وما أخذ من مال مشرك كجزية وخراج وعشر وما تركوه فزعا وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين.
Its commentaries
(وما تركوه فزعا) منا أو تخلف عن ميت لا وارث له، (وخمس خمس الغنيمة فـ) هو (فيء) سمي بذلك؛ لأنه رجع من المشركين إلى المسلمين، وأصل الفيء الرجوع (يصرف في مصالح المسلمين) ولا يختص بالمقاتلة ويبدأ بالأهم فالأهم من سد بثق وتعزيل نهر وعمل قنطرة ورزق نحو قضاة، ويقسم فاضل بين أحرار المسلمين غنيهم وفقيرهم. [فصل فيمن يصح منه الأمان] فصل
ويصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران ولو قنا أو أنثى بلا ضرر، في عشر سنين فأقل منجزا ومعلقا من إمام لجميع المشركين،
ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم،
ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفا،
ويحرم به قتل ورق وأسر ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى مأمنه.
والهدنة: عقد الإمام أونائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة، وهي لازمة يجوز عقدها لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين ولو بمال منا ضرورة.
ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلما للحاجة وأمره سرا بقتالهم والفرار منهم،
ولو هرب قن فأسلم لم يرد وهو حر، ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال وقود وحد،
ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا،
وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم.
[باب عقد الذمة] وأحكامها الذمة لغة: العهد والضمان والأمان، ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
منا أو تخلف عن ميت لا وارث له مسلمًا كان أو كافرًا، يستخرج جميع ماله، فيصرف في مصالح المسلمين، قال الشيخ وغيره: اتفق المسلمون على أنه من مات ولا وارث له معلوم، فماله يصرف في مصالح المسلمين.
وأصل الفيء الرجوع . (يصرف في مصالح المسلمين) وقاله الشيخ وغيره، قال: وسائر الأموال السلطانية لجميع المصالح اتفاقًا،
وقال: وما اجتمع من بيت المال، ولم يرد إلى أصحابه، فصرفه في مصالح أصحابه والمسلمين، أولى من صرفه فيما لا ينفع أصحابه،
أو فيما يضر قال: ومثله المظالم المجهول أربابها، والواجب على من حصلت بيد أموال، ردها إلى مستحقها،
فإذا تعذر ذلك، فالمجهول كالمعدوم، وقد دل على ذلك قوله في اللقطة «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه» .
وذكر أن من مات لا وارث له، ففي المصالح،
ثم قال: فإن ما لم يعلم بحال، أو لا يقدر عليه بحال، هو في حقنا كالمعدوم، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه، وهذا النوع ونحوه، إنما حرم لتعلق حق الغير به،
فإذا كان الغير معدومًا، أو مجهولاً بالكلية، أو معجوزًا عنه بالكلية سقط حق تعلقه به مطلقا،
. ....................................................... ولا يختص بالمقاتلة، ويبدأ بالأهم فالأهم قاله الشيخ وغيره،
وقال: يبدأ بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، المقاتلة الذين هم للنصرة والجهاد، وهم أولى الناس بالفيء لأنه لا يحصل إلا بهم، حتى قيل: إن مال الفييء مختص بهم،
ولا يجب عطاء إلا لبالغ، عاقل، حر، صحيح يطيق القتال،
ومن مات بعد حلوله، دفع لورثته حقه، وصغار أولاده كفايتهم،
فإذا بلغ ذكرهم أهلا فرض له إن طلب، وإلا ترك، قال عمرك ما أحد منا بأحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله، الرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وغناؤه، والرجل وحاجته.
قال الشيخ: «بلاؤه» هو الذي يجتهد في قتال الأعداء، «وغناؤه» هو الذي يغني عن المسلمين في مصالحهم، كولاة أمورهم، ومعلميهم، وأمثال هؤلاء، والرجل وسابقته، وهو من كان من السابقين الأولين، فإنه كان يفضلهم في العطاء على غيرهم، والرجل وفاقته، فإنه كان يقدم الفقراء على الأغنياء،
وذكر نحوه ثم قال: وإذا عرفت أن العطاء بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في حال المصالح،
وفي الصدقات أيضا، علمت أنه يبدأ بالأهم فالأهم.
