اللمعة، والمنفرد خلف الصف لغير عذر أن يصلي الفرض مرتين، إلا إذا لم يفعل الواجب الذي يقدر عليه في المرة الأولى، مثل أن يصلي بلا طمأنينة أو بلا وضوء اهـ ونهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة مرتين، رواه أبو داود والنسائي وصححه النووي.
«ومن انْكَشَفَ بعضُ عَوْرَتِهِ وفَحُشَ»، «مَنْ» شرطيَّة «انكَشَفَ» فعل الشَّرط «أعَادَ» جوابه. «انكشف» أي: زال عنه السَّترُ و «بعض العورة» يشمل السَّوأة وغيرها مما قلنا إنه عورة.
وقوله:«فَحُشَ»، أي: غَلُظَ وعَظُمَ، ولم يُقيِّده المؤلِّفُ رحمه الله بشيء، يعني لم يقلْ: قَدْرَ الدِّرهم، أو قَدْرَ الظُّفْر، أو قَدْرَ جُبِّ الإبرة وما أشبه ذلك، فيُرجعُ إلى العُرف؛ لأن الشيءَ إذا لم يُقيَّد بالشَّرع أُحِيْلَ على العُرف،
وعليه قول النَّاظم:
وكلُّ ما أَتَى ولم يُحدَّدْ بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعرف احدُدْ وعلى هذا فنقول:«فَحُشَ» أي عُرْفاً،
فإذا قال النَّاس: هذا كبير، كان فاحشاً.
وإذا قالوا: هذا يسير، يكون غير فاحش ولا يؤثِّر.
ثم إن الفُحْشَ يختلف باختلاف المنكشف،
فلو انكشف شيء من أسفل الفخذ مما يلي الرُّكبة على قَدْر الظُّفر، وانكشف على السَّوأتين نفسِهِما على قَدْر الظُّفر لعُدَّ الثاني فاحشاً، والأول غير فاحش.
فإذاً؛ اختُلف باعتبار المكان الذي انكشف، وبناءً على ذلك يوجد بعض الناس يكون عليهم «بنطلون»، ثم إذا سجد انكشف بعضُ الظَّهر من أسفل الظَّهر بعيداً عن الدُّبُر،
فإذا كان انكشافاً يسيراً في العُرف، كأن يكون كخطِّ الإصبع مثلاً، فهذا يسير لا يضرُّ،
أما إذا كان السِّروال قصيراً ثم لمَّا سجد انكشف منه كثيرٌ فهذا فاحش.
وظاهر قوله:«ومن انكشف»، أن هذا انكشاف دُونَ عمد، وأنَّه لو تعمَّد لم تصحَّ الصَّلاةُ، سواء كان الانكشافُ يسيراً، أم فاحشاً؛ لأن هناك فرقاً بين الانكشافِ وبين الكشف. وعلى هذا
فلو تعمَّد أن يَكشِفَ شيئاً من عورته ولو يسيراً،
ولو في زمن يسير، فإن صلاته تبطل،
فلو رفع سروالَه ليَحُكَّ ركبته، ورفع حتى ظهر الفَخِذُ ـ وقلنا إن الفخذ عورة ـ بطلت صلاته؛ لأنه تعمَّد الكشف .....
فإن فَحُشَ ولكنه في زمن يسير، بحيث انكشف ثم ستره؛ فظاهر كلام المؤلِّف أن صلاته لا تصحُّ، وهذا ليس بصحيح، بل نقول: إذا انكشف كثير وستره في زمن يسير،
فإن صلاته لا تبطل، ويُتَصَوَّرُ ذلك فيما لو هبَّت ريحٌ، وهو راكع وانكشف الثَّوب، ولكن في الحال أعاده، فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة تبطل،
والصَّحيح: أنها لا تبطل؛ لأنه ستره عن قُرْب، ولم يتعمَّد الكشف، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .
وخلاصة هذه المسألة:
أولاً: إذا كان الانكشاف عَمْداً بطلت الصَّلاة، قليلاً كان أو كثيراً، طال الزَّمنُ أو قَصُرَ.
ثانياً: إذا كان غير عَمْدٍ وكان يسيراً، فالصَّلاة لا تبطل.
ثالثاً: إذا كان غير عَمْد، وكان فاحشاً لكن الزمن قليل، فظاهر كلام المؤلِّف أنها تبطل،
والصَّحيح أنها لا تبطل.
