وتعتبر عدالة البينة ظاهرا وباطنا
Its commentaries
(وتعتبر عدالة البينة ظاهرا وباطنا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} إلا في عقد نكاح، فتكفي العدالة ظاهرا كما تقدم.
Adds nothing on this mas’ala.
في عقد نكاح فتكفي العدالة ظاهرا، كما تقدم فلا يبطل ولو كانا فاسقين.
Adds nothing on this mas’ala.
«وتعتبر عدالة البينة ظاهراً وباطناً» سبق لنا أنه إذا ادعى شخص على شخص بشيء طولب بالبينة، والبينة في الشرع كل ما أبان الحق وأظهره، ولهذا تسمى الكتب النازلة من السماء بينات؛ لأنها تظهر الحق وتبينه، كذلك ـ أيضاً ـ في باب القسامة في كتاب الجنايات تسمى العداوة الظاهرة لوثاً وبينة، ولهذا يكتفى فيها بيمين المُدَّعِين، لكن البينة في دعوى الأموال رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ، وثبت بالسنة الصحيحة الصريحة أن النبي ﷺ«قضى بالشاهد ويمين المدعي».
فهذه البينة وهي الرجلان، أو الرجل والمرأتان، يعتبر فيها العدالة ظاهراً وباطناً، فظاهراً فيما يظهر للناس، بحيث لا يظهر على الإنسان ريبة، ولا تهمة، كرجل يصلي، ومتستر، وما تجد عليه الكذب،
وأما باطناً أي: في باطن حاله، وأمره الخفي، وهذا لا يعرف إلا بمعاملته معاملةٍ يَخبُر بها المعاملُ باطن هذا الرجل؛ لأنه يوجد كثير من الناس ظاهرهم الاستقامة، لكن عند المعاملة تجدهم ظلمة، غششة، كذبة، يحلفون الأيمان الكاذبة من أجل الدنيا، وهذا كثير، فلا بد من العدالة ظاهراً وباطناً، ولا يكتفى بالظاهر، فهذا دليل من النظر.
وأما الدليل من الأثر فقالوا: إن الأصل في المسلم عدم العدالة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، ولم يقل: أشهدوا اثنين منكم، فتخصيص الشاهدين بذوي العدل، يدل على أن هذا وصف زائد على مطلق الإسلام، فلا بد من ثبوت العدالة؛ لأن عندنا إسلام، وعندنا عدالة، والعدالة وصف زائد على الإسلام، والأصل في الوصف عدمه لا وجوده؛ ولهذا قال أكثر أهل العلم: إن الأصل في المسلم عدم العدالة، وهذا قد نقول: إنه لا شك فيه بالنسبة لحق الآدمي، فلا نستبيح أموال الآدميين إلا بمن عرف بالعدالة ظاهراً وباطناً،
أما فيما يتعلق بحق الله فإنه ينبغي أن يكتفى بالعدالة ظاهراً. وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله اعتبار العدالة ظاهراً في عدة مسائل، منها: ولاية النكاح، والأذان؛ لأن هذا يغلب فيه جانب حق الله،
فلو تقدم لنا إنسان ليكون إماماً،
وظاهره الصلاح، فإننا لا نحتاج أن نقول: لا بد من إقامة بينة على عدالته باطناً، بل تكفي العدالة ظاهراً في حق الله، لكن في حقوق الآدميين المبنية على التحري والمشاحة، نقول: الأصل عدم العدالة حتى يتبين أنه عدل، قال شيخ الإسلام رحمه الله : الأصل في بني آدم الظلم والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ ، والظلم والجهل هما السببان المنافيان للعدالة؛ لأن الإنسان لا يخالف الاستقامة، ولا يخرج عنها، إلا لظلمه، أو لجهله،
فإن كان عالماً وخرج عن حد الاستقامة فهو ظالم،
وإن كان جاهلاً وخرج عن حد الاستقامة فهو جاهل، فالمهم أن المذهب أنه لا بد من عدالة البينة ظاهراً وباطناً، واستدلوا بالنص وبالنظر.
وعن أحمد رواية أن المسلم عدل ما لم تظهر عليه الريبة، وهذه الرواية تومئ إلى أن الأصل في المسلمين العدالة، حتى يتبين ما يجرحهم، ولهذا قال العلماء: إن الخصم إذا جرح الشهود كُلِّف البينة به،
ولو كان الأصل عدم العدالة لكان جرحه لا يحتاج إلى إقامة بينة، لكن سيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله.
ولشيخ الإسلام رحمه الله رأي آخر في الموضوع، يقول: إن العدالة الشرعية التي يشترط فيها فعل الطاعات وترك المحرمات، ليست شرطاً في الشهود، بل من رضيه الناس في الشهادة فهو مقبول الشهادة، ويُفرَّقُ بين التحمل والأداء، فعند التحمل لا نشهد إلا من هو عدل شرعاً وعُرفاً، حتى لا نقع في ورطة فيما بعد، وعند الأداء نقبل من يرضاه الناس،
وإن لم يكن عدلاً في دينه.
فعلى رأي الشيخ تقبل شهادة الرجل المعروف بالغيبة، إذا كان مأموناً في شهادته غير متهم، وعلى المذهب لا تقبل.
وعلى رأي الشيخ تقبل شهادة حالق اللحية إذا كان غير متهمٍ في شهادته، وعلى المذهب لا تقبل.
وعلى رأي الشيخ تقبل شهادة من يأكل بالسوق، في بلد لم تجرِ العادة فيه بالأكل في السوق، وعلى المذهب لا تقبل؛ لأنه خالف المروءة، فخرج عن العدالة.
وعلى كل حال، كلام الشيخ رحمه الله جيد عند الضرورة؛ وإلا ضاعت حقوق كثير من الناس، فاليوم من الذي لا يغتاب أحداً؟! إلا من رحم الله، فالغيبة في الناس كثيرة جداً! حتى في الناس الذين هم أهل خير، ويتقدمون إلى المساجد ويصلون الجمعات، ويتهجدون في الليل، تجدهم يغتابون الناس! فأقول: إن المسألة عظيمة، لو اعتبرنا العدالة التي حددها الفقهاء؛ إذ لا يخلو أحد من الناس من خدش في عدالته.
والحاصل أن العدالة معتبرة ظاهراً وباطناً على المذهب إلا في مسائل محدودة كعقد النكاح والأذان، وعلى القول الثاني العدالة معتبرة ظاهراً فقط إذا لم يكن متهماً في ريبة فلا تقبل شهادته حتى يتبين زوال هذا الاتهام.
وَمَنْ جُهِلَتْ عَدَالَتُهُ سُئِلَ عَنْهُ،
وَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُ عَمِلَ بِهَا،
وَإِنْ جَرَحَ الْخَصْمُ الشُّهُودَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ بِهِ وَأُنْظِرَ لَهُ ثَلَاثاً إِنْ طَلَبَهُ، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُهُ،
فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ حَكَمَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ جَهِلَ حَالَ الْبَيِّنَةِ طَلَبَ مِنَ الْمُدَّعِي تَزْكيَتَهُمْ، ...............
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.