والقوت كل ما يجب فيه العشر وفى الاقط قولان للتردد في صحة حديث ورد فيه فان صح فاللبن والجبن في معناه المخيض والسمن ثم لا يجزئ المسوس والمعيب ولا الدقيق فانه بدل وقيل انه أصل
Its commentaries
(والقوت كل ما يجب فيه العشر وفى الاقط قولان للتردد في صحة حديث ورد فيه فان صح فاللبن والجبن في معناه المخيض والسمن ثم لا يجزئ المسوس والمعيب ولا الدقيق فانه بدل وقيل انه أصل) * غرض الفصل الكلام في جنس المخرج والذي سبق كان في قدره وكل ما يجب فيه العشر فهو صالح لاخراج الفطرة منه فمن أنواعه ما هو منصوص عليه في الخبر ومنها ما هو مقيس عليه وذكر الموفق ابن طاهر ان صاحب الافصاح حكى عن القديم قولا انه لا يجزئ إخراج العدس والحمص في الفطرة لانهما ادامان
والمذهب الاول وفى الاقط طريقان (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب انه علي قولين (أحدهما) انه لا يجوز اخراجه لانه
اما غير مقتات أو مقتات لا عشر فيه فأشبه الفث وما إذا اقتاتوا ثمرة لا عشر فيها وبهذا قال أبو حنيفة إلا أن يخرجه بدلا بالقيمة (والثاني) وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله يجوز لحديث أبي سعيد وكلام الامام يقتضى ترجيح القول الاول وصغو الاكثرين إلى ترجيح الثاني ويحكى ذلك عن القاضى أبى حامد وبه أجاب منصور التميمي في المستعمل (والطريق الثاني) وبه قال أبو إسحق القطع بالجواز وانما علق القول فيه حين لم يصح الخبر عنده فلما صح جزم به فان جوزنا فقد ذكر في الكتاب ان الجبن واللبن في معناه وهذا أظهر الوجهين وفيه وجه ان الاخراج مهما لا يجزئ لان الخبر لم يرد بهما ويشبه أن يكون هذا الخلاف جاريا في إخراج من قوته الاقط واللبن والجبن لما بينهما من التقارب كأنهما جنس واحد وفى اخراج من قوته اللبن اللبن
(أما) الاول فلان أصحابنا العراقيين حكوا عن القاضي أبى الطيب جواز اخراج اللبن مع وجود الاقط لانه يصلح للاقط وغيره وعن الشيخ أبى حامد انه لا يجزئ اللبن مع وجود الاقط لانه يصلح للادخار واللبن لا يصلح له ففرض الخلاف في حالة وجود الاقط يدل علي ما ذكرناه:
وأما الثاني فلان صاحب التهذيب حكي في الذين قوتهم اللبن ان في اخراجهم اللبن وجهين علي قولنا يجوز اخراج الاقط واتفقوا علي أن اخراج المخيض والمصل والسمن لا يجزئ لان الاقتيات انما يحصل عند اجتماع جزئي اللبن وهذه الاشياء لا تصلح للاقتيات حتى لو كان الجبن منزوع الزبد لم يكن مجزئا أيضا ثم في الفصل مسألتان (إحداهما) لا يجزئ المسوس والمعيب من هذه الاجناس كما لا يجزئ المعيب في سائر الزكوات وإذا جوزنا الاقط لم يجز إخراج المملح الذى أفسد كثرة الملح جوهره لانه معيب وإن لم يفسد جوهره لكن كان الملح ظاهرا عليه فالملح غير محسوب والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الاقط منه صاعا ويجزئ الحب القديم وان قلت قيمته بسبب القدم إذا لم يتغير طعمه ولونه (الثانية) لا يجزئ الدقيق ولا السويق ولا الخبز لان النص ورد بالحب وانه يصلح لما لا تصلح له هذه الاشياء فوجب اتباع مورد النص ولهذا منعنا إخراج القيمة وقال الانماطى يجزئ الدقيق قال ابن عبدان ويقتضي قوله إجزاء السويق وقياسه تجويز الخبز أيضا قال وهذا هو الصحيح لان المقصود اشباع المساكين في هذا اليوم ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة (قوله) والقوت كل ما يجب فيه العشر ليس المراد منه ان القوت هذا علي الاطلاق فان لفظ القوت يقع علي غيره ألا ترى أن الشافعي رضى الله عنه سمي الفث قوتا وإن لم يجب فيه العشر وانما المراد منه ان لفظ القوت إذا استعملناه في هذا الباب عنينا به ما يجب فيه العشر ثم نظم الكتاب يقتضى حصر الاجزاء فيما يجب فيه العشر لانه قال الواجب صاع مما يقتات ثم قال والقوت ما يجب فيه العشر وإنما يثبت الحصر إذا لم يحكم باجزاء الاقط وهو الاظهر عند الامام فلعل حجة الاسلام رحمه الله نحى نحوه لكن صغو الاكثرين الي أجزائه كما بيناه (وقوله) وفى الاقط قولان معلم بالواو للطريقة المعزية إلي أبي اسحق (وقوله) للتردد في صحة حديث ورد فيه أراد به ما ذكره الامام انه روى في بعض الروايات " أو صاعا من اقط " وليست هذه الرواية على الحد المرتضى عند الشافعي رضى الله عنه وليست علي حد التزييف عنده فتردد لذلك قوله (وقوله) فان صح فاللبن والجبن في معناه أي في ثبوت حكم الاجزاء وإلا فمطلق كونه في معناه غير مشروطه بالصحة بل ان صح فيشتركان في الاجزاء وان لم يصح ففي عدم الاجزاء ثم هو معلم بالواو لما سبق (وقوله) ولا الدقيق بالحاء والالف
وكذا قوله بانه بدل فان عندهما هو مجزئ وهو أصل
وأشار بقوله فانه بدل الي ان الابدال غير مجزئة في الزكاة علي أصلنا وهذا من جملتها لانه غير المنصوص عليه (وقوله)
وقيل انه أصل هو الذى حكيناه عن الانماطي ونقل الامام الخلاف في الدقيق قولين عن رواية العراقيين وذكر انه مأخوذ من الاقط المضاف إلى اللبن * قال (ثم يتعين من الاقوات القوت الغالب يوم الفطر في قول وجنس قوته علي الخصوص في قول
وقيل يتخير في الاقوات وإذا تعين
فلو أبدل بالاشرف جاز كابدال الشعير بالبر ولو كان اللائق بحاله الشعير فأكل البر أو بالعكس جاز أخذ ما يليق بحاله ولو اختلف قوت مالكي عبد واحد لم يكن باختلاف النوعين باس
وقيل يجب علي صاحب الاردإ موافقة صاحب الاشرف حذرا من التنويع) * هل يتخير مخرج الفطرة بين الاجناس المجزئة قال العراقيون والشيخ أبو علي فيه وجهان وقال المسعودي وطائفة قولان (أحدهما) انه يتخير لظاهر قوله في الخبر " صاعا من تمر أو صاعا من شعير " وبهذا قال أبو حنيفة رحمه الله وهو الاصح عند القاضي الطبري فيما حكى القاضي الروياني (وأصحهما) عند الجمهور انه لا يتخير وكلمة أو محمولة علي بيان الانواع كما في قوله تعالي (ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع) فانه ليس للتخير وإنما هو لبيان انواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف الجريمة وعلي هذا فوجهان (أصحهما) وبه قال ابن سريج وأبو إسحق ان المعتبر غالب قوت البلد فان كان بالحجاز أخرج التمر وان كان ببلاد العراق أو خراسان فالحنطة وإن كان بطبرستان أو جيلان فالارز ووجهه قوله صلي الله عليه وسلم " اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم " ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان مغنى عن الطلب فان الظاهر انه يطلب القوت الغالب في البلد وبهذا قال مالك (والوجه الثاني) وبه قال أبو عبيد بن حربويه ان المعتبر قوته علي الخصوص كما ان في الزكاة يعتبر نوع ماله لا الغالب قال ابن عبدان وهذا هو الصحيح عندي ويتعلق بهذا الاختلاف فروع (أحدها) إذا تعين جنس
أما لكونه غالب قوت البلد أو لكونه غالب قوته فليس المراد منه انه لا يجوز العدول عنه بحال بل المراد انه لا يجوز العدول إلى ما هو أدني منه
اما لو عدل إلى الاعلي فهو جائز بالاتفاق فان قيل إذا عينا جنسا فهلا امتنع العدول إلى غيره وان كان أعلا كما أن الفضة لما تعينت في الفضة امتنع العدول الي الذهب
وكذلك يمتنع العدول من الغنم إلي الابل فيجوز أن يقال في الجواب الزكوات المالية متعلقة بالمال فأمر بأن يواسى الفقير مما واساه الله تعالي والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلي ما هو غذاء البدن وبه قوامه والاقوات متشاركة في هذا الغرض وتعيين شئ منها رفق وترفيه فإذا عدل الي الاعلى كان في غرض هذه الزكاة كما لو أخرج كرائم ماشيته وفيما يعتبر به الادنى والاعلي وجهان (أحدهما) ان النظر إلي القيمة لانه ما كان أكثر قيمة كان أرفق بالمساكين وأشق علي المالك وبهذا قال احمد فيما حكاه القاضى الروياني (وأظهرهما) ان النظر الي زيادة صلاحية الاقتيات فعلي الاول يختلف الحال باختلف البلاد والاوقات إلا أن يعتبر زيادة القيمة في الاكثر وعلي الثاني البر خير من التمر والارز ورجح في التهذيب الشعير أيضا علي التمر وعن الشيخ أبي محمد رحمه الله أن التمر خير منه وله في الزبيب والشعير وفى التمر والزبيب تردد قال الامام والاشبه تقديم التمر علي الزبيب (الثاني) إذا قلنا المعتبر قوت كل شخص بنفسه وكان يليق بحاله البر وهو يقتات الشعير بخلا لزمه البر ولو كان يليق بحاله الشعير لكنه كان يتنعم باقيات البر فهل يجزئه الشعير فيه وجهان (أحدها) لا نظرا إلي اعادته (واصحهما) نعم نظرا الي اللائق بامثاله ويشبه أن يرجع هذا الخلاف الي اختلاف عبارتين للاصحاب في حكاية وجه ابن حربوبه فحكي بعضهم أن المعتبر قوت الشخص في نفسه وحكى آخرون أن المعتبر القوت اللائق بامثاله فعلي الثانية يجزئ الشعير وعلي الاول لا يجزئ (والثانية) هي التى أوردها الصيدلاني وجمع صاحب التهذيب بينهما ورجح الثانية (الثالث) قد يخرج الواحد الفطرة عن شخصين من جنسين فيجزئه كما إذا اخرج عن احد عبديه أو قريبيه من غالب قوت البلد إن اعتبرناه أو من غالب قوته ان اعتبرناه وعن الآخر من جنس أعلا منه
وكذا لو ملك نصفين من عبدين فأخرج نصف صاع عن احد النصفين من الواجب ونصفا عن الثاني من جنس اعلا منه وإذا خيرنا بين الاجناس فله اخراجها من جنس بكل حال ولا يجوز أن يخرج الواحد عن الواحد الفطرة من جنسين وان كان احدهما اعلا من الواجب كما إذا وجب الشعير فأخرج نصف صاع منه ونصفا من الحنطة ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه وبه قال ابو حنيفة * لنا ظاهر الحديث " فرض النبي صلي الله عليه وسلم صاعا من شعير أو صاعا من تمر " وإذا بعض لم يخرج صاعا من تمر ولا صاعا من شعير وايضا فانها واجب واحد فلا يجوز تبعيضه كمالا يجوز في كفارة اليمين ان يطعم خمسة ويكسو خمسة ولو ملك رجلان عبدا فان خيرنا بين الاجناس أخرجا ما شاء بشرط اتحاد الجنس وان أوجبنا غالب قوت البلد وكانا في بلد واحد أخرجا بحسب الملك صاعا منه هكذا أطلقوه وهو محمول علي ما إذا كان العبد عندهما أيضا لانه إذا كان غائبا وجب النظر في ان الفطرة تجب علي السيد ابتداء أم هو متحمل لما سنرويه عن الشيخ أبى على ولان صاحب التهذيب حكي انه لو كان له عبد غائب وقوت بلده يخالف قوت بلد العبد فالواجب قوت بلده أو قوت بلد العبد يخرج علي الاصل المذكور وان كان السيدان في بلدين مختلفى القوت واعتبرنا قوت الشخص بنفسه وختلف قوتهما ففيه وجهان (أظهرهما) وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد انه يجوز أن يخرج كل واحد منهما قدر ما يلزمه من قوته أو قوت بلده لانهما إذا أخرجا هكذا أخرج كل واحد منهما جميع ما لزمه من جنس واحد وشبه ذلك بما إذا قتل ثلاثة من المحرمين ظبية فذبح أحدهم ثلاث شياه واطعم الثاني بقيمة ثلاث شياه وصام الثالث عدل ذلك يجزئهم (والثاني) وبه قال ابن سريج لا يجوز ذلك لان المخرج عنه واحد فلا يتبعض واجبه وعلي هذا فوجهان (أحدهما) وهو الذى أورده الامام والمصنف ان علي صاحب الاردإ موافقة صاحب الاشرف احترازا من التفريق ومحافظة على جانب المساكين (والثاني) ان صاحب الاشرف ينزل ويوافق صاحب الاردإ دفعا للضرر عنه وهذا حكاه القاضي الروياني وغيره عن ابن سريج قال الشيخ ابو على الوجهان عندي في الاصل مخرجان علي أن فطرة العبد تجب على السيد ابتداء أو هو متحمل (ان قلنا) بالاول جاز التبعيض (وان قلنا) بالثاني فلا لان العبد واحد لا يلزمه الفطرة من جنسين والشئ لا يتحمل ضمانا الا كما وجب * ذكر الشيخ هذا فيما إذا اعتبرنا قوت الشخص في نفسه واختلف قوتهما ولقائس أن يخرج الوجهين إذا اعتبرنا قوت البلد وكانا مختلفى القوت علي هذا الاصل أيضا
ثم ان كان العبد في بلد أحدهما فعلي التقدير الثاني يلزمهما صاع من قوت ذلك البلد وان كانا في بلد ثالث يلزمهما صاع من قوت ذلك البلد الثالث وهذا وجه قد رواه صاحب الشامل وآخرون مرسلا قالوا يخرجان صاعا من قوت بلد العبد ولو كان الاب في نفقة ولدين فالقول في إخراجهما الفطرة نه كالقول في السيدين
وكذا من نصفه حر ونصفه رقيق إذا أوجبنا عليه نصف الفطرة على التفصيل الذى سبق فيه فعند ابن الحداد يجوز أن يخرجا من جنسين وعند ابن سريج لا يجوز (الرابع) ان أوجبنا غالب قوت البلد وكانوا يقتاتون أصنافا مختلفة وليس بعضها أغلب من بعض فله أن يخرج ما شاء والافضل أن يخرج من الاشرف * ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفط الكتاب
(أما) قوله ثم يتعين من الاقوات القوت الغالب معلم بالحاء (وقوله) وجنس قوته بالحاء والميم (وقوله) يتخير بالميم لما رويناه
ويجوز اعلامها جميعا بالالف وكذا اعلام قوله قبل هذا الفصل مما يقتات لان ابن الصباغ روى عن احمد انه لا يجوز أن يخرج الا من الاجناس الخمسة المنصوص عليها أي في حديث أبى سعيد (وقوله) القوت الغالب يوم الفطر التقييد بيوم الفطر لم أظفر به في كلام غيره وبين لفظه ههنا ولفظه في الوسيط بعض المباينة لانه قال فيه المعتبر غالب قوت البلد في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة (وقوله) وجنس قوته علي الخصوص ظاهره يشعر بالعبارة الاولي من العبارتين الحاكيتين لوجود ابن حربويه وتسمية الاول والثانى قولين لا تكاد يوجد لغيره وانما حكاهما الجمهور وجهين
(وأما) قوله وقيل يتخير فمنهم من حكاه قولا علي ما سبق (وقوله) ولو كان اللائق بحالة الشعير يتفرع علي اعتبار قوت الشخص دون اعتبار القوت الغالب وإن كان معطوفا علي ما يتفرع عليهما جميعا (وقوله) أخذ مما يليق يحاله يجوز إعلامه بالواو لاحد الوجهين في الصورة الاولي انه يتعين إخراج البر (وقوله) ولو اختلف قوت مالكى عبد تفريع للمسألة علي اعتبار قوت الشخص وهو صحيح لكنها لا تختص بل تتفرع على أن المعتبر غالب قوت البلد أيضا على الوجه الذى تقدم واطلاق النوع في المسألة توسع والمراد الجنس * {خاتمة} في باب الفطرة مسائل ذات وقع منصوص عليها في المختصر أهملها المصنف ونحن لم نؤثر الاعراض عنها (احداها) إذا باع عبدا بشرط الخيار فوقع وقت الوجوب في زمان الخيار (إن قلنا) الملك في زمان الخيار للبائع فعليه فطرته وان أمضى البيع (وان قلنا) للمشترى فعليه فطرته وان فسخ البيع وان توقفنا فان تم البيع فعلي المشترى والا فعلي البائع وان تبايعا ووقع وقت الوجوب في مجلس الخيار كان كما لو وقع في زمان الخيار المشروط (الثانية) لو مات عن رقيق ثم أهل شوال فان لم يكن عليه دين أخرج ورثته الفطرة عن الرقيق كل بقدر حصته وان كان عليه دين يستغرق التركة فالذي نقله المزني ان عليهم الفطرة من غير فرق بين أن يباع في الدين أو لا يباع وعن الربيع عن الشافعي رضي الله عنه ان عليهم اخراج الفطرة ان بقى الرقيق لهم فجعلوا المسألة علي قولين إذا بيع في الدين * وجه الوجوب انه ملكهم الا انه غير مستقر وذلك لا يمنع وجوب الفطرة فانها تجب مع انتفاء الملك أصلا ورأسا فأولى أن تجب مع ضعف الملك ووجه المنع ان ايجاب الفطرة مع نقصان الملك وكونه بعرض الزوال اجحاف بهم وبنى الاكثرون المسألة أولا علي اصل وهو أن الدين هل يمنع انتفاء الملك في التركة الي الورثة فظاهر المذهب.
وهو نصه ههنا انه لا يمنع لانه ليس فيه أكثر من تعلق الدين به وذلك لا يمنع الملك كما في المرهون والعبد الجاني وقال الاصطخرى يمنع وربما جعل هذا قولا ضعيفا للشافعي رضى الله عنه ووجهه ان لله تعالى جده قدم الدين علي الميراث حيث قال (من بعد وصية يوصي بها أو دين) فان قلنا بالاول فعليهم فطرته بيع في الدين أو لم يبع وفهمت من كلام الامام أنه يجئ فيه الخلاف المذكور في المرهون والمغصوب (وان قلنا) بالثاني فان بيع في الدين فلا شئ عليهم وإلا فعليهم الفطرة وفى الشامل حكاية وجه مطلق انه لا شئ عليهم ويشبه أن يكون مأخذهما ما حكاه الامام ان أكثر المفرعين علي المذهب المنسوب الي الاصطخرى يقولون بالتوقف أن صرف العبد إلى الدين بان انهم لم يملكوها وان أبرأ أصحاب الديون أو قضاها الورثة من غير التركة بان انهم ملكوها وان بعضهم قال بثبوت الملك للورثة عند زوال الديون ابتداء من غير اسناد وتبين وعن القاضى أبى الطيب ان فطرته تجب في تركة السيد علي أحد القولين كالعبد الموصي بخدمته هذا إذا مات السيد قبل استهلال الهلال وإن مات بعده ففطرة العبد واجبة عليه كفطرة نفسه وتقدم علي الوصايا والميراث وفى تقديمها علي الديون طريقان (أظهرهما) انه علي ثلاثة أقوال علي ما قدمناها في زكاة المال (والثانى) القطع بتقديم الفطرة لانها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كارش جنايته
(وأما) فطرة نفسه فهى علي الاقوال وحكى القاضى الروياني طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضا لقلتها في الغالب وسواء أثبتنا الخلاف أم لا فالمنصوص عليه في المختصر تقديم الفطرة على الدين وذلك انه قال ولو مات بعد ما أهل شوال وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبداة علي الديون ولك أن تحتج بهذا النص علي خلاف ماقاله الامام وتابعه المصنف لان سياقه يفهم أن المراد مااذا طرأت الفطرة علي الدين الواجب وإذا كان كذلك لم يكن الدين مانعا منها وبتقدير الا يكون هو المراد لكن اللفظ مطلق يشمل ما إذا طرأت الفطرة علي الدين وبالعكس فاقتضى ذلك ألا يكون الدين مانعا (الثالثة) أوصى لانسان بعبد ومات الموصي بعد مضى وقت الوجوب فالفطرة في تركته وان مات قبله وقبل الموصى له الوصية قبل الهلال فالفطرة عليه وان لم يقبل حتى دخل وقت الوجوب فعلي من الفطرة يبني علي أن الموصى له متى يملك الوصية (ان قلنا) يملكها بموت الوصي فان قبل فعليه الفطرة بلا شك وان رد ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو علي (أصحهما) الوجوب لانه كان مالكا للعبد إلى أن رد (والثاني) لا لعدم استقرار ملكه (وان قلنا) انها تملك بالقبول فيبنى علي أن الملك قبل القبول لمن يكون وفيه وجهان (أصحهما) انه للورثة فعلى هذا ففي الفطرة وجهان (أصحهما) انها عليهم (والثاني) لا لانا تبينا بالقبول ان ملكهم لم يستقر عليه (والوجه الثاني) انه باق على ملك الميت فعلى هذا لا تجب فطرته علي أحد لان إيجابها على الميت ابتداء بعيد وغيره غير مالك وفى التهذيب حكاية وجه آخر انها تجب في تركته (وان قلنا) بالتوقف فان قبل فعليه الفطرة والا فعلى الورثة هذا كله إذا قبل الموصى له ولو مات قبل القبول وبعد وقت الوجوب فقبول وارثه يقوم مقام قبوله والملك يقع له فحيث أوجبنا عليه الفطرة لو قبلها بنفسه فهي في تركته إذا قبل وارثه فان لم يكن له سوى العبد تركة ففى بيع جزء منه للفطرة ما سبق ولو مات قبل وقت الوجوب أو معه فالصدقة علي الورثة إذا قبلوا لان وقت الوجوب كان في ملك الورثة والله اعلم (واعلم) أن حجة الاسلام رحمه الله وان أهمل هذه المسألة الثالثة في هذا الموضع الا انه أشار إليها اشارة خفيفة في آخر الباب الاول من كتاب الوصايا وفقهها على الاختصار ما أتيت به * [[كتاب الصيام]] قال {والنظر في الصوم والفطر (أما) الصوم فالنظر في سببه وركنه وشرطه وسننه (أما سببه) فرؤية الهلال ويثبت بشهادة عدلين وان كانت السماء مصحية ويثبت بشهادة واحد على قول احتياطا للعبادة بخلاف هلال شوال ويثبت لمن تقبل روايته على قول سلوكا به مسلك الاخبار فان صمنا بقول واحد ولم نر هلال شوال بعد ثلاثين لم نفطر بقوله السابق وقيل نفطر لان الاخير يثبت ضمنا لثبوت الاول لا قصدا بالشهادة عليه} قال الله تعالى (كتب عليكم الصيام) الآيات وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس " الحديث وذكر للاعرابي الذى سأله عن الاسلام " صوم شهر رمضان فقال هل علي غيره فقال لا إلا أن تتطوع "(وقوله) في صدر الكتاب والنظر في الصوم والفطر لم يعن به مطلق الصوم والفطر وإنما عنى به صوم رمضان والفطر الواقع فيه ألا ترى أنه
قال في آخر الكناب اما صوم التطوع فكذا أشار إلي أن ما سبق كلام في الصوم المفروض وأيضا فانه قال والنظر في سببه ومعلوم أن المذكور سبب صوم رمضان لا سبب مطلق صوم الفرض وما هو اعم منه وهو الصوم وأيضا فان القسم الثاني معقود في مبيحات الافطار وموجباته وهى مخصوصة بصوم رمضان إلا أن معظم الكلام المذكور في نظرى الركن والشرط لا اختصاص له بصوم رمضان وكان الاحسن في الترتيب ان يبين صفة الصوم مطلقا بذكر ركنيه وشروطه ثم يتكلم فيما يخص كل واحد من نوعي الفرض والنفل * وفقه الفصل أن صوم رمضان يجب بأحد أمرين
(إما) استكمال شعبان ثلاثين (أو) رؤية الهلال لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين "
أما استكمال شعبان فظاهر (وأما) رؤية الهلال فالناس ضربان (من) رأى الهلال فيلزمه الصوم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته " ومن لم يره فبم تثبت الرؤية في حقه إن شهد عدلان تثبت وإن شهد واحد فقولان (احدهما) وبه قال مالك وهو رواية البويطي أنها لا تثبت لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤبته وافطروا لرؤيته فان غم عليكم فاكملوا شعبان ثلاثين يوما ألا ان يشهد شاهدان " ولانه لا يحكم في هلال شوال الا بقول عدلين فكذلك في هلال رمضان (واصحهما) وهو الذى نص عليه في أكثر كتبه وبه قال احمد في الرواية الصحيحة عنه انها تثبت لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما " ان اعرابيا جاء إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال انى رأيت الهلال فقال اتشهد ان لا اله إلا الله فقال نعم فقال اتشهد ان محمدا رسول الله قال نعم قال فأذن في الناس يا بلال فليصوموا غدا " وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال " تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلي الله عليه وسلم انى رأيته فصام وامر الناس بالصيام " والمعنى فيه الاحتياط لامر الصوم قال علي رضى الله لان اصوم يوما من شعبان احب من ان افطر يوما من رمضان ونقل الشيخ ابو محمد عن ابى اسحق طريقة قاطعة بقبول قول الواحد
والمشهور طريقة القولين (التفريع) ان قلنا لا بد من اثنين فلا مدخل لشهادة النساء فيه ولا اعتبار بقول العبيد ولا بد من لفظ الشهادة وتختص بمجلس القضاء لكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعاوي كذلك حكاه الامام وان قبلنا قول واحد فهل هو على طريق الشهادة أم علي طريق الرواية فيه وجهان (اصحهما) انه شهادة الا ان العدد سومح به والبينات مختلفة المراتب (والثاني) وبه قال ابو اسحق انه رواية لان الشهادة ما يكون الشاهد فيها بريئا وهذا خبر عما يستوى فيه المخبر وغير المخبر فأشبه رواية الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم فعلي الاول لا يقبل فيه قول المرأة والعبد ويحكي ذلك عن نصه في الام وعلي الثاني يقيل وهل يشترط لفظ الشهادة قال الشيخ أبو على وغيره هو علي الوجهين ومنهم من قدر اشتراطه متفقا عليه * واحتج به للوجه الاول وهل يقبل قول الصبى المميز الموثوق به على الوجه الثاني قال الامام فيه وجهان مبنيان علي قبول رواية الصبيان وجزم في التهذيب بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته وهو المشهور وذكر الامام وابن الصباغ تفريعا علي الوجه الثاني أنه إذا أخبره موثوق به عن رؤية الهلال لزم اتباع قوله وان لم يذكر بين يدى القاضى وقالت طائفة يجب الصوم بذلك إذا اعتقد المخبر صادقا ولم يفرعوه علي شئ ومن هؤلاء ابن عبدان وصاحب التهذيب
وكذلك ذكر المصنف في الاحياء والله أعلم * وعلي القولين جميعا لا يقبل قول الفاسق لكن ان اعتبرنا العدد اعتبرنا العدالة الباطنة وهى التى يرجع فيها إلى أقوال المزكيين وان لم نعتبر العدد ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان جاريان في قبول رواية المستور قال الامام واطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة وهو بعيد نعم قد نقول يأمر القاضي بالصوم بظاهر العدالة كى لا يفوت الصوم ثم نبحث بعد ذلك ولا فرق علي القولين بين ان تكون السماء مصحية أو متغيمة * وعند ابى حنيفة يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفى الصحو يعتبر الاستفاضة والاشتهار ويختلف ذلك باختلاف صغر البلدة وكبرها قال الرويانى وربما قالوا يعتبر عدد القسامة خمسون رجلا وإذا صمنا بقول واحد تفريعا على أصح القولين ولم نر الهلال بعد ثلاثين فهل نفطر فيه وجهان (أحدهما) لا لانا لو أفطرنا لكنا مفطرين بقول واحد والافطار بقول واحد لا يجوز ألا ترى أنه لو شهد علي هلال شوال ابتداء لم نفطر بقوله (والثاني) نفطر لان الشهر يتم بمضي ثلاثين وقد ثبت أوله بقول الواحد
ويجوز أن يثبت الشئ ضمنا بما لا يثبت به اصلا ومقصودا الا ترى ان النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضمنا للولادة إذا شهدن عليها واعترض الامام عليه بان النسب لا يثبت بقولهن لكن إذا ئبتت الولادة ثبت النسب بحكم الفراش القائم وههنا بخلافه وللمحتج أن يقول لا معنى للثبوت الضمني الا هذا وخذ منى مثله ههنا عندي لا نفطر بقوله لكن إذا ثبت أول الشهر انتهي بمضي ثلاثين يوما وجاء العيد ولا صوم يوم العيد وما موضع الوجهين نقل في التهذيب فيه طريقين (أحدهما) أن الوجهين فيما إذا كانت السماء مصحية
أما إذا كانت متغيمة فنفطر بلا خلاف وهذا ما اورده صاحب العدة واوفقهما لكلام صاحب الكتاب والاكثرين ان الوجهين شاملان للحالتين ثم إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الاول لكن المعظم رجحوا الثاني وحكوه عن نصه في الام وبه قال ابو حنيفة رحمه الله ولو صمنا بقول عدلين ولم نر الهلال بعد ثلاثين فان كانت السماء متغيمة أفطرنا وعيدنا وان كانت مصحية فكذلك عند عامة الاصحاب وحكاه في الشامل عن نصه في الام وحرمله لان العدلين لو شهدا ابتداء على هلال شوال لقبلنا شهادتهما وافطرنا فلان نفطر بناء علي ما أثبتناه بقولهما أولا أولى وقال ابن الحداد لا نفطر وينسب إلى ابن سريج أيضا وبه قال مالك لانا انما نتبع قولهما بناء علي الظن وقد تبقنا خلافه وقد عرفت بما ذكرنا أن في الصورتين وجهين الا أن الافطار في الثانية أظهر منه في الاولى وفرع بعضهم على قول ابن الحداد فقال لو شهد اثنان على هلال شوال ثم لم ير الهلال والسماء مصحية بعد ثلاثين قضينا صوم أول يوم أفطرنا فيه لانه بان كونه من رمضان لكن لا كفارة على من جامع لان الكفارة تسقط بالشبهة وعلي ظاهر المذهب لا قضاء ولا كفارة ويتعلق بالقولين في اعتبار العدد مسألة اخرى وهي ان الهلال هل يثبت بالشهادة علي الشهادة وقد حكى الشيخ أبو على فيه طريقين (أحدهما) أنه علي القولين في أن حدود الله تعالي هل تثبت بالشهادة علي الشهادة (واصحهما) القطع بثبوته كالزكاة واتلاف بوارى المسجد والخلاف في الحدود المبنية على الدفع والدرء وعلى هذا فعدد الفروع مبنى علي القول في الاصول ان اعتبرنا العدد في الاصول فحكم الفروع ههنا حكمهم في سائر الشهادات ولا مدخل فيه لشهادة النساء والعبيد وان نعتبر العدد (فان قلنا) ان طريقه طريق الرواية فوجهان (احدهما) انه يكفى واحد كرواية الاخبار (والثانى) لابد من اثنين
قال في التهذيب وهو الاصح لانه ليس بخبر من كل وجه بدليل انه لا يكفى ان يقول اخبرني فلان عن فلان انه رأى الهلال وعلي هذا فهل يشترط اخبار حرين ذكرين ام يكفى امراتان وعبدان فيه وجهان (اظهرهما) الاول ونازع الامام في انه لا يكفى قوله اخبرني فلان عن فلان علي قولنا أنه رواية (وان قلنا) ان طريقه طريق الشهادة فهل يكفى واحد ام لابد من اثنين فيه وجهان المذكور في التهذيب منهما الثاني ولنعد الي مافى لفظ الكتاب (قوله)
أما السبب فرؤية الهلال يشعر ظاهره بالحصر لكن الحصر غير مراد منه بل استكمال شعبان في معنى رؤية الهلال علي ما بيناه والتحقيق أن السبب شهود الشهر لا هذا ولا ذاك ولكنهما طريقان لمعرفة شهود الشهر ولا يلحق بهما ما يقتضيه حساب المنجم فلا يلزم به شئ لا عليه وعلي غيره قال القاضي الرويانى
وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به في أصح الوجهين
(وأما) الجواز فقد قال في التهذيب لا يجوز تقليد المنجم في حسابه لا في الصوم ولا في الافطار وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه فيه وجهان وفرض الرويانى الوجهين فيما إذا عرف منازل القمر وعلم به أن الهلال قد أهل وذكر أن الجواز اختيار ابن سريج والقفال والقاضى الطبري قال ولو عرفه بالنجوم لم يجز ان يصوم به قولا واحدا ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف في جواز العمل به الي غير المنجم والله أعلم * وسنذكر
فائدة الجواز حيث حكمنا به من بعد (وقوله) وإن كانت السماء مصحية معلم بالحاء (وقوله) يثبت بشهادة واحد بالميم
وكذا قوله ويثبت بمن تقبل روايته لما سبق والاغلب علي الظن أنه قصد أن يورد الخلاف في المسألة كما اورده في الوسيط وهو حكاية ثلاثة أقوال في قبول قول الواحد (أحدها) انه لا يقبل (والثاني) يقبل بشرط ان يكون من اهل الشهادة (والثالث) يقبل إذا كان من اهل الرواية ثم أنه اغفل الاول واورد الآخيرين وهما مفرعان على قبول قول الواحد ولو اعلما بالواو لمكان الاول جاز ثم الجمهور اوردوهما وجهين لا قولين نعم ذكر الصيدلانى انهما قولان من تخريج ابن سريج فيجوز تنزيلهما عليه (وقوله)
بخلاف هلال شوال يجوز ان يعلم بالواو لا لان ابا ثور قال بثبوته بقول واحد فان له مذهبا تفرد به ولكن لانه حكى عن صاحب التقريب أنه ميل القول فيه وقال بعد رواية مذهب أبي ثور وهذا لو قلت به لواكن مبعدا ووجهه انه اخبار عن خروج وقت العبادة فيقبل فيه قول الواحد كالاخبار عن دخول وقتها (وقوله) لم نفطر معلم بالحاء لما سبق
ويجوز ان يعلم قوله يفطر في الوجه الثاني بالميم لان مالكا منع من الافطار إذا إذا صمنا بقول عدلين ولم نر الهلال فاولي ان نمنع إذا صمنا بقول واحد ولم نره (واعلم) ان صاحب التهذيب رحمه الله ذكر تفريعا على الحكم بقبول الواحد انا لا نوقع به العتق والطلاق المعلقين بهلال رمضان ولا نحكم بحلول الدين المؤجل به
ولو قال قائل هلا ثبت ذلك ضمنا كما سبق نظيره لاحوج إلى الفرق والله اعلم * قال {فإذا رؤى الهلال في موضع لم يلزم الصوم في موضع آخر بينهما مسافة القصر إذا لم ير فيه وقيل يعم حكمه سائر البلاد فعلي الاول لو سافر الصائم إلي بلد آخر لم ير فيه الهلال بعد ثلاثين صام معهم بحكم الحال ولو كان أصبح معيدا وسارت به السفينة الي حيث لم ير الهلال كان الاولى أن يمسك بقية النهار ويبعد ايجابه فان فيه تجزئة اليوم وإذا رأى هلال شوال قبل الزوال لم يجز (ح) الافطار إلا بعد الغروب} في الفصل مسألتان (إحداهما) إذا رؤى الهلال في بلدة ولم ير في أخرى نظر إن تقاربت البلدتان فحكمهما حكم البلده الواحدة وإن تباعدتا فوجهان (أظهرهما) وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وهو اختيار الشيخ أبي حامد انه لا يجب الصوم على اهل البلدة الاخرى لما روى عن كريب قال " رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس رضي الله عنهما متى رأيتم الهلال قلت ليلة الجمعة فقال انت رأيت قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدد أو نراه قلت اولا تكتفى برؤية معاوية قال هكذا امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "(والثانى) يجب وهو اختيار القاضى ابى الطيب ويروى عن احمد لان الارض مسطحة فإذا رؤى في بعض البلاد عرفنا ان المانع في غيره شئ عارض
لا أن الهلال ليس بمحل الرؤيه * وبم يضبط تباعد البلدتين اعتبر في الكتاب مسافة القصر
وكذلك نقله الامام وصاحب التهذيب قال الامام ولو اعتبروا مسافة يظهر في مثلها تفاوت في المناظر لكان متجها في المعنى وقد يوجد التفاوت مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض وقد لا يوجد مع مجاوزتها لها لكن لا قائل به هكذا ذكره لكن العراقيون والصيدلاني وغيرهم اعتبروا ما تمناه وضبطوا التباعد بان يكون بحيث تختلف المطالع كالعراق والحجاز والعراق وخراسان والتقارب بان لا تختلف كبغداد والكوفة والرى وقزوين ومنهم من اعتبر اتحاد الاقليم واختلافه ويتفرع علي الوجهين فرعان (احدهما) لو شرع في الصوم في بلد ثم سافر الي بلد بعيد لم ير الهلال فيه في يومه الاول (فان قلنا) لكل بلدة حكمها فهل يلزمه أن يصوم معهم أم يفطر فيه وجهان أظهرهما وبه قال القفال وهو المذكور في الكتاب أنه يصوم معهم لانه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم وقد روى ان ابن عباس رضي الله عنهما " امر كريبابان يقتدى باهل المدينة "(والثانى) أنه يفطر لانه التزم حكم البلدة الاولى فيستمر عليه وشبه ذلك بمن أكرى دابة يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه واوهم في التهذيب ترجيح هذا الوجه وإن عممنا الحكم سائر البلاد فعلي أهل البلدة المنتقل إليها موافقته إن ثبت عندهم حال البلدة المنتقل عنها
إما بقوله لعدالته أو بطريق آخر وعليهم قضاء اليوم الاول ولك ان تقول قياسا علي هذا لو سافر من البلدة التى رؤى فيها الهلال ليلة الجمعة إلى التى رؤى فيها الهلال ليلة السبت ورؤى هلال شوال ليلة السبت فعليهم التعييد معه وان لم يصوموا إلا ثمانية وعشرين يوما ويقضون يوما وعلي قياس الوجه الاول لا يلتفتون إلى قوله رأيت الهلال وإن قبلنا في الهلال قول عدل وعلي عكسه لو سافر من حيث لم ير فيه الهلال الي حيث رؤى فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه فان عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلد المنتقل إليه عيد معهم وقضى يوما وان لو نعمم الحكم أو قلنا له حكم البلد المنتقل عنه فليس له ان يفطر (الثاني) لو رؤى الهلال في بلد فاصبح الشخص معيدا وسارت به السفينة وانتهى الي بلدة علي حد البعد فصادف أهلها صائمين فعن الشيخ أبي محمد انه يلزمه امساك بقية اليوم إذا قلنا ان لكل بلدة حكمها.
