قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} ١ يشترط لرفع الحدث والنجس ماء مطلق
Its commentaries
كِتَابُ الطَّهَارَةِ الْكِتَابُ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا
وَمِثْلُهُ الْكَثْبُ بِالْمُثَلَّثَةِ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا الِاشْتِقَاقَ الْأَصْغَرَ، وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى، وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْأَكْبَرَ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوَافَقَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفَهُ أَمْ لَا كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَدِّ الْبَاعِ مَعَ أَنَّهُ يَائِيٌّ وَالْبَاعُ وَاوِيٌّ،
وَأَنَّ الصَّدَاقَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصَّدْقِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَهُوَ الشَّيْءُ الصُّلْبُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُ فِي قُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ انْتَهَى.
وَيَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ مَا صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَنَا بِالْمَصْدَرِ هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُجَرَّدُ؛ لِأَنَّ الْمَزِيدَ فِيهِ مُشْتَقٌّ مِنْهُ لِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ بِحُرُوفِهِ وَمَعْنَاهُ اهـ وَاصْطِلَاحًا: اسْمٌ لِضَمِّ مَخْصُوصٍ أَوَلِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا فَهُوَ
إمَّا مَصْدَرٌ لَكِنْ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ أَوْ اسْمِ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ أَوْ اسْمِ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْجَامِعِ لِلطَّهَارَةِ وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ بِالطَّهَارَةِ لِخَبَرِ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ» مَعَ افْتِتَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذِكْرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ بِالصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي وَلِكَوْنِهَا أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدَّمُوهَا عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا فَقُدِّمَ عَلَيْهِ وَضْعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ
إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعِبَادَةٍ أَوْ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ بِمُنَاكَحَةٍ أَوْ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْبَعْثَةِ نَظْمُ أَحْوَالِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ، وَانْتِظَامُهَا إنَّمَا يُحَصَّلُ بِكَمَالِ قُوَاهُمْ النُّطْقِيَّةِ وَالشَّهَوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ، فَمَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الْفِقْهِ إنْ تَعَلَّقَ بِكَمَالِ النُّطْقِيَّةِ فَالْعِبَادَةُ إذْ بِهَا كَمَالُهَا أَوْ بِكَمَالِ الشَّهْوِيَّةِ،
فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْأَكْلِ وَنَحْوِهِ فَالْمُعَامَلَةُ أَوْ بِالْوَطْءِ وَنَحْوِهِ فَالْمُنَاكَحَةُ أَوْ بِكَمَالِ الْغَضَبِيَّةِ فَالْجِنَايَةُ، وَأَهَمُّهَا الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَشْرَفِ، ثُمَّ الْمُعَامَلَةُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا؛ ثُمَّ الْمُنَاكَحَةُ؛ لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ لِقِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا، فَرَتَّبُوهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَرَتَّبُوا الْعِبَادَةَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ» وَاخْتَارُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ؛
لِأَنَّ الصَّوْمَ أَعَمُّ وُجُوبًا لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَلِتَكَرُّرِهِ فِي كُلِّ عَامٍ.
وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا، وَهِيَ لُغَةً: النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ، وَشَرْعًا: زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ الْخَبَثِ أَوْ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ أَوْ لِإِفَادَةِ بَعْضِ آثَارِهِ، كَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ، فَهِيَ قِسْمَانِ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي بِأَنَّهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا، كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.
وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ إلَى عَيْنِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ، فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ مَحَلَّ حُلُولِ مُوجِبِهَا كَغَسْلِ الْخَبَثِ، وَالْحُكْمِيَّةُ مَا تُجَاوِزُ ذَلِكَ كَالْوُضُوءِ ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ إمَامِنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْبَابِ آيَةٌ أَوْ حَدِيثٌ أَوْ أَثَرٌ ذَكَرَهُ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ الْبَابِ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَحَذَفَ ذَلِكَ الْمُصَنَّفُ مِنْ الْمِنْهَاجِ اخْتِصَارًا، غَيْرَ أَنَّهُ افْتَتَحَهُ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ تَبَرُّكًا أَوْ اسْتِدْلَالًا وَقَدَّمَهَا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إذَا كَانَ عَامًّا فَرُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ فَلِهَذَا قَالَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: ٤٨] أَيْ مُطَهِّرًا، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُطْلَقِ، وَعُدِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: ١١] وَإِنْ قِيلَ بِأَصْرَحِيَّتِهَا لِيُفِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الطَّهُورَ غَيْرُ الطَّاهِرِ، إذْ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [المؤمنون: ١٨] دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَمْتَنُّ بِنَجَسٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الطَّهُورُ غَيْرَ الطَّاهِرِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْهُ (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا: أَيْ رَفْعِ حُكْمِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَنْ عَبَّرَ فِي النَّجَسِ بِالْإِزَالَةِ وَالشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ.
وَالْحَدَثُ لُغَةً الشَّيْءُ الْحَادِثُ وَشَرْعًا يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ أَحَدُهَا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ إذْ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ وَلَا فَرْقَ فِي الْحَدَثِ بَيْنَ الْأَصْغَرِ وَهُوَ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ وَالْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ وَالْأَكْبَرُ وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ.
وَالنَّجَسُ لُغَةً الشَّيْءُ الْمُبْعَدُ وَشَرْعًا مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ (مَاءٌ مُطْلَقٌ)
أَمَّا فِي الْحَدَثِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلَى مَنْ فَقَدَ الْمَاءَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ،
وَأَمَّا فِي النَّجَسِ فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ أَوْ الْقَرِيبَةُ مِنْ الِامْتِلَاءِ مَاءً، وَالْمَأْمُورُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ إلَّا بِالِامْتِثَالِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ فَهُوَ
إمَّا تَعَبُّدٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، أَوْ لِمَا حَوَى مِنْ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرْسُبُ لِلصَّافِي مِنْهُ ثِقَلٌ بِإِغْلَائِهِ،
بِخِلَافِ الصَّافِي مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا لَوْنَ لَهُ وَمَا يَظْهَرُ فِيهِ لَوْنُ ظَرْفِهِ أَوْ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّهُ جِسْمٌ شَفَّافٌ.
وَقَالَ الرَّازِيّ: بَلْ لَهُ لَوْنٌ وَيُرَى، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَحْجُبُ عَنْ رُؤْيَةِ مَا وَرَاءَهُ. وَاقْتَصَرَ عَلَى الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ؛ لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الطَّهَارَاتِ غَيْرَ التَّيَمُّمِ وَالِاسْتِحَالَةِ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، وَشَمِلَ النَّجَاسَةَ بِأَنْوَاعِهَا وَلَوْ مُخَفَّفَةً أَوْ مُغَلَّظَةً بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَدَخَلَ فِي الْمَاءِ جَمِيعُ أَنْوَاعِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ،
وَكَذَا مُتَصَاعِدٌ مِنْ بُخَارٍ مُرْتَفِعٍ مِنْ غَلَيَانِ الْمَاءِ وَنَابِعٍ مِنْ زُلَالِ، وَهُوَ شَيْءٌ يَنْعَقِدُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ، وَشَمِلَتْ عِبَارَتُهُ الْمَاءَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ وَالنَّابِعَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَوْ مِنْ زَمْزَمَ، وَالْمَاءُ النَّابِعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَشْرَفُ الْمِيَاهِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَا يُسَمَّى مَاءً كَتُرَابِ تَيَمُّمٍ وَحَجَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَأَدْوِيَةِ دَبَّاغٍ وَشَمْسٍ وَرِيحٍ وَنَارٍ وَخَلٍّ وَنَبِيذٍ وَغَيْرِهَا، وَخَرَجَ بِمُطْلَقِ الْمُسْتَعْمَلِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ.
قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِ أَصْلِهِ لَا يَجُوزُ إلَى قَوْلِهِ يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ الِاشْتِرَاطُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذِّبِ أَنَّ لَفْظَةَ يَجُوزُ تُسْتَعْمَلُ تَارَةً بِمَعْنَى الْحِلِّ وَتَارَةً بِمَعْنَى الصِّحَّةِ وَتَارَةً بِمَعْنَاهُمَا، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَفْظَةَ يُشْتَرَطُ تَقْتَضِي تَوَقُّفَ الرَّفْعِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَفْظَةُ لَا يَجُوزُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَانِي وَلَا قَرِينَةَ، فَالتَّعْبِيرُ بِيُشْتَرَطُ أَوْلَى. وَرُدَّ بِمَنْعِ التَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَمَلَ الْمُشْتَرَكُ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ عُمُومًا فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَحَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِهَا هُنَا بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ وَالتَّبْوِيبِ وَاعْتَرَضَ ثَانِيًا بِأَنَّ تَعْبِيرَ الْمُحَرَّرِ أَوْلَى لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ الْمَاءِ بِمَنْطُوقِهِ، وَتَعْبِيرُ الْكِتَابِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا حَرَامٌ لِلتَّلَاعُبِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ هَذَانِ الْغَرَضَانِ فَالتَّعْبِيرُ بِمَا يُصَرِّحُ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْمَاءِ لِلتَّطْهِيرِ أَوْلَى.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ وَلَا يُزَالُ الْخَبَثُ بِالِاسْتِقْلَالِ إلَّا بِالْمَاءِ. وَاحْتُرِزَ بِقَيْدِ الِاسْتِقْلَالِ عَنْ التُّرَابِ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ بِغَيْرِ الْمَاءِ لَكِنْ لَا مُسْتَقِلَّا. وَقَدْ يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ بَلْ بِهِ مَعَ انْضِمَامِ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْأَشْيَاءُ مُتَنَاسِبَةً أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ وَالْجَمْعُ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ ضَمٍّ فِيهِ جَمْعٌ وَلَا عَكْسَ
(قَوْلُهُ: يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا) أَيْ يَقُولُ قَوْلًا جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ كَتْبًا: أَيْ فَلِكَتَبَ ثَلَاثَةُ مَصَادِرَ: الْأَوَّلُ مُجَرَّدٌ، وَالْآخَرَانِ مَزِيدَانِ
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهُ الْكَثَبُ) أَيْ فِي أَنَّ مَعْنَاهُ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْكَثَبُ بِفَتْحَتَيْنِ الْقُرْبُ، وَهُوَ يَرْمِي مِنْ كَثَبٍ: أَيْ مِنْ قُرْبٍ وَتَمَكُّنٍ، وَقَدْ تُبْدَلُ الْبَاءُ مِيمًا، فَيُقَالُ مِنْ كَثَمٍ، وَكَثَبَ الْقَوْمُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ اجْتَمَعُوا، وَكُثْبَتُهُمْ جَمْعَتُهُمْ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى وَمِنْهُ كَثِيبُ الرَّمَلِ لِاجْتِمَاعِهِ
(قَوْلُهُ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ) أَيْ اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْكَثَبِ، وَقَوْلُهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْغَيْرِ الْإِسْنَوِيُّ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ) أَيْ الِاشْتِقَاقِ الْأَصْغَرِ
(قَوْلُهُ: وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ) أَيْ وَمَعَ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ) أَيْ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ
(قَوْلُهُ: مِمَّا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا فِي الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْمَعْنَى، وَعَلَيْهِ فَهُوَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَعَمُّ مِنْ الْأَصْغَرِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاعْتِذَارِ بِمَا ذُكِرَ.