رابعاً: إذا انكشف عن غير عَمْد انكشافاً فاحشاً، وطالَ الزَّمن بأن لم يعلم إلا في آخر صَلاتِهِ، أو بعد سلامه، فهذا لا تصحُّ صلاته؛ لأنَّه فاحش والزَّمن طويل.
مثاله: إنسانٌ صَلَّى في سروال أو إزار، وبعد صلاته وَجَدَ أن هناك فتحة كبيرة تُحاذي السَّوأة، ولكن لم يعلم بها إلا بعد أن سَلَّم، فنقول: صلاتُه غير صحيحة ويُعِيد؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصَّلاة، والغالب عليه في مثل الحال أنه مفرِّط.
أما إذا انشق الثَّوب في أثناء الصَّلاة، وهذا يقع كثيراً، ولا سيَّما في الثِّياب الضيِّقة، ثم بسرعة أمسكه بيده فالصَّلاة صحيحة؛ لأنه وإن كان فاحشاً فالزَّمن قصير، ولم يتعمَّد. أَوْ صَلَّى في ثَوْب مُحَرَّمٍ عَلَيْه ........ «أو صَلَّى في ثوب محرَّم عليه»، أي: لم تصحَّ صلاتُهُ؛ لأنه سبقَ أن من شرط السَّاتر أن يكون مباحاً ،
فإذا صَلَّى في ثوب محرَّم عليه،
إما لكَسْبِه، وإما لعَيْنِه، وإما لوصفه،
وإمَّا لكون ثمنه المعيَّن حراماً، فصلاته غيرُ صَحيحة .....
مثال المحرَّم لكسبه: أن يكون مغصوباً، أو مسروقاً، أو ما أشبه ذلك.
ومثال المحرَّم لعينه: أن يكون حريراً على رَجُل، أو فيه صُور على رَجُل أو امرأة، لأن الثَّوب الذي فيه صُور حرام لُبْسه على الرِّجال والنِّساء.
ومثال المحرَّمِ لِوَصْفِهِ: صلاة الرَّجل في ثوب امرأة أو بالعكس.
ومثال المحرَّم لكون ثمنه المعيَّن حراماً: لو اشترى بدراهم سرقها ثوباً، ففيه تفصيل: إن وقع العقد على عين الدَّراهم لم تصحَّ الصَّلاة فيه،
وإن وقع العقد على غير عين الدَّراهم، أي: في ذمَّة المشتري، فالصَّلاة فيه صحيحة. وهذا من دقَّة الفقهاء رحمهم الله،
فإذا جئت لصاحب الثَّوب وقلت: بِعْ عليَّ هذا الثَّوب بهذه الدراهم ـ يَعني المسروقة ـ فَبَاعه، فإنه لا تصحُّ الصَّلاةُ فيه؛ لأن العقد فاسد؛ لوقوعه على عين النقود المحرَّمة المسروقة، لكن لو
قلت: بِعْ عليَّ هذا الثوب بعشرة، وبَاعَهُ عليك، وأوفيت الثمن من دراهم مسروقة، فالعقد صحيح مع أن ثمنه محرَّم؛ لكنها لم تُعيَّن الدراهم في العقد، لأن الثَّمنَ ثبت في الذِّمة، وأوفاه المشتري من الدّراهم المسروقة.
والدليل على عدم صحَّة الصَّلاة: أن السَّتر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهيٍّ عنه، فقد وقعت على غير أمر الله وأمر رسوله فتكون مردودة؛ لقوله ﷺ :«من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» .....
ولأن السَّتر شرطٌ من شروط الصَّلاة، ولُبْسُ هذا الثوب محرَّم، ولا يمكن أن يَرِدَ وجوبٌ وتحريم على عَيْنٍ واحدة، فهذا الثَّوب المحرَّم يلبسه للصَّلاة على سبيل الوجوب،
ويحرم لُبْسُه؛ لأنه محرَّم، فيتصادم عندنا الوجوب والتحريم،
وإذا تصادما فإن وجود المحرَّم كعدمه شرعاً، فلا يكون قائماً بالواجب عليه، وحينئذ يكون هذا السَّتر كالعدم؛ لأنه جعل المنهيَّ عنه بدلاً عن المأمور به، فاصطدم الأمر والنهي، فبطل الأمر وصار كأنه لم يأتِ بما أُمِرَ به، وهذا تعليلٌ قويٌّ، ويؤيِّده الحديث الذي يُروى عن الرَّسول ﷺ في الرَّجُلِ المُسبل إزاره أنه أمره بإعادة الصَّلاة ، وهذا يدلُّ على أنه من شرط الثَّوب الذي تُستر به العورة أن يكون مُباحاً.