واستعبده الامام من حيث انه لم يرد فيه اثر ويجزئه اليوم الواحد وايجاب امساك بعضه بعيد وتابعه صاحب الكتاب فقال ويبعد ايجابه الي آخره وللشيخ ان يقول لم لا يجوز ان يجب امساك بعض اليوم الا ترى أن من اصبح يوم الثلاثين من شعبان مفطرا ثم قامت البينة علي رؤية الهلال يجب عليه امساك بقية النهار (وقوله) الاولي امساك بقية النهار انما حسن منه لانه نفى الوجوب
اما من يوجبه فلا يقول للمحتوم انه اولى فيجوز ان يعلم بالواو لقوله (واعلم) ان هذه المسألة يمكن تصويرها علي وجهين (أحدهما) ان يكون ذلك اليوم الثلاثين من صوم اهل البلدتين لكن اهل البلدة المنتقل إليها لم يروا الهلال (والثانى) ان يكون اليوم التاسع والعشرين لاهل البلدة المنتقل إليها لتأخر ابتداء صومهم بيوم وامساك بقية اليوم في الصورتين ان لم نعمم الحكم علي ما ذكرنا.
وجواب الشيخ ابى محمد كما هو مبنى علي ان لكل بلدة حكمها فهو مبني ايضا على ان للمنتقل حكم المنتقل إليه وان عممنا الحكم فاهل البلد المنتقل إليه إذا كانوا يعرفون في أثناء اليوم انه يوم عيد فهو شبيه بما إذا شهد الشهود على رؤية الهلال يوم الثلاثين وقد سبق بيانه في صلاة العيد وان اتفق هذا السفر لعدلين وقد رأيا الهلال بنفسيهما وشهدا في البلدة المنتقل إليها فهذا عين الشهادة بروية الهلال في يوم الثلاثين في التصوير الاول
(وأما) في التصوير الثاني فان عممنا الحكم جميع البلاد لم يبعد ان يكون الاصغاء الي كلامهما علي ذلك التفصيل أيضا فان قبلوا قضوا يوما وان لم نعمم الحكم لم يلتفت الي قولهما ولو كان الامر بالعكس فاصبح الرجل صائما وسارت به السفينة الي حيث عيدوا فان عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلدة المنتقل إليها افطر وإلا لم يفطر وإذا افطر قضي يوما ان لم يصم الا ثمانية وعشرين يوما (المسألة الثانية) إذا رؤى الهلال بالنهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة سواء رؤى قبل الزوال أو بعده فان كان هلال رمضان لم يلزمهم امساك ذلك اليوم وان كان هلال شوال وهو المذكور في الكتاب لم يكن لهم الافطار حتي تغرب الشمس وعند ابي يوسف ان رؤى قبل الزوال فهو لليلة الماضية وبه قال احمد فيما إذا كان المرئى هلال رمضان وان كان المرئي هلال شوال فعنه روايتان * لنا ماروى عن سفيان بن سلمة رضى الله عنه قال " جاءنا كتاب عمر ين الخطاب رضي الله عنه ونحن بخانقين ان الاهلة بعضها اكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا " وفى رواية " فإذا رأيتم الهلال من أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان انهما رأياه بالامس " إذا عرفت ذلك لم يخف عليك ان قوله قبل الزوال ليس لتخصيص الحكم به لكنه موضع الشبهة والخلاف فلذلك خصه بالذكر
فاما بعد الزوال فهو متفق عليه وقد أعلم في النسخ قوله لم يجز الافطار بالحاء لان الامام والمصنف في الوسيط نسبا قول ابي يوسف الي ابي حنيفة رحمهم الله وهو غير ثابت نعم يجوز اعلامه بالالف لاحدى الروايتين عن احمد والله أعلم * قال {القول في ركن الصوم وهو النية والامساك (أما) النية فعليه أن ينوى لكل يوم (م) نية معينة (ح و) مبيتة (ح) جازمة.
والتعيين أن ينوى اداء فرض صوم رمضان غدا وقيل لا يتعرض للفرضية وقيل يتعرض لرمضان هذه السنة} * ذكرنا اختلاف الاصحاب في ان النية ركن في الصلاة ام شرط ولم يوردوا الخلاف ههنا والاليق بمن اختار كونها هناك شرطا ان يقول بمثله ههنا ومنهم صاحب الكتاب وحينئذ يتمحض نفس الصوم كفا * إذا عرفت ذلك فقوله ان ينوى لكل يوم نية معينة مبيتة جازمة ضابط ادرج فيه امورا (احدها) قوله أن ينوى فالنية واجبة في الصوم إذا لا عمل الا بالنية ومحلها القلب ولا يشترط النطق في الصوم بلا خلاف (والثانى) قوله لكل يوم فلا يكفى فيه صوم الشهر كله في اوله خلافا لمالك وبه قال احمد في إحدى الروايتين * لنا ان صوم كل يوم عبادة برأسها الا تري انه يتخلل اليومين ما يناقض الصوم وإذا كان كذلك وجب افراد كل واحد بنية كالصلوات وإذا نوى صوم جميع الشهر هل يصح صوم اليوم الاول بهذه النية فيه تردد للشيخ ابي محمد ورأيت أبا الفضل بن عبدان أجاب بصحته وهو الاظهر (الثالث) التعيين وهو واجب في صوم الفرض وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين خلافا لابي حنيفة حيث قال لا يشترط التعيين في النذر المعين ولا في صوم رمضان بل لو نوى صوم الغد مطلقا في رمضان أو نوى النفل أو النذر أو القضاء أو الكفارة وقع عن رمضان ان كان مقيما وان كان مسافرا فكذلك إن أطلق النفل وان نوى النذر أو القضاء أو الكفارة وقع عما نوى وان نوى النفل فروايتان * لنا القياس علي الكفارة والقضاء وتعينه شرعا لا يغنى عن تجديد المكلف قصده الي ما كلف به وكمال التعيين في رمضان أن ينوي صوم الغد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى
(اما) الصوم والتعرض لكونه من رمضان فلا خلاف في اعتبارهما
(وأما) الاداء والفرضية والاضافة الي الله تعالي ففيها الخلاف المذكور في الصلاة وقد أعاد ذكر الخلاف في الفرضية ههنا
(وأما) رمضان هذه السنة فقد حكي الامام وجها أنه لا بد من اعتباره وتابعه المصنف ويقرب منه حكاية صاحب التهذيب وجهين في انه هل يجب أن يقول من فرض هذا الشهر أم يكفى أن يقول من فرض رمضان وقال الاصح الاول والامام زيفه بان معني الاداء هو القصد فإذا خطر الاداء بالبال فقد خطر التعرض للوقت المعين وقد يزيف أيضا بان التعرض لليوم المعين لابد منه وأنه يغني عن كونه من هذا الشهر وهذه السنة فان هذا اليوم لا يكون الا كذلك بل إذا وقع التعرض لليوم المعين لم يضر الخطأ في أوصافه قال الروياني في التجربة لو نوى ليلة الثلاثاء صوم الغد وهو يعتقده يوم الاثنين أو نوى رمضان السنة التى هو فيها وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة اثنتين صح صومه
بخلاف مااذا نوى صوم يوم الثلاثاء ليلة الاثنين أو رمضان سنة ثلاث في سنة اثنتين لا يصح لانه لم يعين الوقت (واعلم) أن لفظ الغد قد اشتهر في كلام الاصحاب في تفسير التعيين وكيفيته وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين وانما وقع ذلك من نظرهم الي التبيت ولا يخفى مما ذكرناه قياس التعيين في القضاء والنذر والكفارة
(وأما) صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة *
{فرع} قال القاضي ابو المكارم في العدة لو قال أتسحر لاقوي علي الصوم لم يكف هذا في النية ونقل بعضهم عن نوادر الاحكام لابي العباس الروياني انه لو تسحر للصوم أو شرب لدفع العطش نهارا أو امتنع من الاكل والشرب والجماع مخافة الفجر كان ذلك نية للصوم وهذا هو الحق ان خطر بباله الصوم بالصفات التى يشترط التعرض لها لانه إذا تسحر ليصوم صوم كذا فقد قصده والله أعلم (وقوله) في الكتاب معينة يجوز أن تقرأ بكسر الياء لانها تعين الصوم
ويجوز أن تقرأ بالفتح كأن الناوى يعينها ويخرجها عن التعلق بمطلق الصوم
ويجوز اعلام هذه اللفظة مع الحاء بالواو لان صاحب التتمة حكي عن الحليمى أنه قال يصح صوم رمضان بنية مطلقة وبالف لان عن أ؟ ؟ رواية مثله * قال {ومعنى التبييت أن ينوى ليلا ولا يختص بالنصف الاخير (و) ولا يجب تجديدها (و) بعد الاكل ولا بعد التنبه من النوم ويجوز نية التطوع قبل الزوال (م ز) وبعده قولان وهذا بشرط خلو أول اليوم عن الاكل وفى اشتراط خلو الاول عن الكفر والجنون والحيض خلاف} * الرابع التبييت وهو شرط في صوم الفرض وبه قال مالك وأحمد خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث قال لا يجب التبييت في صوم رمضان والنذر المعين بل يصحان بنية قبل الزوال * لنا ما روى عن حفصة ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " ويروى من لم ينو الصيام من الليل " ولو نوى مع طلوع الفجر ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لاقتران النية بأول العبادة وبهذا أجاب ابن عبدان (وأصحهما) المنع لظاهر الحديث وهذا هو قضية قوله في الكتاب أن ينوى ليلا ويتبين به أيضا أن نية صوم الغد قبل طلوع الشمس لا تصح وهل تختص النية بالنصف الاخير من الليل فيه وجهان (أحدهما) وبه قال أبو الطيب بن سلمة نعم كما يختص رمى جمرة العقبة ليلة النحر بالنصف الاخير والمعني فيه تقريب النية من العبادة (وأصحهما) لا لاطلاق الخبر وهذا هو المذكور في الكتاب صريحا ودلالة
(أما) الصريح فظاهر (وأما) الدلالة فقوله أن ينوى ليلا وإذا نوى ثم اكل أو جامع هل تبطل نيته حتى يحتاج إلى تجديدها فيه وجهان (احدهما) نعم لان الاصل اقتران النية بالعبادة فإذا تعذر اشتراطه فلا اقل من ان يحترز عن تخلل المناقض الذى لا ضرورة إليه بينهما (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب انه لا حاجة إلي التجديد لان الله تعالي اباح الاكل والشرب إلى طلوع الفجر ولو ابطل الاكل النية لا متنع الاكل الي طلوع الفجر وينسب الوجه الاول إلي ابى إسحق وفيه كلامان (احدهما) ان الامام حكى ان ابا إسحق رجع عن هذا عام حج وأشهد علي نفسه (والثانى) ان ابن الصباغ قال هذه النسبة لا تثبت عنه ولم يذكر ذلك في الشرح فان لم ينقل الوجه إلا عنه وثبت أحد هذين الكلامين فلا خلاف في المسألة ولو نوى ونام وتنبه من نومه والليل باق هل عليه تجديد النية فيه وجهان (احدهما) نعم تقريبا للنية من العبادة بقدر الوسع ونسب ابن عبدان وغيره هذا إلي الشيخ ابي إسحق ايضا (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب اثه لا حاجة الي التجديد لما سبق قال الامام وفى كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هل هي كالنوم وكل ذلك مطرح هذا حكم صوم الفرض في التبييت
(اما) التطوع فتصح نيتة من النهار وبه قال احمد خلافا لمالك والمزنى وأبى يحيى البلخى * لنا انه صلى الله عليه وسلم " كان يدخل علي بعض ازواجه فيقول هل من غذاء فان قالت لا قال إنى صائم ويروى إني إذا اصوم " وهذا إذا كانت النية قبل الزوال فان كانت بعده ففيه قولان (احدهما) وهو رواية حرملة انه يصح تسوية بين اجزاء النهار كما ان اجزاء الليل مستوية في محلية نية الفرض (وأصحهما) وهو نصه في عامة كتبه انه لا يصح وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لان النفل لا ينبغى أن يخالف الفرض كما في سائر العبادات إلا أنا جوزنا التأخير بشرط ان يتقدم على الزوال للحديث فانه ورد في النية قبل الزوال الا ترى انه كان يطلب به الغداء وفرقوا بين ما قبل الزوال وما بعده بأن النية إذا نشئت بعد الزوال فقد فات معظم النهار وإذا نشئت قبله فقد ادركت معظمه وللمعظم تأثير ادراكا وفواتا كما في ادراك المسبوق الركعة وهذا الفرق انما ينتظم ممن يجعله صائما من اول النهار
اما من يجعله صائما من وقت النية فالنية عنده موجودة في جميع العبادة فات معظم النهار أو لم يفت وفيه شئ آخر ذكره الامام وهو أن النهار إذا حسب من شروق الشمس فالزوال منتصفه فتكون النية المتقدمة عليه مدركة معظمه لكن النهار الشرعي محسوب من طلوع الفجر فيتقدم منتصفه على الزوال ولا يلزم من مجرد التقدم علي الزوال وجود النية في المعظم ثم إذا نوى قبل الزوال أو بعده وجوزناه فهو صائم من أول النهار حتي ينال ثواب صوم الكل أو من وقت النية فيه وجهان (اظهرهما) عند الاكثرين انه صائم من أول النهار فان صوم اليوم الواحد لا يتبعض وشبه ذلك بما إذا ادرك الامام في الركوع يكون مدركا لثواب جميع الركعة (والثاني) وبه قال أبو إسحق أنه صائم من وقت النية لان النية لا تنعطف علي مامضي ولا عمل إلا بالنية ويقال إن هذا هو اختيار القفال (فان قلنا) بالوجه الاول فلا بد من الامساك واجتماع شرائط الصوم في أول النهار (وان قلنا) بالثاني ففى اشتراط خلو الاول عن الاكل والجماع وجهان (أحدهما) لا يشترط لان الصوم إذا كان محسوبا من وقت النية كان بمثابة جزء من الليل وينسب هذا إلى ابن سريج وابي زيد وزاد في العدة محمد بن جرير الطبري (واصحهما) وهو المذكور في الكتاب أنه يشترط والا لبطل مقصود الصوم
ويجوز ان يتقدم شرط الشئ عليه ألا ترى انه يشترط تقدم الخطبة علي صلاة الجمعة وهل يشترط خلو اوله عن الكفر والحيض والجنون ام يجوز ان يصوم الكافر إذا أسلم اليوم الذى اسلم فيه ضحى والحائض في اليوم الذى طهرت والمجنون في اليوم الذى افاق فيه وجهان (أصحهما) المنع ايضا لكون النية مسبوقة في اليوم بما يناقض الصوم
ويجوز ان يرتب الخلاف في اشتراط الخلو عن هذه المعاني على الخلاف في اشتراط الخلو عن الاكل فان لم نشترط ترك الاكل فهذا أولى وإن شرطناه فوجهان والفرق اخلال الاكل بمقصود الصوم وهو كسر النفس بالتجويع * قال {والمعني بالجازمة ان من نوى ليلة الشك صوم غد إن كان من رمضان لم يجز (ح ز) لانها غير جازمة نعم لا يضر التردد بعد حصول الظن بشهادة أو استصحاب كما في آخر رمضان أو اجتهاد في حق الحبوس في المطمورة ثم إن غلظ المحبوس بالتأخير لم يلزمه القضاء وإن غلط بالتقديم وادرك رمضان لزمه القضاء وإن لم يتبين إلا بعد رمضان لم يلزمه القضاء على احد القولين وكان الشهر بدلا في حقه للضرورة حتى لو كان الشهر تسعا وعشرين كفاه وان كان رمضان ثلاثين} * الخامس كون النية جازمة ويتعلق يهذا القيد مسائل (منها) إذا نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدا عن رمضان لم يخل
إما ان يعتقد كونه من رمضان أو لا يعتقده فان لم يعتقده نظر ان ردد نيته فقال اصوم عن رمضان ان كان منه والا فانا مفطر أو انا متطوع لم يقع صومه عن رمضان إذا بان انه منه لانه لم يصم على انه فرض وانما صام على الشك * وقال ابو حنيفة والمزني يقع عن رمضان إذا بان اليوم منه كما لو قال هذا زكاة مالي الغائب ان كان سالما والا فهو تطوع فبان سالما يجزئه قال الاصحاب الفرق ان الاصل هناك سلامة المال فله استصحاب ذلك الاصل وههنا الاصل بقاء شعبان ونظير مسألة الزكاة مما نحن فيه أن ينوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم الغد إن كان من رمضان وإلا فهو مفطر فيجزئه لان الاصل بقاء رمضان
ولو قال أصوم غدا من رمضان أو قال أو أصوم أو أفطر لم يصح صومه لا في الاول ولا في الاخر كما إذا قال أصوم أو لا أصوم وان لم يردد نيته وجزم بالصوم عن رمضان فانه إذا لم يعتقد كونه من رمضان لم يتأت منه الجزم بالصوم عن رمضان حقيقة وما يعرض حديث نفس لا اعتبار به وعن صاحب التقريب حكاية وجه انه يصح صومه هذا إذا لم يعتقد كونه من رمضان وان اعتقد كونه من رمضان نظر إن لم يستند عقده إلى ما يثير ظنا فلا عبرة به وإن استند الي ما يثير ظنا كما إذا اعتمد علي قول من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو صبية ذوى رشد نوى صومه عن رمضان اجزأه إذا بان انه من رمضان لان غلبة الظن في مثل هذا له حكم اليقين كما في اوقات الصلاة وكما إذا رأى الهلال بنفسه وإن
قال في نيته والحالة هذه اصوم عن رمضان فان لم يكن من رمضان فهو تطوع قال الامام ظاهر النص انه لا يعتد بصومه إذا بان اليوم من رمضان لمكان التردد قال وفيه وجه آخر وبه قال المزني انه يصح لاستناده الي اصل ثم رأى طرد الخلاف فيما إذا جزم ايضا ويدخل في قسم استناد الاعتقاد الي ما يثير ظنا بناء الامر علي الحساب حيث جوزناه على التفصيل الذى سبق والله اعلم * ومنها إذا حكم القاضي بشهادة عدلين أو واحد إذا جوزناه وجب الصوم ولم يقدح ما عساه يبقى من التردد والارتياب (ومنها) المحبوس في المطمورة إذا اشتبه عليه شهر رمضان اجتهد وصام شهرا بالاجتهاد كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت ولا يغنيه ان يصوم شهرا من غير اجتهاد وان وافق رمضان ثم إذا اجتهد وصام شهرا نظر ان وافق رمضان فذاك وان غلط بالتأخير اجزأه ذلك ولم يلزم القضاء ولا يضر كونه مأتيا به علي نية الاداء كما إذا صلي الظهر بنية الاداء علي ظن بقاء وقتها ثم تبين ان صلاته وقعت في وقت العصر لا قضاء عليه وهل يكون صومه المأتى به قضاء أو اداء فيه وجهان (اظهرهما) انه قضاء لوقوعه بعد الوقت (والثاني) انه اداء لمكان العذر والعذر قد يجعل غير الوقت وقتا كما في الجمع بين الصلاتين ويتفرع علي الوجهين مالو كان ذلك الشهر ناقصا وكان رمضان تاما (ان قلنا) انه قضاء لزمه يوم آخر (وان قلنا) أداء فلا كما لو كان رمضان ناقصا وان كان الامر بالعكس (فان قلنا) انه قضاء فله افطار اليوم الاخير إذا عرف الحال (وان قلنا) اداء فلا وان وافق صومه شوالا فالصحيح منه تسعة وعشرون ان كان كاملا وثمانية وعشرون ان كان ناقصا فان جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصا فلا شئ عليه على التقدير الاول ويقضى يوما علي التقدير الثاني وان كان كاملا قضى يوما علي التقدير الاول ويومين علي التقدير الثاني وان جعلناه أداء فعليه قضاء يوم بكل حال وان وافق ذا الحجة فالصحيح منه ستة وعشرون يوما ان كان كاملا وخمسة وعشرون يوما ان كان ناقصا فان جعلناه قضاء وكان رمضان ناقصا قضى ثلاثة أيام علي التقدير الاول ويومين علي التقدير الثاني وان كان كاملا قضى أربعة ايام على التقدير الاول وثلاثة علي الثاني.