بالمقاتلة، ويبدأ بالأهم فالأهم . من سد بثق وهو الخرق في أحد حافتي النهر، وقدم في الإقناع، من سد ثغر، وكفاية أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين.
بالأهم فالأهم . من سد بثق وتعزيل نهر أي تنحية ترابه، وإفرازه عنه إلى جانبيه.
بين أحرار المسلمين، غنيهم وفقيرهم . ......................................................... فصل أي في الأمان ضد الخوف، ذكره الشارح،
والأصل في الأمان قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة،
فمن طلب أمان ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته، ثم يرد إلى مأمنه،
وفي الصحيحين: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم» .
......................................................... فصل ويصح الأمان من مسلم، عاقل، مختار أي يشترط أن يكون الأمان من مسلم، فلا يصح من كافر ولو ذميا، للخبر، عاقل، لا طفل ولا مجنون،
فإن كلامه غير مفيد، مختار، فلا يصح، من مكره عليه،
ويصح من أسير غير مكره، للعموم،
ويصح من هرم، وسفيه، لعموم ما سبق، ولا ينقض الإمام أمان المسلم، إلا أن يخاف خيانة من أعطيه.
سكران ولو قنا أو أنثى . بلا ضرر أي علينا من تأمين الكفار.
أنثى . بلا ضرر في عشر سنين فأقل أي لا أزيد، قال الوزير: اتفقوا على أن الإمام يجوز له مهادنة المشركين عشر سنين فما دونها،
وقال الشيخ وابن القيم: تجوز ما شئنا لقوله: «نقركم ما أقركم الله» واختار الشيخ صحته،
وقال ابن القيم: في غزوة الحديبية جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين،
ويجوز فوقها، للحاجة، والمصلحة الراجحة، كما إذا كان بالمسلمين ضعف، وعدوهم أقوى منهم،
وفي العقد لما زاد عن العشر مصلحة للإسلام، وأخذ ابن القيم من قوله: «نقركم ما شئنا» جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام، إذا استغني عنهم، كما أجلاهم عمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قول قوي، يجوز للمصلحة،
وفي قصة هوازن دليل على أن المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز.
فأقل منجزًا ومعلقًا . من إمام لجميع المشركين ولبعضهم، ولأهل جهة، ومحلة وعدد، وفرد، رجل، أو امرأة لأن ولايته عامة،
ويصح من إمام وأمير لأسير كافر، بعد الاستيلاء عليه، وليس ذلك لآحاد الرعية إلا أن يجيزه الإمام،
وعنه: يصح لآحادهم قطع به في المنتهى لقصة زينب.
لجميع المشركين ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم لعموم ولايته وقتالهم،
وفي حق غيرهم هو كآحاد الرعية.
وأسر . ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله لزمت إجابته لقوله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ} الآية، وتقدم قول الأوزاعي هي إلى يوم القيامة.
ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام، لزم إجابته ليعلم أمر الدين، وما له من الثواب إن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الكفر.
لمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد، لنحو ضعف بالمسلمين أي عن القتال، أو لمشقة الغزو، أو مانع بالطريق، ونحو ذلك، أو في أداء الجزية،
فإن لم تكن حاجة، كظهور المسلمين وقوتهم، لم يصح ذلك.
الجهاد، لنحو ضعف بالمسلمين ولو بمال منا ضرورة لدعاء المصلحة لها، ولا تصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد لمصلحة.
وحد . ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا على الأصح، جزم به في الإقناع، والمنتهى، وغيرهما.
لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم والقتال، فيقول: قد نبذت عهدكم، وصرتم حربا، ونحو ذلك،
لقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم سواء في العلم، قال الوزير: اتفقوا على أنه إذا عوهد المشركون عهدا وفي لهم به، إلا أبا حنيفة، فشرط بقاء المصلحة، واتفقوا على أنه لا يجوز نقضه إلا بعد نبذه في مدة العهد،
ولا يصح نقضه إلا من إمام،
ومتى حارب أهل العهد من هم في ذمة الإمام أو جواره وعهده، صاروا حربا له بذلك، وله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، كما في قصة الفتح، وإنما الإعلام إذا خاف منهم خيانة،
فإذا تحققها صاروا نابذين لعهده،
وأما الذمة فليس له نبذها، لأنها مؤبدة.