هَذَا وَفِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَا يَقْتَضِي التَّبَايُنَ، وَعِبَارَتُهُ وَالْأَكْبَرُ لَيْسَ فِيهِ جَمِيعُ الْأُصُولِ انْتَهَى. وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ الْأُصُولِ فَيُبَايِنُ الْأَصْغَرَ
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ) الثَّلَمُ: هُوَ زَوَالُ بَعْضِ الْحَائِطِ أَوْ نَحْوِهِ كَزَوَالِ شَفَةِ الْإِنَاءِ. وَالثَّلْبُ: ذِكْرُ عُيُوبِ الشَّيْءِ اهـ مُخْتَارٌ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرُوا) تَأْكِيدٌ لِلْجَوَابِ
(قَوْلُهُ: السَّعْدُ التَّفْتَازَانِي) أَيْ فِي شَرْحِ التَّصْرِيفِ
(قَوْلُهُ: اسْمٌ لِضَمِّ) كَأَنْ يُقَالَ ضَمُّ مَسَائِلَ جُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالْكِتَابُ اصْطِلَاحًا أَخَصُّ مِنْهُ لُغَةً، وَعَلَى الثَّانِي بَيْنَهُمَا التَّنَاسُبُ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ
(قَوْلُهُ: أَوْ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ) أَيْ مُمَيِّزَةٍ: أَيْ لِدَالِ جُمْلَةٍ أَوْ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ دَالِ الْعِلْمِ، فَلَا يُخَالِفُ مَا اخْتَارَهُ السَّيِّدُ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي
(قَوْلُهُ: فَهُوَ إمَّا مَصْدَرٌ إلَخْ) أَيْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ
(قَوْلُهُ أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ يَرْجِعَانِ لِقَوْلِهِ أَوْ لِجُمْلَةٍ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ
إمَّا مَصْدَرٌ بَاقٍ عَلَى مَصْدَرِيَّتِهِ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ إلَخْ
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى الْجَامِعِ لِلطَّهَارَةِ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْإِضَافَةُ
إمَّا بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ بَيَانِيَّةٌ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمِ قَوْلَهُ وَالْإِضَافَةُ إلَخْ. عِبَارَةُ شَرْحِ الْعُبَابِ: وَالْإِضَافَةُ عَلَى غَيْرِ الثَّانِي بِمَعْنَى اللَّامِ وَعَلَيْهِ بَيَانِيَّةٌ انْتَهَى.
يُتَأَمَّلُ هَلْ وُجِدَ شَرْطُ الْبَيَانِيَّةِ؟
وَفِي تَخْصِيصِ مَعْنَى اللَّامِ بِغَيْرِ الثَّانِي نَظَرٌ
(قَوْلُهُ: ذِكْرُ شَعَائِرِ) وَفِي نُسْخَةٍ شَرَائِعِ
(قَوْلُهُ: الْمَبْحُوثُ عَنْهُمَا) دَفْعٌ لِمَا قَدْ يُقَالُ: هَلَّا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ لِلِابْتِدَاءِ بِهِمَا فِي الْحَدِيثِ
(قَوْلُهُ: وَلِكَوْنِهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِخَبَرِ " مِفْتَاحُ " إلَخْ
(قَوْلُهُ: أَعْظَمُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إلَخْ) اُنْظُرْ مَا سَبَبُ كَوْنِ الطَّهَارَةِ أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مَعَ تَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَعَدَمِ تَوَقُّفِهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ. وَقَدْ يُقَالُ اعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِهَا أَكْثَرُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ فَقَدَ السُّتْرَةَ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ،
بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ وَمَنْ بِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُصَلِّي لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيُعِيدُ، بَلْ قِيلَ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا صَلَاةٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالْقِبْلَةُ لَا تُشْتَرَطُ لِلْمُسَافِرِ فِي النَّفْلِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ، وَالْوَقْتُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِوُقُوعِ الصَّلَاةِ فَرْضًا لَا لِمُطْلَقِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ فَبَانَ خِلَافُهُ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ طَبْعًا) وَضَابِطُهُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وَلَيْسَ عِلَّةً تَامَّةً لَهُ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَعَادِ وَالْمَعَاشِ) يَحْتَمِلَانِ الْمَصْدَرَ وَاسْمَ الزَّمَانِ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْبَهْجَةِ. أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي
(قَوْلُهُ بِكَمَالِ قُوَاهُمْ النُّطْقِيَّةِ) أَيْ الْإِدْرَاكِيَّةِ اهـ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ،
وَقَالَ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ: أَيْ الْعَقْلِيَّةِ اهـ وَمَعْنَاهَا وَاحِدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ الْمُرَادُ بِكَمَالِهَا بِمَا أَنَّهَا تُزِيلُ نَقْصًا يَكُونُ لَوْلَاهَا، أَوْ أَنَّهَا تُفِيدُ اعْتِبَارَهَا، وَالِاعْتِدَادُ بِهَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ الْأَمْرَيْنِ اهـ
(قَوْلُهُ: لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَشْرَفِ) وَهُوَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
(قَوْلُهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ لِلْفَرَائِضِ لَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا عِلْمًا مُسْتَقِلًّا أَوْ لِجَعْلِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حُكْمًا إذْ مَرْجِعُهَا قِسْمَةُ التَّرِكَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمُعَامَلَاتِ، وَأَخَّرُوا الْقَضَاءَ وَالشَّهَادَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْجِنَايَاتِ
(قَوْلُهُ: وَعَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ) يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُمَا فِي الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ
(قَوْلُهُ: بِضَمِّهَا فِيهِمَا) وَيُقَالُ أَيْضًا طَهِرَ يَطْهَرُ بِكَسْرِهَا فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ: إذَا اغْتَسَلَ لَا مُطْلَقًا، وَلِعَدَمِ عُمُومِهَا بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَالْخُلُوصُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلْأَصْحَابِ.
وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ: إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ اسْتِنْبَاطًا مِنْ كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّ عَدَمَ عَزْوِ الشَّارِحِ إيَّاهُ لِوَالِدِهِ لِكَوْنِهِ لَمَّا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ كَلَامِهِمْ صَحِيحٌ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ.
هَذَا، وَعَبَّرَ عَنْ مَعْنَى الطَّهَارَةِ الْمُقَابِلِ اللُّغَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَشَرْعًا، وَعَنْ مَعْنَى الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَاصْطِلَاحًا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ مَا تَلْقَى مَعْنَاهَا مِنْ الشَّارِعِ،
وَأَنَّ مَا لَمْ يُتَلَقَّ مِنْ الشَّارِعِ يُسَمَّى اصْطِلَاحِيَّةً،
وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى فِيمَا بَيْنَهُمْ،
وَإِنْ لَمْ يَتَلَقَّوْا التَّسْمِيَةَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ. نَعَمْ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَهْجَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِيمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا.
هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ التَّقْسِيمَ لِغَيْرِ اللُّغَوِيَّةِ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ لِلْعُرْفِيَّةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، لَكِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْعُرْفِيَّةِ كَمَا قَالَ الْعَضُدُ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْوَرَقَاتِ فِي الْعَامَّةِ وَتَسْمِيَةِ الْخَاصَّةِ بِالِاصْطِلَاحِيَّةِ، فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا تَبَعًا لِلشَّيْخِ جَرَى فِيهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إطْلَاقُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ انْتَهَى.