وان جعلناه اداء قضى اربعة ايام بكل حال وهذا مبنى علي ظاهر المذهب في ان صوم ايام التشريق غير صحيح بحال فان صححناه بناء علي ان للمتمع ان يصومها وان من له سبب في صومها بمثابة المتمتع فذو الحجة كشوال ذكر هذا المستدرك ابن عبدان رحمه الله وان غلط بالتقديم علي رمضان نظر ان ادرك رمضان عند تبين الحال له فعليه أن يصومه بلا خلاف وان لم يتبين له الحال الا بعد مضى رمضان فقولان (القديم) أنه لا يقضى كالحجيج إذا اخطأوا فوقفوا اليوم العاشر يجزئهم (والجديد) وبه قال ابو حنيفة ومالك واحمد رحمهم الله انه يقضى لانه اتي بالعبادة قبل وقتها فلا يجزئه كالصلاة وبنى القفال وآخرون القولين علي انه لو وافق شهرا بعد رمضان كان قضاء أو اداء (ان قلنا) بالاول فعليه القضاء لان القضاء لا يسبق الوقت (وان قلنا) بالثاني فلا قضاء لان ما بعد الوقت ان جاز ان يجعل وقتا للعذر فكذلك ما قبل الوقت يجوز أن يجعل وقتا للعذر كما في الجمع بين الصلاتين وعن أبى اسحق وغيره طريقة اخرى قاطعة بوجوب القضاء وان تبين الحال بعد مضي بعض رمضان فقد حكي في النهاية طريقين (احدهما) طرد القولين في إجزاء ما مضى (والثانى) القطع بوجوب الاستدراك إذا أدرك شيئا من الشهر والاول اظهر والطريقتان للقائلين بالقولين في الصورة الاولي
فاما ابو اسحق فلا يفرق بينهما إذا عرفت ما ذكرناه فارجع الي لفظ الكتاب (واعلم) ان قوله والمعنى بالجازمة الخ اراد به انه المقصد من التقييد بهذا القيد لا انه تفسير اللفظ وان قوله لم يجز معلم بالحاء والزاء وان قوله نعم لا يضر التردد بعد حصول الظن اشارة الي أن القادح هو التردد الذي لا يستند احتمال الرمضانية فيه إلى دليل ولا يترجح في ظنه
فاما التجويز الذى يجامع الظن بكونه من رمضان فلا عبرة به وقوله لم يلزمه القضاء معلم بالحاء والميم والالف وقوله علي احد القولين بالواو لطريقة ابي اسحق وقوله وكان الشهر بدلا في حقه اراد به البناء المنقول عن القفال معناه ان الشهر المأتي بصومه علي هذا القول إذا اقيم مقام رمضان وليس المراد منه انه قضاء يصير بدلا عن الفائت لانا إذا فرعنا عليه لا نقول بانه يكفيه شهره الناقص إذا كمل رمضان ومن المسائل المتعلقة بقيد الجزم ما إذا نوت الحائض صوم الغد قبل أن ينقطع دمها ثم انقطع بالليل هل يصح صومها ان كانت مبتدأة يتم لها بالليل أكثر الحيض أو معتادة عادتها دون الاكثر وكانت تتم بالليل فوجهان (اظهرهما) انه يصح لان الظاهر استمرار عادتها (والثانى) لا لانها قد تختلف وان لم يكن لها عادة وكان لا يتم اكثر الحيض بالليل أو كانت لها عادات مختلفة لم يصح الصوم * واعلم ان ركن النية وان كان لا يختص بصوم الفرض الا ان المذكور من مسائله في الكتاب مخصوص به لانه قال
اما النية فعليه أن ينوى لكل يوم الي آخره ومعلوم ان النية بالقيود المذكورة مخصوصة بالفرض * فرعان (احدهما) لو نوى الانتقال من صوم الي صوم لم ينتقل إليه وهل يبطل ما هو فيه ام يبقى نفلا على وجهين
وكذا لو رفض نية الفرض عن الصوم الذي هو فيه (الثاني) لو قال إذا جاء فلان خرجت من صومي فهل هو خارج عن الصوم عند مجيئه فيه وجهان (ان قلنا) نعم فهل يخرج في الحال فيه وجهان وكل ذلك كما في الصلاة اورده في التهذيب وغيره * قال {الركن الثاني الامساك عن المفطرات وهي الجماع والاستمناء والاستقاة} * لا بد للصائم من الامساك عن المفطرات وهي أنواع (منها) الجماع وهو مبطل للصوم بالاجماع (ومنها) الاستمناء وسيأتى الكلام فيه (ومنها) الاستقاءة فمن تقايأ عامدا أفطر ومن ذرعه القئ لم يفطر روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من ذرعه القئ وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض " وربما روى ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفا وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قاء فأفطر أي استقاء قال ثوبان صدق أنا صببت له الوضوء " واختلفوا في أنه لم افطر عند التقئ عمدا فقال بعض الاصحاب إنما افطر لانه إذا تقايأ رجع شئ مما خرج وإن قل فذلك هو الذى أوجب الفطر والا لما أفطر لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما " أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج " ومنهم من قال أن عينه مفطر كالانزال تعويلا علي ظاهر الخبر
قال في العدة وهذا أصح وعليه يتفرع عد صاحب الكتاب الاستقاءة مفطرة برأسها وإلا
فلو كانت مفطرة من جهة تضمنها رجوع شئ لكانت من قبيل دخول الداخل وعلى الوجهين يبنى ما إذا تقايأ منكوسا أو تحفظ حتى استيقن انه لم يرجع منه شئ إلى جوفه هل يفطر قال الامام ولو استقاء عمدا وتحفظ جهده فغلبه القئ ورجع شئ (فان قلنا) الاستقاءة مفطرة وإن لم يرجع منه شئ فهاهنا اولي (وإن قلنا) لا يفطر إذا لم يرجع شئ فهو كما في صورة المبالغة في المضمضة إذا سبق الماء إلي جوفه
ويجوز ان يعلم قوله والاستقاءة بالحاء لان عنده الاسقاءة باطلاقها لا تفطر بل يشترط ان يكون الخارج ملء الفم * قال {ودخول داخل وحد الدخول ان كل عين وصل من الظاهر الي الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم فهو مفطر اما الباطن فهو كل جوف فيه قوة محيلة كباطن الدماغ والبطن والامعاء والمثانة فيفطر بالحقنة والسعوط ولا يفطر بالاكتحال (م) والتقطير (م ح و) في الاذنين وفيما يصل إلي الاحليل وجهان ولا يفطر بالفصد والحجامة} * من اسباب الفطر دخول الشئ جوفه وقد ضبطوا الداخل الذى يفطر بالعين الواصل من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم وفيه قيود (منها) الباطن الواصل إليه وفيما يعتبر فيه وجهان مفهومان من كلام الائمة رحمهم الله تعريضا وتصريحا (احدهما) ان المعتبر ما يقع عليه اسم الجوف (والثانى) يعتبر معه ان يكون فيه قوة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء وهذا هو الذى اورده في الكتاب ولكن الموافق لتفريع الاكثرين هو الاول علي ما سيأتي ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم لوصول الواصل ذكره في التهذيب وحكاه الحناطي عن ابن القاص وأورد الامام أيضا انه إذا جاوز الشئ الحلقوم افطر ومن المعلوم انه ليس في الحلق قوة الاحالة وعلي الوجهين معا باطن الدماغ والبطن والامعاء والمثانة مما يفطر الواصل إليه حتى لو كان على رأسه مأمومة أو علي بطنه جائفة فوضع عليها دواء فوصل إلى جوفه أو الي خريطة دماغه بطل صومه قال الامام وصاحب التهذيب وان لم يصل الي باطن الامعاء والي باطن الخريطة ولا فرق بين ان يكون الدواء رطبا أو يابسا وعند أبى حنيفة رحمه الله لا يبطل باليابس ولم تجعل المثانة مما يفطر الواصل إليه وفى المعتمد حكاية وجه في المثانة * لنا مطلق ما روى " أن الفطر مما دخل يوافقه " وقياس المثانة علي سائر الاجواف وفيها قوة إحالة الدواء ثم في الفصل صور (احداها) الحقنة مبطلة للصوم لحصول الوصول الي الجوف المعتبر وعن القاضي الحسين انها لا تبطله وهو غريب وفيها اختلاف رواية عن مالك (الثانية) السعوط مبطل للصوم ايضا إذا وصل الي الدماغ وعند مالك لا يبطل الا إذا نزل الي الحلق منه شئ (واعلم) أن ما جاوز الخيشوم في الاستعاط فقد حصل في حد الباطن وداخل الفم والانف إلى منتهي الخيشوم والغلصمة له حكم الظاهر من بعض الوجوه حتي لو خرج إليه القئ أو ابتلع منه نخامة بطل صومه ولو أمسك فيه شيئا لم يبطل ولو نجس وجب غسله وله حكم الباطن من حيث أنه لو ابتلع منه الريق لا يبطل صومه ولا يحب غسله على الجنب (الثالثة) لا بأس للصائم بالاكتحال إذ ليست العين من الاجواف وقد روى أن النبي صلي الله عليه وسلم " اكتحل في رمضان وهو صائم " ولا فرق بين أن يجد في الحلق منه طعما أو لا يجد فانه لا منفذ من العين إلى الحلق وما يصل إليه يصل من المسام وعن مالك واحمد أنه إذا وجد في الحلق طعما منه أفطر (الرابعة) في بطلان الصوم بالتقطبر في الاذن بحيث يصل الي الباطن فيه وجهان (احدهما) وبه قال الشيخ ابو محمد أنه يبطل كالسعوط (والثاني) لا يبطل لاته لامنفذ من الاذن إلى الدماغ وما يصل يصل من المسام فاشبه الاكتحال ويروى هذا الوجه عن الشيخ ابي علي والفوراني والقاضي الحسين وهو الذي اورده صاحب الكتاب لكن الاول أظهر عند اكثر الاصحاب ولهم أن يقولوا هب أن الاذن لا منفذ منها الي داخل الدماغ لكنه نافذ الي داخل قحف الرأس لا محالة والوصول إليه كاف في البطلان وبنى الامام هذا الخلاف علي الوجهين السابقين فيما يعتبر في الباطن الذى يصل إليه الشئ فان داخل الاذن جوف لكن ليس فيه قوة الاحالة وعلي الوجهين تتفرع الصورة الخامسة وهي مااذا قطر في احليله شيئا ولم يصل الي المثانة ففى وجه يبطل صومه وهو الاظهر كما لو وصل الي حلقه ولم يصل إلى المعدة وفى وجه لا يبطل كما لوضع في فمه شيئا وبهذا قال ابو حنيفة وهو اختيار القفال رحمهما الله وتوسط بعض متأخرى الاصحاب فقال ان وصل الي ما وراء الحشفة افطر والا لم يفطر تشبيها بالفم والحلق (السادسة) لا يفسد الصوم بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف وقال احمد يفسد بالحجامة وبه قال ابن المنذر وابن خزيمة من اصحابنا * لنا ما روى " انه صلي الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع " وروى انه صلي الله عليه وسلم قال " ثلاث لا يفطرن الصائم القئ والحجامة والاحتلام "
وأما لفظ الكتاب (فقوله) وحد الداخل هو المستقيم وفى كثير من النسخ وحد الدخول وذلك يحوج الي الحاق واضمار (وقوله) فيه قوة محيلة يجوز اعلامه بالواو اشارة الي الوجه المكتفى بكون الباطن الواصل إليه جوفا حتى لو داوى خراجه علي لحم الساق والفخذ فاوصل الدواء إلى داخل اللحم أو غرز فيه حديدة لا يبطل صومه لانه ليس بجوف
وكذا لو انتهى طرف السكين الي مكان المخ فانه لا يعد عضوا مجوفا (وقوله) والمثانة معلم بالحاء والواو والحقنة والسعوط بالميم والالف والتقطير في الاذن وبالواو والحجامة بالالف والواو وقد بينا وجه ذلك كله والله تعالي اعلم * قال {ويتشرب الدماغ الدهن بالمسام ويفطر إذا وجأ بطنه بالسكين وان كان بعض السكين خارجا} * من القيود المذكورة في الضابط كون الواصل واصلا من منفذ مفتوح والقصد به الاحتراز عما إذا طلى رأسه أو بطنه بالدهن فوصل إلى جوفه بتشرب المسام فان ذلك لا يبطل الصوم لانه لم يصل من منفذ مفتوح كما لا يبطله الاغتسال والانغماس في الماء وإن وجد له اثر في باطنه ولو وجأ نفسه فوصل السكين إلى جوفه أو وجأه غيره باذنه افطر سواء كان بعض السكين خارجا أو لم يكن
وكذا لو ابتلع طرف خيط وطرفه الآخر بارز يفطر بوصول الطرف الواصل ولا يعتبر الانفصال من الظاهر بالكلية وخالف ابو حنيفة في المسألتين ونظائرهما ورأيت الحناطي حكى وجهين فيمن أدخل طرف خيط في دبره أو في جوفه وبعضه خارج هل يفطر فيجوز أن يعلم لهذا قوله وان كان بعض السكين خارجا مع الحاء بالواو *
{فرع} لو ابتلع طرف خيط بالليل وطرفه الآخر خارج واصبح كذلك فان تركه لم تصح صلاته وان نزعه أو ابتلعه لم يصح صومه فينبغي ان يبادر فقيه إلى نزعه وهو غافل فان لم يتفق فالمحافظة على الصلاة بنزعه أو ابتلاعه أولى لان الصوم يترك بالعذر ويقضي
بخلاف الصلاة وذكر في التتمة وجها آخر وهو ان الاولي ان يتركه كذلك ويصلي علي حسب حاله لانه شارع في الصوم فلا ينبغي أن يفسده * قال
{أما القصد فنعنى به أنه لو طارت ذابة إلى جوفه أو وصل غبار الطريق الي باطنه أو اوجر بغير اختياره فلا يفطر الا أن يوجر المغمى عليه معالجة ففيه وجهان} * ومن القيود كون الوصول عن قصد منه
فلو طارت ذبابة أو بعوضة الي حلقه أو وصل غبار الطريق وغربلة الدقيق إلى جوفه وغير ذلك لم يكن مفطرا وإن كان اطباق الفم واجتناب المطروق ومفارقة موضع الطريق ممكنا لكن تكليف الصائم الاحتراز عن الافعال المعتادة التى يحتاج إليها يجر عسرا شديدا بل لو فتح فاه حتي وصل الغبار الي جوفه فقد
قال في التهذيب اصح الوجهين أنه يقع عفوا وشبهوا هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدا وتلوثت يده انها هل يقع عفوا ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجئ بالسكين أو وجئ بغير اختياره فلا افطار ونقل الحناطي وجهين فيما لو أوجر بغير اختياره وهو غريب بمرة نعم لو كان مغمي عليه فأوجر معالجة واصلاحا ففيه وجهان وفى النهاية قولان (احدهما) أنه يفطر لان هذا الايجار لمصلحته فكأنه باذنه واختياره (واصحهما) أنه لا يفطر كايجار غيره بغير اختياره (واعلم) أن هذا الخلاف مفرع علي أن الصوم لا يبطل بمطلق الاغماء وإلا فالايجار مسبوق بالبطلان وهذا الخلاف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عولج بدواء فيه طيب هل تلزمه الفدية * قال {ولو ابتلع دما خرج من سنه أو سنا أفطر بخلاف الريق الا أن يجمتع الريق بالعلك ففيه وجهان ولو رد النخامة الي أقصى الفم ثم ابتلع افطر ولو قدر علي قطعه من مجراه فترك حتي جرى بنفسه ففيه وجهان ولو أخرج لسانه وعلى طرفه ريق ثم أعاد لم يفطر إذ لم ينفصل (أما) الخياط إذا بل الخيط ثم رده الي فمه افطر علي الصحيح ولو سبق الماء في المضمضة الي بطنه ففيه قولان وان بالغ فقولان مرتبان واولى بالافطار وإن جرى الريق ببقية طعام في خلال الاسنان فان قصر في التخليل فهو كصورة المبالغة وان لم يقصر فكغبار الطريق والمنى ان خرج بالاستمناء افطر وان خرج بمجرد الفكر والنظر فلا وان خرج بالقبلة والمعانقة مع حائل فهو كالمضمضة والمضاجعة متجردا كالمبالغة وتكره القبلة للشاب الذى لا يملك إربه وخروج القئ كالمني ولو اقتلع نخامة من مخرج الحاء ففى الحاقه بالاستقاءة وجهان ومخرج الخاء من الظاهر وفي إفساد القصد شرعا بالاكراه قولان (اصحهما) انه لا يفطر لانه ليس بصائم} * الفصل يجمع مسائل (احداها) ابتلاع الريق لا يفطر لانه لا يمكن الاحتراز عنه وبه يحيى الانسان وعليه حمل بعض المفسرين قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شي حى) وانما.
لا يفطر بشروط (احدها) ان يكون الريق صرفا
أما لو كان مخلوطا بغيره متغيرا به فانه يفطر بابتلاعه سواء كان ذلك الغير طاهرا كما لو كان يفتل خيطا مصبوغا فتغير ريقه أو نجسا كما لو دميت لثته وتغير ريقه
فلو ابيض ولم يبق تغيره فهل يفطر بابتلاعه فيه وجهان (اظهرهما) عند الحناطى والقاضي الرويانى لا لان ابتلاع الريق مباح وليس فيه عين آخر وان كان نجسا حكما (والثاني) وهو الاظهر عند الاكثرين انه يفطر لانه لا يجوز له ابتلاعه وانما يجوز له ابتلاع الطاهر منه وعلي هذا لو تناول بالليل شيئا نجسا ولم يغسل فمه حتى اصبح فابتلع الريق بطل صومه (والثانى) ان يبتلعه من معدنه
فلو خرج الي ظاهر فمه ثم رده بلسانه أو غير لسانه أو ابتلعه بطل صومه ولو اخرج لسانه وعليه الريق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان (اظهرهما) وهو المذكور في النهاية أنه لا يبطل صومه لان اللسان كيفما تقلب معدود من داخل الفم فلم يفارق ما عليه معدنه ولو بل الخياط الخيط بالريق ثم رده إلى الفم علي ما يعتاد عند الفتل فان لم يكن عليه رطوبة تنفصل فلا بأس وان كانت وابتلعها ففيه وجهان عن الشيخ أبي محمد أنه لا يضر لان ذلك القدر أقل مما يبقى من الماء في الفم بعد المضمضة وقال الاكثرون انه يبطل الصوم لانه لا ضرورة إليه وقد ابتلعه بعد مفارقة المعدن وخص في التتمة الوجهين بما إذا كان جاهلا بأن ذلك لا يجوز
فاما إذا كان عالما يبطل صومه بلا خلاف (الثالث) ان يبتلعه وهو علي هيأته المعتادة
أما لو جمعه ثم ابتلعه ففيه وجهان (أحدهما) أنه يبطل صومه لان الاحتراز عنه هين (وأصحهما) انه لا يبطل وبه قال ابو حنيفة رحمه الله لانه مما يجوز ابتلاعه ولم يخرج من معدنه فاشبه مالو ابتلعه متفرقا (فان قلت) هذان الوجهان إن جريا في مطلق الجمع فلم قال إلا أن يجمع الريق بالعلك وان اختصا بالجمع بالعلك فلم اطلقتم نقلهما (فالجواب) انهما جاريان في مطلق الجمع نقلا وتوجيها ولعله انما تعرض للعلك لان الامام قد ذكر أن الوجهين في صورة الجمع ناشئان من لفظ الشافعي رضى الله عنه حيث قال واكره العلك لانه يحلب الفم وكأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة وهذا شئ قد قاله بعض الشارحين وقال آخرون أراد بقوله يحلب الفم أنه يطيب النكهة ويزيل الخلوف فلذلك كرهه ولو كان العلك جديدا مفتتا فوصل منه شئ الي الجوف بطل صومه كما لو وضع سكرة في فيه وابتلع الريق بعد ما ذابت فيه وما قدمناه فيما إذا كان مغسولا مستعملا أو صلبا لا ينفصل منه شئ (وقوله) ولو ابتلع دما خرج من سنه أو سنا افطر ظاهر وفيه اشارة الي أن داخل الفم له حكم الظاهر في هذا وان احتمال ابتلاع الريق ليس لمجرد ابتلاعه من الفم بل لدعاء الضرورة إليه (المسألة الثانية) النخامة ان لم تحصل في حدالظاهر من الفم فلا مبالاة بها وان حصلت فيه بانصبابها من الدماغ في الثقبة النافذة منه الي اقصى الفم فوق الحلقوم نظر ان لم يقدر على صرفه ومجه حتى نزل الي الجوف لم يضره وان رده إلى فضاء الفم أو ارتد إليه ثم ابتلعه أفطر وان قدر علي قطعه من مجراه ومجه فتركه حتي جرى بنفسه ففيه وجهان حكاهما لامام (احدهما) انه لا مؤاخذة به لانه لم يفعل شيئا وانما أمسك عن الفعل واوفقهما لكلام الائمة ان تركه في مجراه مع القدرة علي مجه تقصير فيفطر (ونقل) عن الحاوى وجها مطلقا في الافطار بالنخامة والوجه ننزيلهما على الحالة التى حكى الامام الخلاف فيها (الثالثة) إذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء الي دماغه فقد نقل المزني أنه يفطر
وقال في اختلاف أبى حنيفة وابن ابى ليلي رحمهما الله انه لا يفطر الا ان يتعمد الازدراد وللاصحاب فيه طريقان (اصحهما) ان المسألة علي قولين (احدهما) وبه قال مالك وابو حنيفة والمزنى رحمهم الله انه يفطر لانه وصل الماء إلي جوفه بفعله فانه الذى ادخل الماء فمه وانفه (والثانى) وبه قال احمد وهو اختيار الربيع رحمهما الله أنه لا يفطر لانه وصل بغير اختياره فأشبه غبار الطريق (والثانى) القطع بأنه لا يفطر حكاه المسعودي وغيره ثم من القائلين به من حمل منقول المزني علي ما إذا تعمد لازدراد ومنهم من حمله على ما إذا بالغ وحمل النص الثاني علي ما إذا لم يبالغ ونفى الخلاف في الحالتين وإذا قلنا بطريقة القولين فما محلهما فيه ثلاثة طرق (أصحها) ان القولين فيما إذا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق
فاما إذا بالغ أفطر بلا خلاف (وثانيها) ان القولين فيما إذا بالغ
أما إذا لم يبالغ فلا يفطر بلا خلاف والفرق علي الطريقين ان المبالغة منهى عنها وأصل المضمصة والاستنشاق محثوث عليه فلا يحسن مؤاخذته بما يتولد منه بغير اختياره (والثالث) طرد القولين في الحالتين فإذا ميزنا حالة المبالغة عن حالة الاقتصار علي أصل المضمضة والاستنشاق حصل عند المبالغة قولان مرتبان كما ذكر في الكتاب وظاهر المذهب مما ذكرنا عند المبالغة الافطار وعند عدم المبالغة الصحة ولا يخفى ان محل الكلام فيما إذا كان ذاكرا للصوم
أما إذا كان ناسيا فلا يفطر بحال وسبق الماء عند غسل الفم لنجاسة كسبقه في المضمضة والمبالغة هاهنا للحاجة ينبغى أن تكون كالسبق في المضمضة بلا مبالغة ولو سبق الماء من غسله تبردا أو من المضمضة في الكرة الرابعة فقد
قال في التهذيب ان بالغ بطل صومه والا فهو مرتب علي المضمضة واولي بالافطار لانه غير مأمور به (الرابعة) لو بقى طعام في خلل اسنانه فابتلعه عمدا افطر خلافا لابي حنيفة رحمه الله فيما إذا كان يسيرا وربما قدره بالحمصة وان جرى به الريق من غير قصد منه فمنقول المزني انه لا يفطر ومنقول الربيع انه يفطر واختلف الاصحاب فمنهم من قال فيه قولان كما في صورة المضمضة لان الطعام حصل في فمه بسبب غير مكروه وهو الاكل بالليل فاشبه المضمضة ومنهم من نفى كون المسألة علي وجهين وهو الاصح ثم من هؤلاء من حمل النص علي حالين حيث قال لا يفطر أراد به ما إذا لم يقدر علي تمييزه ومجه وحيث قال يفطر اراد مااذا قدر عليه فابتلعه وتوسط الامام من وجه آخر وتابعه صاحب الكتاب فقال ان لم يتعهد تنقية الاسنان ولم يخلل فهو كصورة المبالغة في المضمضة لان الغالب في مثله الوصول الي الجوف وان نقاها علي الاعتياد في مثله فهو كغبار الطريق ولك أن تقول ترك التخليل
اما أن يكون مكروها أو لا يكون وان لم يكن مكروها فلا يتوجه الحاقه بصورة المبالغة لان الوصول هناك تولد من أمر مكروه وان كان مكروها فالفرق ثابت أيضا لان ما بين الاسنان اقرب إلى الظاهر من الماء عند المبالغة وربما يثبت في خلالها فلا ينفصل وبتقدير أن ينفصل فالتمكن من أخذه ومجه مما لا يبعد والماء سيال إذا وجد متحدرا اسرع في النفوذ فكان وصوله إلى الجوف أقرب وليكن قوله فهو كصورة المبالغة معلما بالحاء لانهما مفترقان عنده فيفطر في صورة المبالغة ولا يفطر ههنا (الخامسة) المنى إن خرج بالاستمناء افطر لان الايلاج من غير انزال مبطل فالانزال بنوع شهوة اولي أن يكون مفطرا وان خرج بمجرد الفكر والنظر لشهوة لم يكن مفطرا خلافا لمالك في النظر وعن اصحابه في الفكر اختلاف ولاحمد حيث قال ان كرر انظر حتى انزل افطر * لنا أنه انزال من غير مباشرة فاشبه الاحتلام وان خرج بمباشرة فيما دون الفرج أو لمس أو قبلة افطر لانه انزل بمباشرة هذا ما ذكره الجمهور وذكر الامام ان شيخه حكى وجهين فيما إذا ضم امرأة الي نفسه وبينهما حائل قال وهو عندي كسبق الماء في صورة المضمضة وإن ضاجعها متجردا فالتقت البشرتان فهى كصورة المبالغة في المضمضة واقتدى صاحب الكتاب به فأورد هذا الترتيب وتكره القبلة للشاب الذى تحرك القبلة شهوته ولا يأمن علي نفسه ولا تكره لغيره وان كان الاولي الاحتراز " كان النبي صلي الله عليه وسلم يقبل وهو صائم " وعن عائشة ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان املككم لاربه ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك علي سبيل التحربم أو التنزيه حكي في التتمة فيه وجهين والاول هو المذكور في التهذيب (وقوله) وخروج القئ كالمني اشارة إلى ما قدمنا أنه لو استقاء أفطر وإن خرج بغير اختياره فلا ولو اقتلع نخامة من باطنه ولفظها فقد حكى الشيخ ابو محمد فيه وجهين (أحدهما) أنه يفطر به الحاقا له بالاستقاءة (والثانى) لا لان الحاجة إليه مما تكثر فليرخص فيه وبهذا أجاب الحناطي وكثير من الائمة ولم يذكروا غيره
ثم ذكر صاحب الكتاب ان مخرج الحاء من الباطن ومخرج الخاء من الظاهر ووجهه لائح فان الحاء تخرج من الحلق والحلق من الباطن والخاء تخرج مما قبل الغلصمة الا أن المقصد في مثل هذا المقام الضابط الفارق بين الحدين يشبه أن يكون قدر مما بعد مخرج الخاء من الظاهر ايضا والله أعلم (السادسة) ذكرنا من قبل انه لو أوجر مكرها لم يفطر
فلو اكره حتى أكل بنفسه ففيه قولان (احدهما) وبه قال أحمد لا يفطر لان حكم اختياره ساقط وأكله ليس منهيا عنه فاشبه الناسي (والثاني) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله أنه يفطر لانه أتي بضد الصوم ذاكرا له غايته أنه أتى به لدفع الضرر عن نفسه لكنه لا أثر له في دفع الفطر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش وهذا أصح عند صاحب الكتاب ويجرى القولان فيما لو اكرهت المرأة حتى مكنت
وكذلك فيما إذا أكره الرجل حتي وطئ (ان قلنا) بتصور الاكراه على الوطئ نعم لا تجب الكفارة وان حكما بالافطار للشبهة (وان قلنا) لا يتصور الاكراه علي الوطئ بطل صومه ولزمه الكفارة وعند احمد يحصل الافطار بالوطئ مكرها
بخلاف ما قال في الاكل (وقوله) وفى فساد القصد شرعا أشار به الي أن قيد القصد لابد منه علي ما ذكرناه في الضابط والقصد من حيث الحس موجود في حق المكره ولكن في الحاقه بالعدم شرعا وإفساده الخلاف المذكور (وقوله) لانه ليس بمأثم معناه ان الاكراه انما يؤثر في دفع الاثم علي ما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " الخبر وحصول الفطر لا يتعلق به اثم (واعلم) ان هذا التوجيه يتركب علي مقدمتين (إحداهما) إن الاكراه إنما يؤثر في دفع المأثم (والثانية) أن هذا ليس بماثم واقتصر ههنا على ذكر الثانية وفى الوسيط على ذكر الاولي والله تعالي أعلم * قال
{فأما ذكر الصوم إحترزنا به عن الناسي للصوم فانه لا يفطر بأكل ولا جماع (م و) والغالط الذى يظن عدم طلوع الصبح أو غروب الشمس افطر ويلزمه القضاء في الآخر} * ومن القيود المدرجة في الضابط الذى سبق كون الوصول مع ذكر الصوم
فأما إذا أكل ناسيا نظر إن قل أكله لم يفطر خلافا لمالك * لنا ماروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه " وان كثر ففيه وجهان كالوجهين في بطلان الصلاة بالكلام الكثير وان أكل جاهلا بكونه مفطرا وكان قريب العهد بالاسلام أو نشأ ببادية وكان يجهل مثل ذلك لم يبطل صومه والا فيبطل ولو جامع ناسيا للصوم فقد نقل المزني أن صومه لا يبطل وللاصحاب فيه طريقان (أصحهما) القطع بأنه لا يبطل كما نقله اعتبارا بالاكل (والثانى) أنه يخرج على قولين كما في جماع المحرم ناسيا ومن قال بهذا أنكر ما نقله المزني وقال لا نص للشافعي رضي الله عنه فيه ولو اكل علي ظن ان الصبح لم يطلع بعد أو أن الشمس قد غربت وكان غالطا فقد روى المزني انه لا يجوز صومه ووافقه الاصحاب علي روايته في الصورة الثانية
واما في الاولي فمنهم من انكر ما رواه وقال لا يوجد ذلك في كتب الشافعي رضي الله عنه ومذهبه انه لا يبطل الصوم إذا ظن ان الصبح لم يطلع بعد لان الاصل بقاء الليل وهو معذور في بناء الامر عليه
بخلاف مافى آخر النهار فان الاصل بقاء النهار فالغالط فيه غير معذور ومنهم من صحح ما رواه وقال لعله نقله سماعا ووجهه بأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم علي الظن ولا يبعد استواء حكم الغلط في دخول الوقت وخروجه كما في الجمعة هذا هو الاصح والاشهر في المذهب قال الامام (فان قيل) هلا خرج ذلك علي القولين في خطأ القبلة (قلنا) المخطئ آخرا لا يكاد يصادف امراة ظاهرة في هجوم الليل واستصحاب النهار في معارضة ما يعن له وهو مع ذلك متمكن من الصبر الي درك اليقين فاقتضى ذلك الفرق بين البابين إذا عرفت ذلك وعدت الي لفظ الكتاب فاعلم قوله فانه لا يفطر بالميم وقوله ولا جماع بالالف لان عند احمد جماع الناسي يفسد الصوم وبالواو اشارة الي طريقة القولين فقد تعرض للخلاف فيه في الكتاب في فصل الكفارة وان لم يذكره في هذا الموضع ولو جعلت الواو علي قوله لا يفطر ليشمل الاكل ايضا لم يبعد لانه اطلق القول بأنه لا يفطر الناسي به وفى الكثير منه الخلاف الذى سبق (وقوله) في مسألة الغالط فمفطر يجوز ان يعلم بالزاى والواو
(اما) الزاى فلان ابا سعيد المتولي حكى ذهاب المزني الي انه لا يفطر في الصورة الاولي ومنهم من نقل ذهابه إليه في الصورتين
(واما) بالواو فلامرين (احدهما) ما حكينا عن بعض الاصحاب في الصورة الاولي (والثانى) ان الموفق ابن طاهر حكى عن محمد بن اسحق بن خزيمة انه يجزئه الصوم في الطرفين (وقوله) فمفطر ويلزمه القضاء الجمع بينهما ضرب تأكيد ولا ضرورة إليه ثم لا يخفى ان الحكم بلزوم القضاء في الصوم الواجب
اما في التطوع فيفطر ولا قضاء * قال {ولا ينبغي ان يأكل في آخر النهار الا بيقين فأما بالاجتهاد ففيه خلاف وفى اول النهار يجوز بالاجتهاد ولو هجم ولم يتبين الخطأ لزمه القضاء في الآخر ولم يلزمه في الاول} * لما تكلم في الغالط الذى أكل ثم تبين خلاف ما ظنه أراد أن يبين أن الاكل ثم يجوز
(أما) في آخر النهار فالاحوط ألا يأكل إلا بتيقن غروب الشمس لان الاصل بقاء النهار فيستصحب إلي أن يستيقن خلافه ولو اجتهد وغلب علي ظنه دخول الليل بورد وغيره ففى جواز الاكل وجهان (احدهما) وبه قال الاستاذ أبو إسحق الاسفراينى أنه لا يجوز لقدرته علي درك اليقين بالصبر (وأصحهما) الجواز لما روى " أن الناس أفطروا في زمان عمر رضي الله ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس
"(وأما) في أول النهار فيجوز الاكل بالظن والاجتهاد لان الاصل بقاء الليل ولو هجم واكل من غير يقين ولا اجتهاد نظر ان تبين الخطأ فالحكم ما ذكرنا في الفصل السابق وإن تبين الصواب فقد استمر الصوم على الصحة وليس لاحد أن يقول إذا اكل شاكا في الغروب وتبين الغروب وجب ألا يصح صومه كما لو صلي شاكا في الوقت أو في القبلة من غير اجتهاد وتبين له الصواب لا تصح صلاته لان هناك ابتداء العبادة وقع في حال الشك فمنع الانعقاد وههنا انعقدت العبادة علي الصحة وشك في أنه هل أتي بما يفسدها ثم تبين عدمه ذكر هذا الفرق صاحبا التتمة
والمعتمد وان لم يتبين الخطأ ولا الصواب واستمر الاشكال فينظر إن اتفق ذلك في آخر النهار وجب القضاء لان الاصل بقاؤه ولم يبن الاكل على أمر يعارضه وإن اتفق في أوله فلا قضاء لان الاصل بقاء الليل وجواز الاكل وروى بعض أصحابنا عن مالك وجوب القضاء في هذه الصورة وتردد ابن الصباغ في ثبوتها غنه ولو اكل في آخر النهار بالاجتهاد وقلنا لا يجوز الاكل بالاجتهاد كان كما لو اكل من غير يقين ولا اجتهاد قال {ولو طلع الصبح وهو مجامع فنزع انعقد (ز) صومه ولو استمر فسد} إذا طلع الصبح وفى فيه طعام يأكله فليلفظه فان ابتلعه فسد صومه ولو لفظه في الحال لكن سبق منه شئ إلى جوفه بغير اختياره فقد نقل عن الحاوى فيه وجهان مخرجان من سبق الماء في المضمضة ولو طلع الصبح وهو مجامع فنزع في الحال صح صومه نص عليه في المختصر والمسألة تصور علي ثلاثة أوجه (احدها) ان يحس وهو مجامع بتباشير الصبح فينزع بحيث يوافق آخر النزع ابتداء الطلوع (والثانى) أن يطلع الصبح وهو مجامع ويعلم بالطلوع كما طلع وينزع كما علم (والثالث) أن يمضى زمان بعد الطلوع ثم يعلم به
(أما) هذه الصورة الثالثة فليست مرادة بالنص بل الصوم فيها باطل وإن نزع كما علم لان بعض النهار قد مضى وهو مشغول بالجماع فاشبه الغالط بالاكل هذا ظاهر المذهب والخلاف الذى مر فيما إذا اكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد فبان خلافه عائد ههنا بلا فرق وعلي الصحيح لو مكث في هذه الصورة فلا كفارة عليه لان مكثه مسبوق ببطلان الصوم
(وأما) الصورتان الاوليان فقد حكى الموفق ابن طاهر أن أبا اسحق قال النص محمول علي الصورة الاولي
أما إذا طلع واخرج فسد صومه ولاشك في صحة الصوم في الصورة الاولى لكن حمل النص عليها والحكم بالفساد في الثانية مستبعد لا مبالاة به بل قضية كلام الائمة نقلا وتوجيها ان المراد من مسألة النص الصورة الثانية وحكوا فيها خلاف مالك وأحمد والمزنى رحمهم الله واحتجوا عليهم أن النزع ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف ألا يلبث ثوبا هو لابسه فانتزعه في الحال لا يحنث (وقوله) في الكتاب انعقد صومه أعلم بالميم والالف والزاى إشارة إلى مذاهبهم
ويجوز أن يعلم بالواو أيضا للمنقول عن أبي اسحق وقد روى الحناطى أيضا وجها في المسألة ولو طلع الفجر وعلم به كما طلع ومكث ولم ينزع فسد صومه وهل عليه الكفارة نص في المختصر علي أنها تجب
وأشار فيما إذا قال لامرأته إن وطأتك فأنت طالق ثلاثا فغيب الحشفة وطلقت ومكث إلي أنه لا يجب المهر واختلف الاصحاب علي طريقين (أحدهما) أن فيها قولين نقلا وتخريجا (أحدهما) وجوب الكفارة ههنا والمهر ثم كما لو نزع وأولج ثانيا (والثاني) لا يجب واحد منهما لان ابتداء الفعل كان مباحا (وأصحهما) القطع بوجوب الكفارة ونفى المهر والفرق أن ابتداء الفعل لم تتعلق به الكفارة فتتعلق بانتهائه حتى لا يخلوا الجماع في نهار رمضان عمدا عن الكفارة والوطئ ثم غير خال عن المقابلة بالمهر لان المهر في النكاح يقابل جميع الوطئات وعند أبى حنيفة لا تجب الكفارة بالمكث واختاره المزني وساعدنا مالك وأحمد علي الوجوب والخلاف جار فيما إذا حامع ناسيا ثم تذكر الصوم واستدام * ثم تكلم الائمة في هذه المسائل في أن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتي عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي متقدما عليه فكيف يستمر فرض العلم به كما طلع وللشيخ أبى محمد في الجواب عنه مسلكان حكاهما الامام عنه (أحدهما) أن المسألة موضوعة علي التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها (والثاني) أنا تعبدنا بما نطلع عليه ولا معنى للصبح إلا ظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له فإذا كان الشخص عارفا بالاوقات ومنازل القمر وكان بحيث لا حائل بينه وبين المطلع وترصد فمتي أدرك فهو اول الصبح المعتبر * قال {القول في شرائط الصوم وهى اربعة ثلاثة في الصائم وهى (النقاء عن الحيض)(والاسلام)(والعقل) في جميع النهار وزوال العقل بالجنون مفسد ولو في بعض النهار واستتاره بالنوم ليس بمفسد ولو في كل النهار (و) وانغماره بالاغماء فيه اقوال (انه) كالنوم أو كالجنون (واصح) الاقوال انه ان افاق في اول النهار لم يضره بعده الاغماء} * يشترط في الصائم ثلاثة امور (احدها) النقاء عن الحيض والنفاس فلا يصح صوم الحائض والنفساء علي ما قدمناه في الحيض (والثاني) الاسلام فلا يصح صوم الكافر اصليا كان أو مرتدا كما لا يصح منه سائر العبادات وهذان الشرطان معتبران في جميع النهار حتي لو طرأ حيض أو ردة في آخر النهار بطل الصوم (والثالث) العقل فلا يصح صوم المجنون ولو جن في اثناء النهار فظاهر المذهب بطلان صومه كما لو جن في خلال صلاته تبطل صلاته وفيه وجه ان عروض الجنون كعروض الاغماء وسيأتي حكمه وعبر الشيخ ابو اسحق عن هذا الخلاف في المهذب بقولين (الاول) الجديد (والثانى) القديم ولو نوى من الليل ونام جميع النهار صح صومه وعن ابى الطيب ابن سلمة والاصطخري أنه لا يصح كما لو كان مغمى عليه جميع النهار واحتجا على ذلك بقوله في المختصر فان أفاق في بعض النهار فهو صائم يعني المغمى عليه ثم قال
وكذلك إن أصبح راقدا ثم استيقظ فاشعر.