قبل الإغارة عليهم . باب عقد الذمة وأحكامها وما يتعلق بذلك، وصيغة عقدها: أقررتكم بالجزية، والاستسلام، أو يبذلون ذلك فيقول لهم: أقررتكم على ذلك، أو نحوهما.
عقد الذمة وأحكامها الذمة لغة العهد، والضمان، والأمان فعله من: أذم يذم، إذا جعل له عهدا، قال صلى الله عليه وسلم «يسعى بذمتهم أدناهم» والفرق بين المعاهد، والمستأمن، والذمي، أن المعاهد هو من أخذ عليه العهد من الكفار، والمستأمن هو من دخل دارنا منهم بأمان، والذمي من استوطن دار الإسلام بتسليم الجزية.
«وما أخذ من مال مشرك» المراد بذلك من لا يدين بالإسلام، سواء كان يهوديّاً، أو نصرانيّاً، أو وثنيّاً، أو غير ذلك، المهم أنه كافر لا يدين بالإسلام. «كجزية» التمثيل بالجزية، وما عطف عليها يدل على أنه أخذ بغير قتال؛ وذلك لأن ما أخذ من مال الكفار بالقتال فهو غنيمة، لكن هذا أخذ بغير قتال.
والجزية هي ما يوضع على أفراد أهل الذمة من يهود ونصارى، وغيرهم على القول الراجح. «وخراج» كذلك ـ أيضاً ـ الخراج وهو المال المضروب على الأرض الخراجية التي غنمت ثم وقفت على المسلمين. «وعشر» العشر يؤخذ من كل كافر اتجر في بلاد الإسلام ،
ثم إن كان حربيّاً أخذنا منه العشر،
وإن كان ذميّاً أخذنا منه نصف العشر، وهو حق للمسلمين وليس هذا بمكس، لأنه إذا اتجر في بلاد المسلمين يكون هو المستفيد،
ويجوز للحربي أن يطلب الأمان؛ ليدخل التجارة إلى بلاد المسلمين ويبيعها ثم يمشي، فنأخذ عليه عشر التجارة بمعنى أنه إذا كان ما معه يساوي عشرة آلاف نأخذ منه ألفاً،
أما إذا دخل بغير أمان فإننا نأخذه هو وماله؛ لأنه حربي.
أما إذا كان ذميّاً فنأخذ منه نصف العشر؛ لأن الذمي له شيء من الحق،
وإن كان مسلماً لا نأخذ شيئاً،
إذاً الناس ثلاثة أقسام:
الأول: الذمي، فهذا نأخذ منه نصف العشر، أي: واحداً من عشرين. الثاني: الحربي، الذي دخل بأمان، ونأخذ منه العشر كاملاً أي: واحداً من عشرة.
الثالث: المسلم، ولا يحل لنا أن نأخذ منه شيئاً؛ لأنه محترم بماله ونفسه. «وما تركوه فزعاً» أي: ما تركه الكفار فزعاً منا، يعني لما علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، فهذه الأموال أخذت بغير قتال فتكون فيئاً؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها فلا تقسم بينهم، بل تكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، كرَزْقِ القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين. «وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين» خمس خمس الغنيمة هو واحد من خمسة وعشرين جزءاً يصرف في الفيء؛
وخمس خمس الغنيمة هو أن الغنيمة إذا غنمت يؤخذ منها الخمس لخمسة أصناف، وتقسم أربعة الأخماس الباقية على الغانمين،
والخمس الذي يؤخذ أولاً يصرف إلى خمس جهات لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ، ولكن كيف يتم صرفه؟.
الجواب: لا بد أن يكون على ما فيه مصلحة للمسلمين، قال شيخ الإسلام في كتاب السياسة الشرعية: لا يجوز أن يُصرف هذا في غير المصالح فضلاً عن أن يعطى المغنِّين والمتمسخرين وما أشبه ذلك؛ لأن هذه منافع محرمة، فلا يجوز أن تبذل الأموال فيها، وإنما تبذل في المصالح،
وهنا أسئلة:
أولاً: هل إصلاح الطرق من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.