وذهب كثيرٌ من أهل العلم: إلى أن الصَّلاة لا تبطل إذا ستر عورته بثوب محرَّم ؛ لأن السَّترَ حصل به، والجهة منفكَّة؛ لأن تحريم لُبْس الثَّوب ليس من أجل الصَّلاة؛ ولكنه تحريمٌ مطلق،
فلو قال الشَّارع مثلاً: لا تصلِّ في هذا الثَّوب، فَصلَّى فيه، قلنا: إن الصَّلاة باطلة إن صلَّيتَ في هذا الثَّوب؛ لأن الصَّلاة فيه تُناقض نهي الشَّارع عن الصَّلاة فيه،
أمَّا والشَّارع لم يَنْهَ عن الصَّلاة في هذا الثوب، وإنما نهى عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم مطلقاً في صلاة أو غيرها، فهذا لا يقتضي بُطلان الصَّلاة؛ لأن الجهة مُنفكَّة، فالأمر بلبْسِ الثَّوب في الصَّلاة من أجل الصَّلاة ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، والنهيُ عن لُبْسِ الثَّوب المحرَّم، لا من أجل الصَّلاة، ولكن من أجل استعمال شيء لا يجوز لك استعماله .....
وهذا القول ـ أعني صحَّة الصّلاة بستر العورة بثوبٍ محرَّم ـ هو الرَّاجح، إلا إذا ثبت الحديث في المُسبل ثوبه بإعادة الصَّلاة،
فإن ثبت الحديث تعيَّن القول بموجبه، لكن كثيراً من أهل العلم ضَعَّفه ، وقالوا: لا تقوم به حُجَّة، ولا يمكن أن نلزم إنساناً بإعادة صلاته بناءً على حديث ضعيف.
ولو صَلَّى في ثوبٍ محرَّم وعليه غيره؟ فظاهر كلام المؤلِّف أن الصَّلاة لا تصحّ؛ لأنه قال:«أو صَلَّى في ثوبٍ محرَّمٍ عليه»، ولم يقل:«ستر بثوب محرَّم عليه»، وعلى هذا؛
فلو صَلَّى في ثوب حرير وتحته ثوب قطن أو صوف، فصلاته غير صحيحة على مُقتضى كلام المؤلِّف،
وقيل: إن كان الثَّوب المحرَّم شعاراً والمباح دثاراً فإنها لا تصحُّ،
وإن كان العكس صحّت .
والشِّعار: الذي يلي الجسد، والدِّثار: الفَوقاني، لأنه إذا كان شعاراً صار السَّتر به،
وإن كان دِثاراً فالسَّتر بالذي تحته، فيُفرَّق بين هذا وهذا، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فرق.
والرَّاجح: ما سبق من أن الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم صحيحة.
مسألة: إذا سألَنَا سائل قد صَلَّى في ثوب محرَّمٍ، فلا يتوجَّه أمره بالإعادة.
وأما إذا سألنا قبل أن يُصلِّي فنقول: يجب عليك أن تخلعه، لا من أجل الصَّلاة فحسب، ولكن لأنه ثوب محرَّم لا يجوز استعمالُه، فهناك فرق بين أن يُمَكَّن الإنسان من أن يستعمل المحرَّم فلا نمكِّنه، وبين أن يَسأل عن أمرٍ قد مضى وانقضى، فلا يُؤمر بالإعادة، لكن على المذهب تجب الإعادة.
ويُشترط لبطلان الصَّلاة في الثَّوب المحرَّم أن يكون عالماً ذاكراً،
فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه.
مسألة: إذا لم يجد إلا ثوباً محرَّماً فهل يصلِّي فيه؟ .....
الجواب: ننظر، فإن كان محرَّماً لحق العباد كالمغصوب، فإنه لا يصلِّي فيه،
فإذا لم يكن عليه إلا ثوب مغصوب نقول: اخلعِ الثَّوبَ وصَلِّ عُرياناً،
ولا يجوز أن تُصلِّي بالثَوب؛ لأنه محرَّم لحقِّ العباد؛ إلا إذا كنت مضطراً لدفع البرد فهنا صَلِّ به؛ لأن لُبْسَه حينئذ مباح.