كلامه باشتراط الاستيقاظ في بعض النهار
والمذهب الاول والفرق بين النوم والاغماء ان سلمنا أن مستغرقه مبطل أن الاغماء يخرجه عن أهلية الخطاب ويلحقه بالمجنون والنائم إذا نبه تنبه ولهذا لا يسقط قضاء الصلوات بالنوم ويسقط بالاغماء ولو نوى من الليل ثم عرض له الاغماء فقد نص في المختصر في باب الصوم أنه إذا كان مفيقا في جزء من النهار صح صومه وفى باب الظهار انه ان كان مفيقا في أول النهار صح صومه ويحكى مثله عن البويطي وفى بعض كتبه أن المرأة إذا كانت صائمة فحاضت أو اغمي عليها بطل صومها وذلك يقتضي اشتراط الافاقة في جميع النهار وقال المزني إذا نوى من الليل صح صومه وان استغرق الاغماء جميع النهار كالنوم وخرج ابن سريج من نصه في الظهار انه يشترط الافاقة في طرفي النهار وقت طلوع الفجر ووقت غروب الشمس وللاصحاب في المسألة طريقان اثبات الخلاف ونفيه
(أما) المثبتون للخلاف فلهم طرق (أظهرها) ان المسألة علي ثلاثة اقوال (اصحها) نصه في المختصر في باب الصوم وبه قال احمد ووجهه الامام بأن الدليل يقتضى اشتراط النية مقرونة بجميع اجزاء العبادة الا ان الشرع لم يشترط ذلك واكتفى بتقديم العزم دفعا للعسر فلا بد من ان يقع المعزوم عليه بحيث يتصور القصد إليه وإمساك المغمى عليه لا يقع مقصودا فإذا استغرق الاغماء امتنع التصحيح وإذا وجدت الافاقة في لحظة أتبعنا زمان الاغماء زمان الافاقة (والثانى) اشتراط الافاقة في أول النهار وبه قال مالك رحمه الله ووجهه انه حالة الشروع في الصوم فينبغي أن تجتمع فيه صفات الكمال ولهذا خص أول الصلاة باشتراط النية فيه (والثالث) اشتراط الافاقة في جميع النهار كالافاقة عن الجنون والنقاء عن الحيض (والطريق الثاني) إنه ليس في المسألة إلا قولان الاول والثاني
(وأما) نصه الثالث فهو محمول على ما إذا كان الاغماء مستغرقا أو علي اغماء الجنون أو علي ان جوابه رجع الي الحيض دون الاغماء وقد يقع مثل ذلك في كلام الشافعي رضي الله عنه حكى هذا الطريق والذى قبله الشيخ أبو حامد وغيره (والثالث) ان المسألة علي خمسة اقوال هذه الثلاثة المنصوصة وقولان آخران مخرجان (احدهما) ما ذكره المزني جعله بعض الاصحاب قولا مخرجا من النوم وبه قال أبو حنيفة (والثانى) ما ذكره ابن سريج ووجهه بأن الصلاة لما اعتبرت النية فيها ولم تعتبر في جميعها اعتبرت في طرفيها كذلك حكم الافاقة في الصوم واستضعفت الائمة هذا القول حتي غلط صاحب الحاوى ابن سريج في تخريجه وقال لا يعرف للشافعي رضى الله عنه ما يدل عليه
(وأما) النافون للخلاف فلهم طريقان (احدهما) ان المسألة علي قول واحد وهو اشتراط الافاقة في اول النهار وما ذكره في الصوم مطلق محمول على ما بينه في الظهار (وأظهرهما) ان المسألة علي قول واحد وهو اشتراط الافاقة في جزء من النهار وتعيين أول النهار في نصه في الظهار وقع علي سبيل الاتفاق
(وأما) النص الثالث فقد قدمنا تأويله ولو نوى بالليل ثم شرب دواء فزال عقله نهارا فقد
قال في التهذيب يرتب علي ذلك الاغماء (إن قلنا) لا يصح الصوم في الاغماء فههنا اولي (وان قلنا) يصح فوجهان (والاصبح) ان عليه القضاء لانه كان بصنعه ولو شرب المسكر ليلا وبقى سكره في جميع النهار فعليه القضاء وان بقى بعض النهار ثم صحا فهو كالاغماء في بعض النهار قاله في التتمة
(وأما) لفظ الكتاب فمسألتا الجنون والنوم معلمتان بالواو لما حكينا من الوجهين (وقوله) في الاغماء اقوال يجوز اعلامه بالواو للطريقة النافية للخلاف وما اطلقه من الاقوال محمول على طريقة إثبات الاقوال الخمسة لكنه ذكر منها ثلاثة (احدها) المخرج الذى اختاره المزني وهو قوله كالنوم (والثانى) منصوصه في بعض كتبه وهو قوله كالجنون (والثالث) منصوصه في باب الظهار
(وأما) القولان الباقيان فلم يذكرهما ولو حملنا ما اطلقه على الاقوال الثلاثة التى ذكرها وقدرنا حصره خلاف المسألة فيها لكان صاحب الكتاب منفردا بنقل هذه الطريقة (وقوله) كالنوم أو كالجنون التشبيه بهما مبنى علي ظاهر المذهب فيهما وجعله القول الثالث اصح الاقوال خلاف ما ذكره الجمهور وانما الاصح عندهم ما قدمنا ذكره وما أطلقه من عبارات الزوال والانغمار والاستتار فانما اخذه من الامام حيث جعل لاختلال العقل مراتب (احدها) الجنون وهو يسلب خواص الانسان ويكاد يلحقه بالبهائم (والثانية) الاغماء وهو يغشى العقل ويغلب عليه حتى لا يبقى في دفعه اختيار (والثالثة) النوم وهو مزيل للتمييز لكنه سهل الازالة والعقل معه كالشئ المستور الذى يسهل الكشف عنه قال ودونها مرتبة رابعة وهى الغفلة ولا اثر لها في الصوم وفاقا * قال {الرابع الوقت القابل للصوم وهو جميع الايام إلا يوم العيدين (ح) وأيام التشريق (و) ولا يصح صوم المتمتع في أيام التشريق علي القول الجديد وصوم يوم الشك صحيح إن وافق نذرا أو قضاءا أو وردا وإن لم يكن له سبب فهو منهي عنه (م ح) وفى صحته وجهان كالصلاة في الاوقات المكروهة ويوم الشك ان يتحدث برؤية الهلال من لا يثبت الهلال بشهادته كالعبيد والفساق} * أيام السنة تنقسم الي يوم الشك وغيره وغيره ينقسم إلى يومى العيد وأيام التشريق وغيرها
(فأما) غيرها من الايام فهو قابل للصوم بلا استثناء
(وأما) يوما العيد فلا يقبلانه خلافا لابي حنيفة رحمه الله لان عنده لو نذر صومهما كان له أن يصوم فيهما * لنا انه روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم " نهى عن صوم يومين يوم الاضحى ويوم الفطر
(وأما) أيام التشريق فهل يجوز للمتمتع العادم للهدى أن يصومها عن الثلاثة ايام اللازمة عليه في الحج فيه قولان (القديم) وبه قال مالك انه يجوز لما روى عن عائشة رضى الله عنها ان النبي صلي الله عليه وسلم " ارخص للمتمتع إذا لم يجد الهدى ولم يصم الثلاثة في العشر ان يصوم أيام التشريق " وإلي هذا ميل الشيخ أبي محمد (والجديد) انه لا يجوز بل هما في عدم قبول الصوم كالعيدين لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا تصوموا في هذه الايام فانها أيام أكل وشرب وبعال " فان فرعنا على القديم فهل يجوز لغير المتمتع صومها فيه وجهان (قال) ابو اسحق نعم لان تجويز صومها للمتمتع انما كان لانه صوم له سبب فيجوز مثل هذا الصوم لكل أحد دون التطوعات المحضة وقال الاكثرون لا يجوز لان النهي عام والرخصة وردت في في حق المتمتع خاصة وذكر الامام أن القاضي الحسين سلك مسلكا يفضي الي تنزيل يوم العيد منزلة يوم الشك قال وما تراه قاله عن عقد
(وأما) يوم الشك فقد روى عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال " من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم " فلا يصح صومه عن رمضان خلافا لاحمد حيث
قال في رواية " ان كانت السماء مصحية كره صومه والا وجب صومه عن رمضان " وفى رواية ان صام الامام صاموا والا أفطروا
وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا * لنا قوله صلي الله عليه وسلم " فان غم عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان "
ويجوز صومه عن قضاء ونذر وكفارة
وكذا إذا وافق ورده في التطوع بلا كراهية روى عن أبى هريرة " ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تستقبلوا الشهر بيوم أو يومين الا ان يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم " وعن القاضي أبي الطيب انه يكره صومه عما عليه من فرض قال ابن الصباغ وهذا خلاف القياس لانه إذا لم يكره منه ماله سبب من التطوع فلان لا يكره فيه الفرض كان أولى ولا يجوز ان يصوم فيه التطوع الذى لا سبب له خلافا لابي حنيفة ومالك رحمهما الله حيث قالا لا كراهية في ذلك) * لنا حديث عمار وأيضا فقد روى عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهي عن صيام ستة ايام احدها اليوم الذى يشك فيه " وهل يصح هذا الصوم فيه وجهان كالوجهين في الصلاة وفى الاوقات المكروهة (أصحهما) لا لانه منهي عنه كيوم العيد (والثانى)(نعم) لانه قابل للصوم في الجملة ولو نذر صومه فهو على هذين الوجهين (فان قلنا) يصح فليصم يوما آخر ولو صامه خرج عن نذره قاله في التهذيب ولا يحفى ان اليوم الموصوف بكونه يوم الشك هو الثلاثون من شعبان ومتي يتصف بهذه الصفة ان طبق الغيم ليلته فهو من شعبان وليس بيوم شك لقوله صلي الله عليه وسلم " فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين " ولا اثر لظننا الرؤية لولا السحاب لبعد الهلال عن الشمس وان كانت السماء مصحية وتراءى الناس الهلال فلم يروه فليس بيوم شك بطريق الاولي إن لم يتحدث برؤية الهلال أحد وان وقع في السنة الناس انه رؤى ولم يقل عدل أنا رأيته أو قاله عدل وفرعنا على انه لا يثبت بقول واحد أو قاله عدد من النسوة أو العبيد أو الفساق وظن صدقهم فهو يوم شك وحكي الموفق ابن طاهر عن أبي محمد البافى انه إذا كانت السماء مصحية ولم ير الهلال فهو يوم شك وعن الاستاذ ابي طاهر ان يوم الشك ما تردد بين الجائزين من غير ترجيح فإذا شهد امرأة أو عبد أو صبي فقد ترجح احد الجانبين وخرج اليوم عن كونه يوم شك
والمشهور ما تقدم ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن ان يرى الهلال من خلالها وان يخفى تحتها فقد قال الشيخ ابو محمد انه يوم الشك وقال غيره إنما يكون كذلك بشرط التحدث علي ما سبق وتوسط الامام بينهما فقال ان كان في بلد يستقل اهلها بطلب الهلال فلم يتحدثوا برؤيته فالوجه ان لا يجعل الغد يوم شك وإن كان في سفر ولم يبعد رؤية اهل القرى فيحتمل ان يجعل الغد يوم شك والله اعلم * إذا عرفت ذلك فارجع إلى لفظ الكتاب واعلم قوله الا يوم العيدين وأيام التشريق بالحاء والميم والالف
(اما) بالحاء فلان عنده صومها صحيح عند النذر فتكون قابلة للصوم
(واما) بالميم فلان عنده يجوز للمتمتع صوم أيام التشريق وهو رواية عن أحمد (وقوله) ولا يصح صوم المتمتع في ايام التشريق ان قرئ بالواو كان مقطوعا عما سبق واحوج إلى اعلام ما سبق بالواو للقول القديم فانها قابلة للصوم علي ذلك القول وإن قرئ فلا يصح بالفاء ترتيبا له علي ما سبق كان أحسن وأغني عن الاعلام بالواو
ويجوز أن يعلم قوله علي الجديد بالواو لانه يقتضى اثبات خلاف في المسألة وقد ذكر المزني ان القول القديم في المسألة مرجوع عنه فلم يثبث بعض الاصحاب فيها خلافا (وقوله) فهو منهى معلم بالميم والحاء (وقوله) أن يتحدث برؤية الهلال يجوز اعلامه بالواو
(اما) لما روينا عن الشيخ فانه لا يعتبر التحدث في تفسير يوم الشك أو عن الاستاذ فانه يجعل خبر العبيد ونحوهم مخرجا له عن كونه يوم شك * قال {القول في السنن وهي ثمانية تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب بتمر أو ماء والوصال منهى عنه وتأخير السحور مستحب وكذا اكثار الصدقات وكثرة تلاوة القرآن والاعتكاف لا سيما في العشر الاخير لطلب ليلة القدر وكف اللسان عن الهذيان وكذا كف النفس عن جميع الشهوات فهو سر الصوم وترك السواك بعد الزوال وتقديم غسل الجنابة علي الصبح} * من سنن الصوم تعجيل الفطر قال صلي الله عليه وسلم " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " وانما يستحب التعجيل بعد تيقن غروب الشمس والسنة أن يفطر علي تمر فان لم يجد فعلى ماء روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من وجد التمر فليفطر عليه ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء فانه طهور " وذكر القاضى الرويانى انه يفطر علي التمر فان لم يجد فعلي حلاوة أخرى فان لم يجد فعلي الماء وعن القاضي حسين ان الاولي في زماننا أن يفطر علي ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة (وقوله) في الكتاب علي تمر أو ماء ليس للتخيير بل الامر فيه على الترتيب كما بيناه (ومنها) التسحر فهو مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم " تسحروا فان في السحور بركة "
ويستحب تأخيره ما لم يقع في مظنه الشك روى " أنه كان بين تسحر رسول الله صلي الله عليه وسلم مع زيد بن ثابت رضى الله عنه ودخوله في صلاة الصبح قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية "(ومنها) ترك الوصال فهو مكروه لغير النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم " نهى عن الوصال فقيل يارسول الله انك تواصل فقال إنى لست مثلكم اني اطعم واسقي " قال المسعودي أصح ما قيل في معناه انى اعطى قوة الطاعم والشارب والوصال أن يصوم يومين فصاعدا ولا يتناول بالليل شيئا وكراهية الوصال كراهية تحريم أو تنزيه حكى عن صاحب المهذب وغيره فيه وجهين (أحدهما) انها كراهية تحريم لظاهر النهي ومبالغة النبي صلى الله عليه وسلم في منع من واصل (والثانى) انها كراهية تنزيه لان النهي انما ورد مخافة الضعف وهو أمر غير متحقق وظاهر كلام الشافعي رضى الله عنه هو الاول فانه بعد ماروى خبر الوصال قال وفرق الله تعالي بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم فاشعر ذلك بكونه محظورا واطلق في التهذيب ان المواصل يعصي وذلك يشعر بالحظر أيضا (ومنها) الجود والافضال فهو مندوب إليه في جميع الاوقات وفى شهر رمضان آكد استحبابا اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم فانه كان " اجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان " والمعني في تخصيص رمضان بزيادة الجود واكثار الصدقات تفريغ الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم (ومنها) كثرة تلاوة القرآن والمدارسة به وهو أن يقرأ على غيره ويقرأ عليه غيره " كان جبريل عليه السلام يلقى النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة من رمضان فيتدارسان القرآن (ومنها) الاعتكاف لا سيما في العشر الاخير من رمضان لطلب ليلة القدر " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يواظب عليه " (ومنها) ان يصون الصائم لسانه عن الكذب والغيبة والمشاتمة ونحوها ويكف نفسه عن الشهوات بكف الجوارح فهو سر الصوم والمقصود الاعظم منه روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " وروى أنه صلي الله عليه وسلم قال " الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل فان امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل ان صائم " قال الائمة معناه فليقل في نفسه ولينزجر (ومنها) ترك السواك بعد الزوال لما ذكرنا في سنن الوضوء وايضا فقد روى عن خباب رضى الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشى فانه ليس من صائم تيبس شفتاه الا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة " وإذا استاك فلا فرق بين الرطب واليابس بشرط أن يحتزر عن ابتلاع شظية وتجرع رطوبة وقد روى عن علي وابن عمر رضي الله عنهم " أنه لا بأس بالسواك الرطب " وقوله في الكتاب ترك السواك معلم بالميم والحاء لانهما لا يكرهانه بعد الزوال وبالالف لان المسعودي في آخرين حكوا عن احمد انه لا يكره بعد الزوال في النفل ليكون ابعد عن الرياء في الفرض وبالواو لان صاحب المعتمد حكى عن القاضى حسين مثل مذهب احمد (ومنها) يستحب تقديم غسل الجنابة عن الجماع والاحتلام علي الصبح ولو أخره عن الطلوع لم يفسد صومه " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع أهله ثم يصوم " وما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " من أصبح جنبا فلا صوم له " محمول عند الائمة علي مااذا أصبح مجامعا واستدامه ولو طهرت الحائض ليلا ونوت الصوم ثم اغتسلت بعد طلوع الفجر صح صومها أيضا هذا شرح السنن الثمان التي ذكرها في الكتاب ولا يخفى أن منها ما يعم الصوم ومنها ما يخص صوم رمضان وللصوم وراءها سنن (منها) ان يقول عند الفطر ماروى عن معاذ رضي الله قال " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا افطر قال اللهم لك صمت وعلي رزقك افطرت "(ومنها) ان يفطر الصائمين معه فان عجز عن عشائهم اعطاهم ما يفطرون به من شربة أو تمرة أو غيرهما (ومنها) الاحتراز عن الحجامة والقبلة والمعانقة والعلك وقد سبق ذكرها
وكذا الاحتراز عن ذوق الشئ ومضغ الطعام للطفل وإن كان لا يفسد الصوم بذلك * قال {القسم الثاني في مبيحات الافطار وموجباته (أما) المبيح فهو المرض والسفر الطويل وطارئ المرض في أثناء النهار مبيح وطارئ السفر لا يبيح وإذا زالا وهو غير مفطر لم يبح الافطار والمسافر إذا أصبح علي نية الصوم فله الافطار والصوم أحب من الفطر في السفر لتبرئة الذمة الا إذا كان يتضرر به} كلام هذا القسم في مبيحات الافطار ثم في احكامه
(أما) المبيح فالمرض والسفر مبيحان بالاجماع والنص قال الله تعالي (فمن كان منكم مريضا أو علي سفر) الآية وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة " وشرط كون المرض مبيحا ان يجهده الصوم معه ويلحقه ضرر يشق احتماله علي ما عددتا وجوه المضار في التيمم ثم المرض إن كان مطبقا فله ترك النية بالليل وإن كان يحم وتنقطع نظر إن كان محموما وقت الشروع فله ترك النية والا فعليه أن ينوى من الليل
ثم ان عاد واحتاج الي الافطار أفطر وشرط كون السفر مبيحا أن يكون طويلا مباحا كما سبق في القصر ثم في الفصل مسائل (احداها) لو اصبح صائما وهو صحيح فمرض في أثناء النهار كان له أن يفطر لوجود المعني المحوج الي الافطار من غير اختياره ولو اصبح صائما مقيما ثم سافر لم يجز له أن يفطر في ذلك اليوم خلافا لاحمد في رواية وللمزنى * لنا أن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا انشأها في الحضر ثم سافر غلب حكم الحضر كالصلاة * واحتج المزني بأن النبي صلى الله عليه وسلم " صام في مخرجه الي مكة في رمضان حتي بلغ كراع الغميم ثم افطر " وبنى هذا الاحتجاج علي ظنه أن ذلك كان في يوم واحد قال الاصحاب وهو وهم فان بين المدينة وكراع الغميم مسيرة ثمانية ايام والمراد من الحديث انه صام اياما في سفره ثم افطر وقد قيل ان المزني تبين له ذلك ثم رجع عن هذا الاحتجاج وان لم يرجع عن مذهبه (وقوله) في الكتاب وطارئ السفر لا يبيح يجوز ان يعلم مع الالف والزاى بالواو لان الحناطى حكى طريقا ان المسألة علي وجهين وايضا فان الموفق ابن طاهر زعم ان ابن خيران اشار إليه وعلي المذهب الصحيح لو افطر بالجماع لزمه الكفارة خلافا لابي حنيفة ومالك ولاحمد في احدى الروايتين ولو نوى المقيم بالليل ثم سافر قبل طلوع الفجر فان فارق العمران قبل الطلوع فله ان يفطر وان فارقه بعد الطلوع فلا لان ابتداء صومه وقع في الحضر (الثانية) لو اصبح المسافر صائما ثم اقام في خلال النهار فهل له أن يفطر ظاهر المذهب وبه قال ابو اسحق انه ليس له ذلك كما لو افتتح الصلاة في السفر ثم نوى الاقامة في اثنائها أو سارت به السفينة فدخل البلد وهذا هو الذى ذكره في الكتاب وعن ابن ابى هريرة ان له الفطر لان الفطر مباح له في اول النهار مع العلم بحال اليوم فكذلك في آخره كما لو استدام السفر ونقل عن الحاوى ان هذا هو المنصوص في حرمله ولو اصبح المريض صائما ثم برأ في خلال النهار فقد قطع كثيرون بأنه لا يجوز له الافطار وطرد صاحب المهذب حكاية الوجهين فيه و ?
له الاولي (الثالثة) المسافر إذا اصبح علي نية الصوم ثم بداله جاز له ان يفطر لدوام العذر وقد روى ان النبي صلى الله عليه وسلم " افطر بعد العصر بكراع الغميم بقدح ماء لما قيل له ان الناس يشق عليهم الصيام " وابدى الشيخ ابو اسحق والامام في المسألة احتمالا ووجهاه بأنه شرع في فرض المقيمين فليلزمه كما لو شرع في الصلاة متما ثم اراد القصر وإذا قلنا بالمشهور فهل يكره له الافطار فيه وجهان عن القاضي الحسين (الرابعة) للمسافر أن يصوم وله ان يفطر لما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال " غزونا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم علي المفطر ولا المفطر علي الصائم " وروى " أنه صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الاسلمي رضي الله عنه ان شئت فصم وان شئت فافطر " وأيهما افضل ان كان لا يتضرر بالصوم فالصوم افضل وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد ذكرنا وجهه وما يحكي فيه من الخلاف في صلاة المسافرين وإن كان يتضرر بالصوم فالفطر أفضل له لما روى عن جابر رضي الله عنه قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان غزوة تبوك فمر برجل في ظل شجرة يرش الماء عليه فقال ما بال هذا قالوا صائم فقال صلي الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر " وذكر في التتمة أنه لو لم يتضرر في الحال لكنه كان يخاف الضعف لو صام وكان السفر سفر حج أو غزو فالاولي ان يفطر أيضا لما روى " أنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالفطر عام الفتح وقال تقووا لعدوكم "(وقوله) إلا إذا كان يتضرر ضبط الامام التضرر بخوف المرض ولا شك ان خوف الهلاك في معناه (واعلم) ان اصل المسألة قد ذكره مرة في صلاة المسافرين لكن زاد ههنا شيئين (أحدهما) بيان علة افضلية الصوم (والثاني) استثناء حالة التضرر ولو لم يذكرها واقتصر على ما اورده في هذا الموضع لكفى (وقوله) في اول الفصل
(اما) المبيح فهو المرض والسفر يشعر ظاهره بحصر المبيح فيهما لكن من غلبه العطش حتى خاف الهلاك فله الفطر وان كان مقيما صحيح البدن * قال
{اما موجبات الافطار فأربعة (الاول) القضاء وهو واجب علي كل تارك بردة (ح) أو سفر أو مرض أو اغماء أو حيض ولا يجب علي من ترك بجنون أو صبا أو كفر اصلى وما فات من بعض الشهر في ايام الجنون لا يقضى (ح) ولو افاق في اثناء النهار ففى قضاء ذلك اليوم وجهان ولا يجب التتابع في قضاء رمضان} * مقصود الفصل الكلام فيمن يلزمه قضاء صوم رمضان ولا شك أن من ترك النية الواجبة عمدا أو سهوا فعليه القضاء
وكذلك كل من أفطر نعم لو كان افطاره بحيث يوجب الكفارة ففي القضاء خلاف سيأتي ذكره من بعد وما فات بسبب الكفر لا يجب قضاؤه على الكافر الاصلي قال الله تعالي (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) الآية
ويجب على المرتد خلافا لابي حنيفة رحمه الله على ما مر في الصلاة والمسافر والمريض إذا أفطرا قضيا قال الله تعالي (فعدة من أيام أخر) وما فات بالاغماء يجب قضاؤه سواء استغرق جميع الشهر أو لم يستغرق لانه نوع مرض يغشى العقل
بخلاف الجنون ولهذا يجوز الاغماء على الانبياء عليهم السلام ولا يجوز الجنون عليهم ويخالف الصلاة حيث يسقط الاغماء قضاءها لان الصلاة تتكرر والاغماء قد يمتد ويتكرر فوجوب القضاء يجر عسرا وحرجا ونقل صاحب التهذيب والتتمة عن ابن سريج ان الاغماء إذا استغرق اسقط القضاء
ويجب على الحائض قضاء ايام الحيض كما مر في الحيض ولا يجب الصوم علي الصبى والمجنون ولا قضاء عليهما ولا فرق في اسقاط الجنون القضاء بين ان يستغرق النهار أو لا يستغرقه ولا بين أن يستغرق الشهر أو لا يستغرقه وقال مالك الجنون لا يسقط القضاء كالاغماء وهو احدي الروايتين عن احمد فليكن قوله بجنون معلما بالميم والالف وبالحاء ايضا لان اللفظ يشمل ما إذا ترك بالجنون جميع ايام الشهر وما إذا ترك بعضها وعند ابي حنيفة رحمه الله إذا افاق المجنون في اثناء الشهر فعليه قضاء ما مضي من الشهر
ويجوز ان يعلم بالواو ايضا لامور ثلاثة (احدها) ان فيما علق عن الشيخ أبي محمد رحمه الله حكاية قول مثل مذهب مالك (والثانى) ان المحاملى ذكر أن المزني نقل في المنثور عن الشافعي رضى الله عنه مثل قول ابي حنيفة (والثالث) ان المحاملى في آخرين حكوا عن ابن سريج مثل مذهب مالك وهذا ينافى ما نقل عنه في الاغماء ويشبه أن يكون أحدهما غلطا وهذا اقرب إليه لان كل من نقله ضعفه (وقوله) وما فات من بعض الشهر في ايام الجنون لا يقضي جار مجرى التوكيد والايضاح والا فقوله علي من ترك بجنون يتناوله باطلاقه ولو اعدت العلامات علي قوله لا يقضى لاصبت
(اما) علامة ابي حنيفة فظاهرة
(وأما) غيرها فلان من يأمر بالقضاء إذا استغرق الجنون الشهر اولي ان يأمر به عند عدم الاستغراق وما ذكرنا كله في الجنون الذى لم يتصل بسبب يقتضي القضاء
فأما إذا ارتد ثم جن أو سكر ثم جن فقد روى الحناطى فيه وجهين في لزوم القضاء ولعل الظاهر الفرق بين اتصاله بالردة واتصاله بالسكر كما مر في الصلاة (وقوله) ولو افاق في اثناء النهار ففي قضاء ذلك اليوم وجهان هذه الصورة معادة في درج زوال سائر الاعذار في أثناء النهار حيث قال وفى وجوب قضاء هذا اليوم تردد وسنشرحه ولا يجب التتابع في قضاء رمضان لما روى ان النبي صلي الله عليه وسلم " سئل عن قضاء رمضان فقال ان شاء فرقه وإن شاء تابعه "
ويستحب ذلك لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه " واعلم قوله ولا يجب بالميم لان الامام نقل عن مالك رحمهما الله إيجاب التتابع فيه وتابعه المصنف لكن الذى رواه الاكثرون عن مالك انه لا يجب التتابع فيه وإنما حكوا هذا المذهب عن داود وبعض اهل الظاهر وذكروا انهم وان أوجبوه لم يشرطوه للصحة * قال {الثاني الامساك تشبيها بالصائمين وهو واجب علي كل متعد بالافطار في شهر رمضان غير واجب على من أبيح له الفطر إباحة حقيقية كالمسافر (ح) والمريض (ح) بعد القدوم والبرء في بقية النهار ويجب على من أصبح يوم الشك مفطرا إذا بان انه من رمضان على الصحيح} * الامساك تشبيها بالصائمين من خواص رمضان كالكفارة فلا إمساك علي من تعدي بالافطار في نذر أو قضاء قال الامام والامر بالامساك مشبه بالتغليظ وطرف من العقوبة ومضادة القصد ثم الممسك متشبه وليس في عبادة
بخلاف المحرم إذا افسد احرامه ويظهر أثره في ان المحرم بعد فساد احرامه لو ارتكب محظورا لزمته الفدية والممسك لو ارتكب محظورا لا يلزمه شئ سوى الاثم وفى الفصل صور (احداها) يجب الامساك علي كل من تعدى بالافطار في رمضان
وكذا لو ارتد أو نوى الخروج من الصوم (ان قلنا) انه يبطل بنية الخروج
ويجب ايضا علي من نسى النية من الليل وكان نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة فهو ضرب تقصير
ويجوز ان يوجه الامر بالامساك بأن الاكل في نهار رمضان حرام علي غير المعذور فان فاته الصوم بتقصير أو غير تقصير لم يرتفع التحريم (الثانية) لو اقام المسافر أو برأ المريض اللذان يباح لهما الافطار في أثناء النهار فلهما ثلاث احوال (احداها) ان يصبحا صائمين وداما عليه إلى زوال العذر فقد ذكرنا المذهب الظاهر وخلاف ابن أبى هريرة فيه (والثانية) ان يزول عذرهما بعد ما افطرا فيستحب لهما الامساك لحرمة الوقت ولا يجب وبه قال مالك خلافا لابي حنيفة رحمه الله حيث اوجبه وبه قال احمد في اصح الروايتين * لنا ان زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر كما لو قصر المسافر ثم اقام والوقت باق وإذا أكلا فليخفياه كيلا يتعرضا للتهمة وعقوبة السلطان ولهما الجماع بعد زوال العذر إذا لم تكن المرأة صائمة بان كانت صغيرة أو طهرت من الحيض ذلك اليوم (والثالثة) ان يصبحا غير ناويين ويزول العذر قبل أن يأكلا فهل يلزمهما الامساك فيه وجهان (أحدهما) نعم كما لو لم يصل المسافر حتي اقام لا يجوز له القصر (واصحهما) انه لا يلزمه لان من أصبح تاركا للنية فقد اصبح مفطرا وكان كما لو اكل والوجهان مفرعان علي ظاهر المذهب في الحالة الاولى