ثانياً: هل إقامة السدود على الأودية من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.
ثالثاً: هل غرس الأشجار في مواقف الناس التي يحتاجون إلى الوقوف فيها من المصالح؟ الجواب: نعم من المصالح.
إذاً المصالح عامة، فكل ما فيه مصلحة للمسلمين في دينهم أو دنياهم فإنه يؤخذ من بيت المال،
ولا يجوز أن يصرف هذا الفيء، أعني بيت المال إلا فيما فيه مصلحة للمسلمين،
فأما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يجوز أن يصرف منه قرش واحد؛ لأن هذا من إضاعة المال،
وإذا كان الإنسان منهيّاً عن إضاعة المال الذي يملكه، فكيف بإضاعة المال الذي هو للمسلمين عموماً.
وإذا بذل في محرم صار فيه إثمان:
الأول: اقتطاع جزء من مال المسلمين في غير مصالحهم.
الثاني: أنه صرف في المحرم فهو إعانة على المحرم.
ولهذا نقول: إن مسؤولية من يتولون أموال المسلمين، أشد من مسؤولية من يتولى مال اليتيم، أو مال سفيه، أو مال نفسه؛ لأن هذا يتعلق به جميع حقوق المسلمين، فكل المسلمين لهم حق فيه، ولا يخفى ما جرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يذكره أهل التاريخ، أنه كان رضي الله عنه في إحدى الليالي يمشي في شوارع المدينة يتفقد الناس فوجد ناراً فذهب إليها، وكان معه مولى يُقال له: أسلم، فذهب إلى هذه النار فوجد امرأة عجوزاً عندها صبيان جوعى يصيحون، وقد أوقدت النار تحت قِدر ليس فيه إلا الماء لتسكتهم به، فجاء إليها وقال: ما لك يا أمة الله؟
قالت: هؤلاء صبيان، قال: ما الذي في القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به، الله بيننا وبين عمر ـ كلمة عظيمة ـ، عمر ولاه الله على العباد لا بد أن يسأله الله عن هذه الولاية، فقال لها ـ وهي لا تعلم أنه عمر ـ: ما أدرى عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ولا يدري عنا؟ هذه كلمة أكبر من الأولى.
فذهب مسرعاً رضي الله عنه إلى خزانة الطعام وأخذ كيساً من دقيق، وأخذ ما يقابله من الودك وحمله، فقال له مولاه أسلم: يا أمير المؤمنين أنا أحمله، قال: إنك لو حملته عني لم تحمل عني أوزاري يوم القيامة، ثم خرج به وجعل هو ينفخ في النار حتى إن الدخان يتخلل لحيته، ويصب من الدقيق والودك في هذا القدر حتى طبخ هو بنفسه، خليفة المسلمين من مشرق الأرض إلى مغربها يطبخ بنفسه لهذه العجوز!!
لأنه يطبخ مخلصاً لله بذلك ليبرئ ذمته بهذا، ففعل ثم تنحى ناحية وجلس وقال: والله لا أرجع حتى أرى هؤلاء الصبيان الذين يبكون يتضاحكون، فشبعوا من الطعام وجعلوا يضحكون ويتصارعون، فذهب وقال لها: إذا كان غداً فأتي إلى عمر، وذهب وهي لا تدري من هذا الرجل، قالت: والله إنك لخير لنا من عمر ؛ لأن عمر على زعمها نائم في فراشه، وهذا يتفقد الناس ويأتي إليهم بالطعام، فالمسؤولية عظيمة جداً، نسأل الله تعالى أن يعين ولاة أمورنا على ما فيه خير البلاد والعباد.