وَهَا هُنَا مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ذَكَرهَا الرَّازِيّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} هِيَ أَنَّ الشَّارِعَ اخْتَرَعَ مَعَانِيَ شَرْعِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ فِيهَا أَلْفَاظًا مَوْضُوعَةً فِي اللُّغَةِ لَمَعَانٍ أُخْرَى، فَهَلْ هِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ أَوْ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنْ غَيَّرَ وَضْعَ اللُّغَةِ وَوَضَعَهَا لِتِلْكَ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ،
وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَضْعَ اللُّغَةِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي تِلْكَ الْمَعَانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ لَوْ كَانَتْ الْعَلَاقَةُ التَّشْبِيهَ تَكُونُ اسْتِعَارَاتٍ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ) وَهُوَ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَثَلًا
(قَوْلُهُ وَهِيَ قِسْمَانِ) أَيْ الطَّهَارَةُ
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا عَرَّفَهَا النَّوَوِيُّ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّفْعَ وَالْإِزَالَةَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي تَعْرِيفِ النَّوَوِيِّ الْمَذْكُورِ هُمَا نَفْسُ نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ، لَكِنْ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ الرَّفْعِ، بَلْ الرَّفْعُ يَحْصُلُ بِهِ وَلَيْسَ نَفْسُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ
(قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ أَوْ الْفِعْلُ الْمَوْضُوعُ
(قَوْلُهُ: أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ) أَيْ حُكْمُ إلَخْ وَيُقَالُ عَيْنًا أَوْ أَثَرًا
(قَوْلُهُ وَعَلَى صُورَتِهِمَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ
(قَوْلُهُ: كَالتَّيَمُّمِ) مِثَالٌ لِمَا فِي مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَمِثَالُ مَا فِي مَعْنَى النَّجَسِ الدَّبَّاغِ وَانْقِلَابُ الْخَمْرِ خَلًّا
(قَوْلُهُ: وَالْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مِثَالٌ لِمَا هُوَ عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ
(قَوْلُهُ: وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ) مِثَالٌ لِمَا عَلَى صُورَتِهِمَا
(قَوْلُهُ: فَالْعَيْنِيَّةُ مَا لَا تُجَاوِزُ) أَيْ تَتَعَدَّى
(قَوْلُهُ: وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَمْتَنُّ بِنَجَسٍ) يُتَأَمَّلُ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الِامْتِنَانِ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَهَذَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ يَقُولَ ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ وَلَمْ تَثْبُتْ بِغَيْرِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ) أَيْ لَوْ جَعَلَ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ لَزِمَ التَّأْكِيدُ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ بِهِ الطَّهُورُ فَلَا يَكُونُ تَأْكِيدًا بَلْ تَأْسِيسًا، لِأَنَّهُ أَفَادَ مَعْنًى لَمْ يُفِدْهُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّأْسِيسِ
(قَوْلُهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا) أَيْ مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَقَوْلُهُ مَعَ كَسْرِ النُّونِ إلَخْ: أَيْ مَعَ إسْكَانِهَا فَتَصِيرُ اللُّغَاتُ أَرْبَعَةً،
وَفِي الْقَامُوسِ لُغَةٌ خَامِسَةٌ وَهِيَ كَعَضُدِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: أَيْ رُفِعَ حُكْمُهُ) إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إذَا أُرِيدَ بِالْحَدَثِ الْأَسْبَابُ،
أَمَّا إنْ أُرِيدَ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ أَوْ الْمَنْعُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ لَا يَسْتَقِيمُ، وَسَيَأْتِي لَهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكُ هَذَا الْمُقَدَّرِ، وَلَعَلَّهُ قَدَّرَهُ لِيَظْهَرَ وَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالرَّفْعِ فِي النَّجَسِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَنْ عَبَّرَ فِي إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ رَفْعُ حُكْمِهِ
(قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ) سَيَأْتِي لَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ الشَّرْطَ هُنَا مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ خِلَافًا لِقَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: إنَّ الْعَلَامَةَ مَعْنَى الشَّرْطِ بِالْفَتْحِ،
وَأَمَّا الشَّرْطُ بِالسُّكُونِ فَمَعْنَاهُ إلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْتِزَامُهُ
(قَوْلُهُ: إذْ لَا يَرْفَعُهُ) أَيْ هَذَا الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ) إنَّمَا سُمِّيَ أَصْغَرَ لِقِلَّةِ مَا يَحْرُمُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَحْرُمُ بِالْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ، وَسُمِّيَ الْحَيْضُ أَكْبَرَ لِكَثْرَةِ مَا يَحْرُمُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ، وَالْجَنَابَةُ مُتَوَسِّطَةٌ لِتَوَسُّطِ مَا يَحْرُمُ بِهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَحْرُمَانِ بِالْأَصْغَرِ وَالْحَيْضُ يَحْرُمُ بِهِ ذَلِكَ وَالصَّوْمُ وَالْوَطْءُ وَنَحْوُهُ
(قَوْلُهُ: لَمَّا بَالَ الْأَعْرَابِيُّ) هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَوْ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ عَلَى الثَّانِي لَكِنَّهُ قَيَّدَهُ بِالتَّمِيمِيِّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْإِصَابَةِ
وَلِمَا فِي الْقَامُوسِ فَإِنَّهُ قَالَ: ذُو الْخُوَيْصِرَةِ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ وَالثَّانِي يَمَانِيٌّ، فَالْأَوَّلُ خَارِجِيٌّ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ،
وَالثَّانِي هُوَ الصَّحَابِيُّ الْبَائِلُ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى فَلْيُرَاجِعْ. وَعِبَارَتُهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيِّ صَحَابِيٌّ وَهُوَ الْبَائِلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالتَّمِيمِيُّ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ ضِئْضِئُ الْخَوَارِجِ: أَيْ أَصْلُهُمْ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ: فَأَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ،
وَقَالَ مَرَّةً: فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَكَأَنَّهُ وَهَمَ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ مَظْرُوفَ ذَنُوبِ وَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَوْ هِيَ مَعَ مَدْخُولِهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ انْتَهَى عَمِيرَةُ انْتَهَى زِيَادِيُّ.
لَا يُقَالُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ وَالذَّنُوبُ اسْمٌ لِلدَّلْوِ إلَخْ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ الذَّنُوبُ لَهُ إطْلَاقَاتٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الدَّلْوِ فَقَطْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُمْتَلِئًا مَاءً وَعَلَيْهِ يُقَيَّدُ بِشَدِّ الْحَبْلِ عَلَيْهِ فَلِهَذَا قُيِّدَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ مِنْ مَاءٍ،
وَفِي نُسْخَةٍ: إسْقَاطُ قَوْلِهِ مَاءٌ، وَعَلَيْهَا فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ) يُفِيدُ أَنَّ الدَّلْوَ مُؤَنَّثَةٌ،
وَفِي الْمُخْتَارِ أَنَّهَا تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَعِبَارَتُهُ وَالذَّنُوبُ النَّصِيبُ وَهُوَ أَيْضًا الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً.
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الَّتِي فِيهَا مَاءٌ قَرِيبٌ مِنْ الْمِلْءِ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ ذَنُوبٌ انْتَهَى.
وَفِي الْقَامُوسِ مَا يُصَرَّحُ بِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مُطْلَقًا فِيهِ مَاءٌ أَمْ لَا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ إمَّا تَعَبُّدٌ) أَيْ الْمَاءُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: ثُفْلٌ بِإِغْلَائِهِ) الثُّفْلُ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ: مَا سَفُلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ انْتَهَى مُخْتَارٌ
(قَوْلُهُ: وَشَمِلَ) أَيْ النَّجَسُ
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ الْآتِي) أَيْ وَهُوَ امْتِزَاجُهُ بِالتُّرَابِ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَلَيَانِ الْمَاءِ) أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَإِنْ خَالَفَهُ صَاحِبُ الْعُبَابِ
(قَوْلُهُ: عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَتْ بِحَيَوَانٍ،
فَإِنْ تَحَقَّقَ أَيْ كَوْنُهُ حَيَوَانًا كَانَ نَجَسًا؛ لِأَنَّهُ قَيْءٌ انْتَهَى
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ زَمْزَمَ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَا يُكْرَهُ الطُّهْرُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ إزَالَةِ النَّجَسِ بِهِ، وَجَزْمُ بَعْضِهِمْ بِحُرْمَتِهِ ضَعِيفٌ بَلْ شَاذٌّ
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ
(قَوْلُهُ مَا لَا يُسَمَّى مَاءً) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَرَجَ بِالْمَاءِ مِنْ حَيْثُ تَعَلَّقَ الِاشْتِرَاطُ بِهِ انْتَهَى.
وَدَفَعَ بِذَلِكَ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَاءَ لَقَبٌ وَلَا مَفْهُومَ لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ قَوْلُهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ) أَيْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا إذْ لَا مَانِعَ
(قَوْلُهُ: بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَانِي) وَهِيَ الْحِلُّ وَالصِّحَّةُ وَهُمَا مَعًا
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنْ حَمَلَ عَلَى الْمُشْتَرَكِ) كَمَا قِيلَ بِهِ وَعَلَيْهِ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ، وَقَوْلُهُ عُمُومًا: أَيْ بِأَنْ تَجْعَلَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ مَدْلُولَةً لِلَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بِالْمُطَابِقَةِ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُحْمَلُ عُمُومًا بَلْ هُوَ مُجْمَلٌ، فَمَحَلُّ هَذَا الْقَوْلِ حَيْثُ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيه، وَهَذَا قَدْ قَامَتْ عَلَى حَمْلِهِ الْقَرِينَةُ وَهِيَ السِّيَاقُ وَالتَّبْوِيبُ، وَقَوْلُهُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ خَبَرُ قَوْلِهِ حَمْلُهُ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَاجِبٌ
(قَوْلُهُ: فَظَاهِرٌ) أَيْ وَاضِحُ الرَّدِّ
(قَوْلُهُ وَاعْتَرَضَ ثَانِيًا) أَيْ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ) تَأْيِيدٌ لِكَلَامِ الْمُحَرَّرِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُ إنَّهُ) يَعْنِي كَوْنَ الْكِتَابِ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَتْبِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَقُّ أَوْ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ مَصْدَرًا أَمْ لَا، فَقَوْلُهُ سَوَاءٌ أَوَافَقَتْ حُرُوفُهُ حُرُوفَهُ أَمْ لَا لَيْسَ بَيَانًا لِلْمُرَادِ مِنْ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ مَقْصُودُ الْجَوَابِ،؛ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ الْمَذْكُورَةُ كَالْمُنَاسَبَةِ: وَالْمَانِعُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْمُشْتَقِّ مَصْدَرًا عَلَى تَسْلِيمِ الِاعْتِرَاضِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: مِنْ مَدِّ الْبَاعِ) حَقُّ الْعِبَارَةِ مِنْ الْبَاعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ الِاعْتِرَاضَ) أَيْ يَمْنَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ فِيهِ تَسْلِيمُهُ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ) فِي الْعِبَارَةِ تَسَمُّحٌ
(قَوْلُهُ: الَّتِي قَدَّمُوهَا) الْمَوْصُولُ وَاقِعٌ عَلَى الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ، وَالْكِفَايَةَ بِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي أَخَّرُوهَا عَنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، فَالطَّهَارَةُ إنَّمَا قُدِّمَتْ مِنْ حَيْثُ أَعْظَمِيَّتُهَا لَا مِنْ حَيْثُ شَرْطِيَّتُهَا، وَأَعْظَمِيَّتُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ سُقُوطَ الْفَرْضِ مُطْلَقًا بِالْمَعْنَى الْمُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ لَا يَقَعُ بِدُونِهَا،
بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فَقَدْ تَقَعُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا مُغْنِيَةً عَنْ الْإِعَادَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مَحَالِّهَا
(قَوْلُهُ النُّطْقِيَّةِ) أَيْ الْإِدْرَاكِيَّةِ
(قَوْلُهُ: فَالْجِنَايَةُ) يَعْنِي التَّحَرُّزَ عَنْهَا كَمَا فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: بِالْأَشْرَفِ) أَيْ كَمَالِ النُّطْقِيَّةِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا
(قَوْلُهُ: وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ.
وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ إلَخْ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ لِيَكُونَ ذَاكَ بَعْدَ التَّكَلُّمِ عَلَى جَمِيعِ أَلْفَاظِ التَّرْجَمَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ الْفِعْلُ الْمَوْضُوعُ) يَشْمَلُ نَحْوَ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ،
فَإِنَّ تِلْكَ الْأَفْعَالَ الْمَخْصُوصَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِفَادَةِ مَا ذُكِرَ لَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْعٌ وَإِنْ لَمْ تُفِدْهُ بِالْفِعْلِ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ، وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَنْعِ، فَهُوَ مُوفٍ بِمَا فِي تَعْرِيفِ النَّوَوِيِّ الْآتِي خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: أَيْ رَفْعُ حُكْمِهِ) أَيْ النَّجَسِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لِلْإِضْمَارِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْعَوْدِ إلَى الْحَدَثِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَصَرْنَاهُ عَلَى النَّجِسِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ بِالْمَعْنَى الْآتِي لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَعْنَى مَنْ عَبَّرَ إلَخْ) أَيْ بِحَسَبِ الْمَآلِ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى غَيْرُ الْمَعْنَى، وَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ حَمَلَ النَّجِسَ هُنَا عَلَى مَعْنًى مَجَازِيٍّ لَهُ غَيْرِ مَا يَأْتِي لِيَبْقَى التَّعْبِيرُ بِالرَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعِبَارَتُهُ، وَهُوَ: أَيْ النَّجِسُ مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، أَوْ مَعْنًى يُوصَفُ بِهِ الْمَحَلُّ الْمُلَاقِي لِعَيْنٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ رُطُوبَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لَا أَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ، وَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الرَّفْعَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِيهِ حَقِيقَةً إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى،
أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَوَصْفُهُ بِهِ مِنْ مَجَازِ مُجَاوَرَتِهِ لِلْحَدَثِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
(قَوْلُهُ: أَحَدُهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ إلَخْ) إنَّمَا خَصَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَا ذُكِرَ لَا يَخْتَصُّ رَفْعُهُ بِالْمَاءِ بَلْ يَرْفَعُهُ التُّرَابُ أَيْضًا.
