واجتناب ما لا يعنيه.
Its commentaries
(واجتناب ما لا يعنيه) - بفتح الياء - أي يهمه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . ولا بأس أن تزوره زوجته في المسجد وتتحدث معه وتصلح رأسه أو غيره، ما لم يتلذذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر،
ويكره الصمت إلى الليل وإن نذره لم يف به. وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه لاسيما إن كان صائما،
ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره ولا يصح. [
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» من قول أو فعل، والعناية بالشيء شدة الاهتمام به، فما لا تتعلق عنايته به، ولا يكون من قصده ومطلوبه،
فمن حسن إسلامه تركه، وإذا حسن الإسلام، اقتضى ترك ما لا يعنيه كله من المحرمات، والشبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها،
فإن هذا كله لا يعني المسلم، إذا كمل الإسلام، وبلغ إلى درجة الإحسان.
بأْس أَن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدث معه لأن صفية رضي الله عنها زارته صلى الله عليه وسلم، فتحدثت معه.
ما لم يكثر . ويكره الصمت إلى الليل إجماعًا، إلا أنه لا يتكلم إلا بخير، ولأنه ليس من شريعة الإسلام، وظاهر الأخبار تحريمه، حكاه الموفق وغيره، ورأى أبو بكر امرأة لا تتكلم، فقال: تكلمي،
فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. رواه البخاري وقال الشيخ: يحرم إذا تضمن ترك واجب، أو تعبد به عن الكلام المستحب،
ويجب عن الكلام المحرم، ويسن عن المفضول، ويكره عن المستحب.
الصمت إلى الليل وإن نذره لم يف به لحديث علي «لا صمات إلى الليل» رواه أبو داود بسند حسن،
وفي الصحيح، في الذي نذر أن لا يتكلم «مروه فليتكلم» وقال الشافعي: لو نذر الصمت في اعتكافه، ثم تكلم، فلا كفارة عليه.
ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، لأنه استعمال له في غير ما هو له، كقوله لمن جاء: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} ،
وقال الشيخ: إن قرأ به عند الحكم الذي أنزل له، أو ما يناسبه فحسن، كقوله لمن دعاه لذنب تاب منه (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) وقوله عندما أهمه {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} وقال النووي - عند حديث الشفاعة - وفيه:
وقال {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} : فيه جواز الاستشهاد بالقرآن في مثل هذا الحديث،
وفي الصحيح مثله من فعله صلى الله عليه وسلم، لما طرق فاطمة وعليا، ثم انصرف وهو يقول {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} ونظائره كثيرة.
البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره، ولا يصح قال الوزير: أجمعوا على أنه ليس للمعتكف أن يتجر ويكتسب بالصنعة على الإطلاق، ومنع منه مالك على الإطلاق في رواية. اهـ. والإجارة كالبيع، وقطع جمع من الأصحاب بالكراهة، وفاقًا لمالك والشافعي، لما روى أحمد، وأبو داود، وغيرهما. «نهى عن البيع والشراء في المسجد» .
وروى الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا «إذا رأيتم من يبيع، أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» وصحت الأخبار بالمنع من إنشاد الضالة، فالبيع في الاعتكاف أولى،
ويكره فيه اليسير كالكثير وفاقًا.
فيه للمعتكف وغيره، ولا يصح . كتاب المناسك الحج أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس، وقواعده، قال الله تعالى {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} أي: ولله على الناس فرض واجب حج البيت، فحرف (علي) للإيجاب، لا سيما إذا ذكر المستحق، واتبعه بقوله (ومن كفر) فسمى تعالى تاركه كافرًا فدل على كفره، وحيث دل على كفره، فقد دل على آكدية ركنيته،
وأما من لم يعتقد وجوبه فهو كافر إجماعًا.
وقال {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} فأذن فيهم الخليل عليه السلام: إن لربكم بيتًا فحجوه. وللترمذي وغيره - وصححه - عن علي مرفوعًا «من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا» .