يقول صاحب الروض المربع :
«فصل في الأمان والهدنة»
«يصح الأمان من مسلم عاقل مختار غير سكران ولو قِنّاً أو أنثى، بلا ضرر في عشر سنين فأقل، منجَّزاً ومعلقاً، من إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم، ومن كلِّ أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفاً، ويحرم به قتل، ورق، وأسر». «يصح الأمان» الأمان: عبارة عن تأمين الكافر مدة محدودة، أي يؤمن حتى يبيع تجارته ويرجع، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع، وهذا التأمين ليس عقداً بل أمان فقط، ولهذا صح من كل إنسان حتى من امرأة، وحتى من قن، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّنُ مسلماً،
فلو فرضنا أن في البلد طوائف متعددة، نصارى ومشركين، لكنهم باقون في عهد المسلمين، فهؤلاء لا يصح منهم أن يؤمّنوا كافراً يدخل من بلاد الكفر؛ لأنهم لا يُؤْمَنُونَ، فقد يكون بينهم وبين هذا الطالب للأمان اتفاق فيؤمِّنونه حتى يأتي ليأخذ أسرار المسلمين وأحوالهم.
ولا بد أن يكون عاقلاً، وضده المجنون؛ لأن المجنون لا عقل له ولا قصد له.
ومختاراً لا مكرهاً، فلو دخل كافر مسلح، ووجد رجلاً من المسلمين وقال له: أمّنِّي وإلا قتلتك، فأمَّنه مكرهاً، فهذا الأمان لا يصح، ولكن اشترط المؤلف للأمان ألا يكون فيه ضرر على المسلمين،
وأن يكون في عشر سنين فأقل، أي: لا يملك أي إنسان أن يُؤَمِّنَ الكافر أكثر من عشر سنين. «منجَّزاً ومعلَّقاً» منجَّزاً مثل: أمَّنتك.
ومعلَّقاً مثل إذا دخل الشهر الفلاني فأنت في أمان. «من إمام لجميع المشركين» أي: يصح الأمان من إمامٍ لجميع المشركين؛ لأن ولايته عامة، فجاز أن يكون تأمينه عامّاً.
«ومن أمير لأهل بلدة جعل بإزائهم» هذا أقل من عموم المشركين، فأهل البلدة يؤمِّنهم أمير جعل بإزائهم، مثل أن يكون هناك قرية مسلمة وعليها أمير مسلم، وبجانبها قرية كافرة فيؤمِّنها هذا الرجل المسلم.
«ومن كل أحد لقافلة وحصن صغيرين عرفاً» أيُّ واحد من عامة المسلمين يؤمن القافلة الصغيرة والحصن الصغير أو الرجل أو الرجلين وما أشبه ذلك، فإنه جائز.
وما الذي يترتب على الأمان؟.
الجواب: قوله: «ويحرم به» أي: بالأمان. «قتل ورق وأسر» أي: إذا أعطينا الأمان لشخص حرم قتله ورقه وأسره؛ لأنه قد أعطي الأمان، والمسلمون هم أشد الناس وفاءً بالعهود.
ومن طلب الأمان؛ ليسمع كلام الله، ويعرف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يرد إلى مأمنه،
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ، لكن بشرط ألاَّ نخاف أنه قال ذلك احتيالاً ومكراً،
فإن خفنا هذا فإننا لا نؤمنه؛ لأنه يخشى من شره. «والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة» كلامه هنا لا يخالف كلامه الأول، فالكلام الأول إنما هو تأمين فقط، وكلامه هنا عن عقد يكون بين الإمام وبين الكفار كما فعل النبي ﷺ في الحديبية ، واشترط المؤلف بقوله:«عقد الإمام أو نائبه» أن الهدنة لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ومعروف أن الإمام هو الذي له الولاية العامة على كل المسلمين، ولكن هذا فُقد من أزمنة طويلة، وأقر المسلمون الوضع على ما هو عليه، وقالوا: كل إنسان ولي أمرٍ على البلاد التي تحت سيطرته فتجب طاعته، كما ذكره الصنعاني في سبل السلام، وغيره ـ أيضاً ـ من أهل العلم.
«على ترك القتال مدة معلومة» فلا يصح أن يقول: نحن عاهدناكم مدة ألاّ نقاتلكم؛ لأنها مجهولة، فلا بد أن تكون معلومة.
ولو قال: نعقد الهدنة بيننا حتى يكون لنا قدرة على القتال، فلا تصح لأنها غير معلومة.