فاما من جوز له الاكل ثم فههنا اولى ان يجوز (الصورة الثالثة) إذا اصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت انه من رمضان فلا يخفى انه يلزمه قضاؤه وهل يجب عليه إمساك بقية النهار فيه قولان (اصحهما) نعم لان الصوم واجب عليه الا انه كان لا يعرفه فإذا بان لزمه الامساك قال الامام رحمه الله وتخريجه علي القاعدة التي ذكرنا ان الامر بالامساك تغليظ وعقوبة انا قد ننزل المخطئ منزلة العامد لانتسابه الي ترك التحفظ الا ترى انا نحكم بحرمان القاتل خطأ عن الميراث (والثاني) قاله في البويطى لا لانه أفطر بعذر فلم يلزمه امساك بقية النهار كالمسافر إذا قدم بعد الافطار وفرض ابو سعد المتولي هذين القولين فيما إذا بان انه من رمضان قبل أن يأكل شيئا ثم رتب عليه مااذا بان بعد الاكل فقال ان لم نوجب الامساك ثم فههنا أولي والا فوجهان (أظهرهما) الوجوب أيضا ولنعد الي ما يتعلق بلفظ الكتاب (قوله) في شهر رمضان ينبه علي ما قدمنا ان وجوب الامساك من خواص رمضان (وقوله) غير واجب علي ما ابيح له الفطر معلم بالحاء والالف ثم اللفظ متناول للحالة الثانية والثالثة من أحوال مسألة المسافر والمريض علي ما فصلنا فيجوز أن يعلم بالواو أيضا للخلاف في الحالة الثالثة وأيضا فانه حكي عن الحاوى وجها في أن المريض إذا أفطر ثم برأ هل يلزمه إمساك بقية النهار وذكر ان الوجوب طريقة أصحابنا البغداديين والمنع طريقة البصريين والفرق بين المريض والمسافر ان المريض إنما يفطر للعجز فإذا قدر وجب أن يمسك والمسافر يفطر رخصة وان أطاق الصوم (وقوله) اباحة حقيقية فيه اشارة الي الفرق بين صورة المريض والمسافر وصورة يوم الشك فان أصح القولين وجوب الامساك يوم الشك وذلك لان المسافر والمريض يباح لهما الاكل مع العلم بحال اليوم وكونه من رمضان حقيقة وفى يوم الشك انما ابيح الاكل لانه لم يتحقق كونه من رمضان فإذا تحققه لزمه الامساك (وقوله) بعد القدوم لا يخفى رجوعه الي المسافر وان تخلل بينهما ذكر المريض ثم هو في اكثر النسخ بعد القدوم وقبله وطرح بعضهم قبله لانه اوضح من أن يحتاج إلى ذكره والممكن فيه أن يقال انما ذكره كي لا يتوهم ان المسافر إذا أكل وتقوى يلزمه الاقتصار عليه تقديرا للاكل بقدر الحاجة وثبت ان بعض المعتنين بهذا الكتاب جعل مكانه والبرء وهو حسن * قال
{وأما الصبا والجنون والكفر إذا زال لم يجب الامساك علي وجه ويجب في وجه وبحب على الكافر دونهما في وجه ويجب علي الصبي والكافر دون المجنون في وجه لانهما مأموران علي الجملة وفى وجوب قضاء هذا اليوم ايضا تردد} * إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر في أثناء يوم من رمضان فهل يلزمهم امساك بقية اليوم فيه أربعة أوجه (اصحهما) لا لانهم لم يدركوا وقتا يسع الصوم ولا أمروا به والامساك تبع للصوم ولانهم أفطروا بعذر فاشبهوا المسافر والمريض (والثانى) نعم لانهم أدركوا وقت الامساك وان لم يدركوا وقت الصوم (والثالث) انه يجب على الكافر دون الصبى والمجنون فانهما معذوران ليس اليهما ازالة ما بهما والكافر مأمور بترك الكفر والاتيان بالصوم (والرابع) انه يجب علي الصبى والكافر دون المجنون
(أما) الكافر فلما ذكر (وأما) الصبى فلانه متمكن من الاتيان بالصوم مأمور به أمر تدريب علي ما مر في الصلاة
بخلاف المجنون وقوله في الكتاب لم يجب الامساك معلم بالحاء لان مذهب ابى حنيفة رحمه الله مثل الوجه الثاني وبالالف لانه أصح الروايتين عن احمد (وقوله)
ويجب بالميم لان مذهب مالك كالوجه الاول وإذا فهمت هذه الوجوه عرفت ان الكافر اولاهم بالوجوب والمجنون اولاهم بالمنع والصبى بينهما فلك أن ترتب فتقول في وجوب الامساك على الكافر وجهان (إن) أوجبنا ففى الصبي وجهان (ان) اوجبنا ففى المجنون وجهان ولك أن تعكس فتقول في وجوبه علي المجنون وجهان (إن) لم يجب ففى الصبى وجهان (وإن) لم يجب ففى الكافر وجهان ولهذا الترتيب نقل صاحب المعتمد طريقة قاطعة بالوجوب علي الكافر هذا بيان الخلاف في وجوب الامساك وهل عليهم قضاء اليوم الذى زال العذر في خلاله
(أما) الصبى إذا بلغ في خلال النهار فينظر إن كان ناويا من الليل صائما فظاهر المذهب أنه لا قضاء عليه ويلزمه الاتمام ولو جامع بعد البلوغ فيه فعليه الكفارة وفيه وجه أنه يستحب الاتمام ويلزمه القضاء لانه لم ينو الفرض ويحكي هذا عن ابن سريج وإن أصبح مفطرا ففيه وجهان
وقال في التهذيب قولان (أحدهما) أنه يلزمه القضاء كما إذا أدرك شيئا من الوقت يلزمه الصلاة (وأصحهما) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزم وقد ذكرنا الفرق بين الصوم والصلاة في كتاب الصلاة مع طرف من فقه المسألة وهذا الخلاف مفرع علي ظاهر المذهب في أنه إذا بلغ صائما فلا قضاء عليه
(فأما) من يوجب القضاء ثم فههنا أولي بأن يوجب
(وأما) إذا افاق المجنون أو اسلم الكافر ففيهما طريقان (احدهما) طرد الخلاف وهذا أظهر عند الاكثرين
والاظهر من الخلاف انه لا قضاء ويحكى ذلك في الكافر عن نصه في القديم والام والبويطى (والثانى) القطع بالمنع في حق المجنون لانه لم يكن مأمورا بالصوم في اول النهار وبالايجاب في حق الكافر لانه متعد بترك الصوم وهذا اصح عند صاحب التهذيب
ويجوز ان يعلم قوله فيما سبق ولو افاق في اثناء النهار ففى وجوب قضاء هذا اليوم وجهان بالواو اشارة إلى الطريقة القاطعة بالمنع
وكذلك قوله ههنا تردد لهذه الطريقة والطريقة الجازمة بالايجاب في الكافر فانه اجاب عن طريقة طرد الخلاف في الصور الا ان يفسر التردد الذى ابهمه يتردد الطريق في بعض الصور والقول أو الوجه في بعضها وهل للخلاف في القضاء تعلق بالخلاف في الامساك تشبها نقل الامام عن الصيدلانى ان من يوجب التشبه يكتفى به ولا يوجب القضاء ومن يوجب القضاء لا يوجب التشبه وعن غيره من الاصحاب ان الامر بالقضاء
فرع الامر بالامساك فمن التزم الامساك التزم القضاء ومن لا فلا وبنى صاحب التهذيب وغيره الخلاف في وجوب الامساك علي الخلاف في وجوب القضاء ان اوجبنا القضاء اوجبناه والا فلا فهذه ثلاثة طرق وهى على اختلافها متفقة علي تعلق احد الخلافين بالآخر والطريق الثاني والثالث يشكلان بالحائض والنفساء إذا طهرتا في خلال النهار فان القضاء واجب عليهما لا محالة لان مستغرق الحيض لا يسقط القضاء فمتقطعه اولي والامساك غير واجب عليهما
(اما) بلا خلاف على ما رواه الامام
(واما) علي الاظهر لان صاحب المعتمد حكي طرد الخلاف فيهما وإذا كان كذلك لم يستمر قولنا بأن القضاء
فرع الامساك ولا بأن الامساك
فرع القضاء والطريق الاول يشكل بصورة يوم الشك والمتعدي بالافطار فان القضاء لازم مع التشبه والله اعلم * قال {ومن نوى التطوع في رمضان لم ينعقد وان كان مسافرا لتعين الوقت} * ايام رمضان متعينة لصوم رمضان فان كان الشخص معذورا بسفر أو مرض
فاما ان يترخص بالفطر أو يصوم عن رمضان وليس له ان يصوم عن فرض آخر أو تطوع وبه قال مالك واحمد وقال أبو حنيفة للمسافر ان يصوم عن القضاء والكفارة ولو صام عن تطوع ففى رواية يقع تطوعا وفى وراية ينصرف الي الفرض وحكى الشيخ أبو محمد ترددا عن أصحابه في المريض الذى له الفطر إذا تحمل المشقة وصام عن غير رمضان واعلمت المسألة بالواو لان الامام حكى خلافا فيمن أصبح في يوم رمضان غيرنا وونوى التطوع قبل الزوال فمذهب الجماهير أنه لا يصح تطوعه بالصوم وعن أبي اسحق أنه يصح قال فعلى قياسه يجوز للمسافر التطوع به * قال {الثالث الكفارة وهى واجبة علي كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به لاجل الصوم فلا تجب علي الناسي إذا جامع لانه لم يفطر علي الصحيح ولا علي من جامع في غير رمضان} * الاصل في كفارة الصوم ماروى عن أبى هريرة رضى الله عنه " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت واهلكت قال ما شأنك قال واقعت امرأتي في رمضان قال تستطيع أن تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا قال اجلس فجلس فاتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر - والعرق المكتل الضخم - فقال خذ هذا فتصدق به قال أعلي افقر منا فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتي بدت نواجذه وقال أطعمه عيالك " والكلام في موجب الكفارة ثم في كيفيتها
(أما) الاول فقد قال وهى واجبة علي من افسد صوم يوم من رمضان بجماع تام اثم به لاجل الصوم وفى الضابط قيود (منها) الافساد فمن جامع ناسيا لا يفسد صومه علي الصحيح كما قدمناه فلا كفارة عليه وإن قلنا يفسد صومه وبه قال مالك وأحمد فهل تلزمه الكفارة فيه وجهان (احدهما) وبه قال احمد نعم لانتسابه إلى التقصير (وأظهرهما) وبه قال مالك لا لانها تتبع الاثم وإذا عرفت ذلك وسمت قوله فلاتجب بالالف وقوله لم يفطر به وبالميم وقوله علي الصحيح أي من الطريقين (ومنها) كون اليوم من رمضان فلا كفارة بافساد التطوع والنذر والقضاء والكفارة لان النص ورد في رمضان وهو مخصوص بفضائل لا يشركه غيره فيها * قال {ولا علي المرأة لانها افطرت بوصول اول جزء من الحشفة إلي باطنها وفيه قول قديم ثم الصحيح ان الوجوب لا يلاقيها وقيل يلاقيها والزوج يتحمل ولا يتحمل الزانى ولا الزوج المجنون ولا المسافر إذا لا كفارة عليهما ولا على المعسرة فان واجبها الصوم فلا يقبل التحمل ولا كفرة علي من أفطر (ح م) بغير جماع من الاكل ومقدمات الجماع ويجب بالزنا وجماع الامة ووطئ التهيمة (ح و) والاتيان في غير المأتي (و) } * نوضح فقه الفصل ثم نبين أن مسائله بأى قيد تتعلق المسألة الاولى * المرأة الموطوءة ان كانت مفطرة بحيض وغيره أو كانت صائمة ولم يبطل صومها لكونها نائمة مثلا فلا كفارة عليها وإن مكنت طائعة حتي وطئها الزوج فقولان (احدهما) انه يلزمها الكفارة كما يلزم الرجل لان الكفارة عقوبة تتعلق بالوطئ فيستويان في لزومها كحد الزنا وهذا اصح الروايتين عن احمد وبه قال ابو حنيفة ويروى مثله عن مالك وابن المنذر وهو اختيار القاضى ابى الطيب (وأصحهما) انه يختص الزوج بلزوم الكفارة واحتجوا له بأمور (أحدها) ان النبي صلي الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي الذى واقع إلا بكفارة واحدة مع مساس الحاجة إلى البيان (والثاني) حكى الكرابيسي انه قال صوم المرأة ناقص لانه بعرض ان يبطل بعروض الحيض وإذا كان كذلك لم يكن كامل الحرمة فلم تتعلق به الكفارة (والثالث) ما ذكره في الكتاب وسنتكلم فيه (التفريع) ان قلنا بالاول
فلو لم تجب الكفارة علي الزوج لكونه مفطرا وجبت الكفارة عليها
وكذا لو لم يبطل صومه بأن كان نائما فاستدخلت ذكره أو كان ناسيا وهى ذاكرة ويعتبر في حق كل واحد منهما حاله في اليسار والاعسار (وإن قلنا) بالقول الاصح فالكفارة التي يخرجها الزوج تختص به ولا يلاقيها أم تقع عنهما جميعا وهو يتحمل عنها فيه قولان مستخرجان من كلام الشافعي رضي الله عنه وقد يعبر عنهما بوجهين (احدهما) انها تختص به ولا يلاقيها لانه لو تعلق الواجب بها لامرت باخراجه (والثانى) انها يلاقيها وهو متحمل ووجهه صاحبا التهذيب والتتمة بالحاق الكفارة بثمن ماء الاغتسال كأنهما قدراه متفقا عليه لكن الحناطى حكى طريقا آخر قاطعا بأن ثمن ماء الاغتسال عليها لا عليه
وأشار إلي ترجيحه ثم الاصح من هذين القولين عند صاحب الكتاب هو الاول وبه قال الحناطى وآخرون وذكر الامام أن ظاهر المذهب هو الثاني وقد يحتج له بقوله في المختصر والكفارة عليه واحدة عنه وعنها لكن من قال بالاول حمله علي انها تجزى عن الفعلين جميعا ولا يلزمها كفارة خاصة خلاف ماقاله أبو حنيفة ويتفرع علي هذين القولين صور (أحداها) إذا أفطرت بالزنا أو بالوطئ بالشبهة (فان قلنا) الوجوب لا يلاقيها فلا شئ عليها (وإن قلنا) بالثاني فعليها الكفارة لان رابطة التحمل الزوجية ونقل عن الحاوى ان القاضى ابا حامد قال تجب الكفارة عليها بكل حال (الثانية) لو كان الزوج مجنونا وقلنا بالاول فلا شئ عليها وان قلنا بالثاني فوجهان (اظهرهما) وهو المذكور في الكتاب انه يلزمها الكفارة لان التحمل لا يليق بحاله ولهذا لم تجب عليه الكفارة لنفسه (والثاني) انه يلزمه الكفارة لها لان ماله يصلح للتحمل وإن كان مراهقا فهو كالمجنون لان المذهب ان فعله لا يوجب الكفارة وخرج بعض الاصحاب من قولنا ان عمد الصبى عمد انه يلزمه الكفارة فعلي هذا هو كالبالغ ولو كان الزوج ناسيا أو نائما فاستدخلت ذكره فالحكم كما ذكرنا في المجنون (الثالثة) لو كان الزوج مسافرا والمرأة حاضرة وافطر بالجماع على قصد الترخص فلا كفارة عليه وإن لم نقصد الترخص فوجهان في لزوم الكفارة (اصحهما) انها لا تلزم لان الافطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة وهذا حكم المريض الذى يباح له الفطر إذا اصبح صائما ثم جامع
والصحيح إذا مرض في اثاء النهار ثم جامع فحيث قلنا بوجوب الكفارة فهو كغيره وحكم التحمل كما سبق وحيث قلنا لا كفارة فهو كالمجنون وذكر اصحابنا العراقيون فيما إذا قدم المسافر مفطرا فأخبرته بأنها مفطرة وكانت صائمة ان الكفارة عليها إذا قلنا ان الوجوب يلاقيها لانها غرته وهو معذور ويشبه أن يكون هذا جوابا على قولنا ان المجنون لا يتحمل وإلا فليس العذر ههنا أوضح من العذر في المجنون والله أعلم (الرابعة) إذا فرعنا علي القول الثاني وهو ان الوجوب يلاقيها وجب اعتبار حالهما ولا يخلو
إما ان يتفق حال الزوج والمرأة أو يختلف فان اتفق حالهما نظر ان كانا من أهل الاعتاق والاطعام أجزأ المخرج عنهما وان كانا من أهل الصيام
اما للاعسار بالعتق أو لكونهما مملوكلين فعلي كل واحد منهما صوم شهرين لان الصوم عبادة بدنية ولا مدخل للتحمل في عبادات الابدان وان اختلف حالهما لم يخل
اما أن يكون الزوج أعلي حالا منها أو تكون هي أعلي حالا منه فان كان الزوج أعلى حالا نظر ان كان هو من أهل الاعتاق وهى من أهل الصيام والاطعام ففيه وجهان (أظهرهما) ولم يذكر العراقيون غيره انه يجزئ الاعتاق عنهما جميعا لان من فرضه الصيام أو الاطعام يجزئه التكفير بالعتق بطريق الاولي نعم لو كانت أمة فعليها الصوم لان الاعتاق لا يجزئ عنها
قال في المهذب الا إذا قلنا ان العبد يملك بالتمليك فتكون الامة كالحرة المعسرة (والثاني) لا يجزئ عنها لاختلاف جنس الواجب وعلي هذا فعليها الصيام في الصورة الاولى وعلي من الاطعام في الصورة الثانية فيه وجهان (اظهرهما) انه على الزوج فان عجز في الحال ثبت في ذمته إلى أن يقدر وذلك لان الكفارة علي القول الذى عليه نفرع معدودة من مؤنات الزوجة الازمة على الزوج (والثاني) ذكره في التهذيب انه عليها لان التحمل كالتداخل لا يجزئ عند اختلاف الجنس وان كان هو من أهل الصيام وهى من أهل الاطعام فالذي قاله الائمة انه يصوم عن نفسه ويطعم عنها لان الصوم لا يتحمل به وقضية قول من قال باجزاء الاعتاق عن الصيام في الصورة السابقة اجزاء الصيام عن الاطعام لان من فرضه الاطعام لو تحمل المشقة وصام أجزأه والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل وان كانت الزوجة أعلي حالا منه نظر ان كانت من أهل الاعتاق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وأعتق عنها إذا قدر وان كانت من أهل الصيام وهو من أهل الاطعام صامت عن نفسها وأطعم الزوج عن نفسه (المسألة) الثانية إذا أفسد صومه بغير الجماع كالاكل والشرب والاستمناء والمباشرات المفضية إلى الانزال فلا كفارة عليه لان النص ورد في الجماع وما عداه ليس في معناه وهل يلزمه الفدية فيه خلاف سيأتي من بعد * وقال مالك تجب الكفارة بكل افساد يعصي به الا الردة والاستمناء والاستقاءة * وقال ابو حنيفة تجب الكفارة بتناول ما يقصد تناوله ولا تجب بابتلاع الحصاة والنواة ولا بمقدمات الجماع * وقال أحمد لا تجب بالاكل والشرب وتجب بالمباشرات المفسدة للصوم (الثالثة) تجب الكفارة بالزنا وجماع الامة
وكذلك باتيان البهيمة والاتيان في غير المأتي ولا فرق بين أن ينزل أولا ينزل وذهب بعض الاصحاب الي بناء الكفارة فيها علي الحد إن أوجبنا الحد فيهما أو جبنا الكفارة والا فوجهان وعند ابي حنيفة رحمه الله اتيان البهيمة ان كان بلا انزال لم يتعلق به الافطار فضلا عن الكفارة وان كان مع الانزال افطر ولا كفارة وفى اللواط هل يتوقف الافطار علي الانزال فيه روايتان وإذا حصل الافطار ففى الكفارة روايتان
والاظهر ان الافطار لا يتوقف على الانزال وان الكفارة تجب وعند احمد تجب الكفارة في اللواط
وكذا في اتيان البهيمة علي أصح الروايتين (واعلم) ان المسائل الثلاث في الفصل متعلقة بالقيد الثالث في الضابط وهو كون الافساد بجماع تام فيدخل فيه صور المسألة الثالثة ويخرج صور الثانية
وأما الاولي فقد قصد صاحب الكتاب بوصف الجماع بالتمام الاحتراز عنها لان المرأة إذا جومعت حصل فساد صومها قبل تمام حد الجماع بوصول اول الحشفة إلى باطنها فالجماع يطرأ على صوم فاسد وبهذا المعنى علل اصح القولين وهو ان المرأة لا تؤمر باخراج الكفارة ويروى هذا التعليل عن الاستاذ ابى طاهر وطائفة لكن الاكثرين زيفوه وقالوا يتصور فساد صومها بالجماع بأن يولج وهى نائمة أو ناسية أو مكرهة ثم تستيقظ أو تتذكر أو تطاوع بعد الايلاج وتستديمه والحكم لا يختلف علي القولين فعلى هذا جماع المرأة إذا قلنا لا شئ عليها والوجوب لا يلاقيها مستثنى عن الظابط (وقوله) وفيه قول قديم أراد به القول الثاني وهو انها تؤمر باخراج الكفارة كالرجل وهذا قد نقله الامام وصاحب الكتاب في الوسيط عن الاملاء وليس تسميته قديما من هذا الوجه فان الاملاء محسوب من الكتب الجديدة ولكن رأيت لبعض الائمة روايته عن القديم والاملاء معا ويشبه أن يكون له في القديم قولان (أحدهما) كالجديد لان المحاملي حكى القول الصحيح عن الكتب الجديدة والقديمة جميعا (وقوله) ولا يتحمل الزانى أي على قولنا أن الوجوب يلاقيها والزوج يتحمل
(وأما) مواضع العلامات (فقوله) ولا علي المرأة مرقوم بالحاء والميم (وقوله) ولا الزوج المجنون ولا المسافر كلاهما بالواو لما قدمنا وليس قوله إذا لا كفارة عليهما خاليا في حق المسافر عن التفصيل والخلاف (وقوله) ولا عن المعسرة يشمل ما إذا كانت معسرة وهو قادر علي الاعتاق وفى هذه الصورة خلاف تقدم فلا يبعد اعلامه بالواو (وقوله) ولا كفارة على من افطر بغير جماع معلم بالميم والحاء والالف
ويجوز أن يعلم بالواو أيضا لامور (احدها) انه نقل عن الحاوى أن أبا علي ابن ابى هريرة قال تجب بالاكل والشرب كفارة فوق كفارة المرضع والحامل دون كفارة المجامع قال أقضى القضاة وهذا مذهب لا يستند إلى خبر ولا أثر ولا قياس (والثانى) أن أبا خلف الطبري وهو من تلامذة القفال اختار وجوب الكفارة بكل ما يأثم بالافطار به (والثالث) أن الحناطي ذكر أن عبد الحكم روى عنه ايجاب الكفارة فيما إذا جامع فيما دون الفرج فأنزل ووطئ البهيمة والاتيان في غير المأتي معلمان بالحاء والواو * قال {ولا تجب على من ظن أن الصبح غير طالع فجامع} * إذا ظن ان الصبح غير طالع فجامع ثم تبين خلافه فحكم الافطار قد مر ولكن لا كفارة عليه لانه غير مأثوم بما فعل فلا يستحق التغليظ قال الامام رحمه الله ومن قال بوجوب الكفارة علي الناسي بالجماع يقول بمثله ههنا لتقصيره بترك البحث ولو ظن ان الشمس قد غربت فجامع ثم بان خلافه فقد ذكر صاحب التهذيب وغيره انه لا كفارة عليه ايضا لانها تسقط بالشبهة وهذا ينبغى ان يكون مفرعا على تجويز الافطار والحالة هذه والا فتجب الكفارة وفاء بالضابط المذكور لما يوجب الكفارة ولو اكل الصائم ناسيا فظن بطلان صومه فجامع فهل يفطر فيه وجهان (احدهما) لا كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيا وتكلم عامدا لا تبطل صلاته (واصحهما) ولم يذكر الاكثرون غيره انه يفطر كما لو جامع علي ظن ان الصبح لم يطلع فبان خلافه وعلي هذا فلا تجب الكفارة لانه وطئ وهو يعتقد انه غير صائم وعن القاضي ابي الطيب انه يحتمل ان تجب الكفارة لان هذا الظن لا يبيح الوطئ ولو افطر المسافر بالزنا مترخصا فلا كفارة عليه لانه وان اثم بهذا الجماع لكن لم يأثم به بسبب الصوم فان الافطار جائز له ولو زنا المقيم ناسيا للصوم وقلنا ان الصوم يفسد بالجماع ناسيا فلا كفارة عليه ايضا علي الوجه الاصح لانه لم يأتم بسبب الصوم فانه كان ناسيا له وإذا تأملت هذه الصور عرفت اشتراكها في شئ واحد وهو ان المجامع فيها غير ماثوم بالجماع بسبب الصوم ثم منها مالا اثم فيه ومنها ما فيه اثم ولكن لا بسبب الصوم وهي متعلقة بالقيد الذى ذكره آخرا وهو قوله اثم به لاجل الصوم وهذا يجوز ان يقدر وصفا واحدا به يحصل الاحتراز عن الصور كلها فحيث لا اثم لا إثم بسبب الصوم
ويجوز ان يقدر وصفين (احدهما) كونه ماثوما به (والثانى) كونه ماثوما به بسبب الصوم فبالاول يحصل الاحتراز عن الصور التي لا اثم فيها وفيها جماع المراهق والمسافر والمريض علي قصد الترخص كما سبق وبالثانى يحصل الاحثراز عن الصور التي يأثم فيها لا بالصوم * قال {وتجب على المنفرد (ح) برؤية الهلال وعلي من جامع مرارا كفارت (ح) وتجب علي من جامع ثم انسأالسفر (ح) ولو طرأ بعد الجماع مرض أو جنون أو حيض سقط في قول ولم يسقط في قول وتسقط بالجنون والحيض (م) دون المرض (ح) في قول} * في الفصل ثلاث مسائل (احداها) إذا رأى هلال رمضان وحده وجب عليه صومه وإذا صامه وافطر بالجماع فعليه الكفارة وبه قال مالك واحمد خلافا لابي حنيفة رحمهم الله * لنا أنه هتك حرمة يوم من رمضان بافساد صومه بالجماع فاشبه سائر الايام ولو رأى هلال شوال وحده وجب عليه أن يفطر ويخفى افطاره عن الناس كيلا يتهم * وعن أبي حنيفة واحمد أنه لا يفطر برؤيته وحده * لنا ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " وإذا رؤى رجل يأكل يوم الثلاثين من رمضان بلا عذر عزر عليه
فلو شهد أنه رأى الهلال لم يقبل لانه متهم يريد اسقاط التعزير عن نفسه
بخلاف ما إذا شهد اولا فردت شهادته نم اكل لا يعزر (الثانية) لو افطر بالجماع ثم جامع في ذلك اليوم ثانيا فلا كفارة عليه إذ الجماع الثاني لم يقع مفسدا ولو جامع في يومين أوفي رمضانين فعليه كفارتان سواء كفر عن الاول أو لم يكفر وبه قال مالك * وقال ابو حنيفة إذا جامع في يومين ولم يكفر عن الاول لم يلزمه الا كفارة واحدة
وعنه فيما إذا كفر روايتان ولو جامع في رمضانين فالمشهور أنه يلزمه كفارتان بكل حال
وعنه رواية اخرى انه كاليومين * وقال احمد إذا وطئ في يومين فكفر عن الاول فعليه كفارة أخرى وان لم يكفر فلاصحابه فيه اختلاف * لنا ان صوم كل يوم عبادة برأسها فلا تتداخل كفارتاهما كالحجتين إذا جامع فيهما (الثالثة) إذا افسد صومه بالجماع ثم انشأ سفرا طويلا في يومه لم تسقط عنه الكفارة لان السفر المنشأ في اثناء النهار لا يبيح الفطر فيه فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة وعن صاحب التقريب والحناطي ان سقوط الكفارة مخرج على خلاف سنذكره في نظائره ويروى عن ابى حنيفة رحمه الله في المسالة روايتان (اصحهما) انها لا تسقط وصاحب الكتاب لم يرو عنه في الوسيط الا السقوط ولذلك اعلم قوله في الكتاب وتجب علي من جامع بالحاء مع الواو ولو جامع ثم مرض ففيه طريقان (احدهما) انه لا تسقط الكفارة ايضا كالسفر (واظهرهما) أنه علي قولين (اظهرهما) وبه قال مالك واحمد انه لا تسقط لانه هتك حرمة الصوم بما فعل (والثانى) تسقط لان المرض الطارئ يبيح الفطر فيتبين به أن الصوم لم يقع مستحقا وبهذا قال ابو حنيفة ولو طرأ بعد الجماع جنون أو حيض فقولان اشار اليهما في اختلاف العراقيين (اظهرهما) وبه قال ابو حنيفة انها تسقط لان الجنون والحيض ينافيان الصوم فيتبين بعروضهما انه لم يكن صائما في ذلك اليوم (والثانى) لا تسقط لقصده الهتك اولا والمسألة في الحيض مفرعة على ان المرأة إذا افطرت بالجماع تلزمها الكفارة وعروض الموت كعروض الحيض والجنون وإذا جمعت بين المرض والجنون والحيض انتظم فيها ثلاثة اقوال كما ذكر في الكتاب فان ضممت السفر إليها وتعرضت للطريقة البعيدة حصلت اربعة اقوال رابعها انه يسقط بها دون السفر والله اعلم * قال {ثم هذه كفارة مرتبة ككفارة الظهار وفى وجوب القضاء وجواز العدول من الصوم الي الاطعام بعذر شدة الغلمة وجواز تفريق الكفارة علي الزوجة والولد عند الفقر واستقرار الكفارة في الذمة عند العجز عن جميع هذه الخصال وقت الجماع خلاف ففى وجه نميل االى القياس ونحمل هذه القضايا في حديث الاعرابي علي خاصيتها وفى وجه نعمل بطاهر الحديث} * القول في كيفية الكفارة إنما يستقصي في باب الكفارات والكلام الجملي أن هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار فيلزم عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا لما ذكرنا في حديث أبى هريرة رضى الله عنه وقال مالك يتخير بين الخصال الثلاثة وهو رواية عن احمد
والاصح عنه مثل مذهبنا ثم في الفصل صور (احداها) إذا افسد صومه بالوقاع ولزمته الكفارة هل يلزمه قضاء اليوم الذى أفسده معها فيه ثلاثة أوجه ومنهم من يقول قولان ووجه للاصحاب لانه حكى عن الامام أنه قال يحتمل أن يجب القضاء ويحتمل أن يدخل في الكفارة وكل وجه (احدهما) انه لا يجب القضاء لان الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة ولانه صلي الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي بالكفارة (واصحهما) أنه يجب لانه روى في بعض الرويات أنه صلي الله عليه وسلم قال للرجل " واقض يوما مكانه "(وثالثها) أنه إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا لاختلاف الجنس قال ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة ولا يتحمل الزوج فان الكفارة إذا كانت صوما لم تتحمل فما ظنك بالقضاء (الثانية) شدة الغلمة هل يكون عذرا في العدول من الصيام إلى الاطعام فيه وجهان (أحدهما) نعم لما روى " أنه صلي الله عليه وسلم قال للاعرابي الذى جاءه وقد واقع صم شهرين قال هل أتيت الا من قبل الصوم فقال اطعم ستين مسكينا "(والثانى) لا لمكان القدرة على الصوم وسنذكر ما الاظهر منهما (الثالثة) لو كان من لزمته الكفارة فقيرا فهل له صرف الكفارة إلى أهله وأولاده فيه وجهان (أحدهما) نعم لقوله صلى الله عليه وسلم للاعرابي " أطعمه أهلك وعيالك "(وأصحهما) لا كالزكوات وسائر الكفارات
(وأما) الحديث فلا نسلم أن الذى أمره بصرفه الي الاهل والعيال كان كفارة وهذا لانه يحتمل أنه لم يملكه ذلك وانما أراد أن يملكه ليكفر فلما أخبره بحاجته صرفه إليه صدقة ويحتمل أنه ملكه وأمره بالتصدق به فلما اخبره بحاجته أذن له في أكله واطعامه عياله ليبين أن الكفارة انما تجب إذا فضل عن الكفاية وان سلمنا أنه كان كفارة ولكن يحتمل أن النبي صلي الله عليه وسلم تطوع بالتكفير عنه فسوغ له صرفه الي الاهل والعيال فيكون
فائدة الخبر أنه يجوز للغير التطوع بالكفارة عن الغير باذنه وانه يجوز للمتطوع صرفه إلى اهل المكفر عنه وعياله وهذه الاحتمالات بأسرها منقولة عن الام (الرابعة) إذا عجز عن جميغ الخصال فهل تستقر الكفارة في ذمته قال الاصحاب الحقوق المالية الواجبة لله تنقسم الي ما تجب لا بسبب يباشره العبد وإلي ما تجب بسبب يباشره فالاول كزكاة الفطر إن كان قادرا وقت وجوبها وجبت والا لم تستقر في ذمته الي أن يقدر (والثانى) علي ضربين ما يجب على وجه البدل كجزاء الصيد فان كان قادرا عليه فذاك والا ثبت في ذمته الي أن يقدر تغليبا لمعني الغرامة وما يجب لا على وجه البدل ككفارة الوقاع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان (أحدهما) انها تسقط عند العجز كزكاة الفطر وبه قال أحمد (وأصحهما) انها لا تسقط كجزاء الصيد فعلي هذا متي قدر علي احدى الخصال لزمته * واحتج للقول الاول بأن النبي صلي الله عليه وسلم " لما أمر الاعرابي بأن يطعمه أهله وعياله لم يأمره بالاخراج في ثانى الحال " ولو وجب ذلك لاشبه أن يبين له ولمن رجح الثاني أن يقول لم قلت أن المصروف الي الاهل والعيال لم يقع تكفيرا فانا روينا وجها مجوزا عند الفقر ان سلمنا ذلك ولكن يحتمل ان يكون الغرض باقيا في ذمته ولم يبين له ذلك لان حاجته الي معرفة الوجوب انما تمس عند القدرة وتأخير البيان إلي وقت الحاجة جائز وهذا الذى ذكرناه يوقفك على انه لا يمكن الاستدلال بخبر الاعرابي في هذه الصورة والتي قبلها علي الجمع وانما يمكن الاستدلال به في أحداهما لان المأمور بصرفه الي الاهل والعيال
إما أن يكون كفارة أو لا يكون ان كان لم يصح الاستدال به في هذه الصورة وان لم يكن لم يصح في الصورة السابقة وأعرف بعد هذا في لفظ الكتاب شيئين (أحدهما) انه أطلق ذكر الخلاف في الصور الاربع وفسره بوجهين وهو مسلم في الصورة الثانية والثالثة