وإن كان محرَّماً لحقِّ الله فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، كالثَّوب الحرير للرَّجُل إذا لم يجد غيره، فإنه يُصلِّي فيه؛ لأن التَّحريم لحقِّ الله عز وجل يزول عند الضَّرورة، وحينئذ يُصلِّي ولا إعادة عليه،
وكذلك لو كان ثوبه فيه صُوَر يُصلِّي فيه إذا لم يجد غيره.
وقال بعض أهل العلم: إذا كان محرَّماً لحقِّ العباد لا بأس أن يُصلِّي فيه؛ لأن هذا استعمال يسير جرت العادةُ والعُرف بالتَّسامح فيه . ونحن يَغْلِبُ على ظنِّنا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم. وهذا القول ليس بعيداً من الصَّواب، ولا سيما إذا كنت تعرف أن صاحب هذا الثوب رَجُلٌ كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعيَّن عليك أن تُصلِّي فيه؛
لأن مثل هذا يُعلم رضاه.
أو نَجِسٍ أَعَادَ ......... «أو نجسٍ أعاد»، أي: أو صَلَّى في ثوبٍ نجس، والمراد بالثَّوبِ النَّجس ما كان نجساً بعينه كجلد السِّباع أو متنجِّساً بنجاسة لا يُعفى عنها،
فإن كانت نجاسة يُعفى عنها فلا حرج عليه أن يُصلِّي فيه، مثل: اليسير من الدم المسفوح.
ودليل وجوب الإعادة: ما سبق عند ذكر اشتراط طهارة الثَّوب .
وقوله:«أعاد» ظاهره: سواء كان عالماً، أم جاهلاً، أم ذاكراً، أم ناسياً، أم عادماً، أم واجداً. وهذا هو المذهب، فهذه ستُّ صور.
وأمثلتها ما يلي:
١ - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ يعلم نجاسته؛ مع القُدرة على تطهيره، فلا تصحُّ صلاتُهُ؛ لأنَّه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصَّلاة. ٢ - صَلَّى في ثوب نجسٍ جاهلاً النَّجاسة، أو جاهلاً بوجوب تطهيره، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصَّلاة، فيعيد لأنه أخلَّ بشرط في الصَّلاة، والإخلال بالشَّرط لا يُغتفر، قال الرسول عليه الصلاة والسلام للرَّجل الذي لا يطمئن:«إنك لم تُصَلِّ»، وقال:«لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغير طُهور».
٣ - صَلَّى في ثوب نجس وهو يذكر النَّجاسة؛ فيعيدُ.
٤ - صَلَّى في ثوب نجس، فنسيَ أنه نجس، أو نسي أن يغسلها؛ فيعيد.
٥ - صَلَّى في ثوب نجس، وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثَّوب؛ فيعيد مع أنه يجب عليه أن يُصلِّي به.
٦ - صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ وعنده ثوبٌ طاهر ولم يصلِّ به؛ فيعيد.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه إذا كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عادماً، فلا إعادة عليه ، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، فقال الله تعالى:«قد فعلتُ» والآية عامَّة، وتُعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام، لأن الذي علَّمنا هذا الدُّعاء هو الله عز وجل، وأوجب على نفسه عز وجل أن يفعل، فقال:«قد فعلت» كما صحَّ في الحديث الذي رواه مسلم . إذاً؛ هذا الرَّجل الذي صَلَّى في ثوبٍ نجسٍ، وهو لا يدري بالنَّجاسة إلا بعد فراغه مخطئ لا خَاطئ،
ولو كان يعلم بالنَّجاسة لقُلنا: إنه خاطئ، ولكن هو الآن مخطئ جاهل، فليس عليه إعادة بمقتضى هذه الآية العظيمة التي تُعتبر أساساً في الدِّين الإسلامي.
وهناك دليل خاصٌّ بالمسألة، وهو أن الرَّسول ﷺ لما أخبره جبريلُ بأنَّ في نعليه أذى أو قَذَرٌ خلعهما واستمرَّ في صلاته،
ولو كان الثَّوب النَّجس المجهول نجاسته تبطل به الصَّلاة لأعادها من أوَّلها.
وأما النسيان: بأن نسيَ أن يكون عليه نجاسة، أو نسيَ أن يغسلها فَصَلَّى بالثوب النَّجس؛ فالصَّحيح أنه لا إعادة عليه.