«ولو طالت لكن بقدر الحاجة»، «لو» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا تجوز الهدنة مع الكفار إلا في عشر سنين فأقل،
أما أكثر من ذلك فلا تجوز والحجة في هذا أن النبي ﷺ سالم قريشاً لمدة عشر سنوات، قالوا: والأصل وجوب قتال وجهاد الكفار، فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بمقدار ما جاءت به السنة، والسنة جاءت بعشر سنوات فلا نزيد،
فإن زاد على هذا بطلت الزيادة.
وقيل: يبطل العقد كله، وهذا مبني على تفريق الصفقة المعروفة في كتاب البيع.
والصفقة إذا باع الإنسان شيئاً يجوز بيعه وشيئاً لا يجوز، هل يبطل البيع في الجميع أو فيما لا يجوز؟.
الجواب: فيما لا يجوز.
مثاله: باع عبداً وحرّاً، أو باع سيارته وسيارة جاره، وجاره لم يوكله، فيصح بيع سيارته دون سيارة جاره.
وقيل: يبطل البيع كله.
والمذهب أنه لا بأس أن تزيد المدة على عشر سنين إذا كان في ذلك حاجة، وتقدير النبي ﷺ المدة بعشر سنين؛ لأنه رأى أن هذا كافٍ،
وأن المسلمين سوف يقوون، وتزيد قوتهم في هذه المدة فيكون تقدير المدة لا لاختصاصها بهذا القدر، ولكن تبعاً للحاجة.
فالمذهب أنها تصح مؤقتة ولو عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر إذا دعت الحاجة لذلك، مثل أن يعرف المسلمون أنهم ضعفاء لا يستطيعون في خلال خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة أن يقابلوا العدو فلهم أن يزيدوا إلى المدة التي تقتضيها الحاجة.
وقال شيخ الإسلام: يجوز عقد الهدنة مطلقاً بدون تحديد إذا كان في ذلك مصلحة، ولكن يكون هذا عقداً جائزاً، بمعنى أن للمسلمين أن ينقضوه إذا رأوا مصلحة في نقضه،
فصارت الأقوال ثلاثة:
القول الأول: لا يجوز أن يعقد السلام أو الهدنة أكثر من عشر سنوات .
القول الثاني: يجوز أكثر لكن يحدد؛ لأن العقد على وجه الإطلاق يعني إبطال الجهاد.
القول الثالث: يجوز مطلقاً بدون تحديد للمصلحة، ولكن هذا القول يجعله عقداً جائزاً، بمعنى أن المسلمين إذا رأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن لا بد أن يُعلموا عدوهم بأننا عقدنا معكم هذه الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاجها،
فإما أن تسلموا، وإما أن نقاتلكم، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو قياس المذهب في أن المرجع في ذلك إلى المصلحة،
ولو زاد على عشر سنين، فما دمتم تقولون: إننا نزيد على عشر السنوات التي حددها الرسول ﷺ في الصلح بينه وبين قريش من أجل المصلحة، فلنقل أيضاً: قد نظن أن المصلحة في عشر سنوات ـ مثلاً ـ أو عشرين سنة، ولكن يتبين أننا نحتاج إلى وقت أطول،
فإذا أطلقناها وصار لنا الحق في أن نقول لهؤلاء القوم: نحن أطلقناها ولم نقيد مدة معينة فإذا لم نقيد مدة معينة، فإنكم لا تلزموننا بشيء، ونقول لهم: هذا إذا قوينا وصار عندنا قدرة نستطيع أن نجبرهم على الإسلام، أو دفع الجزية إن كانوا من أهل الجزية. «وهي لازمة يجوز عقدها للمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين»، «وهي» الضمير يعود على الهدنة، «لازمة»؛ لأنها عهد بيننا وبين الكفار،
وليعلم أن العهد الذي بيننا وبين الكفار له ثلاث حالات كلها في القرآن:
الحال الأولى: أن ينقضوا العهد هم بأنفسهم،
فإذا نقضوا العهد انتقض العهد الذي بيننا وبينهم.