(وأما) الاولي فقد ذكرنا ان من الاصحاب من يجعل الخلاف فيها قولا
وكذا ذكره القفال في شرح التلخيص
(وأما) الرابعة فالجمهور حكوا الخلاف فيها قولين وانما اطلق صاحب الكتاب فيها الوجهين تقليدا للامام (والثانى) انه بين ان احد طرفي الخلاف في الصور جميعا يوجه بالقياس والثاني بظاهر الخبر وإذا جرينا علي القياس حملنا قصة الاعرابي على خاصيته وخاصية اهله قال الامام وكثيرا ماكان يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الاضحية وإرضاع الكبير ونحوهما وهذا وان كان على بعد فهو أهون من تشويش أصول الشريعة (واعلم) أن مثل هذا التأويل انما يصار إليه عند الاضطرار ولنا عنه مندوحه
اما في غير الصورة الثانية فقد بيناه
وأما في الثانية فانما يحتاج الي تأويل الخبر فيها من يجعل الاظهر امتناع العدول إلى الاطعام بعذر شدة الغلمة ومنهم صاحب الكتاب فانه أعاد المسألة في آخر كتاب الكفارات وزجح وجه الامتناع وقضية كلام الاكثرين التجويز ولم يورد صاحب التهذيب غيره فإذا صرنا إليه عملنا بظاهر الخبر واستغنينا عن التأويل * قال {الرابع الفدية وهى مد من الطعام مصرفها مصرف الصدقات} * الاصل في الفدية الخبر والاثر علي ما سياتي ذكرهما وهى مد من الطعام لكل يوم من أيام رمضان وجنسه جنس زكاه الفطر فيعتبر على الاصح غالب قوت البلد ولا يجزئ الدقيق والسويق كما مر (وقوله) مصرفها مصرف الصدقات ليس المراد من الصدقات ههنا الزكوات فلا تصرف الفدية الي الاصناف الثمانية وانما المراد التطوعات وهى في الغالب مصروفة إلى الفقراء والمساكين وكل مد بمثابة كفارة تامة فيجوز صرف عدد منها الي مسكين واحد
بخلاف امداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها الي مسكين كما سيأتي في موضعه
ويجوز أن يعلم قوله مد بالحاء والالف لانه روى عن أبى حنيفة رحمه الله انها مد من بر أو صاع من تمر وعن احمد رحمه الله انها مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير * قال {وتجب بثلاثة طرق (احدها) فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه ومات قبل القضاء فيخرج من تركته مد وقال في القديم يصوم عنه وليه ولا يجب علي من فاته بالمرض ويجب على الشيخ الهرم علي الصحيح} * فقه الفصل مسألتان (احداهما) إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان قبل القضاء فله حالتان (احداهما) أن يكون موته بعد التمكن من القضاء فلا بد من تداركه بعد موته وما طريقه فيه قولان (الجديد) وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله ان طريقه ان يطعم من تركته لكل يوم مد لما روى مرفوعا وموقوفا علي ابن عمر رضي الله عنهما ان من مات وعليه صوم فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين " ولا سبيل الي الصوم عنه لان الصوم عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة (والقديم) وبه قال احمد انه يجوز لوليه ان يصوم عنه لما روى عن عائشة رضى الله عنها انه صلي الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صوم صام عنه وليه " وإذا فرعنا عي القديم
فلو امر الولي اجنبيا بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير اجرة جاز كما في الحج ولو استقل به الأجنبي ففى اجزائه وجهان (اظهرهما) المنع والمعتبر على هذا القول الولاية علي ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو بشرط العصوبة أو الارث توقف الامام رحمه الله فيه وقال لا نقل عندي في ذلك وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الاشبه اعتبار الارث والله اعلم * ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه ولا يسقط عنه بالفدية وعن البويطي ان الشافعي رضى الله عنه
قال في الاعتكاف يعتكف عنه وليه وفى رواية يطعم عنه وليه قال صاحب التهذيب ولا يبعد نخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد وإذا قلنا بالاطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمد اعتكف يوم بليلته هكذا حكاه الامام عن رواية شيخه قال وهو مشكل فان اعتكاف لحظة عبادة تامة وإن قيس علي الصوم فالليل ثم خارج عن الاعتبار (والحالة الثانية) أن تكون موتته قبل التمكن من القضاء بأن لا يزال مريضا من استهلال شوال الي أن يموت فلا شئ في تركته ولا علي ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن من الاداء لا شئ عليه (المسألة الثانية) الشيخ الهرم الذى لا يطيق الصوم أو يلحقه مشقة شديدة فلا صوم عليه وفى الفدية قولان (أحدهما) ويحكى عن رواية البويطى وحرمله انها لا تجب عليه وبه قال مالك كالمريض الذى يرجى زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت وأيضا فانه سقط فرض الصوم عنه فأشبه الصبى والمجنون (وأصحهما) وبه قال أبو حنيفة وأحمد انها تجب ويروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم وقرأ ابن عباس (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ومعناه يكلفون الصوم فلا يطيقونه والقولان جاريان في المريض الذى لا يرجي برؤه وحكم صوم الكفارة والنذر حكم صوم رمضان ولو نذر في حال العجز صوما ففى انعقاده وجهان وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ
فلو كان معسرا هل تلزمه إذا قدر فيه قولان كما ذكرنا في الكفارة ولو كان رقيقا فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الاعسار وأولى بأن لا يجب لانه لم يكن من أهل الفدية عند الافطار ولو قدر الشيخ بعد ما أفطر علي الصوم هل يلزمه الصوم قضاء نقل صاحب التهذيب انه لا يلزمه لانه لم يكن مخاطبا بالصوم بل كان مخاطبا بالفدية
بخلاف المعضوب إذا احج الغير عنه ثم قدر يلزمه الحج في قول لانه كان مخاطبا بالحج ثم قال من عند نفسه إذا قدر قبل أن يفدى عليه أن يصوم وان قد بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالحج لانه كان مخاطبا بالفدية على توهم أن عذره غير زائل وقد بان خلافه (واعلم) ان في كون الشبخ مخاطبا بالفدية دون الصوم كلاما فان صاحب التتمة في آخرين نقلوا خلافا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم ثم ينتقل للعجز الي الفدية ام يخاطب بالفداء ابتداء وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره وإذا كان كذلك فلصاحب التهذيب ان يمنع قول من قال إنه لم يكن مخاطبا بالصوم
(وأما) لفظ الكتاب فقوله فوات نفس الصوم انما اطلق اللفظ هكذا ليشمل القضاء والاداء فان الفدية قد تجب مع القضاء على ما سيأتي ثم ليس الفوات موجبا للفدية علي الاطلاق بدليل الصبي والمجنون ومن لم يتمكن من القضاء بل في بعض المواضع وهو ما إذا أخر القضاء مع الامكان وفى حق الشيخ الهرم فلذلك قال فوات نفس الصوم فيمن تعدى بتركه ثم قوله فيمن تعدى بتركه ينبغى ان يحمل على ترك الصوم نفسه لا علي ترك الاداء والتعدى بترك نفس الصوم بعد ترك الاداء انما يكون بالتعدي في ترك القضاء وقد يسبق الي الفهم من لفظ صاحب الكتاب ههنا وفى الوسيط ان المراد التعدي بترك الاداء لكن القولين المذكورين في انه يصام عنه أو يطعم غير مخصوص به بل الاكثرون من أصحابنا العراقيين
اما نقلوا القولين في المعذور بترك الاداء إذا تمكن من القضاء ولم يقض (وقوله) يصوم عنه وليه في الحكاية عن القديم ليس المراد منه انه يلزمه ذلك وإنما القول القديم انه يجوز له ذلك ان أراده هكذا أورده في التهذيب وحكاه الامام عن الشيخ أبى محمد وهو كالمتردد فيه ثم قوله يصوم معلم بالحاء والميم لما سبق وبالالف أيضا لان عند أحمد لا يصوم عنه في قضاء رمضان وفيه كلام الكتاب ولكن لو كان عليه صوم نذر صام عنه وليه وعندنا لا فرق على القولين (وقوله) ولا يجب علي من فاته بالمرض المراد منه الحالة الثانيه وهى ان يستمر المرض ويمنعه من القضاء ولو أفطر بعذر السفر ودام السفر إلى الموت فلا شئ عليه ايضا * قال {الثاني ما يجب بفضيلة الوقت وهي في حق الحامل والمرضع فإذا أفطرتا خوفا على ولديهما قضتا وافتدتا عن كل يوم مدا وفيه قول آخر انه لا يجب كالمريض وهل يلحق بهما الافطار بالعدوان ومن أنقذ غيره من الهلاك وافتقر إلي الافطار فيه وجهان} * الحامل والمرضع إن خافتا علي أنفسهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما كالمريض وإن لم يخفا من الصوم الا على الولد فلهما الافطار وعليهما القضاء وفى الفدية ثلاثة أقوال (أصحها) وبه قال احمد أنها تجب لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله تعالي (وعلي الذين يطيقونه فدية) انه منسوخ الحكم الا في حق الحامل والمرضع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " في الحامل والمرضع إذا خافتا علي ولديهما أفطرتا وافتدتا "(والثاني) انه تستحب لهما الفدية ولا تجب وبه قال أبو حنيفة والمزنى واختاره القاضى الروياني في الحلية ووجهه تشبيه الحامل بالمريض لان الضرر الذى يصيب الولد يتأدى إليها وتشبيه المرضع بالمسافر لانهما يفطران لئلا يمنعهما الصوم عما هما بصدده وهو الارضاع في حق هذه والسفر في حق ذاك وقد يشبهان معا بالمريض والمسافر من حيث ان الافطار مانع لهما والقضاء يكفى تداركا (والثالث) وبه قال مالك انها تحب علي المرضع دون الحامل لان المرضع لا تخاف علي نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف علي الولد فكانت كالمريض ويحكى القول الاول عن الام والقديم والثانى عن رواية حرملة والثالث عن البويطي وإذا فرعنا علي الاصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الاولاد في أصح الوجهين وهو الذى أورده في التهذيب وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها أو غيره باجارة أو غيرها نفى صاحب التتمة الفرق وقال تفطر المستأجرة وتفدى كما أن السفر لما افاد جواز الافطار لا يفترق الحال فيه بين أن يكون لغرض نفسه أو غرض غيره وأجاب صاحب الكتاب في الفتاوى بان المستأجرة لا تفطر
بخلاف الام لانها متعينة طبعا وإذا لم تفطر فلا خيار لاهل الصبي ولو كانت الحامل أو المرضع مسافرة أو مريضة فافطرت علي قصد الترخص بالمرض والسفر فلا فدية عليها وان لم تقصد الترخص ففى لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا افطر بالجماع ثم في الفصل مسألتان (احداهما) إذا افطر بغير الجماع عمدا في نهار رمضان هل تلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان (احدهما) نعم لانها واجبة علي الحامل والمرضع مع قيام العذر والترخيص في الافطار فلان تجب عليه مع أنه غير معذور كان أولي (واظهرهما) لا لانه لم يرد فيه توقيف وحيث وجبت الفدية انما وجبت جابرة وهي لا تجبر ما تعدى ولا يليق بعظم جريمته ويخالف الحامل والمرضع لان هناك ارتفق بالافطار شخصان فجاز أن يتعلق به بدلان وهما القضاء والفدية كالجماع لما ارتفق به الرجل والمرأة تعين القضاء والكفارة العظمى وههنا بخلافه وقرب الامام الوجهين في المسألة بالوجهين في ان من تعمد بترك الابعاض هل يسجد للسهو (الثانية) لو رأى مشرفا على الهلاك بغرق وغيره وهو بسبيل من تخليصه ولكن افتقر في تخليصه إلى الافطار فله ذلك ويقضي وهل تلزمه الفدية فيه وجهان (اظهرهما) وبه قال القفال نعم لانه فطر ارتفق به شخصان كما في حق المرضع والحامل (والثاني) لا لان ايجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف والوجهان فيما ذكر الشيخ ابو محمد مبنيان على الخلاف في وجوب الفدية علي الحامل والمرضع ان أوجبناها فكذلك ههنا والا فلا
وأشار مشيرون الي تخريج الخلاف ههنا مع التفريع علي وجوب الفدية ثم وفرقوا بان الافطار ثم لاحياء نفس عاجزة عن الصوم خلقة فاشبه افطار الشيخ الهرم وههنا الغريق غير عاجز عن الصوم والله أعلم * وقوله في الكتاب ما تجب لفضيلة الوقت معناه ان الفدية قد تجب جبرا لفوات فضيلة الوقت مع تدارك أصل الصوم بالقضاء وليس ذلك موجبا علي الاطلاق بدليل المسافر والمريض وانما تجب في المواضع التي عدها فلذلك قال وهو في حق الحامل إلى آخره (وقوله) وافتدتا معلم بالحاء والزاى
ويجوز أن يعلم بالميم أيضا
وكذا قوله لا يجب عليهما لان مالكا يفصل فلا يقول بوجوبها عليهما ولا ينفيها عنهما * قال {الثالث ما يجب لتأخير القضاء فلكل يوم أخر قضاؤه عن السنة الاولي مع الامكان مد وإن تكررت السنون ففى تكررها وجهان} * من عليه قضاء رمضان وأخره حتى دخل رمضان السنة القابلة نظر ان كان مسافرا أو مريضا فلا شئ عليه بالتأخير فان تأخير الاداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى بالجواز وان لم يكن وهو المراد من قوله مع الامكان فعليه مع القضاء لكل يوم مد وبه قال مالك واحمد خلافا لابي حنيفة والمزني لنا الاثر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان النبي صلي الله عليه وسلم قال " من أدرك رمضان فافطر لمرض ثم صح ولم يقضه حتى أدرك رمضان آخر صام الذى أدرك ثم يقضى ما عليه ثم يطعم عن كل يوم مسكينا " ولو أخر حتى مضى رمضانان فصاعدا ففى تكرر الفدية وجهان (أحدهما) أنها لا تتكرر بل تتداخل كالحدود لان الفدية انما وجبت في السنة الاولى لانه أخرج القضاء عن وقته وهو مابين الرمضانين وهذا لا يتكرر (والثانى) أنها تتكرر
قال في النهاية وهو الاصح لانه يجب عليه فدية لتأخير سنة فيجب فديتان لتأخير سنتين والحقوق المالية لا تتداخل ولو كان قد افطر عداونا وعلقنا به الفدية فاخر القضاء فعليه لكل يوم فديتان واحدة للافطار وأخرى للتأخير ولا تداخل لاختلاف الموجب ورأيت فيما علق عن ابراهيم المروروزى ترتيبه على مالو أخر القضاء حتى مضي رمضانان ان عددنا الفدية ثم فههنا أولي والا فوجهان لاختلاف جنس الموجب وإذا أخر القضاء مع الامكان ومات قبل أن يقضى وقلنا الميت يطعم عنه فوجهان (أصحهما) انه يخرج من تركته لكل يوم مدان أحدهما لتاخير القضاء والآخر لفوات أصل الصوم (والثاني) ويحكى عن ابن سريج انه يكفى مد
(وأما) إذا قلنا ان الميت يصام عنه فصوم الولي يحصل به تدارك أصل الصوم ويفدى عنه للتأخير وإذا فرعنا علي الاصح وهو اخراج مدين
فلو كان عليه قضاء عشرة أيام فمات قبل أن يقضى ولم يبق من شعبان الا خمسة ايام أخرج من تركته خمسة عشر مدا عشرة لاصل الصوم وخمسة للتأخير لانه لو عاش لم يمكنه الا قضاء خمسة ولو افطر بغير عذر وأوجبنا به الفدية وأخر حتى دخل رمضان السنة الثانية ومات قبل أن يقضى فالظاهر وجوب ثلاثة امداد لكل يوم فان تكررت السنون زادت الامداد وإذا لم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء الفائت فهل يلزمه في الحال الفدية عما لا يسع الوقت أم لا يلزم الا بعد مجئ رمضان فيه وجهان مشبهان لما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غدا فانصب قبل الغد يحنث في الحال أو بعد مجئ الغد ولو أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجئ رمضان السنة القابلة ليؤخر القضاء مع الامكان ففى جوازه وجهان كالوجهين في جواز تعجيل الكفارة عن الحنث المحظور فهذا شرح الطرق الثلاثة الموجبة للفدية على ما فيها من الخلاف وإذا أردت حصرها فقل لا شك ان الفدية انما تجب عند فوات الاداء وإذا فات الاداء
فاما أن نوجب القضاء أيضا وهو في حق من مات قبل القضاء وفى الشيخ الهرم أو لا يفوت
فاما ان يقع مؤخرا عن رمضان السنة القابلة وهو الطريق الثالث أو لا يقع فتجب لفضيلة الوقت في المواضع المذكورة في الطريق الثاني * قال
{واما صوم التطوع فلا يلزم (م ح) بالشروع وكذا القضاء (م ح) إذا لم يكن علي الفور} * من شرع في صوم تطوع أو في صلاة تطوع لم يلزمه الاتمام ولا قضاء عليه لو خرج من صومه وصلاته وبه قال احمد وعند ابى حنيفة رحمه الله لا يجوز الافطار بغير عذر
ويجب القضاء سواء افطر بعذر أو بغير عذر وقال مالك ان خرج بغير عذر لزمه القضاء والا فلا * لنا ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت " دخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم فقلت انا خبأنا لك حيسا قال
أما اني كنت اريد الصوم ولكن قريبه " وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت " دخل علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنا صائمة فناولني فضل شرابه فشربت فقلت يارسول الله انى كنت صائمة وانى كرهت ان ارد سؤرك فقال ان كان من قضاء رمضان فصومي يوما مكانه وان كان تطوعا فان شئت فاقضيه وان شئت فلا تقضيه " وعندنا يستحب الاتمام وان لم يجب ولو افطر فيستحب القضاء ولا يكره الخروج منه بعذر وان كان بغير عذر فوجهان (اظهرهما) انه يكره ومن الاعذار ان يعز علي من اضافه امتناعه من الاكل ولو شرع في صوم القضاء هل له الخروج منه نظرا إن كان علي الفور فلا وان كان على التراخي ففيه وجهان (احدهما) ويحكى عن القفال انه يجوز لانه متبرع بالشروع فيه فاشبه المسافر يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه (والثاني) لا يجوز لانه صار متلبسا بالفرض ولا عذر به فليزمه اتمامه كما لو شرع في الصلاة في اول الوقت والاول هو الذى اورده المصنف وصاحب التهذيب وطائفة وقضية كلام الاكثرين ترجيح الثاني وبه أجاب الروياني في الحلية وحكاه صاحب المعتمد عن نصه في الام وصوم الكفارة اللازمة بسبب حرام كالقضاء الذى هو علي الفور وما لزم بسب غير محرم كالقتل الخطأ فهو كالقضاء الذى هو علي التراخي
وكذا النذر المطلق وهذا كله مبني علي انقسام القضاء إلى ما هو علي الفور والي ما هو على التراخي وهو الاشهر فالاول ما تعدى فيه بالافطار لا يجوز تأخير قضائه لان جواز التأخير ترفيه لا يليق بحاله
قال في التهذيب وليس له والحالة هذه التأخير بعذر السفر (والثانى) ما لم يتعد به كما في حق الحائض والافطار بعذر السفر والمرض فقضاؤه علي التراخي ما لم يدخل رمضان السنة القابلة وفى كلام بعض أصحابنا العراقيين ما يرفع هذا الفرق المحاملي يقول في التجريد ومن افطر في رمضان بعذر أو بغير عذر فطرا لا تجب به كفارة فالقضاء يلزمه ووقته موسع إلى شهر رمضان الثاني ويمكن تأييد ما ذكروه بانه
قال في المختصر ومن صام متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب الي والاستدلال أنه أطلق القول باستحباب التتابع في القضاء ولو كان أحد نوعيه علي الفور لكان التتابع فيه واجبا لا محبوبا (وقوله) في الكتاب
وكذا القضاء إذا لم يكن علي الفور قد عرفت مما سبق انه يجب اعلامه بالواو ثم فيه شئ من جهة اللفظ وهو ان هذا الكلام معطوف على قوله
أما صوم التطوع فلا يلزم بالشروع فيكون أن القضاء إذا لم يكن علي الفور لا يلزم بالشروع أيضا وانما كان يحسن هذا ان لو كان ما هو على الفور يلزم بالشروع وليس كذلك بل هو لازم من ابتدائه إلى انتهائه * قال {وصوم التطوع في السنة صوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء وستة أيام بعد عيد رمضان وفى الشهر الايام البيض وفى الاسبوع الاثنين والخميس وعلي الجملة صوم الدهر مسنون بشرط الافطار يوم العيدين وأيام التشريق} * الايام التى يستحب التطوع بصومها تنقسم الي ما يتكرر بتكرر السنين والي ما يتكرر بتكرر الشهور والى ما يتكرر بتكرر الاسابيع
(أما) القسم الاول فمنه يوم عرفة روى " ان النبي صلى الله عليه وسلم قال صيام يوم عرفة كفارة سنتين " وهذا الاستحباب في حق غير الحجيج
(فاما) الحجيج فينبغي لهم ألا يصوموا كي لا يضعفوا عن الدعاء وأعمال الحج ولم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة وأطلق كثير من الائمة كونه مكروها لهم لما روى " انه صلي الله عليه وسلم نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة " فان كان الشخص بحيث لا يضعف بسبب الصوم فقد قال ابو سعد المتولي الاولي ان يصوم حيازة للفضيلتين ونسب غيره هذا الي مذهب أبى حنيفة رحمه الله وقال الاولي عندنا ألا يصوم بحال ومنه يوم عاشوراء روى انه صلى الله عليه وسلم قال " صيام يوم عاشوراء يكفر سنة " ويوم عاشوراء هو العاشر من المحرم
ويستحب ان يصوم معه تاسوعاء وهو التاسع منه لما روي انه صلى الله عليه وسلم قال " لان عشت إلى قابل لاصومن اليوم التاسع " وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس رضى الله عنهما (أحدهما) الاحتياط فانه ربما يقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع (والثانى) مخالفة اليهود فانهم لا يصومون الا يوما واحدا فعلى هذا لو لم يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحادى عشر ومنه ستة أيام من شوال يستحب صومها وبه قال ابو حنيفة واحمد رحمهما الله لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله " وعن مالك ان صومها مكروها والافضل أن يصومها متتابعة وعلي الاتصال ليوم العيد مبادرة الي العبادة واياه عني بقوله بعد عيد رمضان * وعن أبي حنيفة رحمه الله ان الافضل أن يفرقها في الشهر
(وأما) القسم الثاني فمنه أيام البيض وهى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لما روى انه صلى الله عليه وسلم " أوصي أبا ذر رضى الله عنه بصيامها " وانما يقال أيام البيض علي الاضافة لان المعني أيام الليالي البيض
(وأما) القسم الثالث فمنه يوم الاثنين والخميس روي انه صلى الله عليه وسلم " كان يتحرى صومهما " وروى انه قال تعرض الاعمال يوم الاثنين والخميس فاحب ان يعرض عملي وانا صائم "
ويكره افراد يوم الجمعة بالصوم لما روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة الا ان يصوم قبله أو بعده "
وكذا افراد يوم السبت فانه يوم اليهود وقد روى انه صلي الله عليه وسلم قال " لا تصوموا يوم السبت الا فيما افترض عليكم
"(واما) قوله وعلي الجملة صوم الدهر مسنون (فاعلم) ان المسنون يطلق لمعنيين (احدهما) ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك ان صوم الدهر ليس مسنونا بهذا المعنى (والثانى) الندوب وفى كون صوم الدهر بهذه الصفة كلام ايضا فان صاحب التهذيب رحمه الله في آخرين أطلقوا القول بكونه مكروها واحتجوا بما روى " انه صلي الله عليه قال لعبد الله ابن عمر رضى الله عنهما ولا صام من صام الدهر صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر " وبما روي " انه نهى عن صيام الدهر " وفصل الاكثرون فقالوا ان كان يخاف منه ضررا أو يفوت به حقا فيكره والا فلا وحملوا النهي علي الحالة الاولي أو على ما إذا لم يفطر العيدين وأيام التشريق (وقوله) شرط الافطار يوم العيدين وايام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط لان افطار هذه الايام يخرج الموجود عن أن يكون صوم الدهر وإذا كان كذلك لم يكن شرطا لاستثنائه فان استنان صوم الدهر يستدعي تحققه وانما المراد منه ان صوم سوى هذه الايام مسنون والله أعلم * ولو نذر صوم الدهر لزم وكانت الاعياد وايام التشريق مستثناة عنه
وكذلك شهر رمضان وقضاوه إذا فرض فواته بعذر أو بغير عذر وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء حكي ابو القاسم الكرخي فيه وجهين والذى أجاب به صاحب التهذيب انه لا فدية ولو نذر صوما آخر بعد هذا النذر لم ينعقد ولو لزمه صوم كفارة صام عنها وفدى عن النذر ولو افطر يوما من الدهر فلا سبيل إلى القضاء ولا فدية ان كان بعذر والا فتجب الفدية ولو نذرت المرأة صوم الدهر فللزوج منعها ولا قضاء ولا فدية وان اذن أو مات فلم تصم لزمها الفدية والله أعلم * [باب الاعتكاف] قال {الاعتكاف سنة مؤكدة لا سيما في العشر الاخير من رمضان لطلب ليلة القدر وهي في أوتار العشر الاخير وميل الشافعي رضى الله عنه إلي الحادي والعشرين وقيل انها في جميع الشهر وقيل في جميع السنة ولذا قال أبو حنيفة لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان انت طالق ليلة القدر لم تطلق الا إذا مضت سنة لان الطلاق لا يقع بالشك ويحتمل ان تكون في النصف الاول} * الاصل في الاعتكاف الاجماع والكتاب والاخبار
(اما) الاجماع فظاهر (وأما) الكتاب فقوله تعالي (وطهر بيتى للطائفين والعاكفين) وقال الله تعالي (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد
(واما) الاخبار فسيأتي طرف منها واستفتح الكتاب بذكر شيئين (احدهما) بيان استحباب الاعتكاف وموضع تأكده (والثانى) الكلام في ليلة القدر
(أما) الاول فالاعتكاف من الشرائع القديمة وهو مستحب في جميع الاوقات روى انه صلي الله عليه وسلم قال " من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة " وهو في العشر الاواخر من مضان آكد استحبابا اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم وطلبا لليلة القدر " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاخير من رمضان حتي قبضه الله تعالي "(واعلم) أن استحباب الاعتكاف في العشر الاخير مكرر قد ذكره مرة في سنن الصوم ومن رغب في المحافظة علي هذه السنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس يوم العشرين حتى لا يفوته شئ من ليلة الحادى والعشرين ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد ولو مكث ليلة العيد فيه إلي أن يصلي فيه العيد أو يخرج منه إلى المصلى كان أولي
(وأما) الثاني (فاعلم) أن ليلة القدر أفضل ليالي السنة خص الله تعالي بها هذه الامة وهى باقية الي يوم القيامة وجمهور العلماء وفيهم الشافعي رضى الله عنهم على انها في العشر الاخير من رمضان وهى في أوتارها أرجي لما روى انه صلى الله عليه وسلم قال " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الاواخر من رمضان " وميل الشافعي رضي الله عنه إلى انها ليلة الحادى والعشرين لما روى عن أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يعتكف العشر الوسطي من رمضان فاعتكف عاما فلما كانت ليلة احدى وعشرين وهى الليلة التي كان يخرج في صبيحتها عن اعتكافه قال من كان اعتكف معى فليعتكف في العشر الاواخر قال فأريت هذه اليلة ثم أنسيتها ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين فالتمسوها في العشر الاواخر والتمسوها في كل وتر فامطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد علي عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناى رسول الله صلي الله عليه وسلم انصرف الينا وعلي جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة احدى وعشرين " وأبدى في بعض المواضع الميل إلى ليلة الثالث والعشرين لما روى عن عبد الله بن انيس رضى الله عنه انه " قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اني اكون بباديتي وانى أصلى بهم فمرنى بليلة من هذا الشهر أنزلها المسجد فأصلي فيه فقال انزل في ليلة ثلاث وعشرين " وجمع بين الليلتين في المختصر فقال ويشبه ان يكون في ليلة احدى وعشرين أو ثلاث وعشرين والمعني في اخفاء الله تعالى هذه الليلة حمل الناس على احياء جميع ليالى العشر بالعبادة رجاء اصابتهما وعلامة هذه الليلة انها طلقة لا حارة ولا باردة وان الشمس في صبيحتها تطلع بيضاء ليس لها كثير شعاع
ويستحب أن يكثر فيها من قول " اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنى " وعند مالك هي في العشر ولا ترجيح لبعض الليالى علي البعض وعند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله هي ليلة السابع والعشرين وهذا الذى ذكروه لا ينافى قوله في الكتاب وهي في أوتار العشر الاخير فلا نعلمه بعلاماتهم ولكن يجوز أن نعلمه بالحاء لانه روى عنه انها محتملة في جميع السنة وروى في جميع الشهر والروايتان مستنبطتان مما نقل عنه انه لو قال لزوجته أول يوم من رمضان أنت طالق ليلة القدر لا تطلق الا مثل ذلك اليوم من السنة الاخرى وعن ابن خزيمة من أصحابنا ان ليلة القدر منقولة في ليالي العشر تنقل في كل سنة الي ليلة جمعا بين الاخبار وقوله