والدليل: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
ودليل آخر: ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبيُّ ﷺ :«مَنْ نسيَ وهو صائمٌ فأكلَ أو شربَ فليُتِمَّ صومَه». والأكل والشّرب في الصِّيام فعل محظور، والصَّلاةُ في ثوب نجس فِعْلٌ محظورٌ أيضاً. فلمَّا سقط حكمه بالنسيان في باب الصِّيام قِيْسَ عليه حُكمه بالنسيان في باب الصَّلاة.
فإن قال قائل: أوجبوا عليه الإعادة لظُهور الفرق بينه وبين الجاهل، لأن الجاهل لم يعلم أصلاً بالنَّجاسة؛ فهو معذور، والنَّاسي مفرِّط، فلم يبادر بالغسل فليس بمعذور؟ وكان من هدي الرَّسول عليه الصلاة والسلام أن يُبادر بإزالة النَّجاسة، فالذي بَالَ في المسجد قال:«أريقوا على بولِهِ ذَنُوباً من ماء»، فأمر بالمبادرة، والصبيُّ الذي بَالَ في حِجْرِه دعا بماء فأتبعه إيَّاه ، والإنسان معرَّض للنسيان، ولا سيما إذا كان كثير النسيان، فما هو الجواب؟
الجواب: أننا لم نسقط القضاءَ عن النَّاسي بالقياس على الجاهل حتى يُنْقَض القياس بهذا الفرق، وإنما أسقطناه عن النَّاسي بالدَّليل المستقل وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ .
ثم يقال: إن مبادرة النبيِّ ﷺ بتطهير النَّجاسة ليس على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوُضُوء، وهو آكد من إزالة النجاسة إلا عند القيام إلى الصَّلاة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ .
فلو أحدث الإنسان قبل الصَّلاة بساعة، لم يجب عليه الوُضُوء، مع أن فيه احتمالاً أن يُصلِّي وينسى أنه أحدث،
فإذا كان كذلك لم يكن تأخير التَّطهير تفريطاً،
فإذا نسيَ النَّجاسة أو تطهيرها كان معذوراً،
وأما العدم بمعنى أن لا يكون عنده ثوب طاهر، ولا يتمكَّن من تطهير ثوبه فقد ذكرنا أنَّ المذهب أنه يصلِّي به ويُعيد،
وهذه المسألة فيها أقوال أشهرها ثلاثة:
القول الأول: وجوب الصَّلاة مع الإعادة، وهو المذهب .
والقول الثاني: أنه يُصلِّي عُرياناً ولا يعيد، وهو قول الشَّافعي ورواية عن أحمد .
والقول الثالث: أنه يُصلِّي به، ولا إعادة، اختاره الشَّيخان: الموفَّق والمجد ، وهو مذهب مالك .
أما الذين قالوا يُصلِّي ويعيد، فعلَّلوا قولهم: بأنَّ سَتْرَ العورة واجب، فيجب أن يصلِّي
ويجب أن يُعيد؛ لأنه حامل للنَّجاسة الواقعة بهذا الثَّوب.
وأما الذين قالوا: يُصلِّي عُرياناً ولا يُعيد؛ فعلَّلوا ذلك بأن هذا الثَّوب لا يجوز لُبْسُه في الصَّلاة، وكونه مضطراً لِسَتْرِ عورته لا يُبرِّر له أن يلبسه في الصَّلاة وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويُصلِّي عُرياناً.
وأما الذين قالوا: يُصلِّي به بلا إعادة فقالوا: إن السَّتر واجب،
وإنَّ حَمْله للنَّجسِ حينئذ للضَّرورة؛ لأنه ليس عنده ما يُزيلُ به هذه النَّجاسة، وليس عنده ما يكون بدلاً عن هذا الثَّوب، فيكون مضطراً إلى لُبْسِهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، وهذا هو القول الرَّاجح.
ويلزم على القول الأول: أنه يُصلِّي في ثوب نجسٍ، ويتقرَّب إلى الله وثوبُه ملطَّخ بالنَّجاسة، ثم يُقال: هذه الصَّلاة غير مقبولة، فيجب أن تُعيدها، فأوجبنا عليه صلاتين، صلاةً مردُودة وصلاةً مقبولة، وهذا قول إذا تصوَّره الإنسانُ عرف أنَّه بعيد.
ويلزم على القول الثَّاني؛ وهو أن يُصلِّي عُرياناً: ما هو أقبح،
فإن صورة الرَّجل العُريان بين يدي الله عز وجل أقبحُ من أن يكون حاملاً لثوب نجس للضَّرورة، والله تعالى أحقُّ أن يُستحى منه.
لا مَنْ حُبِسَ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، .........
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.