ومثاله: قصة قريش؛ لأن قريشاً نقضوا العهد حين ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي ﷺ، وحينئذ ينتقض العهد،
الحال الثانية: أن يستقيموا لنا ولا نخاف منهم خيانة ولم نر منهم خيانة، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم لهم كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .
الحال الثالثة: أن نخاف منهم نقض العهد، فهنا لا يلزمنا أن نبقى على العهد،
ولا يجوز لنا أن نقاتلهم، بل ننبذ إليهم على سواء،
وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ، أي: انبذ العهد على سواء؛ لتكون أنت وإياهم على سواء في أنه لا عهد بينكم، وهذا هو الإنصاف؛ لأن الدين الإسلامي أقوم الأديان وأعدلها، فما استقاموا لنا فإننا نستقيم لهم،
وإن نقضوا عهدنا فلا عهد لهم،
وإن خفنا منهم ننبذ إليهم على سواء، فنقول: لا عهد بيننا وبينكم، ولا نأتيهم على غرة ونباغتهم؛ لأن الأصل قيام العهد. «تجوز بشرط حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين» وفي وقتنا هذا فينا ضعف؛ لذلك تجوز الهدنة على المذهب بدون تقييد، ولكن لا بد أن تكون المدة معلومة مقيدة.
«ولو بمال منا ضرورة» أي: ولو كان عقد الهدنة بمال، وعقد الهدنة بمال
إما أن يكون منهم، وإما أن يكون منا ولا ثالث لذلك، ويكون منهم إذا كانوا هم الضعفاء فيفرحون أن نأخذ منهم ضريبة مالية وندع جهادهم، ويكون منا إذا كان الضعف فينا، ولهذا قيدها المؤلف بقوله:«لو بمال منا ضرورة» وهذا إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن نعطيهم على الهدنة مالاً أبداً، ولهذا «لما شاور النبي ﷺ سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ على أن يعطي مالاً في مقابلة المصالحة أبوا، وقالوا: لا يمكن يا رسول الله، في الجاهلية لا يقدرون أن يدخلوا المدينة إلا بأمان ليأخذوا التمر، فكيف نعطيهم الآن تمراً من المدينة ؟»
فوافقهم النبي ﷺ.
فقال بعض العلماء: إن عرض النبي ﷺ ذلك يدل على الجواز،
وقال بعض العلماء: إن موافقته للسعدين يدل على المنع،
وأن هذا ذل للمسلمين أن يبذلوا مالاً لعدوهم، ولكن يقال: بذل المال أهون من القتل إذا كان العدو قويّاً، وليس لنا به طاقة إطلاقاً،
فإن بذل شيء من أموالنا أهون من أن يسحقنا العدو نحن وأموالنا، فالمسألة كلها تعود إلى المصلحة ودفع الضرر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
«ويجوز شرط رد رجل جاء منهم مسلماً للحاجة» أي: لو شرط هؤلاء الكفار أنه من جاء منهم مسلماً رددناه إليهم كان ذلك شرطاً جائزاً، لكن إذا دعت الحاجة إليه،
ومن دعاء الحاجة إلى ذلك أن يتوقف الصلح على هذا الشرط،
فإذا توقف الصلح على هذا الشرط، وقالوا: لا نصالحكم إلا بهذا الشرط،
فإن لنا أن نشترطه.
فإن قال قائل: في هذا غضاضة علينا.
