وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل.
Its commentaries
(وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت) الشمس، أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما ويعمل بالأصل في بقائه وذهابه، (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل) لعدم نقله عنه، وعن أصحابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر وهبوب الرياح والصواعق،
وأما الزلزلة، وهي رجفة الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت لفعل ابن عباس، رواه سعيد والبيهقي وروى الشافعي عن علي نحوه،
وقال: لو ثبت هذا الحديث لقلنا به
الشمس أو طلع الفجر (والقمر خاسف) لم يصل أي أو طلعت الشمس والقمر خاسف لم يصل، قولاً واحدًا، أو طلع الفجر والقمر خاسف لم يصل، قدمه القاضي وغيره، أشبه ما إذا طلعت الشمس وهو خاسف.
لم يصل . لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما وزال التخويف، وانعدمت العلة التي لأجلها شرعت الصلاة، وصوابه إفراد الضمير لما تقدم.
وقال غير واحد: لأن القمر آية الليل، وقد ذهب الليل.
الأرض واضطرابها وعدم سكونها فيصلى لها إن دامت أي الزلزلة وسببها والله أعلم جولان الرياح في الأرض، ودخولها في تجاويفها، وتحدث فيها الأبخرة وتطلب منفذًا ويتعذر فيأذن الله لها في التنفس، فتحدث فيها الزلازل العظام، ويحدث من ذلك الخوف للعباد، والخشية والإنابة، والإقلاع عن المعاصي، والتضرع إلى الله، والندم، حتى قال بعض السلف: إن ربكم يستعتبكم وربما تنخسف منها قطعة، وتهوي في باطن الأرض،
فإن لم تدم الزلزلة لم يصل لها.
إن دامت لفعل ابن عباس رواه سعيد والبيهقي في سننه، وابن جرير عن عبد الله بن الحارث رضي الله عنهما.
«وإن غابت الشمس كاسفة»، إذا غابت الشمس كاسفة، فإنه لا يصلى؛ لأنها لما غابت ذهب سلطانها، وكونها كاسفة أو غير كاسفة بالنسبة لنا حين غابت لا يؤثر شيئاً، فلما زال سلطانها سقطت المطالبة بالصلاة لكسوفها.
مسائل:
الأولى: إذا كسفت في آخر النهار، فلا يصلى الكسوف بناء على أنها سنّة،
وأن ذوات الأسباب لا تفعل في وقت النهي وهذا هو المذهب.
ولكن الصحيح في هذه المسألة: أنه يصلى للكسوف بعد العصر، أي: لو كسفت الشمس بعد العصر فإننا نصلي؛ لعموم قوله ﷺ :«إذا رأيتم ذلك فصلوا»، فيشمل كل وقت.
فإن قال قائل: عموم قوله ﷺ: «لا صلاة بعد العصر» يشمل كل صلاة، فعندنا الآن عمومان، وهما: عموم النهي عن كل صلاة في زمن معين وهو العصر مثلاً، وعموم الأمر بصلاة الكسوف في كل وقت، ومثل هذا يسمى العام والخاص من وجه، فأيهما نقدم عموم النهي أو عموم الأمر؟ إذا قلنا: نقدم عموم الأمر، قيل: بل عموم النهي؛ لأنه أحوط، لأنك تقع في معصية.
وذكر شيخ الإسلام قاعدة قال:(إذا كان أحد العمومين مخصصاً،
فإن عمومه يضعف). أي: إذا دخله التخصيص صار ضعيفاً، فيقدم عليه العام الذي لم يخصص؛ لأن عمومه محفوظ، وعموم الأول الذي دخله التخصيص غير محفوظ، وهذا الذي قاله صحيح.
بل إن بعض العلماء رحمهم الله قال: إن العام إذا خصّص صارت دلالتُهُ على العموم ذاتَ احتمال، فأي فرد من أفراد العموم يستطيع الخصم أن يقول: يحتمل أنه غير مراد، كما خصّص في هذه المسألة التي وقع فيها التخصيص.
لكن الراجح: أن العام إذا خصص يبقى عاماً إلا في المسألة التي خصّص فيها فقط.
فحديث الأمر بالصلاة عند رؤية الكسوف لم يخصّص، وحديث الصلاة بعد العصر مخصّص بقول النبي عليه الصلاة والسلام : «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» .
فإن الرسول ﷺ ذكر هذا للرجلين اللذين تخلفا عن صلاة الفجر، ولا صلاة بعد صلاة الفجر.
كذلك أيضاً مخصّص بركعتي الطواف،
فإن الإنسان إذا طاف ولو بعد العصر يسنّ أن يصلي ركعتين.
ومخصّص بقضاء الفريضة إذا نسيها،
فمن نام عن صلاة أو نسيها، وذكرها ولو بعد العصر فإنه يصليها.
فعموم النهي إذاً مخصّص بعدة مخصّصات، فيكون عمومه ضعيفاً، ويقدم حديث الأمر،
ومن ثمَّ صار القول الراجح في هذه المسألة: أن كل صلاة لها سبب تصلى حيث وجد سببها،
ولو في أوقات النهي، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد.
الثانية: إذا شرع في صلاة الكسوف بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت فهي كما لو تجلى.