وقيل انها في جميع الشهر يشعر بأنه وجه للاصحاب وقوله ولذلك لو قال لزوجتة في منتصف شهر رمضان أنت طالق ليلة القدر لم تطلق إلا إذا مضت سنة يشعر بأن المسألة مجزوم بها موجهة للوجه المنقول وقد حكى في الوسيط المسألة هكذا عن نص الشافعي رضى الله عنه وكل واحد من نقل الوجه وتوجيهه محل التوقف
(أما) النقل فلانك لا تكاد تجد رواية احتمالها في جميع ليالى الشهر عن الاصحاب في شئ من كتب المذهب
(وأما) التوجيه فلان ما أجاب به في مسألة الطلاق يخالف ما نقله الائمة فانهم قالوا إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر فان قاله قبل شهر رمضان أو في رمضان قبل مضي شئ من ليالي العشر طلقت بانقضاء الليالي العشر وإن قاله بعد مضى بعض لياليها لم تطلق الي مضي سنة هكذا نقل الشيخ أبو إسحق في المهذب والامام وغيرهما ولم نر اعتبار مضى سنة في المسألة المذكورة الا في كتب صاحب الكتاب (وقوله) ان الطلاق لا يقع بالشك مسلم لكنه يقع بالظن الغالب قال إمام الحرمين الشافعي رضى الله عنه متردد في ليالى العشر ويميل إلى بعضها ميلا ضعيفا وانحصارها في العشر ثابت عنده بالظن القوى وإن لم يكن مقطوعا به والطلاق يناط وقوعه بالمذاهب المظنونة والله أعلم * قال {وفى الكتاب ثلاثة فصول (الفصل الاول) في أركانه وهى أربعة (الركن الاول) الاعتكاف وهو عبارة عن اللبث في المسجد ساعة مع الكف عن الجماع وهل يشترط الكف عن مقدمات الجماع فيه قولان ولا يشترط (ح وم) اللبث يوما ولا يكفى العبور} * مقصود الفصل الاول الكلام في اركان الاعتكاف وهى فيما عدها أربعة الاعتكاف والنية والمعتكف والمعتكف (الاول) الاعتكاف وهو عبارة عن المقام في اللغة يقال عكف واعتكف أي أقام
وأما في الشريعة فقد فسره في الكتاب باللبث في المسجد ساعة مع الكف عن الجماع وفيه اعتبار أمور (احدها) اللبث وقد حكى الامام رحمه الله في اعتباره وجهين (أظهرهما) وهو المذكور في الكتاب أنه لابد منه لان لفظ العكوف مشعر به (والثانى) أنه يكفى مجرد الحضور كما يكفى الحضور بعرفة في تحقيق ركن الحج ثم
فرع على الوجهين فقال إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعبور حتى لو دخل من باب وخرج من باب ونوى فقد اعتكف وإن اعتبرنا اللبث لم يكف ما يكفى في الطمأنينة في اركان الصلاة بل لابد وأن يزيد عليه بما يسمي إقامة وعكوفا ولا يعتبر السكون بل يصح اعتكافه قاعدا وقائما ومترددا في ارجاء المسجد ولا يقدر اللبث بزمان حتي لو نذر اعتكاف ساعة انعقد ولو نذر اعتكافا مطلقا خرج عن عهدة النذر بأن يعتكف لحظة واستحب الشافعي رضى الله عنه أن يعتكف يوما وذلك للخروج من الخلاف فان مالكا وأبا حنيفة رحمهما الله لا يجوزان اعتكاف أقل من يوم ونقل الصيدلانى وجها أنه لابد من مكث يوم أو ما يدنو من يوم لان ما دون ذلك معتاد في الحاجات التي تعن في المساجد فلا تصلح للقربة وقد عرفت مما ذكرنا أن قوله ولا يشترط اللبث يوما ينبغى أن يرقم بالميم والحاء والواو (وقوله) ولا يكفى العبور بالواو
ويجوز أن يرقم به لفظ اللبث أيضا في قوله وهو عبارة عن اللبث ولا يخفى أن قوله ساعة ليس المراد منه الواحدة من الساعات التى يقسم اليوم والليلة عليها ولا سبيل إلى حمله عل اللحظة وان لطفت لما ذكر الائمة انه لابد وأن يزيد علي زمان الطمأنينة ولانه لو حمل علي هذا المعني لضاع واغنى لفظ اللبث عنه فإذا هو محمول علي القدر الذى يثبت اسم العكوف والاقامة فيه (والثاني) كونه في المسجد وهذا سيأتي شرحه في الركن الرابع (والثالث) الكف عن الجماع فلا يجوز للمعتكف الجماع ولا سائر المباشرات بالشهوة لقوله تعالي (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد) ولو جامع بطل اعتكافه سواء جامع في المسجد أو جامع حين خرج لقضاء الحاجة إذا كان ذاكرا للاعتكاف عالما بتحريم الجماع وهذا هو المراد من لفظ الكتاب وإن اطلق الكف عن الجماع
فأما إذا جامع ناسيا للاعتكاف أو جاهلا بالتحريم فهو كنظيره في الصوم * وقال مالك وأبو حنيفة واحمد رحمهم الله يفسد الاعتكاف بجماع الناسي ولا فرق بين جماع وجماع وروى المزني عن نصه في بعض المواضع انه لا يفسد الاعتكاف من الوطئ الا ما يوجب الحد فقال الامام قضية هذا أن لا يفسد باتيان البهيمة إذا لم نوجب به الحد
وكذلك بالاتيان في غير المأتى
والمذهب الاول ولو لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دون الفرج متعمدا فهل يفسد اعتكافه فيه طريقان (أظهرهما) ان المسألة على قولين (أحدهما) ويروى عن الاملاء انها تفسده لانها مباشرة محرمة في الاعتكاف فأشبهت الجماع (والثاني) يروى عن الام انها لا تفسده لانها مباشرة لا تبطل الحج فلا تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة (والثاني) القطع بأنها لا تفسد حكاه الشيخان أبو محمد والمسعودي
والمشهور طريقة القولين وما موضعهما فيه ثلاثة طرق (أحدها) ان القولين فيما إذا أنزل
فأما إذا لم ينزل لم يبطل الاعتكاف بلا خلاف كالصوم (وثانيها) ان القولين فيما إذا لم ينزل
أما إذا أنزل بطل اعتكافه بلا خلاف لخورجه عن أهلية الاعتكاف بالجنابة (وثالثها) وهو الاظهر طرد القولين وفى الحالين والفرق علي أحد القولين فيما إذا لم ينزل بين الاعتكاف والصوم ان هذه الاستمتاعات في الاعتكاف محرمة لعينها وفى الصوم ليست محرمة لعينها بل لخوف الانزال ولهذا يرخص فيها لمن لا تحرك القبلة شهوته وإذا اختصرت الخلاف في المسألة قلت فيها ثلاثة أقوال أو وجوه (أحدها) انها لا تفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل (والثاني) تفسده أنزل أو لم ينزل وبه قال مالك (والثالث) وبه قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب احمد ان ما انزل منها افسد الاعتكاف ومالا فلا والمفهوم من كلام الاصحاب بعد الفحص ان هذا القول ارجح واليه ميل أبى اسحق المروزى وان استبعده صاحب المهذب ومن تابعه
(أما) القول بالفساد عند الانزال فقد أطبق الجمهور علي انه أصح
(وأما) المنع عند عدم الانزال فقد نص على ترجيحه المحاملي والشيخ ابو محمد والقاضى الرويانى وغيرهم رحمهم الله وايانا والاستمناء باليد مرتب علي ما إذا لمس فأنزل (ان قلنا) انه لا يبطل الاعتكاف فهذا أولي (وان قلنا) يبطله ففيه وجهان والفرق كمال الاستاع والالتذاذ ثم باصطكاك البشرتين ولا بأس للمعتكف بأن يقبل علي سبيل الشفقة والاكرام ولا بأن يلمس بغير شهوة " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدني رأسه لترجله عائشة رضى الله عنها وهو معتكف " * قال {ولا يشترط ترك التطيب وترك البيع والشراء (م و) وترك الاكل (م ح) بل يصح الاعتكاف من غير صوم فان نذر أن يعتكف صائما لزمه كلاهما وفى لزوم الجمع قولان ولو نذر ان يعتكف مصليا أو يصوم معتكفا لم يلزم الجمع} * ترك التطيب ليس بشرط في الاعتكاف بل للمعتكف أن يتطيب كما له أن يرجل الرأس ويتزوج ويزوج
بخلاف المحرم وله ان يتزين بلبس الثياب إذ لم ينقل أن النبي صلي الله عليه وسلم غير ثوبه للاعتكاف وعن أحمد انه يستحب ترك التطيب والتزين برفيع الثياب
ويجوز له أن يأمر باصلاح معاشه وتعهد ضياعه وأن يبيع ويشترى ويخيط ويكتب وما أشبه ذلك ولا يكره شئ من هذه الاعمال إذا لم تكثر سيما إذا وقع في محل الحاجة وان أكثر أو قعد يحترف بالخياطة ونحوها كره ولكن لا يبطل اعتكافه وعن مالك انه إذا قعد فيه واشتغل بحرفته يبطل اعتكافه ونقل عن القديم قول مثله في الاعتكاف المنذور ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف
والمذهب ما سبق لان ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطله كثيره كسائر الافعال ولو كان يشتغل بقراءة القرآن ودراسة العلم فهو زيادة خير وعن أحمد انه لا يستحب له إلا ذكر الله تعالي والصلاة
ويجوز له أن يأكل في المسجد والاولى أن يبسط سفرة ونحوها لانه أبلغ في تنظيف المسجد وله أن يغسل اليد والاولي غسلها في طست ونحوها حتي لا يبتل المسجد فيمنع غيره من الصلاة والجلوس فيه ولانه قد يستقذر فيصان المسجد عنه ولهذا
قال في التهذيب ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز نضحه بالماء المستعمل وان كان طاهرا لان النفس قد تعافه
ويجوز الفصد والحجامة في المسجد بشرط أن يأمن التلويث والاولي الاحتراز عنه وفى البول في الطست احتمالان ذكرهما ابن الصباغ
والاظهر المنع وهو الذى أورده صاحب التتمة لانه قبيح واللائق بتعظيم المسجد تنزيهه عنه
بخلاف الفصد والحجامة ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة واستدبارها عند الفصد ويمنع عند قضاء الحاجة وليس من شرط الاعتكاف الصوم بل يصح الاعتكاف في الليل وحده وفى العيد وأيام التشريق خلافا لابي حنيفة ومالك رحمهما الله حيث قالا الصوم شرط فيه ولا يصح في العيد وأيام التشريق ولا في الليالي المجردة وعن أحمد روايتان (أصحهما) مثل مذهبنا * لنا ما روى أن عمر رضي الله عنه " سأل النبي صلي الله عليه وسلم قال كنت نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال صلي الله عليه وسلم أوف بنذرك " ولو لم يصح الاعتكاف في الليلة المفردة لما أمره بالوفاء بنذره
ويجوز أن يعلم قوله بل يصح الاعتكاف من غير صوم مع علامات هؤلاء بالواو لان الشيخ أبا محمد وغيره نقلوا عن القديم قولا مثل مذهبهم إذا عرفت ذلك
فلو نذر أن يعتكف يوما هو فيه صائم أو اياما هو فيها صائم لزمه الاعتكاف في ايام الصوم لان الاعتكاف بالصوم أفضل وان لم يكن مشروطا به فإذا التزمه بالنذر لزمه كما لو التزم التتابع فيه وليس له في هذه الصورة افراد احدهما عن الآخر بلا خلاف وليست هذه مسألة الكتاب ولو اعتكف في رمضان اجزأه لانه لم يلتزم بهذا النذر صوما وانما نذر الاعتكاف علي صفة وقد وجدت ولو نذر ان يعتكف صائما أو يعتكف بصوم لزمه الاعتكاف والصوم جميعا بهذا النذر وهل يلزمه الجمع بينهما فيه وجهان (احدهما) وبه قال ابو على الطبري لا لانهما عبادتان مختلفتان فأشبه ما إذا نذر ان يصلي صائما (وأصحهما) ويحكي عن نصه في الام نعم لما ذكرنا في المسألة السابقة
فلو شرع في الاعتكاف صائما ثم افطر لزمه استئناف الصوم والاعتكاف علي الوجه الثاني ويكفيه استئناف الصوم علي الوجه الاول ولو نذر اعتكاف أيام وليال متتابعة صائما وجامع ليلا ففيه هذان الوجهان ولو اعتكف عن نذره في رمضان اجزأه عن الاعتكاف في الوجه الاول وعليه الصوم وعلي الثاني لا يجزئه عن الاعتكاف ايضا ولو نذر ان يصوم معتكفا ففيه طريقان (أظهرهما) طرد الوجهين (والثانى) وبه قال الشيخ أبو محمد القطع بأنه لا يجب الجمع والفرق أن الاعتكاف لا يصلح وصفا للصوم والصوم يصلح وصفا للاعتكاف فانه من مندوباته ولو نذر أن يعتكف مصليا أو يصلى معتكفا لزمه الصلاة والاعتكاف وفى لزوم الجمع طريقان (أحدهما) طرد الوجهين (وأصحهما) القطع بأن لا يجب والفرق أن الصوم والاعتكاف متقاربان فان كل واحد منهما كف وإمساك والصلاة افعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف ويخرج على هذين الطريقين ما لو نذر أن يعتكف محرما فان لم نوجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة فالقدر الذى يلزمه من الصلاة هو القدر الذى يلزمه لو أفرد الصلاة بالنذر وان أوجبنا الجمع لزمه ذلك القدر في يوم اعتكافه ولا يلزمه استيعاب اليوم بالصلاة فان كان نذر اعتكاف أيام مصليا لزمه ذلك القدر في كل يوم هكذا أورده صاحب التهذيب وغيره وأنت بسبيل من أن تقول ظاهر اللفظ يقتضى الاستيعاب فانه جعل كونه مصليا صفة لاعتكافه وإذا تركنا هذا الظاهر فلم نعتبر تكرير القدر الواجب من الصلاة في كل يوم وهلا اكتفى به في جميع المدة ولو نذر أن يصلى صلاة يقرأ فيها سورة كذا فعن القفال ان وجوب الجمع علي الخلاف في وجوب الجمع بين الصوم والاعتكاف ووجه لائح وقوله وفى لزوم الجمع قولان التعبير عن الخلاف في المسألة بالقولين خلاف ايراد الجمهور نعم ردد الامام الرواية بين القولين والوجهين (وقوله) لم يلزمه الجمع لابد من وسمه بالواو لما ذكرنا من الخلاف في الصورتين والذى أجاب به صاحب الكتاب موافق لما اختاره معظم الائمة فيما إذا نذر أن يعتكف مصليا ومخالفا له فيما إذا نذر أن يصوم معتكفا سواء قدرنا جريانه علي طريقة نفى الخلاف أو اختياره نفى اللزوم مع تسليم الخلاف فان الاكثرين طردوا فيها الوجهين وقالوا الاظهر لزوم الجمع * قال {الثاني النية ولا بد منها في الابتداء ويستمر حكمها وان دام اعتكافه سنة فان خرج لقضاء حاجة أو لغيره فإذا عاد لزمه استئناف النية اما إذا قدر زمانا في نيته كما لو نوى أن يعتكف شهرا لم يلزمه إذا خرج تجديد النية في قول ولزمه إن طالت مدة الخروج في قول ولزم بالخروج لغير قضاء الحاحة قرب الزمان أو طال في قول ونية الخروج عن الاعتكاف كنية الخروج عن الصوم} * لا بد من النية في ابتداء الاعتكاف كما في الصلاة
ويجب التعرض في المنذور منه للفرضية ليمتاز عن عن التطوع ثم في الركن مسألتان (احداها) إذا نوى الاعتكاف لم يخل
اما ان يطلق أو يعين بنيته زمانا فان اطلق كفاه ذلك وان طال عكوفه لكن لو خرج من المسجد ثم عاد لزمه استئناف النية سواء خرج لقضاء الحاجة أو لغيره فان ما مضى عبادة تامة (والثانى) اعتكاف جديد
وقال في التتمة فلو انه عزم عند خروجه ان يقضي حاجته ويعود كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية ولك ان تقول اقتران النية بأول العبادة شرط فكيف يحصل الاكتفاء بالعزيمة السابقة علي العود وان عين زمانا كما إذا نوى اعتكاف يوم أو شهر فهل يحتاج الي تجديد النية إذا خرج وعاد نقل في الكتاب فيه ثلاثة اقوال وسماها في الوسيط وجوها وهو الموافق لا يراد الائمة رحمهم الله وهي حاصل ما ذكروه في الطرق (احدها) انه لا حاجة إلى تجديد النية لان النية شملت جميع المدة بالتعيين (والثاني) انه ان لم تطل مدة الخروج فلا حاجة إلى التجديد وان طالت فلا بد منه لتعذر البناء ولا فرق علي هذا بين ان يكون الخروج لقضاء الحاجة أو لغيره (والثالث) انه ان اخرج لقضاء الحاجة لم يجب التجديد لانه لا بد منه فهو كالمستثنى عند النية وان خرج لغرض آخر فلا بد من التجديد لقطعه الاعتكاف ولا فرق علي هذا بين أن يطول الزمان أو لا يطول وهذا الثالث اظهر الوجوه وزاد صاحب التهذيب في التفصيل فقال ان خرج لامر يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع فلا بد من تجديد النية وان خرج لامر لا يقطعه نظر ان لم يكن منه بد كقضاء الحاجة والاغتسال عند الاحتلام فلا حاجة الي التجديد وان كان منه بدأ وطال الزمان ففي التجديد وجهان وهذه الاختلافات مضطردة فيما إذا نوى مدة لتطوع الاعتكاف وفيما إذا نذر اياما ولم يشترط فيها التتابع ثم دخل المعتكف علي قصد الوفاء بالنذر
اما إذا شرط التتابع أو كانت المدة المنذورة متواصلة في نفسها فسيأتي حكم التجديد فيها (الثانية) لو نوى الخروج من الاعتكاف ففى بطلان الاعتكاف الخلاف المذكور في بطلان الصوم بنية الخروج
والاظهر انه لا يبطل وأفتى بعض المتأخرين ببطلان الاعتكاف لان مصلحته تعظيم الله تعالي كالصلاة وهى تختل بنقض النية ومصلحة الصوم قهر النفس وهي لا تفوت بنية الخروج * قال {الثالث المعتكف وهو كل مسلم عاقل ليس بجنب ولا حائض فيصح اعتكاف الصبي والرقيق والسكر والردة إذا قارنا الابتداء منعا الصحة وان طرآ فالردة تفسد والسكر لا يفسد كالاغماء (وقيل) إنهما يفسدان (وقيل) إنهما لا يفسدان والحيض مهما طرأ قطع والجنابة إن طرأت باحتلام فعليه أن يبادر إلي الغسل ولا يلزمه الغسل في المسجد وإن أمكن} * شرط في المعتكف ان يكون مسلما عاقلا نقيا عن الجنابة والحيض والكلام فيمن يدخل في هذا الضبط ومن يخرج عنه فمن الداخلين فيه الصبى والرقيق والمرأة المزوجة فيصح اعتكافهم كما يصح صومهم وصلاتهم لكن لا يجوز للعبد ان يعتكف بغير اذن سيده لان منفعته مستحقة للسيد ولا المرأة المزوجة ان تعتكف بغير اذن زوجها لان الزوج يستحق الاستمتاع بها وان اعتكفا بغير اذن كان للسيد اخراج العبد وللزوج اخراج الزوجة
وكذلك لو اعتكفا باذنهما تطوعا فانه لا يلزم بالشروع وقال مالك ليس لهما الاخراج إذا أذنا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله في الزوج وساعدنا في السيد ولو نذرا اعتكافا نظر إن نذراه بغير اذن فلهما المنع من الشروع فيه فان اذنا في الشروع وكان الزمان متعينا أو غير متعين ولكن شرطا التتابع لم يجز لهما الرجوع وان لم يشرطا التتابع فلهما الرجوع في اظهر الوجهين وان نذرا بالاذن نظر ان تعلق بزمان معين فلهما الشروع فيه بغير اذن والا لم يشرعا فيه الا باذن وإذا شرعا بالاذن لم يكن لهما المنع من الاتمام هكذا أورده ائمتنا العراقيون وهو مبنى على ان النذر المعلق إذا شرع فيه لزم اتمامه وفيه خلاف قدمناه ويستوى في جميع ما ذكرناه القن والمدبر وام الولد
(واما) المكاتب فله ان يعتكف بغير اذن السيد على اصح الوجهين ومن نصفه حر ونصفه رقيق كالرقيق ان لم يكن بينه وبين السيد مهايأة وان كانت فهو في نوبة نفسه كالحر وفى نوبة السيد كالرقيق
واما من يخرج عنه فباعتبار الاسلام والعقل يخرج الكافر والمجنون والسكران والمغمي عليه فلا يصح منهم الاعتكاف إذ لا نية لهم ولو ارتد في أثناء اعتكافه فالمنقول عن نصه في الام انه لا يبطل اعتكافه بل يبنى إذا عاد إلى الاسلام ونص انه لو سكر في اعتكافه ثم افاق يستأنف وهذا حكم ببطلان الاعتكاف وللاصحاب فيهما طريقان (أحدهما) تقرير النصين والفرق ان السكران ممنوع من المسجد قال الله تعالي (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) أي موضع الصلاة فإذا شرب المسكر وسكر فقد أخرج نفسه عن اهلية اللبث في المسجد فنزل ذلك منزلة خروجه منه والمرتد غير ممنوع من المسجد بل يجوز استتابته فيه وتمكينه من الدخول لاستماع القرآن ونحوه فلم بجعل الارتداد متضمنا بطلان الاعتكاف واختار أصحاب الشيخ أبي حامد هذا الطريق وذكروا انه المذهب وسلم غيرهم ذلك في السكران ونازعوهم في عدم تأثير الردة علي ما سيأتي (واصحهما) التسوية بين الردة والسكر وفى كيفيتها طريقان (احدهما) انهما علي قولين (أحدهما) انهما لا يبطلان الاعتكاف
(أما) الردة فلما سبق (وأما) السكر فلانه ليس فيه الا تناول محرم وذلك لا ينافى الاعتكاف (والثانى) أنهما يبطلان الاعتكاف
(أما) السكر فلما سبق (وأما) الردة فلخروج المرتد عن أهليه العبادة (واصحهما) الجزم في الصورتين وفى كيفيته طرق (أحدها) انه لا يبطل الاعتكاف بواحد منهما وكلامه في السكران محمول علي ما إذا خرج من المسجد أو أخرج لاقامة الحد عليه (وثانيها) ان السكر يبطله لامتداد زمانه والردة كذلك ان طال زمانها والا فيبني كلامه في الردة محمول على حالة طول الزمان (وثالثها) ولم يورده الا الامام وصاحب الكتاب رحمها الله ان الردة تبطل لانها تفوت شرط العبادة والسكر لا يبطل كالنوم والاغماء وهو خلاف النصين (ورابعها) وهو الاصح ويحكي ذلك عن الربيع انهما جميعا مبطلان فان كل واحد منها اشد من الخروج من المسجد فإذا كان ذلك مبطلا للاعتكاف فهما اولي ونصه في الردة مفروض فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعا وإذا عاد إلى الاسلام يبني علي ما مضي لان الردة لا تحبط العبادات السابقة عندنا ونصه في السكر مفروض في الاعتكاف المتتابع والله أعلم واعرف في لفظ الكتاب شيئين (أحدهما) أنه مشعر بان الخلاف في أن الردة والسكر هل يخلان بالاعتكاف ام يستمر معهما بحالة فانه جعلهما مانعين من الصحة ابتداء وفرض الخلاف في الفساد بعروضهما وكلام الامام كالمصرح بمثل ذلك وليس هو بمساعد عليه بل الاصحاب جعلوا الخلاف في أنه هل يبقي ما تقدم على لردة والسكر معتدا به حتى يبنى عليه أم يبطل حتى يحتاج الي الاستئناف إذا كان الاعتكاف متتابعا
فاما زمان الردة والسكر فالمفهوم من نص الشافعي رضى الله عنه أنه لا اعتكاف فيه فان الكلام في أنه يبني أو يستأنف إنما ينتظم عند حصول الاختلال في الحال وقد نص أبو علي وغيره علي أن ايام الردة غير محسوبة من الاعتكاف بلا شك إذ ليس للمرتد أهلية العبادة ونقل صاحب التهذيب في احتساب زمان السكر وجهين وقال المذهب المنع (والثانى) ان ايراد الكتاب يقتضي ترجيح الطريق الذى عزيناه الي رواية الامام وصاحب الكتاب وقد صرح به في الوسيط ولم ير لغيرهما نقله فضلا عن ترجيحه ولو جن أو أغمى عليه في خلال الاعتكاف فان لم يخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه لانه معذور فيما عرض وان أخرج نظر ان لم يكن حفظه في السمجد فكذلك لانه لم يحصل الخروج باختياره فاشبه مالو حمل العاقل واخرج مكرها وأن أمكن ولكن شق ففيه الخلاف الذى نذكره في المريض أذا خرج
قال في التتمة ولا يحسب زمان الجنون عن الاعتكاف لان العبادات البدنية لا تصح من المجنون وزمان الاغماء يحسب علي المذهب وفيه خلاف تخرجا مما لو أغمي علي الصائم
وأما اعتبار النقاء من الجنابة والحيض فيخرج منه الحائض والجنب فلا يصح منهما الاعتكاف ومتى طرأ الحيض علي المعتكفة فعليها الخروج من المسجد ولو مكثت لم يحسب عن الاعتكاف وهل يبطل ما سبق أم يجوز البناء عليه في الاعتكاف المتتابع قد ذكره في الفصل الثالث ولو طرأت الجنابة نظر ان طرأت بما يبطل الاعتكاف فلا يخفى الحكم وان طرأت بما لا يبطله كالاحتلام وبالجماع ناسيا والانزال بالمباشرة فيما دون الفرج إذا قلنا انها لا تبطل فعليه أن يبادر إلى الغسل كيلا يبطل تتابع اعتكافه
ثم ان لم يمكنه الغسل في المسجد فهو مضطر الي الخروج وان أمكنه فيعذر في الخروج ايضا ولا يكلف الغسل في المسجد فان الخروج أقرب الي المروءة وصيانة حرمة المسجد (وقوله) والحيض مهما طرأ قطع ليس المراد منه قطع التتابع فالكلام فيه سيأتي وإنما المراد انه يقطع الاعتكاف في الحال وإذا كان كذلك فانقطاع الاعتكاف في الحال غير مخصوص بالحيض بل زمان الجنابة ايضا لا يحسب من الاعتكاف على الصحيح وفيه وجه حكاه صاحب التهذيب وضعفه
فلو قال والحيض والجنابة إذا طرآ قطعا
ثم ذكر حكم الاحتلام كان أحسن * قال {الرابع المعتكف فيه وهو المسجد ويستوى فيه جميع المساجد والجامع أولى ولا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها على الجديد} * الاعتكاف يختص بالمساجد ويستوى في الجواز جميعها كاستوائها في تحريم المكث للجنب وسائر الاحكام ويدل عليه إطلاق قوله تعالي (وأنتم عاكفون في المساجد) وعند أحمد لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تام فيه الجماعة فاعلم قوله ويستوى فيه جميع المساجد بالالف
ويجوز أن يعلمه بالواو أيضا لان صاحب المعتمد ذكر أن الشيخ أبا حامد حكى ان الشافعي رضى الله عنه أومأ في القديم إلي مثل مذهب الزهري وهو اختصاص الاعتكاف بالمسجد الجامع
والمشهور الاول والجامع أولي بالاعتكاف للخروج من الخلاف ولكثرة الجماعة فيه ولئلا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة وهذا أظهر المعاني عند الشافعي رضى الله عنه أو لا بد منه في ثبوت الاولوية لانه نص علي أن المرأة والعبد والمسافر يعتكفون حيث شاؤا أي من المساجد لانه لا جمعة عليهم ولو اعتكفت المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة هل يصح فيه قولان (الجديد) وبه قال مالك وأحمد لا لان ذلك الموضع ليس بمسجد في الحقيقة فأشبه سائر المواضع ويدل عليه ان نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يعتكفن في المسجد ولو جاز اعتكافهن في البيوت لاشبه ان يلازمنها (والقديم) وبه قال ابو حنيفة نعم لانه مكان صلاتها كما ان المسجد مكان صلاة الرجل وعلي هذا ففى جواز الاعتكاف فيه للرجل وجهان وهو اولي بالمنع ووجه الجواز ان نفل الرجل في البيت افضل والاعتكاف ملحق بالنوافل وإذا قلنا بالجديد فكل امرأة يكره لها حضور الجماعات يكره لها الخروج للاعتكاف والتى لا يكره لها ذاك لا يكره لها هذا * قال {ولو عين مسجدا بنذره فالصحيح ان المسجد الحرام يتعين وسائر المساجد لا تتعين وفي مسجد الاقصي ومسجد المدينة قولان وقيل ان الكل لا يتعين وقيل ان الكل يتعين (وأما) الزمان (فالمذهب) انه يتعين (و) كما في الصوم ثم يقضي (و) عند الفوات} * مقصود الفصل الكلام في تعيين مكان الاعتكاف وزمانه بالنذر
(أما) المكان فان عين المسجد الحزام تعين لمزيد فضله وتعلق النسك به وإن عين مسجد المدينة أو المسجد الاقصى فهل يتعين فيه قولان (أظهرهما) وبه قال أحمد نعم لانهما مسجدان ورد الشرع بشد الرحال اليهما فأشبها المسجد الحرام (والثاني) لا لانه لا يتعلق بهما نسك فأشبها سائر المساجد وذكر الامام أن من الاصحاب من خرج تعيين المسجد الحرام علي هذين القولين وان عين غير المساجد الثلاثة ففى التعيين وجهان وقال الكرخي قولان عن ابن سريج (أظهرهما) انه لا يتعين كما لو عينه للصلاة (والثانى) انه يتعين لان الاعتكاف يختص بالمسجد
بخلاف الصلاة لا تختص بالمسجد فلا يتعين لها المسجد * واحتج لهذا الوجه بأن الشافعي رضي الله عنه قال: لو أوجب علي نفسه اعتكافا في مسجد فانهدم اعتكف في موضع منه فان لم يقدر خرج فإذا بنى المسجد رجع وبني على اعتكافه ومن قال بالاول حمله علي ما إذا كان المعين أحد المساجد الثلاثة أو ما إذا لم يكن في تلك القرية مسجد آخر ومنهم من قطع بأن غير المساجد الثلاثة لا يتعين ونفى الخلاف فيه وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك ان في تعيين الجميع خلافا كما ذكره في الكتاب وليس قوله
وقيل الكل لا يتعين محمولا على طريقة قاطعة بنفى التعين في الكل فانه لا صائر إليه في المسجد الحرام ولا قوله
وقيل الكل يتعين محمولا علي طريقة قاطعة بالتعيين في الكل فانه لم ينقلها احد في غير المساجد الثلاثة ولكن الطريقة المذكورة اولا قاطعة بالتعين في المسجد الحرام وبعدم التعين فيما سوى المساجد الثلاثة فالغرض من قوله قيل
وقيل بيان ان كل واحد من القطعين قد نازع فيه بعض الاصحاب ومتي حكمنا بالتعيين فإذا عين المسجد الحرام لم يقم غيره مقامه وإن عين مسجد المدينة لم يقم غيره مقامه إلا المسجد الحرام وإن عين المسجد الاقصى لم يقم غيره مقامه الا المسجد الحرام ومسجد المدينة وان حكمنا بعدم التعين فليس له الخروج بعد الشروع لينتقل إلى مسجد آخر لكن لو كان ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر علي مثل تلك المسافة أو أقرب كان له ذلك في أصح الوجهين
(وأما) الزمان في تعيينه بالتعيين وجهان (احدهما) وهو المذهب انه يتعين حتى لا يجوز التقديم عليه ولو تأخر كان ذلك قضاء الفائت (والثاني) لا يتعين كما لا يتعين كما لا يتعين في نذر الصلاة والصدقة والوجهان جاريان بعينهما فيما إذا عين زمان الصوم وقد ذكرهما في الكتاب في في النذور وسيأتي شرحه عليهما ان شاء الله وهذا الكلام يعرفك ان قوله فالمذهب انه يتعين كما في الصوم ليس كقياس التعين في الوجه الذى هو المذهب علي التعين في الصوم فان الخلاف فيهما واحد وإنما الغرض تشبيه الخلاف بالخلاف * قال {الفصل الثاني في حكم النذر والنظر في ثلاثة امور (الاول) في التتابع فإذا قال لله تعالي علي أن أعتكف شهرا لم يلزمه (و) التتابع الا إذا شرط ولو قال يوما لم يجز تفريق الساعات علي الايام في اصح الوجهين وإذا قال اعتكف هذا الشهر لم يفسد أوله بفساد آخره ولا يلزم التتابع في قضائه لان التتابع وقع ضرورة لا بقصده بل لو صرح وقال اعتكف هذا الشهر متتابعا لم يلزم التتابع في القضاء علي أحد الوجهبن إذا التتابع وقع ضرورة فلا اثر للفظه} * الاعتكاف المنذور يمتاز عن غير المنذور منه بامور راجعة إلى كيفية لفظ الناذر والتزامه ومقصود الفصل الثاني الكلام في ثلاثة أمور منها (أحدها) في التتابع من نذر اعتكافا لم يخل
اما أن يطلق أو يقدر مدة فأن أطلق فقد ذكرنا ما يلزمه وما يستحب له وإن قدر مدة
فأما أن يطلقها أو يعينها.