وورد فيه أحاديث كثيرة (منها) «بني الإسلام على خمس» وذكر الحج، ولأحمد وغيره بسند حسن عن عياش مرفوعًا «إن هذه الأمة لا تزال بخير، ما عظموا هذه الحرمة» يعني الكعبة «حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» .
«واجتناب ما لا يعنيه» يستحب للمعتكف أن يجتنب ما لا يعنيه، أي: ما لا يهمه من قول أو فعل، أو غير ذلك وهذا سنة له، ولغيره، قال النبي ﷺ :«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهذا من حسن إسلام المرء،
ومن حسن أدبه، ومن راحة نفسه أن يدع ما لا يعنيه،
أما كونه يبحث عن شيء لا يعنيه فسوف يتعب.
وكذلك أيضاً إذا كان يتتبع الناس في أمور لا تعنيه،
فإن من حسن إسلام المرء، وأدبه، وراحته أن يدع ما لا يعنيه، ولهذا تجد الرجل السماع، الذي ليس له هم إلا سماع ما يقوله الناس، والاشتغال بقيل وقال، يضيع وقته فيما يضره ولا ينفعه.
مسألة: هل يجوز أن يزور المعتكفَ أحدٌ من أقاربه ويتحدث إليه ساعة من زمان؟
الجواب: نعم؛ لأن صفية بنت حيي زارت النبي ﷺ في معتكفه، وتحدثت إليه ساعة وهو مما يعني الإنسان أن يتحدث إلى أهله؛ لأنه إذا تحدث إليهم أدخل عليهم السرور، وحصل بينهم الألفة، وهذا أمر مقصود للشرع، ولهذا ينبغي ألا يكون الإنسان منا كلاً، يجلس إلى أهله لا يكلمهم، ولا يتحدث إليهم، إن كان طالب علم فكتابه معه،
وإن كان عابداً يقرأ القرآن أو يذكر الله ولا يتكلم، ثم إذا سُئل لماذا لا يتكلم قال:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».
نقول له: النبي ﷺ قال: «فليقل خيراً» والخير
إما أن يكون في ذات الكلام، أو في غيره مما يؤدي إليه الكلام، ولا شك أنك إذا تكلمت مع أهلك، أو مع أصحابك بكلام مباح في الأصل وقصدك إدخال الأنس والسرور عليهم، صار هذا خيراً لغيره، وقد يكون خيراً لذاته أيضاً مثل أن يلقي عليهم مسألة فقهية أو قصة يعتبرون بها، أو نحو ذلك، فالمهم أن تجتنب ما لا يعنيك، ولا شك أن ذلك خير للمعتكف ولغيره. وقد سمعنا أن واحداً من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبداً، لا أتكلم إلا بكلام الله فإذا دخل إلى بيته وأراد من أهله أن يشتروا طعاماً قال: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ .
وقد قال أهل العلم: يحرم جعل القرآن بدلاً من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصة في جواهر الأدب، عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، فقال لهم من حولها: لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن.
نقول: هي زلَّت الآن، فالقرآن لا يجعل بدلاً من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت كما يذكر عن النبي ﷺ أنه كان يخطب فخرج الحسن والحسين يمشيان ويعثران بثياب لهما فنزل فأخذهما،
وقال صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾» فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تماماً لا بأس به.
تم الجزء السادس بحمد الله وتوفيقه ويليه الجزء السابع إن شاء الله وأوله كتاب المناسك الشرح الممتع على زاد المستقنع لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين المجلد السابع دار ابن الجوزي طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ كِتابُ المَنَاسِكِ الحَجُّ والعُمْرَةُ وَاجِبَانِ ....................
المناسك: جمع منسك، والأصل أن المنسك مكان العبادة أو زمانها، ويطلق على التعبد، فهو على هذا يكون مصدراً ميمياً بمعنى التعبد، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أي: متعبداً يتعبدون فيه، وأكثر إطلاق المنسك، أو النسك على الذبيحة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الأنعام]، والفقهاء رحمهم الله جعلوا المنسك ما يتعلق بالحج والعمرة؛ لأن فيهما الهدي والفدية، وهما من النسك الذي بمعنى الذبح.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.