الثالثة: إذا طلعت الشمس كاسفة فعلى المذهب لا يصلى إلا إذا ارتفعت قيد رمح،
فإن تجلى قبل أن ترتفع قيد رمح سقطت، وعلى القول الصحيح تصلى مباشرة،
فإذا تجلى قبل زوال وقت النهي أتمها خفيفة.
الرابعة: لو لم نعلم بكسوفها إلا حين غروبها فلا نصلي، ونعلل: بأن سلطانها قد ذهب، فنحن الآن في الليل لا في النهار، وهي آية النهار. أَوْ طَلَعَتْ والقَمَرُ خَاسِفٌ، أَوْ كَانَتْ آيَةٌ غَيْرَ الزَّلْزَلَةِ لَمْ يُصَلِّ. «أو طلعت والقمر خاسف»، هل يمكن أن تطلع والقمر خاسف؟
الجواب: يمكن، ففي نصف الشهر: يكون القمر في الغرب، والشمس في الشرق فربما يكسف بعدما تطلع الشمس، وهذا شيء قد وقع.
فإذا طلعت والقمر خاسف فإنه لا يصلي؛ لأنه ذهب سلطانه فإن سلطان القمر الليل، كما لو غابت الشمس، وهي كاسفة.
مسألة: لو طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى؟
الجواب: قد نقول: إن مفهوم قوله: «أو طلعت والقمر خاسف» إنها تصلى، ولكن المشهور من المذهب أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي.
والصحيح: أنها تصلى إن كان القمر لولا الكسوف لأضاء،
أما إن كان النهار قد انتشر، ولم يبق إلا القليل على طلوعٍ الشمس فهنا قد ذهب سلطانه، والناس لا ينتفعون به، سواء كان كاسفاً أو مبدراً. «أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل»، أي: إذا وُجدت آية تخويف كالصواعق، والرياح الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والحمم، وغير ذلك فإنه لا تصلى صلاة الكسوف إلا الزلزلة، فإنه إذا زلزلت الأرض فإنهم يصلون صلاة الكسوف حتى تتوقف. والمراد بالزلزلة: الزلزلة الدائمة.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال ثلاثة: القول الأول: ما مشى عليه المؤلف أنه لا يصلى لأي آية تخويف إلا الزلزلة.
وحجة هؤلاء أن النبي ﷺ كانت توجد في عهده الرياح العواصف، والأمطار الكثيرة، وغير ذلك مما يكون مخيفاً ولم يصل،
وأما الزلزلة فدليلهم في ذلك أنه روي عن عبد الله بن عباس ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم: أنهما كانا يصليان للزلزلة، فتكون حجة الصلاة في الزلزلة هي فعل الصحابة.
القول الثاني: أنه لا يصلى إلا للشمس والقمر؛ لقوله ﷺ :«فإذا رأيتموهما فصلوا»، ولا يصلى لغيرهما من آيات التخويف.
وما يروى عن ابن عباس أو علي فإنه ـ إن صح ـ اجتهاد في مقابلة ما ورد عن النبي ﷺ من ترك الصلاة للأشياء المُخيفة.
القول الثالث: يصلى لكل آية تخويف.
واستدلوا بما يلي:
١ ـ عموم العلة وهي قوله ﷺ :«إنهما آيتان من آيات الله يخوِّف الله بهما عباده»، قالوا: فكل آية يكون فيها التخويف، فإنه يصلى لها. ٢ ـ أن الكربة التي تحصل في بعض الآيات أشد من الكربة التي تحصل في الكسوف.
٣ ـ أن ما يروى عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهم يدل على أنه لا يقتصر في ذلك على الكسوف وأن كل شيء فيه التخويف فإنه يصلى له.
٤ ـ أن النبي ﷺ :«إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»، أي: إذا كربه وأهمه؛
وإن كان الحديث ضعيفاً لكنه مقتضى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ .
وأما ما ذكر من أن النبي ﷺ كانت توجد في عهده العواصف، وقواصف الرعد،
فإن هذا لا يدل على ما قلنا؛ لأنه قد تكون هذه رياحاً معتادة، والشيء المعتاد لا يخوِّفُ وإن كان شديداً، فمثلاً في أيام الصيف اعتاد الناس أن الرياح تهب بشدة وتكثر، ولا يعدُّون هذا شيئاً مخيفاً.
صحيح أنه أحياناً قد توجد صواعق عظيمة متتابعة تخيف الناس، فهل الصواعق التي وقعت في عهد النبي ﷺ كهذه؟ لا يستطيع أحد أن يثبت أن هناك صواعق في عهد النبي عليه الصلاة والسلام خرجت عن المعتاد، لكن لو وجدت صواعق عظيمة متتابعة،
فإن الناس لا شك سيخافون،
وفي هذه الحال يفزعون إلى ربهم عز وجل بالصلاة.
وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، له قوة عظيمة. وهذا هو الراجح. مسألة: فعلى القول بأنه يصلى لكل آية تخويف، فهل ذلك على سبيل الوجوب كالكسوف؟
الجواب: مقتضى القياس أن ذلك واجب، ولكن لا أظن أن ذلك يكون على سبيل الوجوب.
وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ جَازَ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.