عَلَى أَنَّ الشِّهَابَ ابْنَ حَجَرٍ جَوَّزَ إرَادَتَهُ هُنَا أَيْضًا وَقَالَ: إنَّ مُرَادَنَا بِالرَّفْعِ الْعَامِّ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا الْمَاءُ،
بِخِلَافِ التُّرَابِ، فَإِنَّهُ رَفْعٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَاحِدٍ انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
أَمَّا الْمَعْنَى الثَّالِثُ لِلْحَدَثِ فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا إلَّا بِتَقْدِيرٍ كَأَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ الشَّارِحِ الْمَارَّ أَيْ رَفْعَ حُكْمِهِ رَاجِعًا لِلْحَدَثِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ صَنِيعَهُ هُنَا يُنَافِيهِ
(قَوْلُهُ: إذْ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ) كَذَا فِي النُّسَخِ أَوْ الْقَرِيبَةِ وَحَقُّ الْعِبَارَةِ.
إذْ هُوَ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ، وَلَعَلَّ الضَّمِيرَ، وَالْمَوْصُولَ سَقَطَا مِنْ الْكَتَبَةِ
(قَوْلُهُ: فَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ) أَيْ، وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ إلَخْ) وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مِنْ مَاءٍ " تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِالذَّنُوبِ عَنْ مُطْلَقِ الدَّلْوِ
وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، لَكِنْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ اللُّغَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الدَّلْوِ مِنْ جُمْلَةِ إطْلَاقَاتِ الذَّنُوبِ، وَعَلَيْهِ فَمِنْ مَاءٍ تَأْسِيسٌ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ،
وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمُحَقِّقُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ
(قَوْلُهُ: وَنَابِعٍ مِنْ زُلَالٍ، وَهُوَ شَيْءٌ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الزُّلَالَ اسْمُ حَيَوَانٍ نَفْسِهِ وَيُوَافِقُهُ مَا فِي عِبَارَاتٍ كَثِيرَةٍ، لَكِنَّ عِبَارَةَ التُّحْفَةِ صَرِيحَةٌ فِي خِلَافِهِ،
وَأَنَّ الزُّلَالَ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ
(قَوْلُهُ: عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ) أَيْ بِمَعْنَى الْحِلِّ
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا} [المؤمنون: ١٨] أَيْ إنْزَالًا مُسْتَمِرًّا بَاهِرًا لِلْعُقُولِ نَاشِئًا عَنْ عَظَمَتِنَا {مِنَ السَّمَاءِ} [المؤمنون: ١٨] أَيْ الْجِرْمِ الْمَعْهُودَ إنْ أُرِيدَ الِابْتِدَاءُ أَوْ السَّحَابِ إنْ أُرِيدَ الِانْتِهَاءُ {مَاءً} [المؤمنون: ١٨] فِيهِ عُمُومٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لِلِامْتِنَانِ وَبِهَذَا اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ طَاهِرٌ إذْ لَا امْتِنَانَ بِالنَّجِسِ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ (طَهُورًا) مَعْنَاهُ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي فَعُولٍ وَإِنْ جَاءَ مَصْدَرًا وَلِلْمُبَالَغَةِ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَى زِيَادَةٍ فِي مَعْنَى فَاعِلٍ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لَهُ تَعَدِّيًا كَضَرُوبٍ أَوْ لُزُومًا كَصَبُورٍ وَلِلْآلَةِ كَسَحُورٍ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ، وَبِهَذَا الِاشْتِرَاكِ مَعَ كَوْنِ الْأَصْلِ مَا ذُكِرَ انْدَفَعَ الِاسْتِدْلَال لِطَهُورِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلِ نَظَرًا إلَى إفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ عَلَى أَنَّ فِيمَا قُلْنَاهُ تَكْرَارًا أَيْضًا لِرَفْعِهِ أَحْدَاثَ أَجْزَاءِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِجَرْيِهِ عَلَيْهِ
أَمَّا الْمَضْمُومُ فَيَخْتَصُّ بِالْمَصْدَرِ، وَقِيلَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ أَيْضًا وَاخْتِصَاصُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الَّذِي أَشَارَتْ إلَيْهِ الْآيَةُ وَلَا يَرِدُ شَرَابًا طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِأَعْلَى صِفَاتِ الدُّنْيَا تَعَبُّدِيٌّ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَا لَوْنَ لَهُ وَبِهَذَا الِاخْتِصَاصِ يَتَّضِحُ مَنْعُهُمْ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ لَا لِمَفْهُومِهِ؛ لِأَنَّهُ لَقَبٌ. (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ) إجْمَاعًا وَاعْتُرِضَ وَهُوَ هُنَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ قَائِمٌ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ نَحْوِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ أَوْ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ وَكَوْنُ التَّيَمُّمِ يَرْفَعُ هَذَا لَا بَرَدٌ؛
لِأَنَّهُ رَفْعٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَاحِدٍ، وَكَلَامُنَا فِي الرَّفْعِ الْعَامِّ وَهَذَا خَاصٌّ بِالْمَاءِ، وَهُوَ
إمَّا أَصْغَرُ وَرَافِعُهُ الْوُضُوءُ وَإِمَّا أَكْبَرُ وَرَافِعُهُ الْغُسْلُ، وَقَدْ يُقْسَمُ هَذَا نَظَرًا إلَى تَفَاوُتِ مَا يَحْرُمُ بِهِ إلَى مُتَوَسِّطٍ، وَهُوَ مَا عَدَا الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَكْبَرَ وَهُوَ هُمَا إذْ مَا يَحْرُمُ بِهِمَا أَكْثَرُ. (وَ) رَفْعُ (النَّجَسِ) وَهُوَ شَرْعًا مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ أَوْ مَعْنًى يُوصَفُ بِهِ الْمَحَلُّ الْمُلَاقِي لِعَيْنٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ رُطُوبَةٍ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ وَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الرَّفْعَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِيهِ حَقِيقَةً إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى
أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَوَصْفُهُ بِهِ مِنْ مَجَازِ مُجَاوَرَتِهِ لِلْحَدَثِ، وَكَانَ عُدُولُهُ عَنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْإِزَالَةِ رِعَايَةً لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَمَا رَاعَاهُ هُوَ مَجَازٌ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ بِاتِّفَاقِ الْبُلَغَاءِ عَلَى أَنَّ ذَاكَ مُوهِمٌ إذْ يُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ، وَتَخْصِيصُهُمَا لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ وَإِلَّا فَالطُّهْرُ الْمَسْنُونُ وَطُهْرُ السَّلَسِ الَّذِي لَا رَفْعَ فِيهِ كَالذِّمِّيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ لِتَحِلَّ لِلْمُسْلِمِ وَالْمَيِّتِ كَذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا يَأْتِي (مَاءٌ مُطْلَقٌ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى مُرُورِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ، وَأَفَادَهُ مَفْهُومُ الِاشْتِرَاطِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَعَاطِيَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ حَرَامٌ،
وَلَا يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كُلُّ مَنْ نَفَى الْحِلَّ لَكِنْ بِخَفَاءٍ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحُرْمَةِ فَقَطْ وَمِنْ الِاشْتِرَاطِ لَكِنْ بِظُهُورٍ فَفِي كُلٍّ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ مَزِيَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ تَرْجِيحَ هَذِهِ وَلِمَنْ أَطْلَقَ تَرْجِيحَ تِلْكَ فَتَأَمَّلْهُ رَفْعٌ أَوْ إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ إلَّا بِهِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِهِ «وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَبِّ الذَّنُوبِ مِنْ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ لَمَّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَهُوَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِلْمُطْلَقِ؛
لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ وَلِمَنْعِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
وَخَرَجَ بِتِلْكَ الْأَرْبَعَةِ نَحْوُ إزَالَةِ طِيبٍ عَنْ بَدَنِ مُحْرِمٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ زَوَالُ عَيْنِهِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَاءٍ
(قَوْلُهُ مُسْتَمِرًّا) أَيْ لَا مُنْقَطِعًا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْمَاضِي
(قَوْلُهُ عَنْ عَظَمَتِنَا) أَيْ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ ضَمِيرُ الْعَظَمَةِ سم
(قَوْلُهُ أَيْ الْجِرْمِ الْمَعْهُودِ) هُوَ الْأَقْرَبُ كَنْزٌ اهـ.
سم
(قَوْلُهُ أَوْ السَّحَابِ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَهَلْ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ فِي الْآيَةِ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ أَوْ السَّحَابُ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِ الرَّوْضَةِ وَلَا مَانِعَ أَنْ يُنَزَّلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَتْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُحَصِّلَ كَلَامِ الشَّارِحِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَإِبْطَالٌ لِلثَّانِي وَرَدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ بِالْإِنْزَالِ الْأَوْلَى وَالثَّانَوِيُّ بَدَلُ الِابْتِدَاءِ الِانْتِهَاءُ لَكَانَ أَوْلَى بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ فِيهِ عُمُومٌ) قَدْ يُشْكِلُ الْعُمُومُ بِنَبْعِ بَعْضِ الْمَاءِ الطَّهُورِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ مَاءٍ يَنْبُعُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ السَّمَاءِ سم
(قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إلَخْ) لِلتَّعْلِيلِ
(قَوْلُهُ أَنَّهُ) أَيْ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا) إلَى قَوْلِهِ وَأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِلِامْتِنَانِ سم
(قَوْلُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} نِهَايَةٌ
وَيَصِحُّ إرْجَاعُ الضَّمِيرِ إلَى لَفْظِ الْمَاءِ فِي الْآيَةِ
قَوْلُهُ: (إذْ لَا امْتِنَانَ بِالنَّجِسِ) يُتَأَمَّلُ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الِامْتِنَانِ بِشَيْءٍ،
وَإِنْ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ سم عَلَى حَجّ اهـ.