(الحالة الاولي) أن يطلقها فينظر إن اشترط التتابع لزمه كما لو اشترط التتابع في الصوم وإن لم يشترطه بل قال علي شهر أو عشرة أيام لم يلزمه التتابع كما في نظيره من الصوم وخرج ابن سريج قولا أنه يلزم وبه قال مالك وأبو حنيفة واحمد رحمهم الله كما لو حلف الا يكلم زيدا شهرا يكون متتابعا وظاهر المذهب الاول وهو المذكور في الكتاب ولكن يستحب رعاية التتابع وعلي هذا
فلو لم يتعرض له لفظا ولكن نواه بقلبه فهل يلزمه فيه وجهان قال صاحب التهذيب وغيره (أصحهما) انه لا يلزمه كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه ولو شرط التفرق فهل يخرج عن العهدة بالمتتابع فيه وجهان (أصحهما) نعم لانه أفضل كما لو عين غير المسجد الحرام ويخرح عن العهدة بالاعتكاف في المسجد الحرام ولو نذر اعتكاف يوم فهل يجوز تفريق الساعات علي الايام فيه وجهان (أحدهما) نعم تنزيلا للساعات من اليوم منزلة الايام من الشهر (أصحهما) وبه قال أبو إسحق والاكثرون لا لان المفهوم من لفظ اليوم المتصل وقد حكي عن الخليل أن اليوم إسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس ولو دخل المسجد في أثناء النهار خرج بعد الغروب ثم عاد قبيل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت فهو علي هذين الوجهين ولو لم يخرج بالليل فجواب الاكثرين أنه يجزئه سواء جوزنا التفريق أو منعناه لحصول التواصل بالبيتوتة في المسجد وعن أبى اسحق أنه لا يجزئه تفريعا علي الوجه الثاني لانه لم يأت بيوم متواصل الساعات والليلة ليست من اليوم فلا فرق بين أن يخرج منها عن المسجد أو لا يخرج وهذا هو الوجه
ولو قال في أثناء النهار لله على ان اعتكف يوما من هذا الوقت فقد اطبق حملة المذهب علي أنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوقت إلى مثله من اليوم الثاني ولا يجوز أن يخرج بالليل ليتحقق التتابع وفيه توقف من جهة المعني لان الملتزم يوم والبعضان يوم وليلة والليلة المتخللة ليست من اليوم فلا تمنع التتابع بينهما كما أنها لا تمنع وصف اليومين الكاملين بالتتابع والقياس أن يجعل
فائدة التقييد في هذه الصورة القطع بجواز التفريق لا غير ثم حكى الامام تفريعا علي جواز تفريق الساعات عن الاصحاب أنه يكفيه ساعات اقصر الايام لانه لو اعتكف اقصر الايام جاز ثم قال ان فرق علي ساعات اقصر الايام في سنين فالامر كذلك وان اعتكف في أيام متباينة في الطول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إليه ان كان ثلثا فقد خرج عن ثلث ما عليه وعلى هذا القياس نظرا إلي اليوم الذى يوقع فيه الاعتكاف ولهذا لو اعتكف بقدر ساعات اقصر الايام من يوم طويل لم يكفه وهذا الذى ذكره مستدرك حسن وقد أجاب عنه بما لا يشفى والله أعلم (الحالة الثانية) أن يعين المدة المقدرة كما لو نذر ان يعتكف عشرة أيام من الآن أو هذه العشرة أو شهر رمضان أو هذا الشهر فعليه الوفاء ولو افسد آخره بالخروج بغير عذر أو بسبب آخر لم يلزمه الاستئناف ولو فاته الجميع لم يلزمه التتابع في القضاء لان التتابع فيه كان من حق الوقت وضروراته لا انه وقع مقصودا فأشبه التتابع في صوم رمضان هذا إذا لم يتعرض للتتابع
اما إذا صرح به فقال اعتكف هذه العشرة أو هذا الشهر متتابعا فهل يلزمه الاستئناف إذا أفسد آخره وهل يجب التتابع في قضائه عند الفوات فيه وجهان (أحدهما) لا لان التتابع واقع ضرورة فلا اثر للفظه وتصريحه (واصحهما) نعم لان تصريح به يدل علي قصده اياه
ويجوز ان يكون ذلك مقصودا من تعيين الزمان واعلم قوله في الكتاب لم يفسد اوله بفساد آخره بالالف لان في رواية عن احمد يفسد
ويجب الاستئناف * قال {الثاني في استتباع الليالي فإذا نذر اعتكاف شهر دخلت الليالي فيه ويكفيه شهر بالاهلة ولو نذر اعتكاف يوم لم تدخل الليلة ولو نذر عشرة ايام ففى الليالي المتخللة ثلاثة اوجه وفى الثالث تدخل ان نذر التتابع والا فلا وإذا نذر العشر الاخير فنقص الهلال كفاه التسع} * مقصود هذا النظر بيان ان الليالى متى تلزم إذا لم ينص عليها ويقاس به الايام إذا لم ينص عليها وفيه صور (احداها) لو نذر اعتكاف شهر لزمه الايام والليالي لان الشهر عبارة عن الجميع الا أن يقول ايام شهر أو نهار هذا الشهر فلا تلزمه الليالي
وكذا لو قال ليالي هذا الشهر لا تلزم الايام ولو لم يتلفظ بتقييد ولا استثناء ولكن نوى بقلبه ففيه وجهان (اصحهما) وبه قال ابو حنيفة انه لا يؤثر ذكره في التهذيب ثم إذا أطلق الشهر فدخل المسجد قبل الاستهلال كفاه ذلك الشهر خرج ناقصا أو كاملا وان دخل في أثناء الشهر استكمل بالعدد (الثانية) لو نذر اعتكاف يوم لم يلزمه ضم الليلة إليه الا أن ينوى فحينئذ يلزمه لان اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته وحكي الحناطي قولا أنه يدخل الليل في هذا النذر الا أن ينوى يوما بلا ليلة فيجوز أن يرقم قوله في الكتاب لم تدخل الليلة بالواو لذلك ولو نذر اعتكاف يومين ففى لزوم الليلة معهما ثلاثة أوجه (أحدهما) لا تلزم الا إذا نواها لما سبق ان اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر وغروب الشمس (والثاني) تلزم الا ان يريد بياض النهار لانها ليلة تتخلل نهار الاعتكاف فاشبه مالو نذر اعتكاف العشر (والثالث) ان نوى التتابع أو قيد به لفطا لزمت ليحصل التواصل والا فلا وهذا ارجح عند الاكثرين بل لم يذكروا خلاف في لزومها إذا قيد بالتتابع وذكر صاحب المهذب وآخرون ان الاول اظهر والوجه التوسط ان كان المراد من التتابع توالي اليومين فالحق ما ذكره صاحب المهذب وان كان المراد تواصل الاعتكاف فالحق ما ذكره الاكثرون ولو نذر اعتكاف ليلتين ففى النهار بينها هذا الخلاف ولو نذر ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين يوما ففى لزوم الليالي المتخللة الوجوه الثلاثة
وأشار الشيخ أبو محمد وطائفة الي طريقة قاطعة بان نذر اليومين لا يستتبع شيئا من الليالى والخلاف في الثلاثة فصاعدا وحكى عن القفال في توجيهه ان العرب إذا أطلقت اليومين عنت مجرد النهار وإذا أطلقت الايام عنتها بلياليها وهذا الفرق غير معلوم من أهل اللسان والله أعلم * وانما قال ففى الليالي المتخللة بينها علي ان الخلاف مخصوص بما بين الايام المنذورة من الليالي وهى تنتقص عن عدد الايام بواحد أبدا ولا خلاف في ان الليالي لا تلزم بعدد الايام فإذا نذر يومين لم يلزم ليلتان بحال وبه قال مالك واحمد وقال أبو حنيفة رحمهم الله يلزم ليلتان وقياس ما نقله الحناطي في اليوم الواحد مثله فاعرفه (الثالثة) لو نذر العشر الاخير من بعض الشهور دخل فيه الايام والليالي وتكون الليالي ههنا بعدد الايام كما في نذر الشهر وقد مر في اعتكاف العشر الاواخر من رمضان انه متى يدخل المسجد ويخرج عن العهدة إذا استهل الهلال كان الشهر كاملا أو ناقصا لان الاسم يقع علي مابين العشرين الي آخر الشهر ولو نذر ان يعتكف عشرة ايام من آخر الشهر ودخل المسجد آخر اليوم العشرين أو قبيل الحادى والعشرين فنقص الشهر لزمه قضاء يوم لانه جرد القصد الي العشرة وفى دخول الليالي ما حكيناه من الخلاف *
{فرع} إذا نذر أن يعتكف اليوم الذى يقدم فيه فلان فقدم ليلا لم يلزمه شئ وان قدم نهارا لزمه اعتكاف بقية النهار وهل عليه قضاء ما مضى منه فيه قولان (اصحهما) وهو ظاهر نصه في المختصر لا لان الوجوب ثبت من حين القدوم (والثانى) نعم لانا نتبين بقدومه ان ذلك اليوم من أوله يوم القدوم وبهذا قال المزني وابن الحداد وعلى هذا فيعتكف بقية اليوم ويقضي بقدر ما مضى من يوم آخر ولا يخلي الوقت عن العبادة بقدر الامكان وقال المزني الاولى أن يستأنف اعتكاف يوم ليكون اعتكافه موصولا ولو كان الناذر وقت القدوم مريضا أو محبوسا قضي عند زوال العذر
إما ما بقى من النهار أو يوما كاملا على اختلاف القولين وعن القاضي ابي حامد وصاحب الافصاح انه لا شئ عليه لعجزه وقت الوجوب كما لو نذرت المرأة صوم يوم بعينه فحاضت فيه * قال {الثالث في الاستثناء فإذا قال أعتكف شهرا متتابعا لا أخرج الا لعيادة زيد لم يجز الخروج لغيره ولو قال لا أخرج الا لشغل يعن لى جاز (م و) الخروج لكل شغل دينى أو دنيوى لا كالنظارة والتنزه ولو قال اتصدق بهذه الدراهم الا ان احتاج إليها فالاظهر صحة الشرط ولو قال الا ان يبدو لى فالاظهر فساد الشرط} * إذا نذر اعتكافا بصفة التتابع وشرط الخروج منه ان عرض عارض صح شرطه لان الاعتكاف انما يلزمه بالتزامه فيجب بحسب الالتزام وعن صاحب التقريب والحناطي حكاية قول آخر انه لا يصح لانه شرط يخالف مقتضى الاعتكاف المتتابع فيلغو كما لو شرط المعتكف ان يخرج للجماع وفيما علق عن الشيخ أبي محمد ان بالاول قال ابو حنيفة وبالثاني قال مالك وعن احمد روايتان كالقولين (فان قلنا) بالاول وهو الصحيح المشهور فينطر ان عين نوعا فقال لا اخرج الا لعيادة المرضى أو عين ما هو أخص منه فقال لا اخرج الا لعيادة زيد أو لتشييع جنازته ان مات خرج لما عينه دون غيره من الاشغال وان كان اهم منه وان اطلق وقال لا أخرج الا لشغل يعن لى أو لعارض يعرض كان له ان يخرج لكل شغل دينى كحضور الجمعة وعيادة المرضى وصلاة الجنازة أو دنيوى كلقاء السلطان واقتضاء الغريم ولا يبطل التتابع بشئ من ذلك
ويشترط في الشغل الدنيوي أن يكون مباحا ونقل وجه عن الحاوى انه لا يشترط ولا عبرة بالنظارة والنزهة فان ذلك لا يعد من الاشغال ولا يعتني به
ولو قال ان عرض عارض قطعت الاعتكاف فالحكم كما لو شرط الخروج الا أن في شرط الخروج يلزمه العود عند قضاء تلك الحاجة وفيما إذا قصد القطع لا يلزمه ذلك
وكذا لو قال علي ان اعتكف رمضان الا أن أمرض أو اسافر فإذا مرض أو سافر فلا شئ عليه ولو نذر صلاة وشرط الخروج منها ان عرض عارض أو صوما وشرط الخروج منه ان جاع أو اضيف ففيه وجهان (احدهما) وبه أجاب الاكثرون انه يصح هذا الشرط كما في الاعتكاف (والثاني) لا يصح ولا ينعقد النذر ويخالف الاعتكاف لان ما يتقدم منه علي الخروج عبادة وبعض الصلاة والصوم ليس بعبادة ولو فرض ذلك في الحج انعقد النذر كما ينعقد الاحرام المشروط ولكن في جواز الخروج القولان المذكوران في كتاب الحج والصوم والصلاة اولى بجواز الخروج منهما عند أئمتنا العراقيين لانهما لا يلزمان بالشروع والالتزام مشروط فإذا وجد العارض فلا يلزم والحج يلزم بالشروع وجعل الشيخ ابو محمد الحج أولي بجواز الخروج منه لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بالاهلال بشرط التحلل ولو نذر التصدق بعشرة دراهم أو بهذه الدراهم الا ان تعرض حاجة ونحوها فعلى الوجهين
والاظهر صحة الشرط فإذا احتاج فلا شئ عليه
ولو قال في هذه القربات الا ان يبدو لي فوجهان (احدهما) انه يصح الشرط فلا شئ عليه إذا بداله كشرط سائر العوارض (واظهرهما) وبه قال الشيخ ابو محمد لا يصح لانه تعليق الامر بمجرد الخيرة وذلك يناقض معنى الالتزام (فان قلت) إذا لم يصح يبطل الالتزام من أصله أو يلغوا الشرط
ويصح الالتزام (فالجواب) ان صاحب التهذيب حكم بعدم انعقاد النذر علي قولنا لا يصح شرط الخروج في الصوم والصلاة وروي الامام وجهين في صورة تقارب هذه وهى مااذا نذر اعتكافا متتابعا وشرط الخروج مهما اراد قال هذا ضد التتابع فكأنه التزم التتابع ثم نفاه ففى وجه يبطل الالتزام التتابع وفى وجه يلزم التتابع
ويبطل الاستثناء وشبه ذلك بشرائط فاسدة تقرن بالوقوف فانا في مسلك يبطل الشرط وينفذ الوقف من أصله وفى مسلك يبطل الوقف من اصله والله أعلم * قال {ثم الزمان المصروف إلى غرض المستثني يجب قضاؤه الا أن يعين الشهر فيحمل استثناؤه على نقصان الوقت لا علي قطع التتابع فقط} * إذا شرط الخروج لغرض وصححناه فخرج لذلك الغرض هل يجب تدارك الزمان المصروف إليه ينظر ان نذر مدة غير معينة كشهر مطلق أو عشرة مطلقة فيجب التدارك ليتم المدة المنذورة وتكون
فائدة الشرط تنزيل ذلك الغرض منزلة قضاء الحاجة في ان التتابع لا ينقطع به وان عين المدة فنذر اعتكاف هذه العشرة أو شهر رمضان فلا يجب التدارك لانه لم ينذر الا اعتكاف ما عدا ذلك الزمان من العشرة وقوله في الكتاب الا ان يعين الشهر لا يخفى ان ذكر الشهر جرى علي سبيل ضرب المثال للمدة المعينة وقوله فيحمل استثناؤه علي نقصان الوقت لا علي قطع التتابع فقط معناه لا علي نفى قطع التتابع فحذف المضاف وهو النفى هذا لابد منه وهو مبين في الوسيط ثم الكلام بعد ذلك يحتمل من حيث اللفظ محملين (أحدهما) ان الاستثناء محمول فيما إذا كانت المدة مطلقة علي نفي قطع التتابع فقط إذ لا ضرورة إلى حمله علي نقصان المدة كما سبق وهو يقول إذا كانت المدة معينة يحمل الاستثناء علي نقصان الوقت لا على ما حمل عليه عند الاطلاق وهو نفى قطع التتابع فقط (والثاني) أن يقال أراد به أنه لا يحمل عند التعيين علي نفى قطع التتابع فقط بل عليه وعلى نقصان الوقت والوجه حمله علي الاول لان الثاني يقتضى إفادته نفى قطع التتابع وانما يفيده ان لو كان التتابع مرعيا فيه ليقع الاستثناء صائنا له عن الانقطاع وقد قدمناه أن التتابع غير مرعى عند تعين الزمان نعم لو فرض التعرض للتتابع مع تعيين الزمان وفرعنا علي ان التتابع حينئذ يكون مرعيا فينتظم المحمل الثاني ايضا والله أعلم * قال {الفصل الثالث في قواطع التتابع وهى انقطاع شروط الاعتكاف والخروج بكل البدن عن كل المسجد بغير عذر فلو أخرج رأسه أو رجله لم يضر ولو أذن علي المنارة وبابها في المسجد لم يضر وان كان بابها خارج المسجد وهي ملتصقة بحريم المسجد فثلاثة أوجه يفرق في الثالث بعذر المؤذن الراتب دون غيره} * الفصل معقود لبيان ما يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع ويحوج الي الاستئناف وهو فيما ذكره حجة الاسلام رحمه الله أمران (احدهما) انقطاع شروط الاعتكاف والمفهوم من شروط الاعتكاف الامور التي لا بد منها فيه ككف النفس عن الجماع وعن مقدماته في قول لكن فيه كلامان (احدهما) انه غير مجرى علي اطلاقه لان من شروط الاعتكاف النقاء عن الحيض والجنابة ومعلوم ان انقطاع هذا الشرط بعروض الحيض والاحتلام لا يقطع التتابع (والثاني) ان اللبث في المسجد من الامور التي لا بد منها في الاعتكاف وإذا خرج من المسجد انقطع هذا الشرط فإذا الخروج من المسجد داخل في انقطاع شروط الاعتكاف وقضية العطف ألا يدخل أحدهما في الآخر (الامر الثاني) الخروج بكل البدن عن كل المسجد بغير عذر وفيه ثلاثة قيود (أحدها) كون الخروج بكل البدن والقصد به الاحتراز عما إذا أخرج يده أو رأسه فلا يبطل اعتكافه * واحتجوا له بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يدنى رأسه إلى عائشة رضى الله عنها فترجله وهو معتكف وهو في المسجد " ولو اخرج احدى رجليه أو كليهما وهو قاعد ماد لهما فكذلك وان اعتمد عليهما فهو خارج (الثاني) كون الخروج عن كل المسجد والقصد به الاحتراز عما إذا صعد المنارة للاذان وللمنارة حالتان (إحداهما) أن يكون بابها في المسجد أو في رحبته المتصلة به فلا بأس بصعودها للاذان وغيره كصعود سطح المسجد ودخول بيت منه ولا فرق بين أن يكون في نفس المسجد أو الرحبة وبين أن تكون خارجة عن سمت البناء وتربيعه وأبدى الامام رحمه الله احتمالا فيما إذا كانت خارجة عن عن السمت قال لانها حينئذ لا تعد من المسجد ولا يصح الاعتكاف فيها وكلام الائمة ينازع فيما وجه به الاحتمال (والثانية) أن لا يكون بابها في المسجد ولا في رحبته المتصلة به فهل يبطل اعتكاف المؤذن الراتب بصعودها للاذان فيه وجهان (أحدهما) نعم لانه لا ضرورة إليه لامكان الاذان علي سطح المسجد فصار كما لو صعدها لغير الاذان أو خرج إلي الامير أو غيره ليعلمه بالصلاة (والثانى) لا لمعنيين (أحدهما) انها مبنية للمسجد معدودة من توابعه (والثاني) انه قد اعتاد صعودها للاذان والناس استأنسوا بصوته فيعذر فيه ويجعل زمان الاذان مستثنى عن اعتكافه وهذا أوضح المعنيين لان المنارة وإن كانت معدودة من توابع المسجد فهو إلى أن يصل إليها منفصل عن المسجد ولو خرج إليها غير المؤذن الراتب للاذان رتب حكمه علي الراتب ان أبطلنا اعتكافه به فههنا أولى وإلا فيبنى علي المعنيين (ان قلنا) بالثاني بطل (وان قلنا) بالاول فلا وإذا تركت الترتيب أطلقت ثلاثة أوجه كما في الكتاب (الثالث) الفرق بين الراتب وغيره قال صاحب التهذيب وغيره وهو الاصح (وقوله) ولو أذن علي المنارة التصوير في التأذين ينبه علي أن الخروج إليها وهى خارجة عن المسجد لغير الاذان لا يجوز بحال لكنها إذا كانت في المسجد فلا فرق بين أن يصعدها للاذان أو غيره (وقوله) وان كان بابها خارج المسجد وهى ملتصقة بحريم المسجد ففيه ثلاثة أوجه يشعر بتقييد الخلاف بما إذا كانت ملتصقة بحريم المسجد وفنائه لكن الاكثرين لم يشترطوا في صورة الخلاف سوى أن يكون بابها خارج المسجد كما قدمناه وأورد أبو القاسم الكرخي الخلاف فيما إذا كانت في رحبة منفصلة عن المسجد بينها وبين المسجد طريق (واعلم) انه لو اقتصر في الضابط المذكور علي الخروج عن المسجد وحذف لفظتي الكل لكان الغرض حاصلا فان من اخرج بعض بدنه لا يسمي خارجا ألا ترى انه لو حلف أن لا يخرج من الدار فأخرج رأسه أو رجليه غير معتمد عليهما لم يحنث
وكذا لا يقال خرج من المسجد الا إذا انفصل عن كله * قال
{وأما العذر فعلى مراتب (الاولي) الخروج لقضاء الحاجة وهو لا يضر ولا يجب قضاء تلك الاوقات ولا تجديد النية عند العود ولا فرق بين قرب الدار وبعدها (و) وبين أن يكثر الخروج (و) لقضاء الحاجة أو يقل ولا بأس بعيادة المريض في الطريق من غير تعريج ولا بأس بصلاة الجنازة من غير أزورار عن الطريق وكذا كل وقفة في حد صلاة الجنازة ولو جامع في وقت قضاء الحاجة انقطع التتابع (و) } * القيد الثالث كون الخروج بغير عذر وقد رتب العذر علي مراتب (احداها) الخروج لقضاء الحاجة فهو محتمل روى عن عائشة رضي الله عنها " ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف لا يدخل البيت الا لحاجة الانسان " وفى معناه الخروج للاغتسال عند الاحتلام وقد تقدم ذكره وهل يجوز الخروج للاكل فيه وجهان (أحدهما) وبه قال ابن سريج لا لان الاكل في المسجد ممكن (والثاني) وبه قال أبو إسحق نعم لانه قد يستحيى منه ويشق عليه والاول أظهر عند الامام وصاحب التهذيب (والثاني) أظهر عند الاكثرين وحكاه الرويانى عن نصه في الاملاء وفى عبارة المختصر ما يدل عليه ولو عطش ولم يجد الماء في المسجد فهو معذور في الخروج وان وجده فهل له الخروج للشرب فيه وجهان (أصحهما) لا فانه لا يستحى منه ولا يعد تركه من المروءة
بخلاف الاكل وقد اطلق في التنبيه القول بأن الخروج للاكل والشرب لا يضر والوجه تأويله ثم في الفصل مسائل (احداها) أوقات الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركها وله مأخذان (أحدهما) ان الاعتكاف مستمر في اوقات الخروج لقضاء الحاجة ولذلك لو جامع في ذلك الوقت بطل اعتكافه علي الصحيح (والثانى) ان زمان الخروج لقضاء الحاجة جعل كالمستثنى لفظا عن المدة المنذورة لانه لا بد منه وإذا فرغ وعاد لم يحتج الي تجديد النية
(اما) علي المأخذ الاول فظاهر
(واما) علي الثاني فلان اشتراط التتابع في الابتداء رابطة تجمع ما سوى تلك الاوقات ومنهم من قال ان طال الزمان ففى لزوم التجديد وجهان كما لو أراد البناء علي الوضوء بعد التفريق الكثير
ويجوز أن يعلم لهذا قوله ولا يجب تجديد النية بالواو فانه اطلق الكلام اطلاقا (الثانية) لو كان في المسجد سقاية لم يكلف قضاء الحاجة فيها لما فيه من المشقة وسقوط المروءة
وكذا لو كان في جوار المسجد صديق له وأمكنه دخول داره فان فيه مع ذلك قبول منة بل له الخروج الي داره ان كانت قريبة أو بعيدة غير متفاحشة البعد فان تفاحش بعدها ففيه وجهان (أحدهما) يجوز ايضا لما سبق ولفظ الكتاب يوافق هذا الوجه لاطلاقه القول بأنه لا فرق بين قرب الدار وبعدها (والثانى) المنع لانه قد يأتيه البول إلى أن يرجع فيبقي طول يومه في الذهاب والمجئ الا أن لا يجد في الطريق موضعا للفراغ أو كان لا يليق بحاله ان يدخل لقضاء الحاجة غير داره ونقل الامام فيما إذا كثر خروجه لعارض يقآتضيه الوجهين أيضا وقال من أئمتنا من نظر الي جنس قضاء الحاجة ومنهم من خصص عدم تأثيره بما إذا قرب الزمان وقصر وبالاول اجاب صاحب الكتاب وهو قضية اطلاق المعظم لكن فيما إذا تفاحش البعد وجه المنع اظهر عند أئمتنا العراقيين وذكر الروياني في التجربة انه المذهب ولو كانت له داران كل واحدة منهما بحيث يجوز الخروج إليها لو انفردت واحداهما أقرب ففى جواز الخروج الي الاخرى وجهان (احدهما) وبه قال ابن ابى هريرة يجوز كما لو أنفردت (واصحهما) لا يجوز للاستغناء عنه ولا يشترط لجواز الخروج أرهاق الطبيعة وشدة الحاجة وإذا خرج لم يكلف الاسراع بل يمشي علي سجيته المعهودة (الثالثة) لا يجوز الخروج لعيادة المريض ولا لصلاة الجنازة ولو خرج لقضاء الحاجة فعاد في الطريق مريضا نظر ان لم يقف ولا ازور عن الطريق بل اقتصر على السلام والسؤال فلا بأس وان وقف وأطال بطل اعتكافه وان لم يطل ففيه وجهان منقولان في التتمة والعدة
والاصح انه لا بأس به وادعي الامام اجماع الاصحاب عليه ولو ازور عن الطريق قليلا فعاده فقد جعلاه علي هذين الوجهين
والاصح المنع لما فيه من انشاء سير لغير قضاء الحاجة وقد روى " انه صلى الله عليه وسلم كان لا يسأل علي المريض الا مارا في اعتكافه ولا يعرج عليه " وإذا كان المريض في بيت من الدار التي يدخلها لقضاء الحاجة فالعدول لعيادته قليل وان كان في دار أخرى فكثير ولو خرج لقضاء الحاجة فصلى في الطريق علي جنازة فلا بأس إذا لم ينتظرها ولا ازور عن الطريق وحكى صاحب التتمة فيه الوجهين لان في صلاة الجنازة يفتقر إلى الوقفة
وقال في التهذيب ان كانت متعينة فلا بأس والا فوجهان
والاظهر (الاول) وجعل الامام قدر صلاة الجنازة حد الوقفة اليسيرة وتابعه المصنف واحتملاه لجميع والاغراض (منها) ان يأكل لقما إذا فرعنا علي انه لا يجوز الخروج للاكل لكن لو جامع في مروره بان كان في هودج أو فرض ذلك في وقفة يسيرة ففى بطلان اعتكافه وجهان (اصحهما) وهو المذكور في الكتاب انه يبطل
اما إذا قلنا باستمرار الاعتكاف في أوقات الخروج لقضاء الحاجة فظاهر
واما إذا لم نقل به فلان الجماع عظيم الوقع فالاشتغال به أشد اعراضا عن العبادة من اطالة الوفقة في عيادة مريض (والثاني) انه لا يبطل لانه غير معتكف في تلك الحالة ولم يصرف إليه زمانا وإذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى لم يلزمه نقل الوضوء إلى المسجد بل يقع ذلك تابعا
بخلاف مااذا احتاج الي الوضوء من غير قضاء الحاجة كما لو قام من النوم لا يجوز له الخروج ليتوضأ في اظهر الوجهين إذا أمكن الوضوء في المسجد واذ وقفت علي ما ذكرنا اعلمت قوله من غير تعريج بالواو والتعريج هو الوقوف
وكذا قوله ولا بأس بصلاة الجنازة وقوله
وكذا كل وقفة وقوله في مسألة الجماع انقطع التتابع * قال {الرتبة الثانية الخروج بعذر الحيض غير قاطع للتتابع الا أن قصرت مدة الاعتكاف وامكن إيداعها في أيام الطهر ففيه وجهان} * إذا حاضت المعتكفة لزمها الخروج وهل ينقطع تتابع اعتكافها ان كانت المدة المنذورة طويلة لا تخلو عن الحيض غالبا فلا ينقطع بل تبني إذا طهرت كما لو حاضت في صوم الشهرين عن الكفارة وان كانت بحيث تخلو عن الحيض فقد قال الامام وصاحب الكتاب فيه وجهان وقال آخرون قولان (احدهما) انه لا ينقطع به التتابع لان جنس الحيض متكرر بالجبلة فلا يؤثر في التتابع كقضاء الحاجة (وأظهرهما) ينقطع لانها بسبيل من أن تشرع كما طهرت وتودع الاعتكاف زمان الطهر واستبعد بعض الشارحين عبارة الوجهين من صاحب الكتاب لانه ذكر في صورة الرتبة الثالثة قولين مرتبين علي الحيض ولا ينتظم ترتيب القولين علي الوجهين ولا شك انه لو اطلق عبارة القولين لكان أحسن لكن ينبغي ان يعلم ان الامر فيه هين من جهة المعني من وجهين (احدهما) أن الذى يستحق الاستبعاد ترتيب القولين المنصوصين علي وجهي الاصحاب والقولان في تلك الصورة ليسا منصوصين بل هما حاصلان من تصرف الاصحاب كما ستعرفه والوجهان في الحيض ليسا علي معنى افتراق الاصحاب واختلافهم وانما هما مأخوذان من القولين في انه هل يبطل التتابع بالحيض في صوم كفارة اليمين إذا شرطنا فيه التتابع ومثل هذا الخلاف قد يسمي قولا وقد يسمى وجها فالحاصل ترتيب قولين من تصرف الاصحاب علي قولين مثلهما (والثانى) ان الذى يستبعد هو بناء القولين على الوجهين فان المبنى عليه ينبغى أن يكون أقدم من المبنى
أما الترتيب فلا يعنى به الا أن أحد طرفي الخلاف في صورة اولي منه في صورة أخرى ولابعد في أن يكون قول الانقطاع في تلك الصورة أولي من وجه الانقطاع في صورة الحيض والمذكور في الكتاب هو الترتيب دون البناء * قال {الرتبة الثالثة الخروج بالمرض أو بالنسيان أو بالاكراه أو لاداء شهادة متعينة أو تمكين من حد أو عدة ففيه قولان مرتبان علي الحيض وأولي بان ينقطع التتابع} * في هذه الرتبة صور (إحداها) المرض العارض للمعتكف علي ثلاثة أضرب (أحدها) المرض الخفيف الذى لا يشق معه المقام في المسجد كالصداع والحمي الخفيفة فلا يجوز الخروج من المسجد ولو خرج انقطع التتابع (الثاني) المرض الذى يشق معه المقام في المسجد لحاجته إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب يبيح الخروج وإذا خرج فهل ينقطع التتابع فيه قولان (أظهرهما) لا لدعاء الحاجة إليه كالخروج لقضاء الحاجة (والثانى) نعم لان المرض لا يغلب عروضه
بخلاف قضاء الحاجة والحيض فانه يتكرر غالبا فيجعل كالمستثنى لفظا والقول الاول منصوص عليه في المختصر والثانى مخرج خرجوه من أحد القولين في أن المرض يقطع تتابع الصوم في الكفارة (الثالث) المرض الذى يخاف منه تلويث المسجد كانطلاق البطن وادرار البول والجرح السائل فالمشهور ان الخروج له لا يقطع التتابع لاضطراره إليه كالخروج للحيض وحكى الامام عن بعض الاصحاب طرد القولين فيه وإذا تأملت ذلك عرفت ان لفظ الكتاب وإن كان مطلقا في حكاية الخلاف فالضرب الاول غير مراد منه والثاني مراد وفى الثالث الطريقان فهو على المشهور غير مراد أيضا (الثانية) لو خرج ناسيا هل ينقطع تتابعه فيه وجهان (أحدهما) نعم لان اللبس مأمور به والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات (وأصحهما) لا كما لا ينقطع بالجماع ناسيا وكما لا يبطل الصوم بالاكل والجماع ناسيا واقتصر كثير من الائمة على ايراد هذا الثاني ومن أورد خلافا عبر عنه بالوجهين ولفظ القولين في هذه الصورة محمول علي ان الخلاف مخرج من الخلاف في المرض ومثل ذلك قد يسمي قولا علي ما سبق وفى عبارة الامام ما يبين ذلك فان قلنا بالوجه الثاني فذلك فيما إذا تذكر علي القرب
أما إذا طال الزمان فقد
قال في التتمة فيه وجهان كالوجهين في بطلان الصوم بالاكل الكثير ناسيا (الثالثة) لو اكره حتي خرج ففيه قولان كالقولين فيما لو أكره وهو صائم والذى أجاب به الجمهور أنه لا ينقطع التتابع ولو أخرجه السلطان ظلما في مصادرة وغيرها أو خاف من ظالم فخرج واستتر فعلي القولين لانه لم يخرج بداعية نفسه ولو أخرج لحق توجه عليه وهو يماطل به بطل اعتكافه لان التقصير منه ولو أخرج لاقامة حد عليه فسيأتي ولو حمل فأخرج لم يبطل اعتكافه كما لو أوجر الصائم الطعام لا يبطل صومه ورأى الامام تخريجه على الخلاف لحصول المفارقة عن المسجد بعارض غير غالب (الرابعة) إذا دعى لاداء شهادة فخرج لها نظر ان لم يكن متعينا لادائها انقطع تتابع اعتكافه سواء كان متعينا عند التحمل أو لم يكن لانه ليس له الخروج والحالة هذه لحصول الاستغناء عنه وان كان متعينا لم يخل
اما ان يكون متبرعا عند التحمل أو يكون متعينا فان كان متبرعا فقد نص في المختصر علي انه ينقطع اعتكافه وفى المرأة إذا خرجت للعدة أنه لا ينقطع بل تبني واختلف الاصحاب علي طريقين (أحدهما) وبه قال ابن سريج انهما على قولين بالنقل والتخريج ولا يخفى توجيههما مما سبق في الصور وبعضهم يطلق في المسألة وجهين بدلا عن القولين (والثاني) وبه قال ابو اسحق تقرير النصين والفرق ان التحمل انما يكون للاداء فإذا تحمل باختياره فقد ألجأ نفسه الي الاداء والنكاح لا يتأثر للعدة علي أن المرأة الي النكاح أحوح منه إلى التحمل لتعلق مصالحها به وظاهر المذهب في كل واحدة من الصورتين ما نص عليه وان كان متعينا عند التحمل ايضا فهو مرتب على ما إذا لم يكن متعينا (ان قلنا) لا ينقطع ثم فههنا أولي وان قلنا ينقطع فههنا وجهان والفرق أنه لم يتحمل بداعيته واختياره (الخامسة) لو أخرج لاقامة حد عليه نظر ان ثبت باقراره انقطع اعتكافه وان ثبت ببينة فحاصل ما ذكره الائمة فيه طريقان كالطريقين فيما لو خرج لاداء الشهادة الا أن المنقول عن النص ههنا انه لا ينقطع واقتصر علي الجواب عليه كثير من أئمتنا العراقيين والفرق بينه وبين مسألة الشهادة أن الشهادة انما تتحمل لتؤدى فاختياره للتحمل اختيار للاداء والجريمة الموجبة للحد لا يرتكبها المجرم ليقام عليه الحد فلم يجعل اختياره للسبب اختيارا له (السادسة) لو لزم المعتكفة في خلال اعتكافها عدة بطلاق أو وفاة فعليها الخروج لتعتد في مسكنها وإذا خرحت فيبطل اعتكافها أم تبنى بعد انقضاء العدة فيه الطريقان المذكوران في مسألة الشهادة
والاصح البناء وان كان اعتكافها باذن الزوج وقد عين مدة فهل يلزمها العود الي المسكن عند الطلاق أو الوفاة قبل استكمالها فيه قولان يذكران في العدة (فان قلنا) لا فخرجت بطل اعتكافها بلا خلاف هذا بيان الصور التى نظمها في سلك الواحد
ويجوز أن يعلم قوله فقولان بالواو لانه أجاب فيهما جميعا علي طريقة طرد الخلاف وفى الصور الثلات الاخيرة طريقة نافية للخلاف علي ما بيناها
(وأما) ما ذكر من ترتيب الخلاف في هذه الصورة على الخلاف في الحيض وأولوية الانقطاع فوجهه ان الحيض متكرر بحكم الجبلة شبيه بقضاء الحاجة وهذه الامور عارضة لا تنتظم ورتب الامام مع ذلك بعض هذه الصور علي بعض فجعل صورة الشهادة مرتبة علي المرض وهي أولي بالانقطاع لسبق التحمل منه وصورة الاخراج للحد مرتبة على الشهادة وهي أولي بالانقطاع لكون السبب الجالب للاخراج معصية والله أعلم ويقرب من هذه المسائل صورتان (إحداهما) يجب الخروج لصلاة الجمعة وإذا خرج هل يبطل اعتكافه فيه قولان ويقال وجهان (أحدهما) وبه قال أبو حنيفة لا لانه لا بد من ذلك كقضاء الحاجة (وأصحهما) وبه قال مالك نعم لسهولة الاحتزار عن هذا الخروج بأن يعتكف في الجامع وعلي هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من اسبوع ابتدأ من أول الاسبوع أين شاء من المساجد أو في الجامع متي شاء وإن كان أكثر من اسبوع فيجب أن يبتدئ به في الجامع حتي لا يحتاج الي الخروج للجمعة فان كان قد عين غير الجامع وقلنا بالتعين فلا يخرج عن نذره الا ان يمرض فتسقط عنه الجمعة أو بأن يتركها عاصيا ويدوم علي اعتكافه (الثانيه) إذا احرم المعتكف نظر ان أمكنه اتمام الاعتكاف ثم الخروج لزمه ذلك وان خاف فوت الحج خرج الي الحج وبطل اعتكافه فإذا فرغ استأنف ووجهه بين * قال {ثم مهما لم ينقطع فعليه قضاء الاوقات المصروفة الي هذه الاعذار وفي لزوم تجديد النية عند العود خلاف} * كل ما يقطع التتابع يحوج إلى الاستئناف بنية مجددة وكل عذر لم نجعله قاطعا فكما فرغ منه يجب عليه أن يعود ويبني
فلو أخر انقطع التتابع وتعذر البناء ولا بد من قضاء الاوقات المصروفة إلى ما عدا قضاء الحاجة من الاعذار فانه غير معتكف فيها وانما لم يجب قضاء أوقات قضاء الحاجة لما قدمناه وهل يجب تجديد النية عند العود
(أما) إذا خرج لقضاء حاجة فقد مر وفى معناه مالا بد منه كالخروج للاغتسال والحق به الاذان إذا جوزنا الخروج له
واما مامنه بد ففيه وجهان (احدهما) انه يجب لانه خرج عن العبادة بما عرض (وأظهرهما) لا لشمول النية جميع المدة وأجرى الشيخ ابو علي الخلاف فيما إذا خرج لغرض استثناه ثم عاد ولو عين مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جامع أو خرج من غير عذر فاسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي فقد اجرى الخلاف في وجوب التجديد قال الامام لكن المذهب ههنا وجوب التجديد لان هذه عبادة مستقلة منفصلة عما مضى فان خطر ببالك ان القول في تجديد النية قد تعرض له ههنا وفى ركن النية وذكره في الرتبة الاولى ايضا وتوهمت في كلامه تكرارا فنذكر ما بينا انه أراد بما ذكره في ركن النية الكلام في الاعتكاف المتطوع به واعرف أن المذكور ههنا مخصوص بأعذار الرتبة الثالثة في الاعتكاف المنذور بشرط التتابع والمذكور في الرتبة الاولى مخصوص بقضاء الحاجة في هذا النوع من الاعتكاف فإذا لا تكرار نعم لو ذكرها مجموعة في موضع واحد لاستفاد به اختصارا وكان الذهن أضبط لها والله اعلم * فتح العزيز - عبد الكريم الرافعي ج ٧ فتح العزيز عبد الكريم الرافعي ج ٧ فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير للامام ابي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ..الجزء السابع دار الفكر بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحج قال (ولا يجب في العمر إلا مرة واحدة والنظر في المقدمات والمقاصد واللواحق القسم الاول في المقدمات وهى الشرائط والمواقيت) قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " (نبي الاسلام على خمس) " الحديث ولا يجب الحج بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فقام الاقرع بن حابس فقال أفي كل عام يا رسول الله فقال لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فتطوع " وقد يجب أكثر من مرة واحدة بعارض كالنذر والقضاء وكما أنا نوجب على قول الاحرام بحج أو عمرة لدخول مكة على ما سيأتي وليس من العوارض الموجبة الردة والاسلام بعدها فمن حج ثم ارتد ثم عاد إلى الاسلام لم يلزمه الحج خلافا لابي حنيفة ومأخذ الخلاف ان الردة عنده محبطة للعمل وعندنا انما تحبطه بشرط أن يموت عليها قال الله تعالى (ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر) الآية وساعد أحمد أبا حنيفة رحمه الله في المسألة ولكن لا من جهة هذا المأخذ
ثم ان المصنف حصر مقصود الكتاب في ثلاثة أقسام (أولها) المقدمات (وثانيها) المقاصد (وثالثها) اللواحق والخواتم وفي القسم الاول مقدمتان (إحداهما) في الشرائط والاخرى في المواقيت (واعلم) انه جعل الميقات على قسمين زماني ومكاني ولا شك أن الميقات الزماني من شرائط صحة الحج فالوجه حمل الشرائط وإن أطلقها على ما سوى الوقت لئلا يدخل شئ من احدى المقدمتين في الاخرى والله أعلم قال
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.