قلنا: إن النبي ﷺ فعل ذلك بأمر الله،
فإن قريشاً اشترطوا عليه أن من جاء منهم مسلماً رده عليهم وفعل ذلك، وجعل الله لمن جاء مسلماً ورد إليهم فرجاً، حتى إنهم هم بأنفسهم أرسلوا إلى النبي ﷺ يقولون: امنع الذين جاؤوا وأسلموا وألغ الشرط ففعل، والقصة مع أبي بصير رضي الله عنه؛ لأن أبا بصير جاء مسلماً من قريش فأرسلوا في طلبه رجلين، فما إن وصل المدينة حتى وصل الرجلان، ثم طلبا من النبي ﷺ أن يرد إليهم هذا الرجل الذي جاء مسلماً فرده إليهم حسب الشرط،
ولما كان في أثناء الطريق وجلسوا يتغدون، قال لأحدهم: أرني سيفك هذا فإنه سيف جيد فأراه إياه؛ لأنه قال: هذا الرجل أسير في أيدينا؛ فلما أخذه ضرب به عنقه حتى أطار رأسه، وصاحبه الثاني هرب إلى المدينة وجاء إلى النبي ﷺ فلحقه أبو بصير،
وقال: يا رسول الله إن الله أبرأ ذمتك وأوفى بعهدك ورددتني إليهم، ولكن الله أنجاني منهم، فقال النبي ﷺ :«ويل أمه مِسْعَر حرب لو يجد من ينصره» ففهم أبو بصير رضي الله عنه أن الرسول ﷺ سيرده، فخرج من المدينة وجلس على قاعدة في البحر، وصار إذا مرت به تجارة لقريش أغار عليها وأخذها، فسمع به أناس من أهل مكة من الشبان فخرجوا إليه، فصاروا طائفة، وحينئذ عجزت قريش عنهم، فانتهى الأمر بردهم إلى المدينة ، والحمد لله.
«وأمَرَهُ سرّاً بقتالهم والفرار منهم» أي: نعطيه إياهم، ونقول: إن أمكنك أن تقتل أحداً منهم أو تقاتل فافعل، أو أمكنك أن تفر منهم فافعل، لكن إلى حيث لا يصلون إليك، فلا تأت إلينا، فإنك إن أتيتنا رددناك إليهم.
«ولو هرب قن فأسلم لم يردّ وهو حرّ» أي: هرب عبدٌ مملوك من سيده من الكفار فأسلم لم يرد إليهم خوفاً من أن يرتد إلى الكفر؛ لأنه قن فيأخذه سيده ويكرهه على الكفر فيكفر. «ويؤخذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقَوَد، وحَدّ» الضمير في قوله: «يؤخذون» يعود على المعاهدين الذين بيننا وبينهم عهد،
فلو أخذوا مال مسلم وجب عليهم رده،
ولو قتلوا مسلماً قتلوا إذا أمكن،
ولو قذفوا مسلماً حدُّوا للقذف؛ لأنهم معاهدون.
«ويجوز قتل رهائنهم إن قتلوا رهائننا» أي: لو كان بيننا وبينهم رهائن، وأحياناً يخافون أن ننقض العهد ونحن نخاف أن ينقضوا العهد فنقول: أعطونا رهائن، وهم أيضاً يقولون: أعطونا رهائن، أي: أشخاصاً يكونون عندهم، إذا غدر أحد قُتِل هؤلاء الرهائن،
فإن قتلوا رهائننا فلنا أن نقتل رهائنهم.
فإن قال قائل: كيف نقتل رهائنهم وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؟
قلنا: لأن القوم طائفة واحدة، فجناية واحد منهم جناية من الجميع.
واستفدنا من كلام المؤلف أنه يجوز أن نعطي الكفار رهائن، ولكن بشرط أن يعطونا رهائن،
أما أن نعطيهم رجالنا يقتلونهم متى شاؤوا دون أن يكون لدينا رهائن نقتلهم إذا قتلوا رهائننا، فهذا لا شك أنه لا يجوز، لكن إذا أخذوا منا رهائن فإننا نطلب منهم مقابل ذلك.
«وإن خيف نقض عهدهم أعلمهم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم» دليل ذلك
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ، أي: أنت وهم سواء في أنه لا عهد بينكم،
أما أن تغير عليهم بدون أن تعلمهم فإن هذا لا يجوز؛ لأن الأصل بقاء العهد،
وقد ذكرنا فيما سبق أن المعاهدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من نقض العهد، فهؤلاء انتقض عهدهم ونقاتلهم.
والثاني: من استقام على العهد، فهؤلاء نستقيم على عهدهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ .
والثالث: من خيف منه نقض لعهد، فهذا لا نغير عليه ولا نؤمِّنه، ولكننا نقول له: إن العهد الذي بيننا وبينكم قد نقض،
وإذا انتقض العهد جاز لنا أن نغير عليهم. بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكَامِهَا
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.