ع ش وَقَدْ يُقَالُ لَا كَبِيرُ مَوْقِعٍ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ نَفْيُ كَمَالِ الِامْتِنَانِ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ أَجْلِ إفَادَتِهِ الظَّاهِرِيَّةَ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ جُعِلَ الطَّهُورُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ لَزِمَ التَّأْكِيدُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَى مَا مَرَّ
بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُطَهِّرُ فَلَا يَكُونُ تَأْكِيدًا بَلْ تَأْسِيسًا أَيْ مُفِيدًا لِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ ع ش
(قَوْلُهُ وَيَدُلُّ إلَخْ) فِي دَلَالَتِهِ نَظَرٌ سم
(قَوْلُهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِ الْمَاءِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ غَيْرِهِ وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُهُ رُجُوعَ الْإِشَارَةِ لِكَوْنِ طَهُورًا فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا مَرَّ عَنْ سم آنِفًا عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا
(قَوْلُهُ أَيْضًا) أَيْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {طَهُورًا}
(قَوْلُهُ وَإِنَّهُ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ، وَالضَّمِيرُ لِكَوْنِ {طَهُورًا} فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ وَلِلْآلَةِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِمَّا فِي الْآيَةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ إنَّهُ الْأَصْلُ فِي فَعُولٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِبَارَةُ عَمِيرَةَ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ فَعُولًا قَدْ يَكُونُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهِيَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى زِيَادَةٍ إلَخْ، وَقَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ الْبُرُودَ لِمَا يَتَبَرَّدُ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّهُورُ مِنْ الْأَوَّلِ،
وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّطْهِيرِ، وَقَالُوا لَا يَزِيدُ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ فَاعِلِهِ أَقُولُ كَفَاك حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فَإِنَّ الطَّهُورَ هُنَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لَمْ يَسْتَقِمْ لِفَوَاتِ مَا اخْتَصَّتْ بِهِ الْأُمَّةُ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ الِاسْتِدْلَال بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ طَهُورًا
(قَوْلُهُ فِيمَا قُلْنَاهُ) أَيْ فِي كَوْنِ طَهُورًا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ تَكَرُّرًا أَيْ مُبَالَغَةً
(قَوْلُهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ
(قَوْلُهُ أَمَّا الْمَضْمُومُ) أَيْ لَفْظُ طُهُورٍ بِضَمِّ الْفَاءِ
(قَوْلُهُ وَاخْتِصَاصٌ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ تَعَبُّدِيٌّ خَبَرٌ سم
(قَوْلُهُ وَلَا يَرُدُّ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الِاخْتِصَاصِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّرَابُ قَدْ وُصِفَ أَيْ فِي الْآخِرَةِ بِأَعْلَى صِفَاتِ الدُّنْيَا أَيْ وَهِيَ كَوْنُهُ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ إلَخْ) وَنُقِلَ عَنْ الْإِيعَابِ مَا نَصُّهُ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ تَرْجِيحُهُ أَنَّهُ مَعْقُولٌ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إبْدَاءِ مَعْنًى مُنَاسِبٍ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا الِاخْتِصَاصِ) أَيْ الَّذِي أَشَارَتْ إلَيْهِ الْآيَةُ
(قَوْلُهُ لَا لِمَفْهُومِهِ) .
قَالَ الْكُرْدِيُّ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمَا فِيهِ إلَخْ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى،
وَقِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى بِهَذَا أَيْ يَتَّضِحُ مَنْعُهُمْ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاخْتِصَاصِ لَا لِكَوْنِ مَفْهُومِ الْمَاءِ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ اهـ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيِّنُ لَكِنْ فِيهِ رَكَّةٌ،
وَلَوْ قَالَ وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُمْ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ لِهَذَا الِاخْتِصَاصِ لَا لِمَفْهُومِهِ إلَخْ كَانَ ظَاهِرًا
(قَوْلُهُ الْقِيَاسَ) أَيْ قِيَاسَ غَيْرِ الْمَاءِ كَالنَّبِيذِ عَلَيْهِ أَيْ الْمَاءِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَقَبٌ) أَيْ وَمَفْهُومُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِقَوْلِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْمَفَاهِيمُ أَيْ الْمُخَالِفَةُ إلَّا اللَّقَبَ حُجَّةٌ اهـ.
قَالَ الْبُنَانِيُّ الْمُرَادُ بِاللَّقَبِ هُنَا الِاسْمُ الْجَامِدُ الشَّامِلُ لِلْعَلَمِ الشَّخْصِيِّ وَاسْمِ الْجِنْسِ فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلَّقَبِ النَّحْوِيِّ مُغَايِرَةَ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ لِشُمُولِهِ لِلْعَلَمِ عِنْدَ النُّحَاةِ الشَّامِلِ لِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ وَاللَّقَبِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَاعْتَرَضَ) أَيْ بِأَنَّهُ حَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ جَوَازَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَهُوَ هُنَا إلَخْ) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا سَيَأْتِي فِي أَسْبَابِ الْحَدَثِ فَإِنَّ لَهُ ثَمَّ مَعْنًى آخَرَ سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَصْرِيٌّ عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الشَّيْءُ الْحَادِثُ وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ إلَخْ وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ اهـ
وَكَذَا اقْتَصَرَ النِّهَايَةُ عَلَى إرَادَتِهِ فَقَطْ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ جَوَازُ إرَادَةِ الْمَعْنَى الثَّالِثِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ) وَهُوَ فَقْدُ الْمَاءِ
(قَوْلُهُ وَكَوْنُ التَّيَمُّمِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ نَشَأَ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ الْمَنْعِ إلَخْ
(قَوْلُهُ بِرَفْعِ هَذَا) أَيْ الْمَنْعِ مُغْنِي
(قَوْلُهُ وَهُوَ) إلَى قَوْلِهِ أَوْ مَعْنًى فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي
(قَوْلُهُ هَذَا) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَكْبَرَ سم
(قَوْلُهُ هَذَا) أَيْ مَا يَرْفَعُهُ الْغُسْلُ
(قَوْلُهُ مَا عَدَا الْحَيْضِ إلَخْ) أَيْ الْجَنَابَةِ ع ش
(قَوْلُهُ إذْ مَا يَحْرُمُ بِهِمَا أَكْثَرُ) إذْ يَحْرُمُ بِهِمَا مَا يَحْرُمُ بِالْجَنَابَةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ع ش.
قَوْلُ الْمَتْنِ (وَالنَّجَسُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْ مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَبِإِسْكَانِهَا مَعَ كَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا نِهَايَةٌ فَتَصِيرُ اللُّغَاتُ أَرْبَعَةً وَفِي الْقَامُوسِ لُغَةٌ خَامِسَةٌ وَهِيَ كَعَضُدٍ ع ش
(قَوْلُهُ وَهُوَ شَرْعًا إلَخْ) وَلُغَةً مَا يُسْتَقْذَرُ مُغْنِي وَقَالَ النِّهَايَةُ الشَّيْءُ الْمُبْعَدُ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مُسْتَقْذَرٌ سم
(قَوْلُهُ وَهَذَا إلَخْ) ، ثُمَّ قَوْلُهُ هُوَ لَا يَصِحُّ فِيهِ إلَخْ صَرِيحَانِ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي لِلنَّجَسِ لَكِنْ قَوْلُهُ وَمَا رَاعَاهُ هُوَ مَجَازٌ يَقْتَضِي حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم.
(قَوْلُهُ وَهَذَا إلَخْ) أَيْ الْمَعْنَى الثَّانِي
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الَّذِي إلَخْ) قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ الرَّفْعُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا، وَهُوَ لَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْذَرِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا إلَّا بِالْمَاءِ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ) أَيْ فِي النَّجَسِ وَقَوْلُهُ كَمَا تَقَرَّرَ أَيْ حَيْثُ قُدِّرَ الرَّفْعُ لَا الْإِزَالَةُ وَقَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ الرَّفْعُ لَا يَصِحُّ فِيهِ أَيْ النَّجَسِ
(قَوْلُهُ حَقِيقَةً) كَانَ الْمُرَادُ اصْطِلَاحِيَّةً فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْ الثَّانِي سم
(قَوْلُهُ فَوَصَفَهُ بِهِ) أَيْ وَصَفَ النَّجَسَ بِالرَّفْعِ
(قَوْلُهُ مِنْ مَجَازِ مُجَاوَرَتِهِ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ الَّذِي عَلَاقَتُهُ مُجَاوَرَةُ النَّجَسِ لِلْحَدَثِ فِي الْبَيَانِ أَوْ الِاسْتِحْضَارِ، وَإِلَّا فَحَقُّهُ أَنْ يُوصَفَ بِالْإِزَالَةِ.
(قَوْلُهُ وَكَانَ عُدُولُهُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ وَقَوْلُهُ عَنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ رِعَايَةً إلَخْ سم عِبَارَةُ الْبَصْرِيِّ قَوْلُهُ رِعَايَةً لِلْأَوَّلِ عِلَّةٌ لِتَعْبِيرِ أَصْلِهِ إلَخْ وَالْأَوَّلُ هُوَ مُسْتَقْذَرٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ أَيْ تَعْبِيرَ أَصْلِهِ إلَخْ عِلَّةٌ لِعُدُولِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَمَا رَاعَاهُ) أَيْ الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَاكَ) أَيْ تَعْبِيرَ أَصْلِهِ بِالْإِزَالَةِ الْمُقْتَضِي لِحَمْلِ النَّجَسِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ يُوهِمُ انْحِصَارَ إزَالَتِهِ فِي الْمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا سَبَقَ هَذَا، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْإِيهَامَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَبْلَغِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعُدُولِ نَعَمْ إنْ حُمِلَ النَّجَسُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الثَّانِي سَلِمَ مِنْ الْإِيهَامِ وَلَعَلَّهُ نُكْتَةُ الْعُدُولِ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ إذْ يُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ) قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ الشَّرْعِيَّانِ أَيْ الْمُعْتَبَرَانِ شَرْعًا وَهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا بِالْمَاءِ حَتَّى فِي الْمُسْتَقْذَرِ الْمَذْكُورِ بَصْرِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَتَخْصِيصُهُمَا) أَيْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ سم
(قَوْلُهُ الَّذِي لَا رَفْعَ إلَخْ) صِفَةُ طُهْرِ السَّلَسِ
وَلَوْ قَالَ وَاَلَّذِي لَا رَفْعَ فِيهِ إلَخْ كَانَ أَوْضَحَ
(قَوْلُهُ كَالذِّمِّيَّةِ إلَخْ) أَيْ كَطُهْرِ الذِّمِّيَّةِ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَالْمَيِّتِ) أَيْ وَطُهْرُ الْمَيِّتِ سم
(قَوْلُهُ كَذَلِكَ) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي وَهُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ فَالطُّهْرُ إلَخْ
(قَوْلُهُ عَلَيْهِ) أَيْ مَحَلُّ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ
(قَوْلُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ) أَيْ بِلَا يَجُوزُ
(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ) عَطْفٌ عَلَى لَا يَجُوزُ
(قَوْلُهُ مِنْ نَفْيِ الْحِلِّ) أَيْ الَّذِي هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ كُرْدِيٌّ وَسَمِّ وَعِبَارَةُ الْبَصْرِيِّ أَيْ الْمَوْجُودُ فِي عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي فِي عِبَارَتِهِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي نَفْيِ الْحِلِّ وَنَفْيِ الْجَوَازِ فَتَعْبِيرُهُ بِنَفْيِ الْحِلِّ فِيهِ مَا فِيهِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ) أَيْ لَا يَجُوزُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الشَّارِحُ بِنَفْيِ الْحِلِّ.
(قَوْلُهُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْحُرْمَةِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَكْثَرَ إلَخْ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَكِنْ بِخَفَاءٍ سم
(قَوْلُهُ وَمِنْ الِاشْتِرَاطِ) أَيْ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ الْمِنْهَاجُ سم وَبَصْرِيٌّ زَادَ الْكُرْدِيُّ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مِنْ نَفْيِ الْحِلِّ اهـ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْعِبَارَتَيْنِ) أَيْ عِبَارَةِ الْمَتْنِ أَيْ يُشْتَرَطُ وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ أَيْ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ فِي الْأُولَى ظُهُورُ إفَادَتِهَا عَدَمَ الصِّحَّةِ،
وَفِي الثَّانِيَةِ إفَادَتُهَا الْحُرْمَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ إنْ تَعَاطَى الشَّيْءَ إلَخْ
(قَوْلُهُ رَفْعُ إلَخْ) تَنَازَعَ فِيهِ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ وَقَوْلُهُ لَا يَصِحُّ سم وَكُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ أَوْ إزَالَةُ شَيْءٍ) فِيهِ مَيْلٌ إلَى تَرْجِيحِ حَمْلِ رَفْعِ النَّجَسِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْإِزَالَةِ، وَفِيهِ مِنْ الْإِيهَامِ مَا مَرَّ بَصْرِيٌّ.
(قَوْلُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَمَا عَلَى صُورَتِهِمَا بَصْرِيٌّ عِبَارَةُ سم كَانَ مُرَادُهُ بِالْأَرْبَعَةِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ وَالْمُسْتَقْذَرَ الْمَخْصُوصَ وَالْمَعْنَى الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الْمَحَلُّ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثِ قَوْلُهُ السَّابِقِ إذْ يُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهُ، يُعْتَدُّ بِهَا لِنَحْوِ الصَّلَاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ وَعِبَارَةُ الْكُرْدِيِّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ تَصَانِيفِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْبَعَةِ الْحَدَثُ وَالنَّجَسُ وَطُهْرُ السَّلَسِ وَالطُّهْرُ الْمَسْنُونُ.
وَأَمَّا الْبَوَاقِي مِنْ طُهْرِ الذِّمِّيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَيِّتِ فَدَاخِلَةٌ فِي طُهْرِ السَّلَسِ اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَمْرِهِ تَعَالَى إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ لِقَوْلِهِ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ
فَلَوْ رَفَعَ غَيْرُ الْمَاءِ لَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ وَفِي إزَالَةِ النَّجَسِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَمَا مَرَّ
فَلَوْ كَفَى غَيْرُهُ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَوْلِ وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدِيٌّ وَعِنْدَ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ إلَخْ، وَحُمِلَ الْمَاءُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِ الْأَذْهَانِ إلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ التَّمِيمِيِّ) هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْإِصَابَةِ
وَلِمَا فِي الْقَامُوسِ فَإِنَّهُ قَالَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ وَالثَّانِي يَمَانِيٌّ وَالْأَوَّلُ خَارِجِيٌّ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ وَالثَّانِي هُوَ الصَّحَابِيُّ الْبَائِلُ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى اهـ ع ش
(قَوْلُهُ وَلِمَنْعِ الْقِيَاسِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَمْرِهِ تَعَالَى إلَخْ
(قَوْلُهُ مُسْتَمِرًّا) أَيْ لَا مُنْقَطِعًا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْمَاضِي
(قَوْلُهُ عَنْ عَظَمَتِنَا) أَيْ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ ضَمِيرُ الْعَظَمَةِ
(قَوْلُهُ الْمَعْهُودُ) هُوَ الْأَقْرَبُ كَنْزٌ
(قَوْلُهُ الِانْتِهَاءُ) قَدْ يَتَبَادَرُ انْتِهَاءُ الْإِنْزَالِ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْزَالَ لَمْ يَنْتَهِ بِالسَّحَابِ بَلْ جَاوَزَهُ إلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يُرَادَ انْتِهَاءُ مَحَلِّهِ وَاسْتِقْرَارُهُ الْعُلْوِيُّ
(قَوْلُهُ فِيهِ عُمُومٌ إلَخْ) قَدْ يُشْكِلُ الْعُمُومُ بِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ كُلَّ مَاءٍ طَهُورٍ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمَاءِ الطَّهُورِ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ مَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ السَّمَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لِلِامْتِنَانِ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَبِهَذَا إلَخْ
(قَوْلُهُ إذْ لَا امْتِنَانَ بِالنَّجِسِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الطَّهُورِيَّةَ لَمْ تُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ طَهُورًا لَا يَلْزَمُ الِامْتِنَانُ بِالنَّجِسِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنْظَرُ فِي أَنَّهُ لَا امْتِنَانَ بِالنَّجِسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ) قَدْ يَمْنَعُ لُزُومُ التَّأْكِيدَ إذْ لَمْ يُسْتَفَدْ مَعْنَى الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ بِوَضْعِهِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ
(قَوْلُهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ إلَخْ) فِي دَلَالَتِهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ انْدَفَعَ الِاسْتِدْلَال) قَدْ يَمْنَعُ انْدِفَاعَهُ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ حُمِلَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَهِيَ هُنَا غَيْرُ مُتَنَافِيَةٍ إلَّا مَعْنَى الْمَصْدَرِ لَكِنْ إذَا حُمِلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَافَقَ غَيْرَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَأَصَالَةُ بَعْضِهَا لَا تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ
(قَوْلُهُ وَاخْتِصَاصٌ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ تَعَبُّدِيٌّ خَبَرٌ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا أَكْبَرُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ هَذَا قَوْلُهُ مُسْتَقْذَرٌ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا) ثُمَّ قَوْلُهُ وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِيهِ حَقِيقَةً إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى صَرِيحَانِ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي لِلنَّجِسِ لَكِنْ قَوْلُهُ وَمَا رَاعَاهُ هُوَ مَجَازٌ يَقْتَضِي حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ) أَقُولُ النَّجَاسَةُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ تَكُونُ حُكْمِيَّةً وَلَا يَرْفَعُهَا إلَّا الْمَاءُ فَيَرِدُ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْحُكْمِيَّةَ أَصْلُهَا عَيْنِيَّةٌ فَيَشْمَلُهَا قَوْلُهُ الْمُلَاقِي لِعَيْنٍ إلَخْ
(قَوْلُهُ حَقِيقَةً) كَانَ الْمُرَادُ اصْطِلَاحِيَّةً فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْ الثَّانِي
(قَوْلُهُ وَكَانَ عُدُولُهُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ وَقَوْلُهُ عَنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ رِعَايَةً
(قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَاكَ مُوهِمٌ إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إرَادَةِ الْمُحَرِّرِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ فَلْيُتَأَمَّلْ وَقَوْلُهُ إذْ يُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ إزَالَةٌ تَكْفِي لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمَاءِ
(قَوْلُهُ وَتَخْصِيصُهُمَا) أَيْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ
(قَوْلُهُ وَالْمَيِّتِ) أَيْ وَطَهُرَ الْمَيِّتُ
(قَوْلُهُ مِنْ نَفْيِ الْحِلِّ) أَيْ الَّذِي هُوَ مَعْنَى عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ
(قَوْلُهُ لَكِنْ بِخَفَاءٍ إلَخْ) قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى دَعْوَى الْخَفَاءِ لِمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَيَيْهِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَضَبَّبَ بَيْنَ قَوْلِهِ لَكِنْ بِخَفَاءٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ
(قَوْلُهُ الِاشْتِرَاطِ) أَيْ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ الْمِنْهَاجُ
(قَوْلُهُ رَفْعٌ أَوْ إزَالَةٌ) تَنَازَعَهُ يَجُوزُ
وَيَصِحُّ مِنْ قَوْلِهِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ
(قَوْلُهُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ) مُرَادُهُ بِالْأَرْبَعَةِ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ وَالْأَكْبَرُ وَالْمُسْتَقْذَرُ الْمَخْصُوصُ وَالْمَعْنَى الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الْمَحَلُّ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثِ قَوْلُهُ السَّابِقُ إذْ يُزِيلُهُ غَيْرُ الْمَاءِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهُ إزَالَةً يُعْتَدُّ بِهَا لِنَحْوِ الصَّلَاةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
كِتَابُ الطَّهَارَةِ] (كِتَابُ) بَيَانِ أَحْكَامِ (الطَّهَارَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ لُغَةً مَعْنَاهُ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ: كَتَبْتُ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَكَتَّبَتْ بَنُو فُلَانٍ: إذَا اجْتَمَعُوا، وَكَتَبَ: إذَا خَطَّ بِالْقَلَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ، فَهُوَ
إمَّا مَصْدَرٌ لَكِنْ لِضَمٍّ مَخْصُوصٍ، أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا دِرْهَمُ ضَرْبِ الْأَمِيرِ: أَيْ مَضْرُوبِهِ أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ بِمَعْنَى الْجَامِعِ لِمَا أُضِيفَ إلَيْهِ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَتْبِ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَزِيدَ يُشْتَقُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ. وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَابِ وَبِالْفَصْلِ أَيْضًا،
فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ قِيلَ: الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا. وَالْبَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ غَالِبًا. وَالْفَصْلُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْبَابِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ غَالِبًا. وَالْبَابُ لُغَةً: مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَالْفَصْلُ لُغَةً هُوَ الْحَاجِزُ، وَالْكِتَابُ هُنَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مُضَافٌ إلَى مَحْذُوفَيْنِ كَمَا قَدَّرْتُهُ،
وَكَذَا كُلُّ كِتَابٍ وَبَابٍ وَفَصْلٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ.
وَإِذَا قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَوْ بَابٍ كَمَا فَعَلْتُ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ بَعْدَ مَا ذُكِرَ اخْتِصَارًا. وَالطَّهَارَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ طَهُرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِالضَّمِّ فِيهِمَا. وَهِيَ: لُغَةً: النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَالْأَنْجَاسِ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ، يُقَالُ: تَطَهَّرَ بِالْمَاءِ، وَهُمْ قَوْمٌ يَتَطَهَّرُونَ: أَيْ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الْعَيْبِ. وَشَرْعًا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى زَوَالِ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَبِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ أَوْ لِإِفَادَةِ بَعْضِ آثَارِهِ كَالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي لَا جَرَمَ.
وَقَدْ عَرَّفَهَا الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ مُدْخِلًا فِيهَا الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ وَنَحْوَهَا بِأَنَّهَا رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا. وَقَوْلُهُ: وَعَلَى صُورَتِهِمَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِمَا فِي مَعْنَاهُمَا مَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا قَالَ: وَقَوْلُنَا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا أَرَدْنَا بِهِ التَّيَمُّمَ وَالْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ، وَتَجْدِيدَ الْوُضُوءِ، وَالْغَسْلَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَمَسْحَ الْأُذُنِ وَالْمَضْمَضَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ نَوَافِلِ الطَّهَارَةِ، وَطَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسَ الْبَوْلِ اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَبِمَا تَقَرَّرَ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِسْمِ الْأَفْعَالِ، وَالرَّفْعُ مِنْ قِسْمِهَا فَلَا تُعَرَّفُ بِهِ، وَبِأَنَّ مَا لَا يَرْفَعُ حَدَثًا وَلَا نَجَسًا لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا يَرْفَعُهُمَا، وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَشْمَلُ الطَّهَارَةَ بِمَعْنَى الزَّوَالِ اهـ.
وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا كَمَا قَالَ الْقَايَاتِيُّ أَنَّ التَّعْرِيفَ بِاعْتِبَارِ وَضْعٍ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ أَفْرَادَ وَضْعٍ آخَرَ. وَقَدَّمَ الْأَصْحَابُ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَالْمُعَامَلَاتِ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا، وَالْمُنَاكَحَةِ عَلَى الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ، وَأَخَّرُوا الْجِنَايَاتِ لِقِلَّةِ وُقُوعِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا. وَالطَّهَارَةُ فِي التَّرْجَمَةِ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالتَّيَمُّمِ الْآتِيَةِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَبَدَأَ بِبَيَانِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَتِهَا مُفْتَتِحًا بِآيَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}[الْفُرْقَانُ] أَيْ مُطَهِّرًا وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُطْلَقِ، وَافْتَتَحَ بِهَذِهِ الْآيَةِ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا بِإِمَامِهِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، إذْ مِنْ عَادَتِهِ إذَا كَانَ فِي الْبَابِ آيَةٌ تَلَاهَا، أَوْ خَبَرٌ رَوَاهُ، أَوْ أَثَرٌ ذَكَرَهُ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ الْبَابِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَاقِي الْأَبْوَابِ اخْتِصَارًا.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ أَصْلًا فِي آلَتِهَا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ آلَةٍ، وَتِلْكَ الْآلَةُ مِنْهَا أَصْلٌ، وَهُوَ الْمَاءُ. وَمِنْهَا بَدَلٌ وَهُوَ غَيْرُهُ كَالتُّرَابِ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمَدْلُولِ فَمَا بَالُهُ عَكَسَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْهُ اسْتِدْلَالًا بَلْ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا كَمَا مَرَّ، وَبِأَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الْمُنْطَبِقَةِ عَلَى غَالِبِ مَسَائِلِ الْبَابِ، وَالدَّلِيلُ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى لِيَنْطَبِقَ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الْأَنْفَالُ] مَعَ أَنَّهُ أَصَرْحُ فِي الدَّلَالَةِ كَمَا قِيلَ؟ . .
أُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُفِيدُ أَنَّ الطَّاهِرَ غَيْرُ الطَّهُورِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}[الْفُرْقَانُ] يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ: وَهُوَ تَعَالَى لَا يَمُنُّ بِنَجَسٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الطَّاهِرُ غَيْرَ الطَّهُورِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ فِي الْآيَةِ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ أَوْ السَّحَابُ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي دَقَائِقِ الرَّوْضَةِ وَلَا مَانِعَ أَنْ يُنَزِّلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْءُ الْحَادِثُ،
وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ. وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ، وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ،
بِخِلَافِ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُهُ،
فَإِنَّ الْمَنْعَ هُوَ الْحُرْمَةُ: وَهِيَ تَرْتَفِعُ ارْتِفَاعًا مُقَيَّدًا بِنَحْوِ التَّيَمُّمِ
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَلَا فَرْقَ فِي الْحَدَثِ بَيْنَ الْأَصْغَرِ - وَهُوَ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ - وَالْمُتَوَسِّطِ - وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ - وَالْأَكْبَرِ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ حَيْضٌ أَوْ نِفَاسٌ (وَ) لِإِزَالَةِ (النَّجَسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْجِيمِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الشَّيْءِ النَّجِسِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا يُسْتَقْذَرُ،
وَفِي الشَّرْعِ مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُخَفَّفِ كَبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ كَبَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ الْكَلْبِ، وَالْمُغَلَّظِ كَبَوْلِ نَحْوِ الْكَلْبِ، وَلِسَائِرِ الطِّهَارَاتِ وَاجِبَةً كَطَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ، وَمَنْدُوبَةً كَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ غَيْرَ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّيَمُّمِ (مَاءٌ مُطْلَقٌ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِالْإِزَالَةِ كَمَا قَدَّرْتُهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّجَسَ لَا يُوصَفُ بِالرَّفْعِ فِي الِاصْطِلَاحِ، لَكِنْ سَهَّلَهُ تَقَدُّمُ الْحَدَثِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الطَّهَارَاتِ كَمَا ذَكَرْتُهُ؛ لِأَنَّ رَفْعَهُمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الطَّهَارَةِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عَلَى عَادَةِ الْمَشَايِخِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأُصُولِ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ هِيَ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالتَّيَمُّمِ الْآتِيَةِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. وَبَدَأَ بِبَيَانِ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَتِهَا مُفْتَتِحًا بِآيَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلُوا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} أَيْ مُطَهِّرًا، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُطْلَقِ (يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ) الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الطَّهَارَةِ (مَاءٌ مُطْلَقٌ وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ) وَإِنْ قُيِّدَ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ كَمَاءِ الْبَحْرِ
بِخِلَافِ مَا لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا كَمَاءِ الْوَرْدِ فَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} إلَخْ وَلَا الْمُنَجَّسَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ: صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءُ. وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْأَذْهَانِ.
فَلَوْ رَفَعَ مَائِعٌ غَيْرُهُ مَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَلَا التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ.
وَيُشْتَرَطُ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا النَّجَسَ كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (هِيَ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ إلَخْ) أَيْ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ الْمَنْدُوبَ، وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهَا مَجَازٌ فِي الْمَنْدُوبِ وَتَقَدَّمَ رَدُّهُ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَقَاصِدُ الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحَ الْخُفِّ لِأَنَّهُ مِنْ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ شُمُولَهَا لِلدَّابِغِ وَنَحْوِهِ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إحَالَةٌ،
وَمَنْ ذَكَرَهُ فِيهَا أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُهُ كَانْقِلَابِ دَمِ الظَّبْيَةِ مِسْكًا وَالْخَمْرِ خَلًّا وَبُلُوغِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قُلَّتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) مِنْ الْمُوجِبَاتِ كَالْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ،
وَمِنْ الْوَسَائِلِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَحَجَرُ الِاسْتِنْجَاءِ وَعَدُّ الِاجْتِهَادِ وَالْأَوَانِي مِنْ الْوَسَائِلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوَسِيلَةِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ) أَيْ الْغَالِبُ أَوْ الْأَكْثَرُ أَوْ الْمَتْبُوعُ لِأَنَّ غَيْرَهُ تَابِعٌ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الشَّطْرِيَّةِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ أَوْ النِّيَابَةِ.
قَوْلُهُ: (مُفْتَتِحًا بِآيَةٍ) أَيْ دَالَّةٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَقَدَّمَهَا، وَشَأْنُ الدَّلِيلِ التَّأْخِيرُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: كَمَا فَعَلُوا، وَحِكْمَتُهُ أَنَّهَا كَالْقَاعِدَةِ وَالضَّابِطُ الَّذِي شَأْنُهُ التَّقْدِيمُ، وَاخْتَارُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى آيَةِ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} لِلنَّصِّ فِيهَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ، وَالسَّمَاءُ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ حَقِيقَةً. وَالسَّحَابُ مَجَازًا أَنَّ الْمَاءَ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا قِطَعًا كِبَارًا عَلَى السَّحَابِ، ثُمَّ يَنْمَاعُ عَلَيْهِ وَيَنْزِلُ مِنْ عُيُونٍ فِيهِ كَالْغِرْبَالِ،
وَقِيلَ: السَّمَاءُ السَّحَابُ حَقِيقَةً، لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَغْتَرِفُ مِنْ الْبَحْرِ الْمِلْحِ كَالسَّفِنْجِ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَى الْعُلُوِّ وَيَنْعَصِرُ فَيَنْزِلُ الْمَاءُ مِنْهُ، وَيَقْصُرُهُ الْهَوَاءُ وَالشَّمْسُ فَيَحْلُو. وَطَهُورًا تَأْكِيدٌ لِأَنَّ الْمَاءَ مُنْصَرِفٌ لِلْفَرْدِ الْكَامِلِ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، وَجَعْلُهُ فِي الْآيَةِ لِلْأَعَمِّ دُونَ الْحَدِيثِ تَحَكُّمٌ، وَذَكَرَ التَّأْكِيدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْعُمُومِ وَكَوْنُ التَّأْسِيسِ أَوْلَى لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ كَذَا قَالُوا: وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ لِلتَّأْسِيسِ، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ بِمَعُونَتِهَا فَتَأَمَّلْ.
وَتَفْسِيرُ الطَّهُورِ بِالْمُطَهِّرِ الْمُرَادِفِ لِلْمُطْلَقِ لِمُنَاسِبَةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ) عَدَلَ إلَيْهِ عَنْ قَوْلِ أَصْلِهِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ فَيُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ،
بِخِلَافِ عَدَمِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَفَادَ الصِّحَّةَ بِهِ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ بِالْمُطْلَقِ الْمُحَرَّمِ كَالْمَاءِ الْمُسَبَّلِ لِلشُّرْبِ، أَوْ أَفَادَ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فِيهِ فَتَأَمَّلْ. وَالْحَدَثُ لُغَةً الشَّيْءُ الْحَادِثُ، وَشَرْعًا هُنَا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَالنَّجَسُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا بِفَتْحِهِمَا مَعًا لُغَةً الشَّيْءُ الْمُبْعَدُ أَوْ الْمُسْتَقْذَرُ، وَشَرْعًا هُنَا وَصْفٌ يَقُومُ بِالْمَحَلِّ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ لَعَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ مَعَ تَوَسُّطِ رُطُوبَةٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي هُوَ) أَيْ الرَّفْعُ الْأَصْلُ إذْ غَيْرُهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ كَالتَّيَمُّمِ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُحِيلٌ كَالدَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ فِي عُرْفِهِمْ، فَيَخْرُجُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَيَدْخُلُ الْمُتَغَيِّرُ بِنَحْوِ مَقَرِّهِ لَا عِنْدَ الرَّائِيِّ لِئَلَّا يَنْعَكِسَ مَا ذَكَرَ، فَشَمِلَ مَا رَشَحَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمُغَلَّى بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّهُ مَاءٌ بِنَاءً عَلَى انْقِلَابِ الْعَنَاصِرِ إلَى بَعْضِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الْحِكْمَةِ، وَلِذَلِكَ يَنْقُصُ الْمَاءُ بِقَدْرِهِ، وَشَمِلَ الزُّلَالَ وَهُوَ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي دَاخِلِ الثَّلْجِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ صَارَ مَاءً، وَشَمِلَ مَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ مِنْ الْخِلْقَةِ، وَشَمِلَ مَاءَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمَالِحُ وَالْمَلِيحُ وَالْمَلَّاحُ، وَشَمِلَ مَا نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ، ثُمَّ مَاءُ زَمْزَمَ، ثُمَّ الْكَوْثَرُ، ثُمَّ نِيلُ مِصْرَ،
ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهَارِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ بِقَوْلِهِ نَظْمًا:
وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَاءٌ قَدْ نَبَعْ ... مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعْ يَلِيهِ مَاءُ زَمْزَمَ فَالْكَوْثَرْ ... فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُرْ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَا يُسَمَّى مَاءً مِنْ جَامِدٍ أَوْ مَائِعٍ، فَذِكْرُ الْمَائِعِ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ مُضِرٌّ أَوْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَبِذَلِكَ خَرَجَ الْخَلُّ وَنَحْوُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ جِنْسٍ.
قَوْلُهُ: (اسْمُ مَاءٍ) هُوَ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْقَيْدَ لِأَنَّهُ اللَّازِمُ، حَيْثُ أُطْلِقَ وَالْمَاءُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ سَيَّالٌ شَفَّافٌ يَتَلَوَّنُ بِلَوْنِ إنَائِهِ، فَهُوَ لَا لَوْنَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (الْأَعْرَابِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصٌ، وَهُوَ أَبُو أَصْلِ الْخَوَارِجِ، كَذَا فِي ابْنِ حَجَرٍ،
وَفِي الْقَامُوسِ أَنَّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ، وَهُوَ مُسْلِمٌ صَحَابِيٌّ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (ذَنُوبًا) أَيْ مَظْرُوفَ ذُنُوبٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلدَّلْوِ الْمُمْتَلِئَةِ مَاءً أَوْ قَرِيبَةِ الِامْتِلَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " مِنْ مَاءٍ ".
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ) فِي الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ أَوْ فِي الْحَدِيثِ بِمَعُونَةِ الْآيَةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا وَجَبَ إلَخْ) لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَاءِ بَعْدَ ذَنُوبٍ الْمُقَيَّدِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ، وَلِئَلَّا يَفُوتَ الِامْتِنَانُ بِهِ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَقَامِ الْمُقْتَضِي لِتَعْظِيمِ الْمِنَّةِ فِيهِ الْمُنْتَفِيَةِ فِي مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَطَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ وَكَغُسْلِ الذِّمِّيَّةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ إذَا غَسَّلَهَا حَلِيلُهَا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَإِنْ قَيَّدَ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْغَرَضُ أَنْ يَصِحَّ الْإِطْلَاقُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ
بِخِلَافِ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا مُقَيَّدًا.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَيُشْتَرَطُ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا فِي غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ) لَوْ
قَالَ: فِي وُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ لَكَانَ أَوْلَى
* * * [كتاب الطهارة] بدأ الشافعي رحمه الله وغيره بهذا الكتاب من العبادات؛ اهتماماً بالأمور الدينية، وتقديماً لها على المصالح الدنيوية،
ولما في (الصحيحين)[خ ٨ - م ١٦] عن عبد الله ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج).
فرتبوها على هذا الترتيب المتين، وقدموا الطهارة؛ لأنها مفتاح الصلاة التي هي عماد الدين.
وهي بالماء أصل، وبالتراب فرع، فقدست أحكام المياه.
ولم يذكروا حكم الشهادتين؛ لأنها مفردة في علم سواه.
واستدل له في (الإحياء) بقوله صلى الله عليه وسلم: (بني الدين على النظافة)، وهو بهذا اللفظ لم يوجد، لكن رواه ابن حبان في (الضعفاء)[٣/ ٥٧]، والطبراني في (الأوسط)[٤٨٩٠] بمعناه بإسناد ضعيف.
والمراد: كتاب أحكام الطهارة.
و (الكتاب) قال الفقهاء: إنه مأخوذ من الكتب، وهو: الضم، يقال: تكتب بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل للخط بالقلم: كتابة؛ لاجتماع الحروف والكلمات.
وسميت الأوراق الجامعة للأحكام ونحوها بذلك؛ لأنها تجمع المسائل والأبواب كما في غالب كتب العراقيين، وتارة يعبر عنها بالفصول كما في غالب كتب الخراسانيين.
وهو اسم مفرد، وجمعه كتب بضم التاء وإسكانها.
وقال الشيخ أبو حيان وغيره: لا يصح أن يكون الكتاب مأخوذاً من الكتب؛ لأن المصدر لا يشتق من المصدر. و (الطهارة) بالفتح: طهارة جسم، وطهارة نفس.
فمن الأول تعالى:{وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}.
وفي في اللغة: مطلق النظافة والنزاهة عن الأقذار،
وفي الشرع: رفع الحدث، وإزالة النجس، وما في معناهما: كالتثليث، والمضمضة، والاستنشاق، والأغسال المسنونة، والوضوء المجدد، وطهارة دائم الحدث، والدبغ، وانقلاب الخمر خلاً، فهذه طهارات شرعية لا ترفع حدثاً ولا تزيل نجساً، لكنها من مجاز التشبيه؛ لأن الوضوء المجدد شبيه بالوضوء الرافع للحدث في صورته،
وكذلك الأغسال المسنونة شبيهة بالغسل الرافع للحدث، والغسلة الثانية والثالثة تشبهان الأولى،
وكذلك التيمم أطلق عليه طهارة؛ لمشابهته الوضوء في إباحته الصلاة.
واستشكل الشيخ التعبير بالرفع، وقال: هذا حد للتطهير لا الطهارة، والطهارة أثره.
قال: والصواب: التعبير بالارتفاع والزوال؛
فإن الطهارة مصدر تطهر، والرفع والإزالة فعل الشخص، والزوال يشمل انقلاب الخمر خلاً؛ لأنه لا فعل فيه.
قال: (قال الله تعالى: {وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} ) . بدأ بالآية تبركاً واقتداء بالشافعي رضي الله عنه،
فإن من عادته إذا كان في الباب آية .. ذكرها، أو سنة .. روها، أو أثر .. حكاه، ثم رتب عليه مسائل الباب،
وكذلك فعل في (المحرر).
و {مَاءً} في الآية: عامة لوقوعها في سياق الامتنان؛ إذ يستحل أن يمتن علينا بغير طاهر، فوجب حمل قوله:{طَهُورًا} على معنى زائد، وهو: التطهير.
ويؤيده أن قوماً قالوا: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، إن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال:(هو الطهارة ماؤه، الحل ميتته)، قال الترمذي [٦٩]: حسن صحيح. وسئل البخاري عنه، فقال: صحيح.
وابتدأ في (المهذب) بقوله تعالى: {ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}، وهذا أصرح في الدلالة.
قال: (يشترط لرفع الحدث والنجس ماء مطلق) .
أما في (الحدث) .. قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}. فأوجب التيمم على من فقد الماء، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره. ونقل ابن المنذر والغزالي فيه الإجماع.
وأما في (النجس) .. فلما روى أبو داوود [٣٦٧]، والترمذي [١٣٨بنحوه]، وابن خزيمة [٢٧٧]، وغيرهم أن أم قيس بنت محصن الأسدية سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب، فقال:((حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر). و (الضلع): العود.
وقال صلى الله عليه وسلم حين بال ذو الخويصرة التميمي في المسجد:(صبوا عليه ذنوباً من ماء).
و (الذنوب) بفتح الذال المعجمة: الدلو.
والمأمور لا يخرج عن الأمر إلا بالامتثال، فنص على الماء، وذلك
إما تعبد لا يعقل معناه كما قاله الإمام، أو يعقل كما اختاه الغزالي، وهو: ما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره. و (الشرط) في اللغة: العلامة،
وفي الاصطلاح: ما لا بد منه.
و (الحدث) في اللغة: وجود الشيء بعد أن لم يكن. وسمى سيبويه المصدر حدثاً؛ لحدوثه وكسره على أحداث.
وفي الشرع: دنس يقوم بالأعضاء. وهو: ينقسم إلى أكبر وأصغر،
وإذا أطلق .. فالمراد الأصغر غالباً.
و (النجس) بفتح النون والجيم في اللغة: الشيء المبعد، قال الله تعالى:{إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} أي: مبعدون.
وفي الشرع: العين المتصفة بالنجاسة.
ولو عبر بإزالة النجاسة .. كان أولى؛ لأن النجس لا يوصف بالرفع في الاصطلاح.
وشملت عبارته الأرض التي أصابتها نجاسة وذهب أثرها بالشمس والريح،
وكذلك أسفل الخف إذا أصابته نجاسة فدلكها بالأرض.
وفي القديم: يطهران بذلك.
وخرج بقوله:(ماء) التيمم؛ فإنه مبيح لا رفع، وآلة الدبغ؛ فإنها محيلة لا مزيلة.
ولكن يرد على مفهومه: ما تقدم من طهارة دائم الحدث كالمستحاضة، والمضمضة، والاستنشاق، والتثليث، والوضوء المجدد، والأغسال المسنونة، وغسل الميت، والذمية والمجنونة للحل الزوج بها؛ فإنها طهارات لا ترفع الحدث.
ويشترط لها الماء المطلق، فلو قال: يشترط لرفع الحدث ونحوه .. لخف الإيراد.
وقال في (الدقائق): إن لفظة (الاشتراط) أولى من قول (المحرر): لا يجوز؛ لأنه لا يلزم من التحريم الاشتراط، وهو قد أجاب عن هذا في (شرح المهذب) و (نكت التنبيه) بأنهم يستعملون لفظ الجواز بمعنى الحل، وبمعنى الصحة. و (الماء): معروف، وحكى بعضهم: اسقني ما بالقصر، وهمزته منقلبة عن هاء؛ بدلالة ضروب تصاريفه. والنسب إليه: مائي وماوي وماهي، والجمع: أمواه ومياه.
ومن عجيب لطف الله تعالى: أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل، أو معالجة حتى يصلح للأكل، إلا الماء فإن الله تعالى أكثر منه، ولم يحوج إلى معالجته؛ لعموم الحاجة إليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.